زهير كاظم عبود 

    التنقيب في التأريخ الأيزيدي القديم 

    2006 

********************

حين يكون القاضي اركولوجيا . 

هامش على كتاب الاستاذ زهير كاظم عبود (التنقيب و النبش في التأريخ الأيزيدي القديم ) . 
 

بروفسور د. عبد الاله الصائغ

استاذ الحضارة الشرقأوسطية  في كلية تكساس _ الولايات المتحدة

استاذ تحليل النص في الجامعة العربية المفتوحة بالدانمارك 
 

       تستأثر البحوث الايركولوجية بأهتمام الشارع الشرقأوسطي بسبب من شحة المغامرات العلمية في هذا الميدان الصعب غير المغري ! وإنكفاء المقاييس الأكاديمية بعد ان دوهمت بمخلوقات خرافية الرؤية ترتدي لبوس العلماء وتزعم خلق الفضلاء ! لكن المؤسسة البحثية العلمية التقدمية غير مستعدة للهزيمة بعد ان قطعت البحوث الحضارية  اشواطاً بعيدة وانجزت فتوحات جديدة  عصية على الالغاء !! والأمثلة فوق طاقة الحصر ! وإذا شاعت في سبعينات القرن العشرين نظرية الربط بين البحوث العلمية والتنميتين الاجتماعية والوطنية ! فإن دراسة الباحث الأستاذ زهير كاظم عبود تنحو ذلك النحو وتنهج هذا النهج بما يبوِّؤها منزلة عليَّة بين الجهود النظيرة في الشارع الوطني الثقافي ضمن الهاجس  الأممي المعرفي ! وقد اختار الباحث زهير عبود وهو مفكر قانوني وباحث أكاديمي وناشط وطني,  اختار هذا الزميل الدؤوب مواضيعه الصعبة وفق نظرية الربط بين البحث العلمي وحاجات المجتمع  العراقي في زمن ما بعد السقوط البعثفاشي فلقيت اعماله المطبوعة وبحوثه المنشورة اقبالا منقطع النظير من لدو الشارع العراقي والعربي سواء بسواء  بسبب من التزامها مهيع الانتصاف لحقوق الشعوب العراقية المغدورة وطاقات الطبقات الاجتماعية المهدورة ! ويمكن القول ان الباحـــث الزميل قد حقق نجاحات فذة في مباحثـــه الايركولوجيـــــة ( .. irchaeoiogist : تعني الآثاري والخبير في الحفريات الأثرية ) في اعماق طبقات الحقوق القومية للشعب الكوردي العظيم ، فانتصر الى حقه المشروع في تحقيق مصيره دون وصاية من زيد او فضل من عمرو ! وقد كان كتاب الباحث المنصف زهير عبود حجرا كبيرا في بحيرة ساكنة ! وهو الساعة ينقب وينبش في حضارة الشعب الإيزيدي العريق ليقول اشياء جديدة وجادة دون مواربة او تلكؤ مادامت الغاية العظمى هي تكسير الانغلاقات العنصرية القومانية وتجريف العماءات العقدية الميتافيزيقية وإحلال الحقوق محل العقوق ! لقد ترسمت خطوات زميلي في البحث الأكاديمي ورفيقي في العمل  الوطني الأستاذ زهير كاظم عبود ( التنقيب في التأريخ الأيزيدي القديم ) ! خطوة بخطوة واصغيت لنبضات قلمه الحر نبضة فنبضة فوجدتني قبالة منهج بحثي علمي موسوم بميسم القيمتين الوطنية والانسانية ! فالشعب الايزيدي العظيم هو واحد من الشعوب العراقية العريقة التي استوطنت العراق منذ اغرق العصور وابعدها ! فضربت جذوره في اعمق اعماق التربة العراقية ! والفيتني ازاء حرص المؤلف الشديد على تعميم الفائدة العلمية على طلبة المعرفة وعشاق الحقيقة ! وقف المؤلف  العتيد بجرأة نادرة لكي يفند الأباطيل التي حاقت بالعقيدة الإيزيدية ويجرِّد الأضاليل التي حمت على التركيبة الايزيدية دون وجه حق ! لقد نطق القاضي زهير كاظم عبود بقرار تبرئة الايزيديين من التهم الباطلة التي صبغت شعبنا الايزيدي عنتا وظلما  بما  سوغ للسلطات الظالمة في الماضي  والكتل الظلامية الغاشمة في الحاضر  اضطهاد الايزيديين والتفكير الجدي بتصفيتهم عقديا ووجوديا ! واولئك وهؤلاء نهدوا بتكفير الايزيديين وتخوينهم ومن ثم تهوينهم لجذم  حقوقهم الجليلة وهدم طموحاتهم النبيلة! نطق القاضي العادل فاثبت بالدليل الجامع المانع القاطع ان العقيدة الايزيدية عقيدة توحِّد الخالق سبحانه ، وتؤاخي المخلوق ! والوجود الإيزيدي بالقياس الى القاضي زهير عبود وجود قديم يضرب جذوره الراسخة في اعمق اعماق التاريخ العراقي ويرسم بصمته الواضحة في اعمق اغوار النفس العراقية ! ولم يكن قرار انصاف الشعب الايزيدي قائما على حسن الظن وتطييب الخواطر ولكنه قرار قائم على البرهان العلمي الميداني وناهد بتحليل البراهين والوثائق دون فكرة مسبقة تلوي عنق البحث ! قارن هذا النص للمؤلف  :

       ( ..... كنت قد شاهدت مع كريفي الأيزيدي الأستاذ عمر خضر حمكو في العام 1994 نقوشاً وكتابات أيزيدية على الجدار الخارجي للمعبد المقدس ، وهي بارزة ولافتة للنظر ، غير أن الطبيعة كانت تعمل على أخفاء معالمها وأتلافها لتعرضها للمطر والشمس والتقلبات  المناخية مما يتلفها ويجعلها في طي النسيان ، ولم نكن نحمل جهاز تصوير حينها حيث كانت زيارتنا للمعبد سرية دون علم السلطة التي ربما حكمت علينا بالموت وهي تعلم بأن قاضياً يزور معبد الأيزيدية المقدس الواقع ضمن منطقة كوردستان المحررة .... ) . كما ان المؤلف وهو يزف لنا المعرفة  الموضوعية كثيرا ما يتلبث عند المعلومة الايزيدية عاقدا المقارنات بينها وبين نظائرها لدى الاديان الاخرى ! وربما قادته خطاه وهو يقارن الى اصقاع نائية واسعة وأديان دانية شاسعة نظير ما يلي من تنصيص المؤلف  ( ...  واذا كان الايزيدية يحتفلون بعيد راس السنة كل عام ، والذي يصادف اول يوم اربعاء من نيسان الشرقي ، لكون هذا اليوم في اعتقاداتهم الدينية يوم خلق الملاك طاؤوس ،  مما يوجب نبش العديد من التلال التأريخية لمعرفة المزيد من الحقائق عن هذه الديانة ، فليس اعتباطاً أن ينتشر أتباع الأيزيدية في عدد من البلدان المجاورة للعراق ، مع ان ثمة من يجد أن هذا الأنتشار سببه الأضطهاد الديني والملاحقة وهروب الأيزيدية بأرواحهم من الموت الى تلك المناطق  ،  غير أن أيزيدية لم يزلوا يقيمون في مناطق أرمينيا ( أريفان ) وفي تركيا وسورية ، بل هناك أقوام تتشابه مع ما يعتقد به الأيزيدية في الهند وفي جمهورية الصين ، ولعلهم حقاً من الأيزيدية ،  غير أن التباعد والغربة وعدم وجود ترابط بينهم أدى الى عدم انسجامهم وتطابقهم ، مع أن هناك قواسم مشتركة في بعض العقائد والطقوس والأمر بحاجة الى تحقيق وتدقيق .

يتحدث بابا الأرمن في أرمينيا ( فاسكين الأول ) بتاريخ 11/9/1992 فيقول : أن الأيزيدية في ديارنا موجودون منذ القدم ، وهم من اهل أرمينيا المنسجمين مع بقية الديانات ، ومن المشتهرين بالنزوع نحو الخير ، وعددهم في أرمينيا لايستهان به  ..... ) .وكما يحلق المؤلف زهير عبود في قارات المكان فينقلنا من جبل سنجار الى ارمينيا فالصين فان المؤلف يحلق بنا في قارات الزمان ، فإذا نحن نقايس شيئا من ميتلوجيا الشعب الايزيدي بطقوس ميتالوجية للشعوب التي قطنت حوض وادي الرافدين : الكلدانية والسومرية والبابلية وهو دأب علمي يمتلك جاذبيته الخاصة فيشد المتلقي للمعلومة كما يشد الحاضر بالماضي والعلة العابرة بالمعلول القار قارن مثلا !!  :  ( ...  بالاضافة الى الفوارق الكبيرة في تشكيل صفات الاله تموز لدى البابليين وبين صفات وشكل طاؤوس ملك لدى الأيزيدية .

كما أن أسماء الالهة التي كان يطلقها الأيزيدية عليها ينسجم مع أسماء الالهة السومرية والقديمة ، فالالهة آنو وأنليل ( اله الشمس )  وأنكيدو  ونانا وأنانا وآتو  ، التي تزاحمت فيما بينها ليحل احدها محل الأخر ، كان كل منها  يشير الى معنى معين  في الفكرة الاساسية ،  فانانا سيدة السماء والهة النور   ،   وتمـوز العائد من الموت دليل على عدم فناء الروح التي تعود حتما  ،  كما ان انكيدو صار بشرا حين اكل القمح الذي عده القدماء مقدساً وشاركهم الايزيدية بهذا الاعتقاد  ، وهذا الأمر يدحض الأفتراض الذي يزعم أن الأيزيدية مذهب منحرف أنشق عن اليهودية أو المسيحية أو الأسلام ، وتمسك الأيزيدية بالتناسخ والحلول دليل على أنها كانت تلتزم بهذا الأعتقاد قبل أن تحل كلا الديانتين  ،  وهذا الأعتقاد ربما يخالف العديد من الديانات التي سادت في المجتمعات خلال  القرون الأخيرة  حين حل الدين الأسلامي وماقبله من العقائد التي لاتؤمن بالحلول والتناسخ ، وهذا الأمر يقود للأعتقاد بأن الديانة الأيزيدية كانت تعتقد في عقيدتها على خلاف كبير مع الديانات والعقائد الأخرى ، ويمكن أعتبار  قضية تقديس الشمس في العقيدة الأيزيدية من القضايا التي لم تلتزم بها الأديان المتسلسلة ..... ) !! .

       وكم على كاتب توطئة مثلي ان يدبِّج ويحبِّر ويقارن ويقايس فيطول به المقام ويزيغ عنه المقال ! لذلكم ساستودعكم جهد زميلي الباحث  والقاضي  والمناضل  الأستاذ زهير كاظم عبود واجتهاده فهما كفيلان بالتواشج واياكم ، والتآصر معكم بحيث يغدو قولي من نافلة القول ! اما انت يازميلي الباحث الاستاذ زهير كاظم عبود فانني اشد على يديك الكريمتين وابتهل اليه جلت قدرته ان يبقيك للوطن والقلم والحلم التقدمي نبراسا ومتراسا  لكي نقرأ لك الكثير الجزل فثمة شعوب عراقية اخرى بحاجة الى قلمك الذي أعْتَدُّهُ سلاحا ثقيلا في معركتنا الحاسمة الأخيرة ضد العمى الحضاري بأي الهيآت بدا  وأي اللغات حدا  : الحرص الاجتماعي او الاخلاقي او القومي او الوطني او الديني او المذهبي ! فالعمى جيش واحد وان تعددت خنادقه وتباينت بنادقه ! شعوبنا الكوردية والكلدانية و المندائية و الايزيدية والتركمانية  والفيلية بل وحتى العربية تنتظر منك المزيد من النصف من خلال دأبك الايركولوجي الرائد . 

أ. د. عبد الاله الصائغ

الكاتب الأول في منظمة ادباء بلا حدود ومقرها امريكا الشمالية

30 جون حزيران 2006    
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

    المدخل  
 
 

    ساهمت بتواضع في الكتابة عن الأيزيدية كديانة وكمجتمع ، وأزعم انني أنصفتهم من غبن وحيف لحق بهم ، وكشفت للناس معالم الخير والإنسانية والتوحد في ديانتهم ، وكنت قد وضعت أمامي القيمة الإنسانية لهذه الشريحة التي تعطي ولاتأخذ ، والإنسان الذي حباه الله بمنزلة فريدة بين المخلوقات ، وأكرمه ورزقه من الطيبات  ،  وفضله على كثير من المخلوقات ، ولم يكن لي دافع سوى أستكناه الحقائق المدفونة في المجتمع العراقي ، وحقائق المجتمع العراقي مغيبة بأمر السلطات التي تعاقبت على حكم العراق ، وثمة حقائق ينبغي التعرف عليها وتدقيقها ، ومن هذه الحقائق ما لايعرفها المواطن العراقي ، او يعرف عنها الحقائق المشوهة التي دأبت السلطات البائدة على نشرها وتداولها ، وثمة أديان ومذاهب متعددة في العراق ، يؤمن بها ويعتقد عدد من البشر ، لايمكن بأي حال من الأحوال أن نشطبهم أو نلغيهم من الوجود الأنساني .

    قد أكون أكثر من أصدر كتباً تبحث في الشأن الأيزيدي ، فقد أصدرت كتاب ( لمحات عن اليزيدية 1994، و طاؤوس ملك كبير الملائكة لدى الأيزيدية 2004 ،   و الأيزيدية حقائق وخفايا وأساطير 2005 ، وعدي بن مسافر مجدد الديانة الأيزيدية 2005  ) ، بالإضافة إلى الكتابات المتناثرة التي تخص البحث عن الأيزيدية ، ولم استطع الزعم باني متخصص في الشأن الأيزيدي ، فلم ازل باحثاً متواضعاً أتطلع للمعرفة ، واتعلم من الآخرين ، ويقول ديكارت :  أننا لانكاد نجد شيئا هو من اليقين بحيث لايدع مجالا للمناقشة والجدل .

    وكنت قد أنجزت كتابي (( الأيزيدية ..  خفايا وحقائق وأساطير )) في العام 2004 ودفعته للطبع لدى المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، حيث خرج للنور في العام 2005 ، ومن خلال فصول الكتاب ، لاح لي أن قضايا مهمة بحاجة إلى مساهمة أقلام أخرى في تقليبها ونبش ما خفي منها ، فالأيزيدية أشبه بالتل المطمور تحته العديد من الكنوز والآثار واللقى المهمة في تشكيل الحقيقة وتصويب التأريخ .

    وأزاء التشوية وطمس الحقائق ، ومع ما لحق الأيزيدية ليس فقط الغبن في بلدهم وأراضيهم ، وأنما حتى من المنظمات الدولية والإنسانية التي لم تلتفت لهم ولديانتهم أو لمركزهم المقدس ، مثلما تلقى الأديان الأخرى من رعاية وأهتمام .

    يقول جبران خليل جبران أن الله جعل الحقيقة ذات ابواب عديدة ، يفتحها كل من يطرق باب ومفتاحها الأيمان ، وكان لابد من طرق أحد تلك الأبواب ، وكان لابد من مساهمة متواضعة في تقليب حقائق التاريخ ، وأثارة أسئلة مهمة بقصد الحصول على أستنتاج او قرينة أو جزء من حقيقة ، للمساهمة على الأقل في أثراء الحقائق التاريخية وتصويب ما خفي منها ، وأزاء كل هذا الأيجاز كان لابد من الغور في جذور الديانة الأيزيدية  ، وما تعرضت له من الديانات القديمة التي واكبتها ، والثأثير الذي لحق بها أو تأثرت به تلك الديانات ، ومواضع الأختلاف بينها ، وحقيقة الكتابات الأيزيدية ، والدعوة لأنقاذ تلك الآثار قبل ان تنمحي ويطمس أثرها . والقداسة التي تتحكم في الديانة الأيزيدية ، قداسة النص الذي لم يطالعه الأيزيدي ، وانما تم اعتماد ما يحفظه رجل الدين من نصوص ، وماهي مهمة القوالين الذين اوكلت لهم مهام كانت موجودة منذ فجر التأريخ ؟

    بالإضافة إلى المكان وأهميته في الديانة الأيزيدية ، وما كتبه التاريخ عنهم ، منصفاً أو متجنياً ، بقصد او دون قصد ، وتقليب حقيقة الأيمان لدى الأيزيدي بالرغم من كل المحن التي مرت عليهم ومزقتهم وشردتهم ، وحقيقة الشمس بأعتبارها جزء من الأعجاز الالهي ، وكونها مقدسة لدى الأيزيدية ، ومقارنتها مع تقديس او تبجيل بقية الأديان ، والتعرض لبعض الطقوس الدينية .

    وأعود لأقول أن هذا الكتاب دعوة للتقليب والتبصر في قضايا مهمة لديانة نبتت منذ جذور التأريخ السحيق في هذه الأرض ، ويدين بها أكثر من نصف مليون إنسان في العراق ، ومن الإنصاف ان نتوقف أمام حقائق ديانتهم ، ونستمع لما يريدوا ان تقوله نصوصهم المقدسة وموروثهم الشعبي ، وان كتابة التاريخ لايمكن ان تستقيم ما لم تصاحب تلك الكتابة دراسة للبيئة والحضارة والظروف الاجتماعية وما يتخللها من حوادث التاريخ ، كما يقول ابن خلدون ، وان الناس جميعا ابناء الله ومخلوقاته ، والحقيقة لاتجعل الانسان عظيما ، انما الانسان هو الذي يجعل الحقيقة دوما عظيمة .

    هذه الفصول المتواضعة تشكل دعوة للبحث والنقاش للتوصل إلى نشدان الحقيقة ، وتشترك كل الديانات التي حلت على البشر بالدعوة للسلام والمحبة والحوار .

    لقد منحنا الله الحياة وجعلنا شعوباً وأديان وقبائل ولو شاء لجعلنا أمة واحدة ،  وفي بلد مثل العراق تتعدد الأديان وتكثر المذاهب والفرق ، وتشغل مسألة البحث حيزاً من الثقافة العراقية المتميزة بتنوعها وتطورها ، ونجد ان الحوار والتنقيب والبحث هي السمة المميزة لثقافة الأنسان الباحث عن الحقيقة ، نتمنى ان يساهم كتابنا هذا في اثراء المكتبة الانسانية ، والله الموفق .

    زهير كاظم عبود

    2006