الثالثة: فرضية "المثرنة
    أصحاب هذه الفرضية، يخلصون إلى القول: بأن الإيزيدية هي بقايا الديانة الميثرائية، وطاووسي ملك ـ حسب زعمهم ـ هو رب الأرباب الميثروي/ميثرا نفسه. كلاهما يجسّدان الخيرَ والشرَّ معاً كقوتين إلهيتين في ذاتيهما. فـ "طاووسي ملك" هو الوجه الآخر للألوهة، بل هو الإله/خوه دي ذاته، وإسمٌ من أسمائه، حسبما يورد في التراث وعلم الصدر الإيزيديين. والإله الإيزيدي الواجب عبادته، كما أسلفنا هو الإله الشمولي المطلق الكلي القدرة في خيره وشره، والذي لا حدود في صورته، بين الأبيض والأسود. إن ملامح الإله الأكبر/ميثرا، تتشاكل إلى حدٍّ كبيرٍ مع صورة الإله الإيزيدي هذه (إثنان في واحدٍ) ففي ذات الوقت الذي يُعبد فيه ميثرا كإله للخير والبركة والحياة السعيدة، يُعبد أيضاً على أنه إله للحرب والكوارث. وعلى زعم دُعاة هذه الفرضية، فإن ميثرا يشبه لوكوس القديم (إبن الله، أوالكلام الإلهي) فهو إنبعاث الله وندّه وسلطانه (..) والأمر يشبه إلى حدٍّ كبيرٍ كون "طاووسي ملك" إنبعاثاً من (الله) ومسؤولاً أمامه، ونداً له، لحماية العالم وحفظه حسب إعتقاد الإيزيدية. وقد إنبعث فيه بالتناوب ستةُ آلهة، جميعهم عبارة عن ذاتية واحدة.
    الرابعة: فرضية تموز/البؤرة
    أما دُعاة هذه الفرضية، فيرون أن لفظة طاووس/تاوز/طاوز، مشتقة ومحرّفة من تموز، وتموز هو أسم الإله البابلي المقابل لمرادفه السومري/دوموزي. وأصحاب هذا الرأي، يرون تشابهاً كبيراً على مستوى الدور والوظيفة بين طاووسي ملك في الإيزيدية، وتموز/دوموزي في الديانات السومرية والبابلية: كلاهما يشكّلان مع ذات الإله/الإلهة إقنومين في واحد. ومن المرجّح جداً، أن تكونَ لفظةُ تيئوس THEOS اليونانية، وزيوس ZEOS المسيحية لاحقاً، مشتقة من تموز/تاوز(طاوز)/دوموزي، والتي تفيد على المستويين المورفولوجي والميثولوجي المعنى ذاته، أي رب الأرباب، فتكون بذلك طاووس/تاوز(طاوز)/تيئوس/زيوس، كلها ألفاظٌ متقاربة ومسنودة إلى مرجعية واحدة، هي تموز/دوموزي في كونه البؤرة الإسطورية الأولى. إن هذه الدراسة، تتخذ من الفرضية الأخيرة، أساساً نظرياً لتحرّكها، وستحاول من خلال طرحها لحججها، تقريّ ملامح وجه تموز الإيزيدي، في تخوم محاكاته لـ تموز البؤرة، أي تموز السومري.
    أن أية محاولة لدراسة الطقوس التموزية في الإيزيدية، لابدّ وأن تعبرَ في زمانين، يعتبران الأقدس، والأكثر إشكالاً في تاريخ وميثولوجيا هذه الديانة.
    الزمان الأول: زمان الإحتفاء بعودة السر المقدس/زمان الحضور
    كل شيء يبدو في حضرة هذا الزمان بهيجاً، فرحاً بقدوم ذاك السر من رحلته الشاقة المقدسة. هذا الزمان، هو من الأيام، يوم الأربعاء، ومن الشهور، شهر نيسان، ومن الفصول، فصل الربيع، ويُصادف في الأربعاء الأول من كل نيسان حسب التقويم الشرقي/الكريكوري (تتأخر السنة الشرقية عن السنة الغربية/الميلادية بـ ثلاثة عشر يوما ً)
    الزمان الثاني: زمان إستمطار الحزن على رحيل السر المقدس/زمان الغياب
    وهو زمانٌ كئيبٌ بكل أشيائه، إلى جانب كونه زماناً عنيفاً لرحيل ذاك السر إلى العالم الآخر/عالم الأموات. يمتد هذا الزمان باستمطاره للعنف والكآبة من 23 ـ 30 أيلول، حسب التقويم الشرقي.
    إن هذين الزمانين، يشكّلان في رأيي، إنزياحاً عن زمانين كانا في البدء، هما زمانا إسطورة القمح الميزوبوتامية وأسفاره بين الموت والحياة، كميتٍ حيٍّ حيناً، وحيٍّ ميتٍ حيناً آخر. )) ( 14 )
    وللسيد عبد الرزاق الحسني رأياً آخر يذكره في كتابه عن اليزيدية ( عقائد اليزيدية ) بالصفحة 289 فيقول :
    ((السنجق)) كلمة تركية معناها العلم أو الراية، وعند اليزيدية تطلق على تمثال من الشبه بصورة طاووس، يسمونه ((طاووس ملك)) ويرمزون به إلى معبودهم ((الشيطان)) وكانت لديهم سبعة سناجق ((طواويس)) لم يبق منها غير واحد. وهذا يحفظ عادة في ((خزينة الرحمن)) في بيت الامارة في قرية باعذارا من قرى قضاء الشيخان بلواء الموصل، ويُعطى بالالتزام إلى جماعة من المؤمنين يسمونهم ((القوّالين)) أي كثيرى القول، فيطوفون به بين قرى اليزيدية ثلاث مرات في كل سنة لجمع الصدقات، ويوقدون حوله الشموع عند مبيته في أحد البيوت، حيث يطوف الاهلون حوله بخشوع واحترام، ويقدمون إليه الهدايا والنذور كل حسب طاقته، فإذا تمّت الزيارة فصّلوا التمثال قطعاً ووضعوه في كيس خاص يسمونه ((هگبه)) وانتقلوا إلى قرية أخرى فيجرى فيها ما جرى في غيرها. )
    يقول الكاتب  السيد القمني في مقاله له منشورة على الأنترنيت بعنوان (  العقائد والتعدد والأسلاف  ) :
    (( اما الطوطمية ، التي تعتقد بوجود صلة لأفراد القبيلة بحيوان ما مقدس ، فتظهر في سميات قبائل البشر ، مثل (  أسد، فهد، يربوع ، ضبة ، كلب ، ظبيان ... الخ ). لذلك كانوا يحرمون لمس الطوطم أو حتى التلفظ باسمه ، لذلك كانوا يكنون عنه ، فالملدوغ يقولون عنه السليم ، والنعامة يكني عنها المحلى ، والأسد أبي حارث ، والثعلب ابن آوى، والضبع أم عامر، وهكذا. هذا اضافة الى تقديس الأشجار، مثل ذات انواط التي كانوا يعظمونها، ويأتونها كل سنة فيذبحون عندها ويعلقون عليها اسلحتهم وارديتهم . ))

    وكنا قد ذكرنا سابقاً عدم ايمان الأيزيدية بالطوطمية ، لأنهم لايجسدون الحيوان أو النبات بأعتباره يمثل أصل الحياة في المعتقد ، بسبب إعتقادهم برسوخ أن الله الواحد الأحد هو الأصل والخالق الأزل ، وأن كل المخلوقات لايمكن ان تشكل طواطم ، مع أن السلوك الأنساني القديم كان يجسد مظهراً من مظاهر الطوطمية في العبادات القديمة ، الا أنه لايوجد مايشير الى إعتماد جزء من فكرة الطوطمية في العبادة الأيزيدية .

    ويورد الكاتب عباس محمود العقاد في كتابه ( ابليس ) أنه لم يدخل في مدلولات اللغة ما هو أشهر ولاأدل من أسماء أبليس ولوسيفر وبعلزبول ومفستوفليس وعزازيل ، غير أن الكاتب العقاد مع عدم معرفته بالأيزيدية كمجتمع ودين  يعتمد على مايرويه الثقات حسبما يذكر في الصفحة 111 من كتابه المذكور ، حيث يقول :

    (( ان النحلة اليزيدية التي تقيم في شمال العراق وينتمي ابناؤها جميعا إلى الكرد ولايعرف احد على التحقيق سبب تسميتهم باليزيدية ، ولايعول على اقوال احد علمائهم او جهلائهم لانهم يحرمون التعليم على عامتهم ، ويجعلونه وقفا على اسرة منهم تتولى الكهانة وأمانة الأسرار في هذه الديانة ، فمن كان منهم عالما بتلك الأسرار فهو لايبوح بها ،  ومن كان من جهلائهم وعامتهم فهو يتلقى ما يسمعه ويؤذن له بعلمه ، وجميعهم مع ذلك يتوارثون التقاليد ولايفقهون خباياها سواء منهم من أباحوا له العلم أو حرموه عليه ..... وليس في ما رواه الثقات عنهم ما يثبت عبادتهم لطاؤوس ملك ، فالذين سمعوا انهم يعبدون ( طاؤوس ملك ) الذي أخرج آدم من الجنة ، قد وحدوا بين هذا الملك وبين أله الشر وحسبوهم من النحل الشيطانية التي تعبده عبادة الأرباب .. ويرى العقاد انه لايرى نحله تعبد اله الشر بالمعنى المفهوم من العبادة ، وهو الحب والتنزيه والتسليم ، وانما يقصدون بتلك المراسم التي يسمونها العبادة أن يزدلفوا اليه بالترضية والمداراة ، وأن يتقوا منه الشر الذي لايقيهم منه رب سواه ، لأنه موكل بحكم الأرض إلى اليوم المعلوم . )) ( 15 )

    ومن خلال تلك الرؤية التي يطرحها العقاد نستطيع ان نتلمس وجهة النظر ، التي تقول ان الأيزيدية يمارسون العبادة وممارسة تلك الطقوس أتقاء وترضية لأبليس ، مع ان الأيزيدية في الحقيقة يختلفون مع العقاد في أعتقادهم بالله وبقدرة الاله الكبير على كل شيء ، ومن ثم قدرة الاله الكبير حتى على الملائكة ورئيسهم المكلفين بأدارة شؤون الدنيا .

    ويقول المستشرق الفرنسي الموسيو ( ف . نو ) صاحب كتاب النصوص والبراهين على الملة اليزيدية ، إلى أن كلمة ( طاووس ملك ) محرفة من ( ثيؤس ) التي تفيد الأله باليونانية ، زيد عليها ملك فأصبحت ( طاؤوس ملك ) أي الملك الأله ( ص 17 ) ، وبعد أن ذكر ( ص 26 و 27 ) أن طاؤوس ملك هو الاله السامي الذي كان  قبل الموجودات ، وهو لانهاية له ، ويسود الخلائق ، وهو موجود في كل مكان .
    الا أن السيد صديق الدملوجي الذي ذكر المعلومة المذكورة نقلاً عن المستشرق الفرنسي ، يقع في الخطأ نفسه الذي وقع فيه العديد من الكتاب ، حين وصف طاووس ملك بأنه رمز الشر الذي اتخذه الأيزيدية ، دون ان يجد سبباً واحداً يدعو الأيزيدية لعبادة الشر أو يدفعهم للتمسك بهذه الظاهرة كل هذا الزمن الطويل ، ودون أن يجد منطق يدعمه لمثل هذا الأعتقاد ، والتاريخ سجل ثابت على مسيرة الأيزيدية وتصوفهم وتقوقعهم وعدم اعتدائهم على الأديان المجاورة أو أفترائهم عليهم ونزوعهم للبساطة والعمل والخير ، بالأضافة الى أن الديانة الأيزيدية تحث على الخير والمحبة وتدعو أتباعها الأبتعاد عن كل مايمت للشر والأفعال التي تحدث ضرراً للأنسان ، مما يتعارض مع الفكرة التي تقول أن الايزيدية من العبادات التي تحترم الشر وتخضع اليه ، ويكفي أن الديانة الأيزيدية من الديانات التي لاتقبل التبشـير ولاتقبل أنتماء احد اليها من خارج دينها ، ومع هذا الأمر تجد صلابة الأنتماء وقوة البقاء وحجم التضحيات فيها ، بالأضافة إلى ماعرف عن الأيزيدية من مجتمع فقير وبسيط    ومدفوع بمحبة الغير والدعاء للناس الأغيار قبل أن يكون الدعاء لأنفسهم .
    أن الأيزيدية لاتعبد الطاووس ملك بالنظر لأقرارهم بوحدانية الله أولاً ، ولم يصدر عنهم مايشير إلى أعتقادهم كون الملاك الذي يسمونه بالطاووس ملك هو تجسيد إلى صورة الله جل وعلى ، أذ ان في الأمر تناقض واضح وصريح ، ومما يفند هذه المزاعم والقصص ماورد بالنصوص الواردة في الجلوة ومصحف رش والتي تشير وتوضح أن الله العلي هو الذي خلق الحياة وهو الذي خلق الملائكة بما فيهم كبيرهم ( طاووس الملائكة ) .
    بالأضافة إلى ذلك فأن الأيزيدية تقدس الشمس والقمر بأعتبارهما جزء من النور الألهي مثلما تقدس طاووس ملك بأعتباره من المقربين الى الله ، فالتقديس ليس بسب الأبهار والأعجاز الصادر منهما في تشكيل أســس الحياة البشرية والطبيعية ، وانما كون هذه الظواهر مقدسة لأنها جزء من الذات الألهية ومن الأرادة الخالدة في الخليقة .

    اننا سندرك من خلال التباين والتنوع الكامن في أسس هذه الديانة التي تحمل معها أسرارها وديمومتها ، الصراع الذي تواجهه مع العقائد والمصالح والعقليات الدينية المتطرفة المختلفة ، مما يوجب علينا أن نتابع ليس فقط علاقتها بالظواهر الطبيعية أو المقدسات ، وإنما صراعها الفكري الداخلي أو الخارجي حتى نجد مقياساً او أطارا عاما يبلور أحكام التقييم بهذا الصدد .

    أن طاووس ملك في الأعتقاد الأيزيدي لايصل إلى قدسية الله ، الا انه من الملائكة المقدسة بل هو كبير الملائكة وطاؤوسهم ، وهذا الأمر لم يكن زعماً أو دفعا من الأيزيدية ، وانما لم يختلف عليه احد من المؤرخين وأتفقت  عليه جميع كتب التاريخ  والميثولوجيا دون أستثناء  .
    وهناك من يذكر أن طاووس الملائكة هو ( جبرائيل ) الأمين ، وهو أمين الوحي ويقال له الروح الأمين والناموس الأكبر . ( 16 )

    والحقيقة أن الملاك جبرائيل هو غير الملاك عزازيل ، حيث أن الأخير هو رئيس الملائكة حسب المعتقد الأيزيدي ، بينما يكون الملاك جبرائيل المسؤول عن الايحاء والوسيط بين الخالق والأنبياء والرسل ، وتختلف مهمة كل منهما عن الآخر .

    في حين يعتبر بعض الكتاب فكرة تقديس الطاووس ملك هي فكرة صوفية دخلها الغلو حتى اتخذه الأيزيدية الأله المتسلط على الألهة . ( 17 ) .

     و ورد أسم عزازيل  في التوراة العبرية ( اللاويين 16: 8 و10 و26. ) ولكنهم اتخذوا قصة خروجه من الزرداشتية .

    أن حصر فكرة الطاووس ملك بالصوفية لايجد تبريراً منطقياً أذا أسلمنا أن   تسمية الطاووس ملك قديمة قبل أن تتشكل الصوفية ، وأن التسمية أجمع عليها اغلب الذين بحثوا في تاريخ الأيزيدية لأنها عريقة وموغلة في القدم ، لذا فأن إلحاق فكرة الطاووس ملك بالصوفية يجعل الفكرة تعاكس المنطق ، يمكن أن تكون الصوفية من أعتقد بفكرة الطاووس التي كانت موجودة قبلهم ، لأن فكرة الصوفية بالأساس ارتبطت بمعنى التقشف والتصوف في الأسلام .
    غير أن الكاتب السيد سعيد الديوه جي يعود ليذكر بان الأيزيدية في الوقت الحاضر مع اعتقادهم بتعدد الألهة وأن طاووس ملك رئيس الالهة ، فانهم يعترفون بان الله هو الخالق ، وبهذا يقطع السيد الديوه جي مع من يقول بتوحيدهم لله ، غير انه يعود إلى إتهامهم بإنهم أشركوا مع الله عبادة الطاووس ، وأن له ادارة العالم في الوقت الحاضر ، وهذه وجهة نظر قابلة للتقليب والنقاش معه .
    ويستمر السيد الديوه جي  فيقول :
    (( ويرون أن طاووس ملك له سلطة مطلقة على العالم ، وانه يفعل مالا يقدر عليه غيره من الآلهة ، حتى ولو كان خلافاً لأمر الله عز وجل ويروون حكايات ... ))
    وحسب السيد الديوه جي فأن الأيزيدية يقولون أن حروف الطاووس ترمز  :
    الطاء : الطاعة للرؤساء الأيزيديين .
    الالف : للألفة  بين الأيزيديين .
    الواو : للود بين الأيزيديين .
    السين : للتسليم إلى الرؤساء في أمور الدين والدنيا . ( 18)
    لاشك ان الأديان السماوية ( اليهودية والمسيحية والاسلامية والصابئة المندائية ) كانت قد حددت في جوانب نصوصها المقدسة فكرتي الخير والشر ، والمتمعن في قصة آدم وحواء وخروجهما من الجنة بسبب أغوائهما من قبل الشيطان بأكل التفاحة تكاد ان تكون متطابقة في السرد او المعنى في جميع الأديان ، والتي تعبر أيضاً عن فكرة أغواء الشر للإنسان .
    أن السور التي وردت في القرآن لها معالجة خاصة في هذا الأمر .
     ففي الآية 33 من سورة البقرة (( وأذ قلنا للملائكة أسجدوا لأدم فسجدوا الا ابليس أبى وأستكبر وكان من الكافرين * وقلنا يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغداً حيث شئتما ولاتقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين  *  فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا أهبطـــوا بعض لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتع إلى حين )) ، وفي سورة الأعراف الآية 10 ومابعدها :
    (( ولقد خلقنكم ثم صورنكم ثم قلنا للملائكة أسجدوا لأدم فسجدوا الا أبليس لم يكن من الساجدين * قال ما منعك الا تسجد أذ امرتك قال انا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين * قال اهبط منها فما يكون لك ان تتكبر فيها فأخرج انك من الصاغرين * قال أنظرني إلى يوم يبعثون * قال أنك من المنظرين )) .
    وورد في الميزان في تفسير القرآن للسيد محمد حسين الطباطبائي   للآيات الواردة مايلي :
    (( تصف الآيات بدء خلقـة الإنسان و تصويره  ، و ما جرى هناك من أمر الملائكة بالسجدة له  ، وسجودهم وإباء إبليس، و غروره آدم و زوجته، و خروجهما من الجنة.و ما قضى الله في ذلك من القضاء.
    قوله تعالى: «و لقد مكناكم في الأرض و جعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون» التمكين في الأرض هو الإسكان و الإيطان فيها أي جعلنا مكانكم الأرض، و يمكن أن يكون من التمكين بمعنى الإقدار و التسليط، و يؤيد المعنى الثاني أن هذه الآيات تحاذي بنحو ما في سورة البقرة من قصة آدم و إبليس و قد بدأت الآيات فيها بقوله: «هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا»: البقرة: 29، و هو التسليط و التسخير.
    أن هذه الآيات التي نحن فيها لما كانت تنتهي إلى قوله: «و لكم في الأرض مستقر و متاع إلى حين» كان المعنى الأول هو الأنسب و قوله: «و لقد مكناكم في الأرض إلخ كالإجمال لما تفصله الآيات التالية إلى آخر قصة الجنة.
    والمعايش جمع معيشة و هي ما يعاش به من مطعم أو مشرب أو نحوها، و الآية في مقام الامتنان عليهم بما أنعم الله عليهم من نعمة سكنى الأرض أو التسلط و الاستيلاء عليها، و جعل لهم فيها من أنواع ما يعيشون به، و لذلك ختم الكلام بقوله: «قليلا ما تشكرون.
    قوله تعالى: «و لقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم» صورة قصة تبتدىء من هذه الآية إلى تمام خمس عشرة آية يفصل فيها إجمال الآية السابقة و تبين فيها العلل و الأسباب التي انتهت إلى تمكين الإنسان في الأرض المدلول عليه بقوله: «و لقد مكناكم في الأرض و جعلنا لكم فيها معايش».
    و لذلك بدىء الكلام في قوله: «و لقد خلقناكم» إلخ بلام القسم، و لذلك أيضا سيقت القصتان أعني قصة الأمر بالسجدة، و قصة الجنة في صورة قصة واحدة من غير أن تفصل القصة الثانية بما يدل على كونها قصة مستقلة كل ذلك ليتخلص إلى قوله: «قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو و لكم في الأرض مستقر» إلى آخر الآيتين فينطبق التفصيل على إجمال قوله: «و لقد مكناكم في الأرض» الآية.
    و قوله: «و لقد خلقناكم ثم صورناكم» الخطاب فيه لعامة الآدميين و هو خطاب امتناني كما مر نظيره في الآية السابقة لأن المضمون هو المضمون و إنما يختلفان بالإجمال و التفصيل.
    و على هذا فالانتقال في الخطاب من العموم إلى الخصوص أعني قوله: «ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم» بعد قوله: «و لقد خلقناكم ثم صورناكم» يفيد بيان حقيقتين: الأولى: أن السجدة كانت من الملائكة لجميع بني آدم أي للنشأة الإنسانية و إن كان آدم (عليه السلام) هو القبلة المنصوبة للسجدة فهو (عليه السلام) في أمر السجدة كان مثالا يمثل به الإنسانية نائبا مناب أفراد الإنسان على كثرتهم لا مسجودا له من جهة شخصه كالكعبة المجعولة قبلة يتوجه إليها في العبادات، و تمثل بها ناحية الربوبية.
    و يستفاد هذا المعنى أولا من قصة الخلافة المذكورة في سورة البقرة آية 30 - 33 فإن المستفاد من الآيات هناك أن أمر الملائكة بالسجدة متفرع على الخلافة، و الخلافة المذكورة في الآيات كما استفدناه هناك - غير مختصة بآدم بل جارية في عامة الآدميين فالسجدة أيضا للجميع.
    و ثانيا: أن إبليس تعرض لهم أي لبني آدم ابتداء من غير توسيط آدم و لا تخصيصه (عليه السلام) بالتعرض حين قال على ما حكاه الله سبحانه: «فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم و من خلفهم» إلخ من غير سبق ذكر لبني آدم، و قد ورد نظيره في سورة الحجر حيث قال: «رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض و لأغوينهم أجمعين»: الحجر: 39، و في سورة ص حيث قال: «فبعزتك لأغوينهم أجمعين»: ص: 82، و لو لا أن الجميع مسجودون بنوعيتهم للملائكة لم يستقم له أن ينقم منهم هذه النقمة ابتداء و هو ظاهر.
    و ثالثا: أن الخطابات التي خاطب الله سبحانه بها آدم (عليه السلام) كما في سورة البقرة و سورة طه عممها بعينها في هذه السورة لجميع بنيه، قال تعالى: ((يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم)) إلخ.
    و الحقيقة الثانية: أن خلق آدم (عليه السلام) كان خلقا للجميع كما يدل عليه أيضا قوله تعالى: «و بدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين»: السجدة: 8 و قوله: «هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة»: المؤمن: 67، على ما هو ظاهر الآيتين أن المراد بالخلق من تراب هو الذي كان في آدم (عليه السلام).
    و يشعر بذلك أيضا قول إبليس في ضمن القصة على ما حكاه الله سبحانه في سورة إسراء: «لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا» الآية، و لا يخلو عن إشعار به أيضا قوله تعالى: «و إذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم و أشهدهم على أنفسهم» الآيات: الأعراف: 172 على ما سيجيء من بيانه.
    و للمفسرين في الآية أقوال مختلفة قال في مجمع البيان،: ثم ذكر سبحانه نعمته في ابتداء الخلق فقال: « و لقد خلقناكم ثم صورناكم» قال الأخفش: «ثم» هاهنا في معنى الواو، و قال الزجاج : و هذا خطأ لا يجوزه الخليل و سيبويه و جميع من يوثق بعلمه إنما «ثم» للشيء الذي يكون بعد المذكور قبله لا غير، و إنما المعنى في هذا الخطاب ذكر ابتداء الخلق أولا فالمراد أنا بدأنا خلق آدم ثم صورناه فابتدأ خلق آدم من التراب ثم وقعت السورة بعد ذلك فهذا معنى خلقناكم ثم صورناكم «ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم» بعد الفراغ من خلق آدم، و هذا مروي عن الحسن، و من كلام العرب: فعلنا بكم كذا و كذا و هم يعنون أسلافهم، و في التنزيل: «و إذ أخذنا ميثاقكم و رفعنا فوقكم الطور» أي ميثاق أسلافكم.
    و قد قيل في ذلك أقوال أخر: منها أن معناه خلقنا آدم ثم صورناكم في ظهره ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، عن ابن عباس و مجاهد و الربيع و قتادة و السدي.
    و منها: أن الترتيب واقع في الإخبار فكأنه قال: خلقناكم ثم صورناكم ثم إنا نخبركم أنا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم كما يقول القائل : أنا راجل ثم أنا مسرع ، و هذا قول جماعة من النحويين منهم علي بن عيسى و القاضي أبو سعيد السيرافي و غيرهما، و على هذا فقد قيل: إن المعنى: خلقناكم في أصلاب الرجال ثم صورناكم في أرحام النساء عن عكرمة و قيل خلقناكم في الرحم ثم صورناكم بشق السمع و البصر و سائر الأعضاء انتهى.
    أما ما نقله عن الزجاج من الوجه ففيه أولا أن نسبة شيء من صفات السابقين أو أعمالهم إلى أعقابهم إنما تصح إذا اشترك القبيلان في ذلك بنوع من الاشتراك كما فيما أورده من المثال لا بمجرد علاقة النسب و السبق و اللحوق حتى يصح بمجرد الانتساب النسلي أن تعد خلقة نفس آدم خلقا لبنيه من غير أن يكون خلقه خلقا لهم بوجه.
    و ثانيا: أن ما ذكره لو صح به أن يعد خلق آدم و تصويره خلقا و تصويرا لبنيه صح أن يعد أمر الملائكة بالسجدة له أمرا لهم بالسجدة لبنيه كما جرى على ذلك في قوله: «و إذ أخذنا ميثاقكم و رفعنا فوقكم الطور» فما باله قال: «ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم» و لم يقل: «ثم قلنا للملائكة اسجدوا للإنسان».
    قوله تعالى: «فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين» أخبر تعالى عن سجود الملائكة جميعا كما يصرح به في قوله: «فسجد الملائكة كلهم أجمعون»: الحجر: 30، و استثنى منهم إبليس و قد علل عدم ائتماره بالأمر في موضع آخر بقوله: «كان من الجن ففسق عن أمر ربه»: الكهف: 50، و قد وصف الملائكة بمثل قوله: «بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول و هم بأمره يعملون»: الأنبياء: 27، و هو بظاهره يدل على أنه من غير نوع الملائكة.
    و لهذا وقع الخلاف بينهم في توجيه هذا الاستثناء : أ هو استثناء متصل بتغليب الملائكة لكونهم أكثر و أشرف ؟ أو أنه استثناء منفصل و إنما أمر بأمر على حدة غير الأمر المتوجه إلى جمع الملائكة و إن كان ظاهر قوله: «ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك» أن الأمر لم يكن إلا واحدا و هو الذي وجهه الله إلى الملائكة.
    و الذي يستفاد من ظاهر كلامه تعالى أن إبليس كان مع الملائكة من غير تمييز له منهم و المقام الذي كان يجمعهم جميعا كان هو مقام القدس كما يستفاد من قصة ذكر الخلافة «و إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أ تجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء و نحن نسبح بحمدك و نقدس لك»: البقرة: 30، و إن الأمر بالسجود إنما كان متوجها إلى ذلك المقام أعني إلى المقيمين بذلك المقام من جهة مقامهم كما يشير إليه قوله تعالى في ما سيأتي: «قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها» و الضمير إلى المنزلة أو إلى السماء أو الجنة و مآلهما إلى المنزلة و المقام و لو كان الخطاب متوجها إليهم من غير دخل المنزلة و المقام في ذلك لكان من حق الكلام أن يقال: (( فما يكون لك أن تتكبر )) .
    و على هذا لم يكن بينه و بين الملائكة فرق قبل ذلك؟ و عند ذلك تميز الفريقان، و بقي الملائكة على ما يقتضيه مقامهم و منزلتهم التي حلوا فيها، و هو الخضوع العبودي و الامتثال كما حكاه الله عنهم: «بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول و هم بأمره يعملون فهذه حقيقة حياة الملائكة و سنخ أعمالهم، و قد بقوا على ذلك و خرج إبليس من المنزلة التي كان يشاركهم فيها كما يشير إليه قوله: «كان من الجن ففسق عن أمر ربه» و الفسق خروج التمرة عن قشرها فتميز منهم فأخذ حياة لا حقيقة لها إلا الخروج من الكرامة الإلهية و طاعة العبودية.
    و القصة و إن سيقت مساق القصص الاجتماعية المألوفة بيننا و تضمنت أمـــرا وامتثالا وتمردا و احتجاجا و طردا و رجما و غير ذلك من الأمور التشريعية والمولوية غير أن البيان السابق على استفادته من الآيات يهدينا إلى كونها تمثيلا للتكوين بمعنى أن إبليس على ما كان عليه من الحال لم يقبل الامتثال أي الخضوع للحقيقة الإنسانية فتفرعت عليه المعصية، و يشعر به قوله تعالى: «فما يكون لك أن تتكبر فيها» فإن ظاهره أن هذا المقام لا يقبل لذاته التكبر فكان تكبره فيه خروجه منه وهبوطه إلى ما هو دونه.
    على أن الأمر بالسجود - كما عرفت - أمر واحد توجه إلى الملائكة جميعا وإبل