القسم الرابع

فداسن والداسنية إذن ترجع في تاريخها إلى ما قبل ظهور الزرادشتية في القرن العاشر ق.م، وكانت تعني عبادة الله الخير. هذا دليل ساطع قاطع على إن الديانة الإيزدية أقدم من الزرادشتية بقرون!! وان ما ذكره الأمير بايزيد الأموي من إن فلول الأمويين المختفين في الغابات والوديان... جدد كيانهم على يد إبراهيم جلميران في شمال العراق بعد خلق لهم اسم الداسنيين ليختفوا تحته تسترا من ملاحقة العباسين!!160 عار من الصحة وبعيد عن الحقائق العلمية


ومن الجدير بالإشارة إلى إن العديد من مشاهير الإيزدية وقادتهم، اتخذوا تاريخيا من اسم (داسن) لقبا أو كنية لهم، كصاحب الفضل والأدب... الشاعر الشيخ حسن الداسني بن عدي الثاني، احد مشاهير القرن الثالث عشر الميلادي وصاحب رسالة في (صفات المريدين) المخطوط161، كما يقال إن مؤلف كتابي (مزدها روز) و(الجلوة لأرباب الخلوة)162، والموسيقي الفنان عمر بن خدر بن جعفر الداسني الكوردي الذي عاش في القرن الرابع عشر الميلادي وصاحب كتاب الكنز المطلوب في علم الدوائر والضروب163، والأمير الإيزدي حسين بك الداسني أمير أربيل وأطرافها في القرن السادس عشر164، والأمير الإيزدي ميرزا باشا الداسني حاكم ولاية الموصل في حدود عام 1650م165، والأمير علي بك الداسني الذي استشهد في 1834م على يد محمد باشا الراوندوزي166 ووهب اسمه الخالد إلى الوادي الذي يخترقه زاب بهدينان المعروف في جنوب كوردستان باسم وادي (كلي علي بك).. وغيرهم
وينقل المؤرخ الإيراني رشيد ياسمي عن الانسكلوبيديا الإسلامية خبرين احدهما، إن (مار سابها) احد الكهنة المسيحيين، أهدى الكورد الذين كانوا (يعبدون الشمس) إلى المسيحية!! وثانيهما إن (عيشو إيبه) احد المبشرين المسيحيين الأوائل بنى في موقع هشتكان (الثمانين) في جزيرة (بوتان) ديراً اهتدى إليه الكورد، الذين كانوا يقدمون القرابين قبل ذلك إلى (ش)167..!! ويورد البحاثة توفيق وهبي اسم احد الكاهنين السابقين بصيغة مار سابا Mar Saba الذي كان يقوم بالتبشير بين الكورد (عُبّاد الشمس) في القرن الخامس الميلادي وبالضبط في 485م!! كما يورد اسم الثاني منهما على شكل مار ايشو آب Mar Ishu Ab الذي كان يقوم بالتبشير في القرن السادس الميلادي بين الكورد الذين كانوا يعبدون (ش) 168!!
مَن هم أولئك الكورد الذين كانوا يقدمون القرابين إلى (ش) أو يعبدونه أو يقدسونه كما تقول الانسكلوبيديا الإسلامية؟!
لاشك إنهم الإيزديون الذين اتهموا باطلا بتقديس (ش) وعبادته وتقديم القرابين إليه. بدليل إن البعض ـ سامحهم الله ـ ألفوا رسائل ومؤلفات تتضمن مثل هذه المعاني الرخيصة، كعبدة (ش) في العراق لعبد الرزاق الحسني، واليزيدية وعبادة (ش) لجعفر غضبان، ويعبدون (ش) ليأمنوا شره لحبيب جاماتي، ورسالة عبدة (ش) (شيتان برستان) لعبد الحسين زرين كوب (بالفارسية)، وعبدة إبليس (عبدهء إبليس) لمصطفى نوري باشا (بالفارسية) وعبدة الكواكب ( ستاره برستان) لايرج أفشار سيستاني بالفارسية)، وعبادة (ش) ـ الكتب المقدسة والمعتقدات اليزيدية Devil Worship, The sacred books and traditions of the Yezidis لعيسى يوسف I.Joseph (بالانكليزية)، واليزيدية أو عبدة (ش) من الموصل The Yezidis or Devil Worshippers of Mosul لريشارد. جي. تمبل R. G. Temple (بالانكليزية)، واليزيدية ليسوا عبدة (ش) The Yezidis are not Devil Worshippers للعلامة توفيق وهبي T. Wahby (بالانكليزية)، وكبدوي إلى عبدة (ش) Als Beduine zuden Teufelsanbetern لارنست كليبل E. klippel (بالألمانية).. وغيرها.
كما إن المقصود (بعبدة الشمس) في الخبر الثاني هم الإيزدية أيضا!! ، إذ إنهم لازالوا حتى اليوم يقدسون الشمس ويقدمون صلواتهم إليها، يقول الأمير إسماعيل جول بك (لازم على كل يزيدي عند طلوع الشمس أن يقبل نورها ويسجد لها ويعبدها، وفي الظهر يقبل ظهرية الشمس ويدعو إلى الرب، وفي المساء عند الغروب يقبلها أيضا)169.
وجاء في العريضة التي قدمها مجموعة من مختاري القرى الإيزدية إلى السلطات العثمانية عام 1872م، لإعفاء أبناء طائفتهم من الخدمة العسكرية (يتحتم على كل يزيدي أن يفتش له في كل صباح عند شروق الشمس عن مكان منزوٍ يرى منه نورها ويسجد لها)170. وتتخذ الإيزدية من (الشمس) رمزاً على أبواب معابدها ودورها الدينية، والشيخ (شمس) هو احد شيوخهم الدينية رمزا للنور والضياء، منه ولدت منه طائفة عندهم بالشمسانية. وهناك العديد من المزارات الإيزدية التي تحمل اسمه ـ أي اسم الشيخ شمس، كمزار شيخ شمس في قرية الجفرية في منطقة سنجار، وللمزار قبة مصاغة من الذهب ترمز إلى الشمس، ومزارين للشيخ شمس احدهما في قرية (اوسفا) والثاني في قرية (بشتكرى) في منطقة سنجار أيضا، ومزار شيخ شمس في قرية بوزا ـ بوزان شرق قصبة القوش بقليل، ومزار شيخ شمس في قرية خانكي قرب قصبة سميل، ومزار شيخ شمسان عند جبل مقلوب قرب قرية (جم رش) في الشيخان.. غيرها، هذا ويستلم شيوخ الطائفة الشمسانية ضريبة خاصة من الإيزدية تعرف بقربان الشمس أو ضحيتها171.
ولابد من الإشارة إلى إن (عبادة الشمس) كانت سائدة بين العديد من الشعوب القديمة، منها الشعوب الهندو ـ أوربية كالهنود والفرس والكورد... يقول لانكله M.Langle المستشرق الفرنسي، إن صورة الشمس التي ترى على النقود الإيرانية القديمة، آتية من عبادتها في العصور السالفة، ويضيف (كسروي) بان الطاؤوس كان يحتل أحيانا مكان الشمس هذا على تلك النقود172.
والظاهر إن عشيرة الروزكية ـ الروجكية الكوردية التي تسكن (بدليس) وأطرافها كانت من عبدة الشمس قديماً، وان اسمها يفصح عن ذلك، رغم قول (البدليسي) بان اسمها آت من تحالف قبلي173. واليوم وجدت الشمس مكانها اللائق بها على العلم الكوردي اعترافا بفضلها الفريد على الحياة على سطح هذا الكوكب الصغير.
هذا وباعتراف الانسكلوبيديا الإسلامية، إن الديانة الإيزدية كانت منتشرة بين الكورد في القرون الأولى الميلادية، وبالتحديد في القرنين الخامس والسادس الميلاديين، قبل وصول طلائع الإسلام إلى كوردستان مع عياض بن غنم أو مع غيره سنة 18هـ/ 639 م174 بقرنين على الأقل!! وقبل ميلاد عدي بن مسافر بستة قرون!!
وفي القرن التاسع الميلادي يشير القس توما المرجي الشيرواني مرتين إلى قرية يزدين آباد ـ إيزدين آباد التي كانت قائمة حين ذاك في منطقة المرج ـ (مه ركَه هـ) ـ (وهي المنطقة الممتدة من شمال الموصل حتى حدود الجبال، والمحصورة بين مديني عقرة شرقا وعين سفني غربا ـ الباحث)175، ويضيف إن (المار إيليا) حينما ذهب إلى أهل مدينة موقان ـ موغان176 الذين كانوا يعبدون يزد ـ إيزد للتبشير والدعوة إلى المسيحية، أجابه أهل المدينة المذكورة، إنهم يعبدون يزد ـ إيزد ويسجدون له، وقد سجد لهم آبائهم واجدادهم177. وهي إشارة واضحة إلى انتشار الديانة الإيزدية في كوردستان في القرن التاسع الميلادي وقبله أيضاً.
إن جبال (داسن) التي ذهب إليها مار أبراهام، قد مرّ التعليق عليها في فقرات سابقة، أما الإله يزد ـ إيزد فهو في الكوردية والفارسية يعطي معنى (خودي) ـ خودا أي (الله)، و (إيزدي) أي الهي ، منسوب إلى الإله. وورد الاسم في البهلوية بصيغة إيزيت Izit وهو الإله الواحد، و إيزيتان Izitan أي العبادة، عبادة الإله الواحد 178، كما تعطي لفظة (إيزي) في الكوردية معنى اله النور والضياء أيضا179.
عليه فان اسم (إيزدي) وعبادة الإله يزد ـ إيزد أقدم من يزيد بن معاوية بعدة قرون!!
أما قرية يزدين آباد ـ إيزدين آباد التي أشار إليها توما المرجي الشيرواني فتعني مدينة الإله ـ مدينة الله، ولا يعرف موقعها اليوم رغم وجود قرى عديدة في كوردستان تحمل مثل هذا الاسم كقرية قصر إيزدين قرب قصبة سميل، وقرية مام إيزدين ـ مام إيزدينا من قرى عشيرة ألمزورية، وقرية إيزدين خواست في لورستان... وغيرها.
هذا وقد وردت لفظة (إيزي) بمعنى الله أو الإله الأوحد كثيراً في النصوص الدينية الإيزدية، وهي صيغة متأخرة من (إيزدي) بعد اختفاء حرف الدال منها، لتكون أسلس وأخفّ على اللسان، مثل اختفاء الدال من لفظة (مه ردايه تى) القديمة إلى (مه ردينى) ثم (ميريني) الصيغة الأحدث، ومن (جاخي به رديني) إلى (جاخي به ريني) أي العصر الحجري، ومن (زه رده ويلى) ـ لفظة كوردية هورامية ـ إلى (زه رده ويله) ثم (زه رويله) الصيغة الأحدث وهو اسم طائر... وهكذا.
..
يتبع..
ــــــــــــــــــ
الهوامش والمصادر:
160
ـ الجندي ـ محمود، ما هي اليزيدية ومن هم اليزيديون؟ بغداد ـ 1976م ص11.
161
ـ عبد الله ـ بدري، مناقب الشيخ احمد الرفاعي، مخطوط في مكتبة متحف فيتسشتاين Wetzstein الثانية في برلين ـ ألمانيا، تحت رقم 1743، يوجد نسخة مصورة منه في مكتبتنا. جاء اسمه في المخطوط أبي محمد الحسن بن عدي ابن أبي البركات، لكن اسم (عدي) مشطوب منه ظنا من الجاني انه عدي بن مسافر!! ومكتوب بدلا من اسم (احمد) ص50. ويعتبر هذا أول إشارة إلى هذا التأليف النادر للشيخ حسن. ع.م
162
ـ الديوجي، اليزيدية ص80، كذلك: المائي، الأكراد في بهدينان، ص72. لا أظن إن كتاب (مزدها روز) بشكله المطبوع في دهوك عام 2001م، هو من تأليف الشيخ حسن الداسني، لاحتوائه على معلومات عن زرادشت والزردشتية والمغان رجال الدين عندهم... والشيخ حسن كان صوفيا مسلما كما هو معروف، ولأسباب أخرى لا مجال لذكرها ع.م
163
ـ العزاوي ـ عباس، الموسيقى العراقية في عهد المغول والتركمان، بغداد 1951م، ص46 ـ 48.
164
ـ البدليسي ـ شرف خان، الشرفنامه، الترجمة العربية، جـ1ص 271.
165
ـ الأحمد ـ د. سامي، اليزيدية. جـ1ص 84.
166
ـ عبود ـ زهير كاظم، لمحات عن اليزيدية، بغداد ـ 1995م، ص67.
167
ـ ياسمي ـ د. رشيد، الكورد وصلاتهم العرقية والتاريخية (كرد وبيوستكَي نزادى وتاريخي او)، طهران ـ 1369 ش، ص 131 (بالفارسية).
168
ـ وهبي ـ توفيق، تحقيق مختصر في تاريخ الأديان الكوردية (بررسى مختصري از تاريخ أديان كردان) ترجمة: جمال الدين الحسيني، مهاباد ـ 1361 ش، ص44 ـ 45(بالفارسية).
169
ـ جول بك ـ إسماعيل، اليزيدية قديما وحديثا، بيروت ـ 1934م، ص104.
170
ـ الأحمد ـ د. سامي، اليزيدية، جـ2 ص 213.
171
ـ ميران ـ د. رشاد، الوضع الديني والقومي...، ص121 (بالكوردية).
172
ـ كسروي ـ احمد، التاريخ الصغير لشعار الأسد والشمس (تاريخجهء شير وخورشيد)، ألمانيا ـ كولن ـ 1377 ش، ص27، 32.
173
ـ البدليسي ـ الشرفنامه، الترجمة العربية، جـ 1ص368.
174
ـ البلاذري، فتوح البلدان، ص249 وما بعدها (بالفارسية).
175
ـ المرجي ، كتاب الرؤساء، ص192، 296.
176
ـ يذكر كلا من ياقوت الحموي وابن حوقل بان مدينة (موقان) تقع في غرب أذربيجان (معجم البلدان) مجلد:4 جـ 8 ص341، صورة الأرض ص85) وتلفظ اليوم موغان ـ موغان جوق وتقع في كوردستان شمال مدينة (سلماس) بثلاث كيلو مترات. ينظر: رياحي ـ د. محمد أمين، تاريخ بلدة خوي (تاريخ شهر خوى)، طهران ـ 1358ش: ص184 ـ 185 (بالفارسية).
177
ـ المرجي، كتاب الرؤساء، ص226.
178
ـ فروشي ـ د. بهرام، معجم اللغة البهلوية (فرهنك زبان بهلوي)، طهران ـ 1385ش، ص298 (بالفارسية).
179
ـ إبراهيم بور ـ د. محمد تقي، القاموس الكوردي ـ الفارسي (وازه نامهء كردى ـ فارسى) طهران ـ 1373ش، ص73.