المحطة
التاسعة عشرة
قبل بلوغ الفجر استعدت مجموعة من هؤلاء الرفاق المتواجدين في مخبأ حتارة لمغادرته
باتجاه مخبأ دوغات ، كنت واحدا من بين هؤلاء لكي أرافق مجموعة ثانية من هناك عبر
مدينة الموصل مرة أخرى إلى المحطة السرية في سنجار يقوم بأعدادها الرفيق توفيق الذي
أنتقل معنا إلى المخبأ . المسافة بين المخبأين لم تكن تتعدى ساعة واحدة سيرا على
الأقدام ، عرفت إن عددا من الأنصار والرفاق يتواجدون في الموقع كان بعضهم يعمل بكل
جهده من أجل أكمال مستلزمات الانتقال إلى سوريا وآخرون ينتظرون أدوارهم للسفر.
وصلنا إلى هناك في وقت مناسب أي قبل مجيء النهار كان ذلك في صبيحة الثالث من أكتوبر
، وجدت في الموقع رفاقا لم ألتقي بهم منذ أن غادرنا جبل كارة ، وكان بينهم رفيق
افترقنا معه منذ وقت أطول ، فقد أشرت سابقا بأن رفيقين لنا كانا يتواجدان في مدينة
شيخان وأطرافها عادا إليها بأمر من اللجنة المحلية قبل أن تصل عساكر النظام إلى
مقراتنا ومناطقنا ، وكان هما كل من الرفيقين (كسر)* و(كوران)* وهذه المرة هما
اللذان قاما بترتيب أمر السيارة التي ستأخذنا إلى المحطة السرية في سنجار بعد جهود
بذلها الرفيق أبو سربست ونجاحه في اللقاء بهما داخل مدينة الشيخان ، فأحدهما أي كسر
وصل إلى المخبأ في نفس هذه الليلة بعدما أعد موعدا لليوم التالي وكانت فرحتي به
كبيرة ، وكان كوران ينتظر دوره لكي يقوم بإرسال السيارة من هناك أو مرافقتها وإدلاء
السائق على نقطة الالتقاء في كه ند دوغات ، ومن المهم هنا أن أشير إلى أن كوران كان
يتعرض إلى الكثير من الضغوطات من قبل أهله وأقاربه لغرض تسليم نفسه إلى السلطات ،
ولذلك خلق هذا الوضع إلى جانب محاولات السلطة لإفشال خططنا ارتباكا جديا في دواخل
كل رفيق ونصير عرف بهذا الموضوع رغم معرفتهم بإخلاص كوران الذي يتواجد في شيخان ،
ولكن شراسة أجهزة السلطة الأمنية لم تكن تترك خيارات كهذه أمام العديد من الأبطال ،
بسبب وحشية إجراءاتها ضدهم وضد كل من يرتبط بأي مناضل إلى الدرجة السابعة من
القرابة . ومن هنا كان أغلب معارضي النظام وخصوصا الشيوعيون أما خيارات محدودة في
الأوقات الحرجة . فأما التضحية بأرواحهم وترك أهله وأقرباءه فريسة لهذه الأجهزة وهي
تمارس شتى وسائل الإرهاب ضدهم وحرمانهم من كل الحقوق وكثيرا ما كانوا يخسرون
أرواحهم . وأما القبول بالتعاون وهذا كان يعني سقوطا سياسيا وتقديم معلومات لهذه
الأجهزة وكان ذلك يكلف الشيوعيون أرواحهم وانهيار تنظيماتهم.
ومن بين أهم مستلزمات نجاحنا في الوصول إلى المحطة السرية وما كنت أصر عليه قبل
القبول بالمهمة هو معرفة صاحب السيارة الذي سيقوم بعملية إيصالنا ، وهكذا عرفته
فدخل الاطمئنان في قلبي لأنني كنت على دراية بأنه أكتسب خبرة جيدة في هذا المضمار
بسبب تأديته للعديد من المهام لصالح منظمة شيخان للحزب. ولكن بقي أمر هذه الجولة
يقلق العديد من الرفاق .
وارتباطا بهذا القلق وهذا الوضع تبادلنا الأحاديث كثيرا وعملنا على تحديد الرفاق
الذين سيكونون في المجموعة التالية ، فتارة كان الاختيار يقع على عدد من الرفاق
وتارة أخرى يتم التراجع عن هذا الاختيار. وتارة يقبل رفاق آخرون لكي يكونوا من بين
أفراد تلك المجموعة وتارة أخرى يتراجعون عن ذلك . الأمر كان معقدا وتشوبه مخاوف
عديدة وجدية ، فمحاولات السلطة المتكررة والهادفة للإيقاع بنا زرعت العديد من
الشكوك بين الرفاق ، ولم تترك واحدا إلا وكان لابد من التأكد من إخلاصه ونزاهته ،
استمر تشكيل مجموعة وحلها وقبولها السفر أو رفضها وقتا طويلا ، فمثل هذه الظروف
والتهديدات الناجمة عن محاولات السلطة وملاحقتها لنا عبر كل الوسائل ، كانت تثير
ألف سؤال وسؤال لدى كل واحد منا ونحن نقدم على السفر إلى سوريا عبر مدينة الموصل
ونقاط التفتيش العديدة التي تقع على الطريق . ولكن كان لابد أن نحسم الموضوع ،
فالوضع لم يكن يحتمل التعامل معه دون اتخاذ قرارات جدية وحاسمة ، لذا تقرر أن تتحرك
مجموعة من الرفاق في الموعد المحدد عند وصول السيارة في اليوم التالي .
كان حال هذا المخبأ ، كحال مخبأ حتارة مليئا بالملابس والأحذية الجديدة وحاويات
الماء وأكياس فيها مختلف الأطعمة وأغطية قديمة كان يستخدمها الرفاق العاملين في
التنظيمات وأخرى جديدة دخلت إلى المخبأ بسبب تزايد عدد الأنصار ، يعمل الرفاق فيه
على تجهيز أنفسهم ، فيحلقون ذقونهم ويبحثون عن ملابس وأحذية على مقاساتهم ، يلبسون
بناطيلا وقمصانا وأحذية ويستعرضون بقيافاتهم أمام غيرهم حتى يستقر بهم الرأي في
النهاية على ملابس محددة للسفر بها ، آخرون يبحثون عن وسائل وطرق أخرى للوصول إلى
سوريا وآخرون يعملون باستمرار على تهيأة حاجيات الرفاق من الأكل والشرب ، كل هذا
كان يحصل ليلا ، ففيه كانت تتيح فرصة الحركة ، فقد كنت تشاهد إن الجميع يعمل كخلية
نحل يتحركون في كل الاتجاهات ، اتصالات تجري مع رفاق التنظيم ، رفد الرفاق في الجبل
بمعلومات وأكل وشراب ومستلزمات أخرى كان متواصلا .
كان الليل ينقضي وحركة المجاميع لاتتوقف إلى آخر ساعة منه وفي النهار يخلد أفرادها
إلى النوم عدا الرفاق الذين مضت على وجودهم عدة أيام وبذلك يكونون قد نالوا قسطهم
من الراحة ، وعندما يحين وقت الحركة ننهض ونستعد ، و لابد من القول إنه لم يكن
الليل وحده وقتا مناسبا للحركة وتأدية المهام بل كان وقت الظهيرة وما بعده مجالا
مناسبا لاستغلاله وتنفيذ بعض الأعمال كإيصال بعض الرفاق إلى أماكن اللقاءات مع
أصحاب السيارات من رفاقنا في التنظيمات أو إلى الطرق العامة لاستخدام السيارات
المارة من هناك والوصول إلى أهدافهم في المدن .. وفي هذا اليوم شعرت إن النهار
انقضى سريعا فلقد أيقضنا احد الرفاق بعد ما اقترب موعد وصول السيارة إلى مكان ما
بالقرب من الشارع ، والتردد لما يزل كان يلازم الرفاق ولكن كان لابد من حسم للموقف
بعدما لم يكن هناك متسع من الوقت للكلام أكثر مما حصل ليلا وإلى الصباح ، فلذلك
استعد كل من الرفيقين أبو أمل وأبو ظاهر للسفر بشكل نهائي وأنا معهما ، خرجنا من
المخبأ سريعا وسرنا في الوادي الذي يؤدي بنا إلى نقطة الالتقاء ، رافقنا إلى هناك
كسر القادم من شيخان لغرض تسليمنا إلى السائق فرغم معرفتي بهوية السائق إلا أنني لم
أكن قد التقيته في السابق .. أكثر من عشرون دقيقة نقفز من واد إلى آخر حتى وصلنا
إلى مكان اللقاء ، فقد كان هناك شاب يتكأ من ناحية ظهره على سيارة ( برازيلي )
حمراء ، أنتفض حين وجدنا قريبين منه وتقدم نحونا وتعانقنا وكأننا نعرف بعضنا البعض
منذ سنوات طويلة ، قال كسر والذي رافقنا إلى مكان اللقاء ، هذا ناظم وهذا أبو أمل
وهذا أبو ظاهر وأقدم لكم بالمقابل يا جماعة العزيز (عائد)* فهو سيقوم بعملية
إيصالكم إلى سنجار ، ولكنه التفت وقال أين (كوران ) ..؟ ، قلنا حقا أين هو فنحن
مشتاقين لرؤيته ..؟ أجاب عائد متأسفا ، إنه ذهب لتسليم نفسه إلى السلطات ، قلنا
بصوت واحد .. ماذا تقول ..!! قال كما سمعتم وواصل القول ، فبعد أن شرح لي كيفية
الوصول إلى هذه النقطة أودعني وذهب إلى مكان ما تمهيدا للإستسلام ، وقال بلغ تحياتي
إلى الرفاق وقل لهم سأبقى وفيا .. تسمرت وجوهنا .. لم نستطع قول أي شيء لعدة ثواني
التي كانت بمثابة وقت طويل في مثل هذا الوقت ونحن ننتظر بالقرب من الشارع العام ..
ولكن أحدنا قال وماذا بعد هذا الذي حصل ..!! وخصوصا إنه ربما يعرف وجهتنا ، وهذا
يشكل خطرا جسيما .. قال كسر ، كلا إنه لا يعرف عن الخطة أي شيء سوى إن المجاميع
ستدخل إلى الموصل ، ولا يعرف أي شيء عن ما بعد الدخول إلى المدينة ، وحتى إن كان
يعرف كل التفاصيل ، فإنه سيحافظ عليها ، وأنا أثق به ولذلك ادعوكم إلى السفر
باطمئنان ، نظرنا إلى وجوه بعضنا . حسمت الموقف وقلت سأسافر رغم كل شيء ولا اعتقد
إن كوران سيخاطر بأرواحنا ، كانت قناعات أبو أمل وأبو ظاهر تذهب بنفس الاتجاه
فطرحنا سؤالا على عائد ، وقلنا له ، هل تخشى شيئا ، أجاب كلا قلنا إذن فلنتحرك
والانتظار هنا ليس لصالحنا ، وعلينا الإبقاء على المكان هادئا لكي يبقى بعيدا عن
الشبهات وخصوصا إننا سنحتاجه كثيرا .. لم نحدد أي حل احتياطي في حالة عرقلة خطتنا ،
أسرعنا بالصعود إلى السيارة ، فإلى جانب مهارته في قيادة السيارة ، شعرت إن عائدا
يمتاز بجرأة فريدة ، إذ قاد سيارته دون أي ارتباك ودون شعور بالتردد والخوف ..أنطلق
نحو مدينة الموصل وكأنه ذاهب لأمر هين ، لم تفارقه روح الدعابة طيلة الطريق ..
سرعان ما وجدت فيه رفيق درب ، مندفعا ووفيا لتنفيذ المهمة .. ووجدته صديقا كأنني
عشت معه لفترات طويلة تبادلنا أحاديث كثيرة ، واتفقنا على وقت الخروج من مدينة
الموصل بعد الوصول إليها بخير وسلام ، كان يقول لا تقلقوا إننا سندخل الموصل بكل
سهوله ، وأضاف قائلا إنني أعرف طرقا احتياطية وأعرف أوقات نصب نقاط التفتيش الجوالة
عليها ، إذ بلغت بي التجربة أن أتعرف على العديدة من خطط المفارز الجوالة ومتى وأين
يضعون نقاط التفتيش هذه ..؟؟
إذن هذه هي المجموعة الثانية التي أرافقها إلى المحطة السرية ونحن ذاهبون إليها عبر
مدينة الموصل والتي دخلناها دون أن نتعرض إلى أية مشاكل ودون أن تعترضنا أية عوائق
، كان وقت وصولنا إلى المدينة مبكرا فأقترح عائد أن نذهب إلى مطعم لتناول شيء ما ،
فنال مقترحه موافقتنا في الحال ، ولكننا تركنا أمر اختيار المطعم له ، لذلك قادنا
إلى أحد مطاعم الطلبة في حي الجامعة ، كان مطعما نظيفا ويزدحم فيه الطلبة رغم صغر
مساحته ، أخترنا طاولة منصوبة في الخارج بالقرب من الباب الرئيسي ، سرعان ما تقدم
العمال نحوها ووضعوا عليها سلة مليئة بخبز التنور الحار ، امتدت أيادينا إليها دون
شعور منا . جاء العامل فأوصاه عائدا كبابا ، ربما ارتبكنا نحن الثلاثة ، كيف نتناول
الكباب .. بأيادينا أم بواسطة الشوك .. حرك الرفيق أبو ظاهر أحدى يديه يبحث عن شيء
ما في الخبز .. سأله عائد فيما إذا كان يريد شيئا .. فقال ( ماكو جطل ) ! فهتف عائد
مناديا العمال ( جيبوا جطلات للرفاق ) تجمدنا نحن لا نستطيع الحراك وننظر إلى عائد
باندهاش.. ما هذا يا عائد ..؟! أجاب .. إن الذين سمعوني كلهم سيعتقدون إنكم رفاق
بعثيون .. ولذلك فإن وقتنا سيمر بأمان وسنتناول وجبتنا دون قلق .. وستكون الخدمة
لنا في أشدها من قبل عمال المطعم ، هذا من جانب ومن الجانب الآخر أريد أن أطمئنكم
بأن تصرفاتي ليست عفوية ، إنما أقصد من وراءها بأننا أناس اعتياديون، ونتواجد في
المدينة بشكل طبيعي وكي أبعد الشبهات عن أي منكم ، لذلك أرجو التصرف بعفوية تامة
دون أن تفكروا إنكم قادمون من الجبل .
بعدما انتهينا من تناول وجبتنا وشعرنا بضرورة الانطلاق والوقت المناسب للوصول إلى
سيطرة أم الشبابيط والمدة التي سنحتاجها في الطريق ، أمرنا عائد بأن ننهض ، قائلا
إن الوقت مناسب لكي نتحرك الآن . أخذت مكاني في المقعد الأمامي جنب السائق والمقعد
الخلفي كان من نصيب الرفيقين أبو أمل وأبو ظاهر .. مرة أخرى أعدنا ما كان ينبغي
علينا أن نعرفه أو ننتبه إليه أثناء تعرضنا لأي طارئ ،أي إننا ركاب اعتياديين في
سيارة عائد ، وليست لنا أية علاقة به ولا نعرفه سوى من كراج سنجار في مدينة الموصل
، واتفاقنا معه لإيصالنا إلى جهات عدة من سنجار مقابل أجرته ، وكذلك لا توجد بيننا
أية علاقة سوى إن الصدفة جمعتنا في هذه السفرة .. إضافة إلى إنه كان لكل واحد منا
قصته وسبب زيارته في هذا الوقت إلى تلك الجهات. ونحن نبحث هذه الأشياء التي كررناها
لأكثر من مرة إلا ووجدنا أنفسنا خارج المدينة بالقرب من أول نقطة تفتيش تقع في
نهايتها ، لذا كان علينا أن نصمت ، وربما أعاد كل واحد منا أو هيأ قصته لأي طارئ قد
يقع في أية لحظة ونحن ندخل إلى حدود هذه النقطة رغم إننا كنا نعلم إنها من نقاط
التفتيش الشكلية ، ولكن كان ينبغي أن نحسب حسابنا لأية مفاجأة .
في المسافة التي كانت تفصل بين نقطة صمتنا وبين نقطة التفتيش تزاحمت السيناريوهات
في مخيلتي ، لم تكن ولا واحدة منها ترحم بل جميعها كانت قاتمة تدخل وفق أحداثها
أيادينا في سلاسل حديد ويقودنا جنود وعناصر من شرطة الأمن إلى سيارات تحضر سريعا
بعدما تصل نداءات عناصر نقطة التفتيش إلى مصادرها تبشرها بضرورة الوصول لنقل صيد
ثمين إلى مختبرات التحقيق في دوائر أجهزة القمع .. مرت العديد من هذه السيناريوهات
كشريط سينمائي أمام عيني قبل أن نعبر نقطة التفتيش هذه والتي لم تعر أي اهتمام
بمرورنا سوى إشارة من يد أحد أفراد الانضباطية تسمح لنا بالمرور دون توقف وهو يتابع
مرور السيارات من أمامه بكسل واضح وكأنه هناك ليس من أجل تفتيشها بل يتأمل فيها
لغرض آخر .
بعد عدة أمتار من عبورنا نقطة التفتيش انتفضنا فرحين باجتياز خطر آخر ، الأمر الذي
شجعنا كثيرا وزاد من قناعتنا بأننا سنتجاوز كل نقاط التفتيش دون خطورة جدية . بدأنا
نتحدث عن أشياء كثيرة ، وعائدا لم يتوقف عن أحاديثه المرحة ، وأعدنا قصة الشوك
والرفاق في المطعم ، ضحكنا بسببها كثيرا .. تحدثت للرفاق عن تجربتي الأولى وكيفية
إيصال رفيقين إلى المحطة السرية دون أن أعرف عنها عمليا أي شيء غير معلومات رسمت لي
على خريطة لم أحملها معي لأسباب أمنية ، أما هذه التجربة فإننا نخوضها بعدما أصبح
الهدف لدي واضحا وكيفية الوصول إلى المحطة دون الاضطرار إلى البحث عنها ، وإن ما
يقلقنا اليوم هو العبور من نقاط التفتيش المتبقية دون مشاكل ، فبالرغم من أن نقطة
تفتيش بادوش كانت تتعامل مع حركة المرور مثلما كانت تفعلها نقطة التفتيش التي كانت
تسبقها أي تلك التي تجاوزناها والتي كانت تقع في نهاية مدينة الموصل ، إلا أن سيطرت
أم الشبابيط أوقفتنا في اللحظة الأخيرة .
وتفاصيلها سنرويها في المحطة القادمة .
المحطة العشرون
أشار الانضباط بيده يسمح لنا بالمرور ولكن عائدا أخطأ فهم الإشارة أو لم يشاهدها ،
وبقي منتظرا من غير أن يتحرك على الفور ، مما أدى ذلك إلى أن يحتار الانضباط في
اللحظة الأولى ما بين أن يتحرك نحونا أو يتراجع ، ولكنه يبدو إن شيئا ما دفعه إلينا
في نهاية الأمر ، بدأ يخطو خطوة ويتوقف ثانية ، لم تكن المسافة بيننا وبينه طويلة ،
ولم يكن واثقا مما كان عليه أن يفعله إزاء سيارة أخطأ سائقها إشارته أو لم يشاهدها
، هل يكررها ويدعوها لمغادرة نقطة التفتيش أم يتقدم للاستفسار عن وجهة ركابها أو ما
إذا كانوا يريدون سؤاله عن أمر ما ..؟؟ بدأت خطواته ثقيلة نحونا ، ولكنه أصر على أن
يتقدم .. شعرت بمرارة تقدمه وخشية شديدة من خطواته واقترابه من السيارة .. كنت أنظر
إليه وكأنه وحش جاء ليقضي علينا ، كنت أتابعه كيف يحرك أطرافه .. كان رجلا ضخما ،
يرتدي بذلة عسكرية خاصة بالانضباطية .. يحمل بيريته الحمراء في يده اليمنى .. يتقدم
بخطوات كسولة .. كان يقترب منا شيئا فشيئا ... ربما لم يكن يأبه بشيْ سوى تأدية
عمله بشكل روتيني ولا كان مخططا لأي شيء ضدنا .. من يدري ..!! .. ولكننا كنا على
أهبة الاستعداد للإجابة على أسئلته التي سوف لا يقتنع بها ، كنت أقولها بيني وبين
نفسي .. إذن هذه هي النهاية.. هكذا شعرت .. ولكن كونوا رابطي الجأش .. رددتها في
دواخلي مع أشياء أخرى .. والوقت لم يكن كافيا حتى أن ألتفت إلى رفيقاي .. لا تفشوا
أسراركم إلى النهاية .. كونوا مصرين على إنكم بشرا من العراق .. قولوا له أننا ركاب
هذه السيارة عن طريق الصدفة وقادمون إلى هنا كل لغرض مهمة اجتماعية .. لا نعرف
بعضنا البعض .. لنا أقرباء وأصدقاء ومعارف في هذه الناحية أو تلك من هذه المنطقة
البعيدة الواقعة على الحدود .. تلك الحدود التي ينشط على تخومها الطرفان .. أي طرفا
البعث في سوريا والعراق .. قاتلنا البعث في الطرف الأخير وها هو يلاحقنا بالأسلحة
الكيماوية التي أجبرتنا على ترك قلاعنا الجبلية في كوردستان واضطررنا اللجوء إلى
دولة البعث في الطرف السوري.. إذن سنخترق ليلا تلك الحدود الممنوعة نهارا بين طرفي
البعث إن لم نقع في قبضة هذا الرجل .. لا تبادل في الدخول إلى دولتا الطرفين عبر
هذه الحدود شرعا وفق قرارات خلافية بين البعثيين في الطرفين .. سنوات طويلة والحرب
المخابراتية هي الوحيدة (الشرعية ) و الناشطة ليلا بينهما عبر هذه الحدود .. ويصادف
أن يعبرها المهددون بالفناء في الطرفين أناس من أمثالنا .. يجري استقبالهم في
الطرفين ليس لأنهما حريصان على هؤلاء الضحايا بل همهما الوحيد استخدامهم كأوراق ضغط
كل ضد الطرف الآخر .
حان الوقت أن نجرب قدرتنا على مواجهة أسئلة ربما محرجة سيوجهها إلينا هذا الانضباط
، فقلت ينبغي أن أتظاهر بأنني لست مهزوما من حرب رجحت كفتها لصالح الفيالق العسكرية
التي ينتمي إليها هذا الانضباط .. فسرعان ما تذكرت إن لي سببا دفعني لزيارتي إلى
هذه الزاوية من نهاية أرض بلادنا في هذه الحدود المحفوفة بالمخاطر والشبهات والحرب
الجاسوسية ، كانت قصة أعددتها علها تقنع سامعيها من أفراد شرطة هذه السيطرات في
الأوقات الحرجة قبل أن يتخذوا قرارهم بتوقيفي أو شدة التحقيق معي .. هذه الزاوية
التي تكون منقذا في أحيان كثيرة لأناس كثيرين مثلنا رغم وجود البعث في الطرفين ..
واستعدت للدفاع عن هذه القصة طالما بقيت الاستفسارات والأجوبة محصورة بيننا وبين
الانضباط .. شعرت إن من كان في صحبتي سواء كان عائدا أم رفيقاي كانوا حريصين على
قدر كبير بالظهور بشكل طبيعي أمام تقدم هذا الرجل الأمني نحونا .. يا ترى ماذا
سيسأل وماذا سيقول ...؟؟ لحظات بطول عقد من السنين تفصل بيننا وبين سؤاله الأول ..
ماذا سيكون هذا السؤال الأول ونحن بين يديه ؟! هل هناك من مخبر دعاه يتقصدنا أم إنه
تقدم نحونا بسبب خطأ فهم عائدا له أو لإشارته وعدم ملاحظته لها .. ؟؟ هل سنرتبك
أمام سؤاله أم سنكون واثقين من أنفسنا ، ونستطيع خداع الانضباط ..؟ بدأ يقترب من
سيارتنا .. حاولت أن أعرف ما إذا كان قد أعد لنفسه سؤالا محددا لكي يوجه به إلينا .
لم أدرك ذلك تماما ولكنني كنت مصرا على قصتي التي وجدتها مناسبة لمثل هذا الموقف
الحرج .
الصمت أصبح سيد الموقف ، ولازلنا ننتظر وصول الانضباط .. لازلنا ننتظر السؤال الأول
الذي يوجه في نقاط التفتيش في حالة حرجة كحالتنا .. هل سيشبه هذا السؤال الأسئلة
الاعتيادية أي عندما يكون المرء في وضع طبيعي ويوقف في نقاط التفتيش..؟ وسط كل هذه
التساؤلات والرهبة اخترق صوته مسامعنا قائلا ، وين رايحين شباب ..؟؟ سأل ولما تزل
بطنه المنفوخة الضخمة التي يدور حولها حزام عسكري تقترب من نافذة السيارة من جهة
السائق وهو يتكأ على قمرتها بكلتا يديه ، حاجبة عنا رؤية أي شيء عبرها ، إذن هذا هو
سؤاله الأول ، وعلينا أن نجيبه ، لم يكن هناك أي أتفاق حول من يبدأ بالحديث أولا ..
ولكن عائدا حسم الموضوع وأجبر الانضباط أن يختار من يسأله ، لكي يتلقى إجابته وما
سيتخذه من إجراء ، إذا قال أنا سائق سيارة أجرة وهؤلاء هم ركاب سيارتي مقابل أجرتهم
لذا تستطيع توجيه هذا السؤال إليهم .. أعاد رأسه قليلا إلى الخلف سائلا أبو أمل (
هويتك عيني ) أعطاه أبو أمل هوية باسمه كانت لطلبة الجامعات وكانت تلك هويته
الأصلية عندما كان طالبا في الجامعة ولكن النصير كفاح تدخل لغرض تصغير عمره وبما
يتناسب مع المرحلة الدارسية المفترضة لأبو أمل ، فلما رآها الانضباط وقرأ فيها إنه
من أهالي بغداد قال له ( يابه أنت من بغداد أش جابك هنا) رد أبو أمل قائلا أنا طالب
وأدرس في الجامعة ولي زميل يدرس معي في نفس الكلية وهو صديق عزيز عليً ومن أهالي
ناحية سنونى .. سمعت بأنه مريض ، لذا أسرعت بالذهاب إليه وزيارته للاطمئنان على
صحته .. أقترب أكثر من نافدة السيارة الخلفية وأعاد هويته إليه من غير أي تعليق على
روايته ، ولكنه بدأ موجها حديثه هذه المرة إلى أبو ظاهر .. (وأنت أخونا هويتك بدون
زحمة ) مد أبو ظاهر يده ليقدم هويته إلى الانضباط ، فتفحصها وأردف قائلا ( وأنت أش
عندك هنا أستاذ)،( لما وجد إن هويته هي هوية مهندسين )كان قد أجرى النصير كفاح بعض
التعديلات عليها لكي يستطيع أبو ظاهر التنقل بها .. وجدت أن أبو ظاهر هو الآخر قد
أعد له قصة أراد منها أن تقنع الشرطة في نقاط التفتيش والتي رواها قائلا .. كما
تلاحظ فأنا مهندس واعمل في مدينة الموصل في مقاولات وأعمال مختلفة واشتركت مع زميل
لي وهو من أهالي أحدي المجمعات القريبة من هنا في مشروع معين ، ومنذ عدة أيام جاء
بزيارة إلى أهله وبالرغم من مرور الفترة التي كان من المفترض أن يعود خلالها إلى
حيث عمله ، فإنه لم يأتي لحد الآن لذا تجدني هنا للذهاب إليه بخصوص ضرورة التحاقه
بالعمل ومتابعة المشروع .. فكما لم يعلق على رواية أبو أمل فإنه لم يعلق على رواية
أبو ظاهر أيضا ، بل أعاد جسمه مرة أخرى نحو النافذة الأمامية للسيارة مناديا ( أنت
الكاعد لكدام أنطيني هويتك ) أخرجت هويتي من جيب قميصي وقدمتها إليه مع ابتسامة
خرجت بصعوبة بالغة ولكنها غير مشكوك فيها ، قرأ في هويتي عنواني الأصلي الذي حرصت
على أن أدونه في هويتي المزورة .. فقال ( وأنت أش جابك من ألقوش لهنا يابه ) كانت
قصتي جاهزة ولكن كان عليً أن استرسل في سردها بشكل طبيعي كي تكون قادرة في الـتأثير
بالانضباط وأبعاده عن أية شكوك ربما مرت في خاطرته ضدنا ، وكنت واثقا من أن كل من
أبو أمل وأبو ظاهر بذلا جهدا في هذا الاتجاه .. فقلت أن والدتي أصلا من التجمع ....
الفلاني ، وهناك في القرية سمعنا إن خالي مريض وفي حالة حرجة ولما كانت والدتي
كبيرة السن كلفتني كي أتحمل عنها عناء ومشقة الاطمئنان عليه ، وخصوصا لما كنت
الوحيد من بين أخوتي متفرغا في هذه الأيام .. أعاد الهوية لي مرة أخرى دون تعليق في
هذه المرة أيضا ، ولما انهمك لكي يتراجع ويتركنا كي نواصل طريقنا الأمر الذي أثلج
قلوبنا ونحن على وشك الخلاص من أسئلة محرجة قد تخطر على باله وجدته في لحظة ما يقول
مخاطبا الجميع (نحن) ، هل ستعودن هذه الليلة ..؟؟ لم أنتظر طويلا وحاولت أن احسم
الموضوع ، فقلت أنا شخصيا سأعود لأن والدتي تنتظر بلهفة أي خبر عن شقيقها ، ولن
أتأخر عنها وخصوصا إذا كان الوقت مساعدا لعودتي .. أما أبو أمل فقد قال أنا لا
أستطيع العودة في هذه الليلة ولكنني بالتأكيد سأعود غدا .. وكانت إجابة أبو ظاهر ..
إن عودتي تتوقف على رغبة زميلي المهندس ولكنها في كل الأحوال لن تتجاوز الغد ...
مرة أخرى انتظرنا قراره الصعب ، هل سيتركنا أن نواصل ، هل تولدت لديه شكوكا حول
رواياتنا .. هل كانت رفقتنا في سيارة واحدة موضع ريبة لديه .. هل يتركنا و اقتنع
بأنه أدى مهمته على أكمل وجه ..وليكون هؤلاء من يكونون ..؟؟ هكذا نظرت إليه وهو
يتوقف للحظة سريعة قبل أن يقرر أي شيء بخصوصنا وجدته يريد أن يفعل شيئا عندما تحركت
بجسمي مقتربا من نافذة السائق أنتظر قراره واضعا يدي على كتف عائد ولكنني لم أستطيع
تخمين ما سيقدم عليه ، وجدته ينحني مرة أخرى وهو يقول أعيدوا هوياتكم إليً .. لم
يكن هناك متسع من ألوقت أن احدد مدى قلقنا ، فلاشك إنه كان عظيما وكم تمنيت أن لا
تتواصل الأسئلة ، و لم ندرك ما سبب دعوته بإعادة هوياتنا إليه ثانية ، هل سيفحصها
ثانية أم ماذا..؟ هل هذه بداية اعتقالنا .. ؟ و هل يعتقل المرء هكذا بسهولة لا حول
ولا قوة له ..!! بعد أن جمعها في يده اليمنى ومسك بها من أحدى زواياها وأصبح يضرب
بها على يده اليسرى قائلا عندما تعودون في هذه الليلة أو غدا ، يمكنكم مراجعة تلك
الغرفة للاستفسار عن هوياتكم .. ولكن حذا ري أن لا تعودا .. إذ عندها سنضطر إلى غلق
الحدود .. كانت إشارته إلى الحدود أمرا خطيرا شعرت بأن شكوكا حادة تدور في رأسه
ولكنها لم تصل لحد إعلان قراره أو تنفيذه بإيقافنا ووضع أيادينا في سلاسل حديدية
وقيادتنا إلى جهة مجهولة ينتهي أمرنا هناك . بعدها قال ( يله) تفضلوا .. بين أن
نصدقه أو لا نصدقه قرصت عائدا من مكان ما في جنبه اليمين كي ينطلق .. ولما ابتعد
عدة خطوات دعوته أن يسرع بقدر ما يستطيع .
كانت آمال بقية الأنصار والرفاق معقودة على نجاحنا في هذه المرة لكي يبدأوا بإرسال
المجاميع بأكثر من سيارة واستغلال أكثر من مصدر ونقطة إنطلاق إلى المدينة والإسراع
في نقل الرفاق ولكن ما حصل سيكون عاملا معرقلا للعمل المقبل وسيؤثر سلبا على حماس
الرفاق ... قلت لعائد إنني لم أعد قادرا على العودة ثانية ، لأنهم بالتأكيد
سيتعرفون عليً بعد فحص هوياتنا ، لذا فإن في عودتي خطورة بالغة ، ولهذا السبب ستعود
وحدك وبالتأكيد ستبلغ الرفاق بتفاصيل ما جرى ، حال عودتك من هنا في الغد وعليك أن
لا تغامر بالعودة في هذه الليلة ،عد غدا فهو أفضل .. وأحكي لرجال نقطة التفتيش أية
قصة تجنبك مشاكلهم ، إن أوقفوك وسألوك عنا ، فردني قائلا ، سأتأخر إلى الغد إذ
سأذهب إلى أحد معارفي في أحدى هذه المجمعات و سأعود غدا في وقت متأخر ، وسأتدبر
أمري في نقطة التفتيش أيضا ، ولكن هلا قلت لي كيف يمكنني الاتصال بهم ، أي بالرفاق
في الكه ند ..؟ في الحقيقة كان هذا الأمر صعبا لم استطع أن أدله في الحال على طريقة
للاتصال ، لأنه كان الاتفاق أن أعود مع عائد وتحديد أماكن اللقاءات لاستلام
المجاميع وإيصالهم إلى المحطة السرية بعد هذه الجولة ، ولكن الأمر أختلف اليوم ،
فحدث ما لم نكن نتمناه ، ومما يؤسف له إننا لم نحسب لمثل هذا الأمر جيدا . أي لم
نضع خططا بديلة تساهم على تمشية العمل بشكل سلس في مثل هذه الحالات ، على أية حال
كان قلقنا كبيرا على الرفاق وأن يؤدي ما حصل معنا في نقطة التفتيش إلى عرقلة العمل
بشكل كامل .. و لكنه رغم الذي حصل شعرنا بفرح غير قليل بعد انفلاتنا من قبضة ذلك
الانضباط الذي سيعض أصابعه إن كان عنصرا سيئا أو يتعرض إلى عقوبة من وزن ثقيل إن
كان من الطيبين جراء ( حماقته).
قلت لعائدا أن يذهب إلى نفس المكان الذي التقى بنا فيه ،