المحطة السابعة

ها نحن نلتقي مرة أخرى بأهالي قرى منطقة عملنا بعد أيام ثقيلة أهلكتنا كثيرا من غير أن نقاتل .. وكيف نقاتل ومن حولنا جيش عرمرم ومدجج بأسلحة غير تقليدية تقتل الإنسان لمجرد الاستنشاق العادي إنها تهب مع الريح ،إنها رياح صفراء عاتية ، إنها غازات سامة ، إنها الخردل والسيانيد...؟!

جيش لم يبارح المعركة مع إيران إلا منذ أيام قليلة . لازالت رائحة البارود تلف حوله وتفوح منه بقوة وتهيجه لمواصلة المزيد من القتل في كوردسان ولكن هذه المرة قتل كل شئ وبهمجية لم يسبق لها مثيل .. كيف نقاتل والقرار هو الانسحاب ..؟ وبالنسبة لنا كان هذا القرار في الواقع مفاجأة غير محسوبة لأنه لم يكن قرارنا نحن بالرغم من إنه كان ضروريا لتفويت الفرصة على هذه القوات المتقدمة وإنما فرض علينا وأصبح أمرا واقعا بسبب بدء النزوح الجماعي لسكان المنطقة والتي أصبحت على حين غرة خالية تماما من غير أن ندري . وهنا لابد من التـأكيد أن مفاجأة القرار كانت تكمن في وقت اتخاذه والذي جاء متأخرا وقتما أحكمت قوات النظام سيطرتها على أغلبية المنافذ الحدودية ووقتما كانت هناك توجيهات تدعو إلى المقاومة.. ودون أن تكون هناك دراسة للإمكانيات القادمة أو استعدادات معينة حول تغيير وجهة العمل البارتيزاني أو الانسحاب المؤقت مثلا وضرورة معالجة وضع العوائل بشكل يحافظ على حياتها ويساهم في تحرير أعداد ا من الأنصار أصحاب العوائل لمواصلة الكفاح ، أو نقل القضية إلى الخارج لكسب دعم دولي .. وغيرها من الإجراءات التي كان من شأنها أن تساهم في التخفيف من وطأة هذه الحملة العنيفة وخسائرها . فكانت حربنا قد أصبحت حرب مواجهة خرجت من نطاق كونها حرب بارتيزانية حيث كانت تشارك أعداد كبيرة من القوات في معارك جبهوية كانت تستمر لعدة أيام وعلى أراضي واسعة عندما كانت القوات العسكرية للنظام منشغلة في الحرب مع إيران و تحولت إلى حرب شبه شعبية شاركت فيها الجماهير عبر تشكيلات المقاومة الشعبية ، ولكنها كانت تنقصها المزيد من المستلزمات وقبل كل شئ عدم التوصل إلى حقيقة نوايا السلطة بعد أن تتوقف الحرب ، ولذلك لم يجر إتخاذ أي إجراء ضد هذه النوايا .

التقينا الناس وهم في حالة شديدة من الانكسار أمرهم شبيه بأمر جيش مهزوم من المعركة وهو يتقهقر أمام اندفاع عدو شرس باغتهم وفاجأهم بعديده وعدته ولكنه يفضل الموت على الاستسلام ، التقينا هم بعد أن كانوا يعتقدون بأنهم سيصلون بسهولة إلى الحدود التركية وبذلك يتخلصون من قبضة عساكر النظام و إجراءات أجهزته القمعية ولكن شاء القدر أن يرغم هذا العدد الكبير والبقاء معلقين في قمم كارة لكي تكون شاهدا على معانات إنسانية قل مثيلها . فلم يكن هناك ما هو طبيعي في هذه البقعة من كارة الذي قاوم المعتدين في أحلك الظروف . شعرنا إنه (كارة) يستعد هذه المرة لمعركة أخرى تختلف عن المعارك السابقة والتقليدية لا خيار فيها للمقاتلين غير خيار هذه القوات المتقدمة وهو الإجهاز على التواجد البشري في ريف كوردستان .

فمنذ ليلة أمس أصبحت هذه آلاف تتدفق من كل مكان وواد باتجاهه يتسلقون قممه الشاهقة ليخوضوا معركتهم مع الجوع والعطش والبرد وهم في حصار يفرضه ذلك الجيش متربصا لهم بالقتل كيماويا حينما يأتمر بأمر أحد قادتهم . كنت تجد في سيانى وهي منفذ صعودنا باتجاه القمة كل شئ يدمى له القلب ، امرأة لها من الأطفال عدد لا أتذكره كانت تصيح فيهم باكية لللحاق بها نحو قمة الجبل الذي لم يبلغوه قبلا غير بضعة خطوات صعودا عندما كانوا يلعبون في طرف قريتهم ما قبل زمن القصف والقتل بالكيماوي وقبل أن يسمعوا باسم سيد هذه الأسلحة القاتل المتوحش علي كيماوي ، امرأة أخرى تركت التنور مشتعلا دون أن تستطيع صنع رغيف واحد يساعدها وعائلتها على مقاومة الجوع القادم ، شيخ ينادي (فه رمانه ..هاوار.. فه رمانه )* ( داي وه له د هافيت) * ولم يكن يعني هذا الشيخ إلا الحقيقة بعينها عندما تركت امرأة أخرى مولود ها في (كه لي كافيا ) وهو في ساعاته الأولى . من يحكم هذا العالم يا ترى .. ولماذا لا يتحرك ضميره ويرفض هذا الظلم ..؟ تمتم أحد الأنصار بذلك وهو يراقب المشاهد بهدوء ويغسل جورا به بعد ليلة متعبة من السير بماء يتدفق من نبع صافي يقع في أعلى كه لى سياني وينحدر نزولا يلف القرية إلى نصفها ثم يتجه نحو باب الوادي حيث بساتين القرية التي تسقى منه لتشكل مصدر معيشة سكان القرية الأساس .. صاح رفيقنا المسئول العسكري استعدوا أيها الرفاق للصعود دون تأخير ، حملنا معنا ذلك العجين الذي تركته امرأة من هذه القرية وسرنا في الإتجاه الذي يسير فيه بقية الناس كان صعودا حادا يثقل من تعبنا كثيرا ولكن المشاهد المأساوية والكثيرة حولنا حالت دون نشعر إلا بها ، صرنا نساعد الأطفال على الصعود و نحملهم على ظهورنا المحملة بالعتاد والسلاح الشخصيان وكمية من الأغذية وما إلى ذلك ، كانت هذه المرأة والدة عدد من الأطفال تحمل فوق ظهرها ثقلا يعيقها من الحركة وكانت أبنتها ذات السنوات الستة تحمل شقيقها الرضيع على ظهرها و خلفها أطفال آخرون و بقية أخواتها وإخوانها كلهم كانوا بعمر الورود وكان مشهدهم يثير الكثير من الألم وخصوصا عندما كانت تلك الطفلة الصغيرة بين كل عدة خطوات تتدحرج نحو الأسفل مع ذلك الرضيع مما اضطررت رغم كل مإ كنت أحمله أن أحمل الرضيع على ظهري أيضا وعندما بلغت القمة جلست على طرف من الطريق منتظرا وصول والدة الطفل وجدت شابا يحمل الكثير من القلق يبحث هنا وهناك وينتظر قوافل الناس الصاعدة إلى قمة الجبل ولما وقعت عيناه علينا أنا والطفل أقترب وتفحص الطفل فسرعان ما قال أن هذا الطفل لي وأنا أبحث عنه فقلت له أن بقية عائلته ستصل بعد قليل .

بعد خطوات من وصولنا إلى القمة التقينا بالعديد من المعارف من أهالي هذه القرى وكان أولهم محمد رشيد سواري وهو أحد أقرباء رفيقنا أبو فيلمير سألته عن رفاقنا فأشار إلى مكان تواجدهم ، ومن هنا كنت تجد تدفق الناس إلى هذا المكان على شكل مجموعات متعددة تظهر من كل اتجاه متجمعة في هذا المكان الذي يمكنه أن يستوعب الكثير من البشر مع كل همومهم . مجموعة هنا وصلت للتو سرعان ما التصق اجساد أفرادها بالأرض بسبب التعب والإرهاق الشديدين والخوف وأخرى تغرق في نوم عميق وثالثة تحاول أن ترتب مكانا لها وقطيع غنم يسرح بين هذه المجاميع لا يعرف أحدا لمن يعود ، ولا أحدا يأبه بعائديته له وما أكثر هذه القطعان التي تحولت لحساب رؤساء ومستشاري الأفواج الخفيفة عندما تركها أهلها في مراعيها ضمن قراهم .. وهكذا كان العشرات من المحاصرين يسألون عن آباءهم وأمهاتهم وأطفالهم وأقرباءهم وأهالي قراهم الذين تاهوا بعضهم بعضا ، صرخات الأطفال ترتفع خوفا فإنهم لم يدركوا تماما ما الذي يجري وما تخبئه لهم الأيام القادمة وهم في يومهم الأول ويحصلون على الخبز بطريقة مقننة فكيف ستكون الأيام التالية ، بكاء النساء يتصاعد وهن يشعرن قبل غيرهن بحجم كارثة كل واحدة منهن حتى وإن لم تكن تفكر بأنها نفسها ستكون الضحية مثلها مثل الرجل المسلح والمقاوم . لا فرق في هذه المعركة الغير متكافئة بين رجل تحدى الجيوش ببندقيته البرنو وخلف صخرة في أحد جبال كوردستان وبين امرأة لم تخلف بعد مقاتلا من وطن هذه الجبال أو فتاة تتأمل الاقتران بمقاتل أو طفل لم يحارب أو لم يتعلم الحرب بعد أو شيخ عجزته كهولته عن الحرب والمقاومة ... مناداة الرجال لمفقود يهم تعلو وتملأ الوديان القريبة من هذه المنطقة حقا إنه( فه رمان ) لا يعرف أحدا كم من الدماء ستكون ثمنا لهذه الجريمة الوحشية .

كان هؤلاء الناس في المعارك السابقة أقوياء يشاركون بشجاعة في التصدي لغالبية هجمات قوات الجيش العراقي والمرتزقة ، بل يشاركون في توجيه ضربات موجعة لمواقع هذه القوات وكان التصدي المشترك للكثير من هذه الهجمات يتحول بالنسبة إلى الشبيبة الريفية إلى مناسبات لإظهار قدراتهم القتالية وفرص جيدة لتوثيق العلاقة بين أطراف عشائرية متنافرة وإزالة أسبابها ولكن اليوم ليست بيدهم حيلة.. فالعوائل تعيقهم والأسلحة الكيماوية تتهددهم . وأسباب تواجدهم هنا في هذا الحصار تستعصي على الفهم للكثير منهم ربما كان كل فرد منهم يفضل الموت بعد قتال في أطراف قريته أو أن يجري اقتياده من قبل هذه القوات المتقدمة من أطراف قريته بعد أن يستسلم لها عندما تنتهي كل وسائل المقاومة ولا يهم كيف سيكون مصيرهم فقدرهم كان دائما أن يدفعوا الضريبة جراء رفض ظلم الحكومات الشوفينية حتى ولو كانت هذه الضريبة حياتهم ، إذ كانوا مستعدين لها كما فعل الآخرون من قبلهم وضمن هذه الحملة نفسها التي بلغت ضحاياها البشرية وفق الوثائق الرسمية 182 ألف كوردي و4500 قرية مع كل ثرواتها الطبيعية والحيوانية .

وعندما تجد الإصرار لدى الناس حتى في حالات ضعفهم الشديدة والاستعداد للتضحية.. نعم الاستعداد للموت وهم يدركون تماما أن عدوهم لا يأبه بضعفهم فيحسبون أن قدرهم هو هكذا وأن هذا الضعف ليس إلا استعدادا للموت من اجل قضيتهم وليس استسلاما أو تسليم راية.. فهنا يطرح السؤال نفسه لماذا تم زجهم في هكذا موقف ضعيف وهذا الشكل من التضحية أو الموت ..؟ ألم تكن مقاومة هذه القوات المتقدمة في أول قرية تقع على طريق تقدمها خيارا أفضل من أن يدفن هذا العدد المذكور أعلاه في الرمال وفي مقابر جماعية انتشرت في كل مكان من العراق بعد أن واجهوا المزيد من إهانة كرامتهم الإنسانية ..؟!! ولحد الآن لم يتم العثور على مقابر الآلاف منهم ولا يستطيع ذويهم زيارة مقابرهم ووضع أكليل ورد عليها في المناسبات .. أم كان لابد من بروفة ثمنها هذا العدد من الضحايا لنقل القضية إلى الساحة الدولية بعد أن استنفذت كل الوسائل الأخرى من أجل تحقيق ذلك ..!! وكان للسياسة حساباتها الخاصة ...!!!!

المحطة الثامنة

أنصار يتحدثون عن العوائل وقرار الانسحاب


تقدمنا وسط هذه الأعداد الهائلة من البشر والذين ينتشرون بين صخور جبل كارة و قطوعه وأشجاره نحو موقع تواجد رفاقنا والعويل لا يتوقف وأصوات الإنفجارات و اطلاقات البنادق لا تتوقف هي الأخرى ، فأصوات الإنفجارات كانت إشارة على أن هذه القوات دمرت قرية خلفتها وراءها بمواد متفجرة وأصوات اطلاقات الأسلحة الخفيفة كانت إشارة دخول واحتلال طلائع هذه القوات لقرية جديدة وعادة ما كانت هذه الطلائع من وحدات الجحوش المرتزقة وهم يزفون بشرى جريمتهم أللأخلاقية لبقية قواتهم الزاحفة وراءهم نحو هدفهم النهائي وهو إحكام الحصار التام حول كارة وذلك بسبب معرفتهم بوجود هذا العدد الهائل من سكان هذه القرى مع البيشمه ركه والأنصار في حلقة حصارهم في هذا الجبل ، وأشارت التوقعات إلى أن عدد المحاصرين كان يزيد على ألـ ( 15) ألف إنسان اعتمادا على احتساب عدد القرى التي كان ينتمي إليها المحاصرون وعدد نفوس سكانها التقريبي وغالبية هذه القرى كانت قرى مناطق عملنا ولذلك كنا نلتقي بأعداد كبيرة من المعارف من مواطنيها بين كل دقيقة وأخرى وأثناءها يتولد عند المرء شعور غريب وهو يقف أمام هؤلاء الناس لا حول ولا قوة له ، ويردد في داخله ما ذنب هؤلاء الأبرياء وهم يتعرضون إلى كل هذه المصائب وقد تكون المصيبة الحالية أكبر كارثة في تاريخهم..؟ لم نكن نستطيع أن نفعل شيئا من أجل هؤلاء كلنا كنا نتعرض لنفس المستوى من المخاطر على الأقل في بادئ الأمر حتى وإن تغيرت المسألة بعد ذلك .

في الطريق إلى حيث رفاقنا وعوائل أنصارنا رأينا عشرات المواقف المحزنة ولكن التفكير بما سيحصل لهؤلاء الناس بشكل جماعي وهم في هذا الحصار سيطر على أي شئ آخر.. فهل يستطيع المرء أن يتخيل من أين سيحصل هؤلاء البشر على طعامهم وشرابهم وهم معلقين في قمم هذا الجبل ووديانه ..؟ هل ستستمر هذه القصة أم ستكون لها نهاية ..؟ وكم ستستمرحتى تبلغ نهايتها في ظل الجوع والبرد والخوف والأمراض ..؟ وكيف ستكون هذه النهاية وسط هذه الكم الهائل من القوات المهاجمة والمسلحة بأخطر أنواع الأسلحة ...؟ لا يمكن للمرء أن يتخيل غير نهاية محزنة ومأساوية لهذه الآلاف من البشر . فلم يكن بامكانه أن يتخيل غير ذلك وضربة مقر أنصار حزبنا في زى شين وأحداث حلبجة والضربات الكيماوية في المناطق الأخرى لازالت طرية في الأذهان وكان عدد ضحايا مدينة حلبجة لوحدها قريبا إلى عدد المحاصرين في هذا الجبل ،أي 5000آلاف شهيد و7000 آلاف جريح ..؟ فهل ستخجل السلطة لو أقدمت على مثل الجريمة مرة أخرى وقتلت هذه الآلاف المحاصرة ..؟ ومن سيردعها عن ذلك إذا أرادت ..؟ فكل المجتمع الدولي أصبح إلى جانبها وتمتنع الاعتراف بحقيقة كون النظام أستخدم هذه الأسلحة ..! ولم يكن لنا أصدقاء في هذه المحنة ، نعم إنه استخدم الأسلحة الكيماوية ..أستخدم غازات سامة لم نكن نتداول أسماءها من قبل كغاز الخردل أو السيانيد أو الماء الأصفر وما إلى ذلك ، وما بالك وإنها أصبحت تستخدم على نطاق واسع ضد سكان كوردستان كأسلحة فتاكة وأن هذه الآلاف ستموت لا محالة بواسطتها وبطريقة بشعة ...!! اعتقد أن كل واحدا منا دارت في مخيلته مثل هذه الأسئلة والكثير غيرها ونحن نلتقي الناس والمعارف وكان الحزن المرسوم على وجوههم يؤكد بشكل لا يقبل التأويل على بشاعة ما كان ينتظرهم جراء كل هذا .

وكما كنت تجد المحاصرين من سكان هذه القرى يحملون هموما لا تستطيع كل الدنيا تحملها ،هكذا وجدنا أنصارنا وعوائلنا أيضا يحملون حصتهم من هذه الهموم والحيرة في نفس الوقت بعد أن ألتقيناهم في مواقع متفرقة ضمن هذا المكان تحسبا لأي طارئ . فرغم شدة بأسهم قبل هذا الوقت كنت تجدهم في حيرة لا يحسد عليها ... أصبحت كل الطرق مغلقة بوجوهنا وها هي العوائل تعيقنا ... لا نستطيع أن نقدم لهم شيئا بعد الآن ... ولا نستطيع أن نجد حلا لهم في ظل هذا الحصار ... ونحن الآن هنا تأخر كل شئ ...علينا ان نقبل بمصيرنا المحتوم ... فلان يتحمل مسؤولية تأخير العوائل ... هذه عوائلنا سنموت من أجلها وندافع عنها من أجل خلاصهم ... نحن لو كنا لوحدنا لاستطعنا أن نجد لنا طريقا تنقذنا ... ولكن المشكلة هي مشكلة العوائل ... لماذا تأخرتم في عملية ترحيلنا....؟ كان هناك متسع من الوقت أن نصل إلى الحدود قبل نقع في هذا الفخ ولكن الرفاق أهملوا ذلك ... صحيح كان هناك الوقت الكافي لنقل العوائل إلى الجهة الثانية ولكن كان من شأن ذلك إثارة بلبلة بين الناس في المنطقة وهذا ما لم نكن نرغب به ...كان من الضروري اتخاذ الإجراءات اللازمة بصدد إبعاد العوائل إلى مناطق آمنة بسبب شراسة النظام ودمويته التي لم تفرق بين طفل ومقاتل..هكذا تكلم الجميع بين مستاء وبين من يقول أن الأحداث كانت سريعة لم تترك لنا فرصة جيدة للتفكير واتخاذ ما يلزم لتجنب مثل هذا الوضع وعموما كانت المواقف غير واضحة وأصبحنا في وضع صعب .

ولأجل التوصل إلى حقيقة الوضع ارتأيت ضرورة تدوين إجابات بعض الرفاق الأنصار عن تلك الأحداث كي تصبح الصورة أكثر وضوحا وهم يجيبون على سؤالين مترابطين في الواقع وهما – لماذا تأخر اتخاذ قرار بنقل العوائل إلى مناطق آمنة علما كان بإمكان الرفاق اتخاذه بهذا الشأن حسبما عرفت هل هذا صحيح ..؟ - ما هو تصوركم حول مجمل الوضع لماذا تأخر الانسحاب إذا كان لابد منه دون مقاومة ..؟ فكان من شأن الإسراع به تجنب كل تلك الخسائر والمصاعب ..!

أبو سربست (صبحي خضر حجو) كان حينها عضوا في اللجنة القيادية الجديدة للمحلية ، فقد خمسة من أفراد عائلته ضمن هذه الحملة فتحدث قائلا وهو يجيب على السؤالين أعلاه .

لا يمكن الإجابة على هذا السؤال بإجابة واحدة ، إذ كانت هنالك عدة أسباب ضمن تلك الظروف التي كان فيها الوضع متشابكا وضبابيا إلى حد كبير وكان مفتوحا على جميع الاحتمالات ، ولكن في كل الأحوال كانت الآفاق قاتمة والآمال تنعدم تدريجيا أمام الأنصار وأهالي المنطقة . أما الأسباب فكانت برأيّ كالتالي :

1 ـ لم يصلنا ( منطقة بهدينان ) توجيه قيادة الحزب الصادر ( حسب ما عرف فيما بعد) في شهر شباط 1988 . والذي طلب إبعاد العوائل إلى المناطق الآمنة . وإذا كان قد وصل فإننا لم نبلغ به من قبل المسئول الأول آنذاك أبو سالار ( لبيد عباوي ) ، أو من قبل قاطع بهدينان نفسه ، بدلالة إن الفوج الثالث أيضا لم يتخذ التدابير الاحتياطية لرفاقه و عوائلهم إلا قبل إحكام سيطرة الجيش والجحوش على مناطقهم بيوم أو اقل من ذلك ، ورغم أنهم كانوا قريبين جدا من الحدود ولكن بصعوبة بالغة تمكن الأنصار وعوائهم مع مجاميع من الأهالي من عبور الشارع الرئيسي بين ( مجمع باطوفا ) و(كاني ماسي )، بحيث تم حصر المئات من الأهالي في ( كلي بازي) وجرى الحديث عن حصول مجزرة لهم على يد القوات العراقية .

2 ـ تأخرت اجتماعات القيادة في منطقة خواكورك ، وانتظرنا التغييرات المرتقبة ، وتأخر وصول الرفاق ( ممثلي القاطع والأفواج ) الذين كانوا مشاركين فيها حتى نهاية تموز أو بداية آب من نفس العام . وبعد وصول ابو سالار وعقد الاجتماعات للنظر في تطبيق القرارات المتخذة ، دعي إلى اجتماع بحضور الأنصار أصحاب العوائل ودعي فيه إلى إبعاد العوائل من المقر وأطرافه إلى مناطق أخرى على الأقل بضعة كيلو مترات . ولم يقتنع في حينها أي من أصحاب العوائل بما فيهم نحن أيضا . إذ عبرّ الجميع عن قناعتهم بعدم جدوى هذا الحل ، وإذا ما حصل الهجوم فانه سيشمل المنطقة برمتها ، ولن يقتصر على المقر فحسب . ولكن سقط بيد الأنصار بسبب عدم وجود البديل الجاهز من الحلول الأخرى على المستوى الجماعي على الأقل .

3 ـ بذلنا أنا والرفيق حسين حجو كنجي ( ابو عمشة ) محاولات ومن وقت مبكر مع أبو سالار المسئول الأول للمحلية ، و اقترحنا عليه إرسال العوائل إلى سوريا عبر طريق الخط السري للحزب ( التنظيم الداخلي ) . وضغطنا عليه كثيرا ، وتعذر بان عليه أن يستشير الرفيق المعني بالطريق السري ويسأله عن مدى توفر الإمكانية لنجاح هذه العملية ، فان أجاب ذلك الرفيق بالإيجاب ستتم الموافقة وإذا كان الجواب سلبيا ، لن نستطيع الإقدام على مثل هذه "المغامرة" .

وبعد فترة وجيزة اخبرنا أبو سالار: بان جواب الرفيق المعني كان سلبيا وانه لا توجد إمكانية لمثل هكذا عمل !

وفيما بعد ، وبعد الانسحاب إلى سوريا ، سألنا ذلك الرفيق المعني والمسئول عن ذلك الخط الحزبي السري ، سألناه حول الموضوع ، وأجابنا : نعم ، سألني أبو سالار وكان جوابي له ، انه توجد إمكانية جيدة لنقل العوائل كلها في حالة موافقة الحزب !! وقد شكّل جوابه لنا صدمة كبيرة جداً !! إذ كيف يمكن لأبو سالار أن لا يكون صادقا معنا لهذه الدرجة ويخون الأمانة الحزبية ، ويخدع من منحوه الثقة الحزبية ، وكانوا معه في خنادق الموت وحموه طيلة تلك السنوات !! ، ويكون بذلك أبو سالار قد تحمل مسؤولية أخلاقية مباشرة لفقدان تلك العوائل...

4 ـ يظهر إن جميع الأحزاب وقواتها البيشمه ركه لم تضع التصور الصحيح أو التوقعات الصائبة لنوايا النظام وطبيعة عملياته القادمة ! فقد اعتمدت أسوء تلك التوقعات على إن النظام ربما سيشن هجوما اكبر من ذلك الذي كان قد شنه قبل اشهر من ذلك الوقت في (5 كانون الثاني من 1988) . حيث تم التصدي لذلك الهجوم بضعة أيام ، ونقلت العوائل أثناءها إلى مناطق خلفية أكثر أمانا ( كلي كافيا) . وبعد انسحاب القوات الحكومية عاد الأنصار و العوائل وأهالي القرى إلى أماكن سكناهم السابقة أو في القرى والأماكن البديلة في الوديان وسفوح الجبال . ولم تتوصل توقعاتنا ( جميع الأحزاب ) إلى احتمال أن يشن النظام هجوما كاسحا كالذي حدث مستخدما فيه الأسلحة الكيماوية أو الأسلحة المحرمة دولياً !! . بدلالة إن آخر لقاء بين القادة العسكريين للأحزاب المتواجدة في المنطقة من أحزاب الجبهة الكوردستانية قبل اقل من أسبوعين فقط من الهجوم ، كان قد تم فيه الاتفاق على تشكيل المفارز المشتركة وطرق وأساليب ووسائل التصدي للهجمات المحتملة والمتوقعة !.

5 ـ كما أن قيادة لجنة محلية الشيخان للحزب الديمقراطي الكوردستاني ( الحليف في الجبهة الكوردستانية ) أنذلك ، لعبت معنا لعبة .. لا نعرف ماذا نسميها ؟! ولكن في كل الأحوال كان تصرفا سلبيا وغريبا عن الروح النضالية المشتركة والعلاقات المعمدة بالدم في سوح النضال .. إذ اخفوا عنا القرار الصادر عن السيد مسعود البارزاني والقاضي بالانسحاب الشامل للبيشمه ركة والأهالي إلى مناطق آمنة خارج الحدود . وتمثلت الغرابة ، بأننا بعد أن لاحظنا في أيام 24. 25 ، و26 آب تصرفات أهالي القرى وارتباكهم ومحاولات الرحيل الجماعي ، أرسلنا وفداً بقيادة المرحوم أبو فارس ثلاث مرات في يوم واحد إلى مقرهم في ( سي ده را ) نسألهم فيها عن التطورات الجديدة وفيما إذا كانت هنالك أية أخبار استثنائية من القيادة ونذكرّهم بحال الأهالي وترحالهم ، فكانت إجاباتهم بأنهم لا يعرفون شيئا وليس هنالك من جديد ! وتكرر الأمر لليوم الثاني وكانت إجاباتهم هي نفسها !. وهم بذلك فوتوا علينا فرصة يومين ، كان بالإمكان خلالها إن نعبر النهر باتجاه الحدود الإيرانية والتركية ، بدليل إننا بعد أن رحلنا فيما بعد ، بقيت لنا مسيرة يوم واحد وكنا نعبر ذلك النهر ونصبح خارج سيطرة القوات المهاجمة . ولكننا حوصرنا ولم نستطع مواصلة المسير.

وقد كان وقع هذا التصرف على الأنصار و عوائلهم شديداً وبالغ القسوة والتأثير . وقد طرحته على شكل تأنيب قاسي على المرحوم ( علي حسن خنسي) الذي كان هو المسئول الأول في محلية الشيخان آنذاك ، عندما التقيته في دمشق بعد الأحداث بعام . وعبّر عن أسفه ولم يستطع أن يعطي تفسيراً مقبولا لذلك التصرف .

6 ـ الأمانة والموضوعية تقتضي عند رواية هذه الأحداث ، أن يكون المرء صريحا مع نفسه والآخرين ، فقد كانت لما تسمى قضية الالتزام الحزبي الصارم والالتزام بالأصول وعدم تخطي المراجع و... الخ من القواعد والتعليمات الحزبية التي تربينا عليها نحن الكوادر ولأكثر من ثلاثة عقود ، الذين كنا نعيش فصول هذه القضية المأساة ( أنا والرفاق: أبو عمشة وتوفيق وابو داؤود وآخرين ) إضافة إلى إنها كانت تشكل لنا مسألة أخلاقية وجزء من تقاليدنا الاجتماعية الشخصية ، وان كانت هذه القضية ( صدق الالتزام ) في العمل الحزبي وفي مختلف المراحل لها إيجابياتها ، ولكنها في الحالة التي نحن بصددها كانت لها نتائج سلبية كبيرة علينا وعلى عوائلنا ، ولو لم يكن التزامنا بهذه الدرجة ربما اكرر ربما كانت النتائج ستكون بشكل آخر! . فمثلاً ، كان بامكاننا تجاوز هذه العادة في تلك الظروف ونسأل الرفيق المختص بالطريق الحزبي السري إلى (سوريا ) ، إذ كنا نعرفه ونحتفظ معه بعلاقات متميزة ، وتوفرت الفرصة لذلك ، وكنا بذلك نكشف خداع ذلك المسئول ، وربما كنا نتخذ قراراً في صالح تسفير تلك العوائل .. وان ليس بالإمكان إعطاء ضمانات أكيدة حول نجاح الخطة من عدمها في تلك الظروف الصعبة. ومثال آخر.. في تلك الظروف كانت بالتأكيد تتوفر إمكانيات عديدة ومتنوعة للبعض إذا لم اقل كل هؤلاء الكوادر المذكورة آنفاً، لو استخدموها بشكل فردي لأمكنهم إنقاذ عوائلهم ! ، ولكنهم انطلاقاً من تلك الروح الحزبية والمثل والأخلاق الاجتماعية التي تربوا عليها وتشربت بها نفوسهم ، منعتهم من التفكير كل بذاته أو بعائلته فقط ، وارتضوا أن يكون مصير الجميع واحداً ، مع العلم إن كل نصير ترك له الخيار بين تسليم العائلة ولكن بعد العفو أو التصرف بغير ذلك وعلى مسؤوليته الشخصية ..

وفي كل الأحوال لابد من تبيان حقائق أخرى أيضا :

الأولى : إننا طيلة فترة الحصار أرسلنا المفارز الكثيرة في مختلف الاتجاهات من اجل الكشف عن أي طريق أو منفذ يمكن أن نسلكه للوصول للحدود الإيرانية أو التركية ولكن تلك المحاولات باءت بالفشل . إذ فقدنا اثر بعض المفارز ، وبعض أفراد مفارز أخرى فقدوا اثر بعضهم البعض بعد تعرضهم إلى كمائن القوات الحكومية واستشهد على أثرها البعض منهم .

الثانية : إننا كنا محاصرين ومعنا آلاف العوائل في ( جبل كارا ) كما أشار الأخ ناظم ختاري ، وكان الحصار محكماً وفي العديد من الأحوال كنا نغامر ونذهب إلى الينابيع وعيون المياه من اجل ملأ ما يتيسر لنا من الأواني للعوائل والأطفال بشكل خاص ، إذ كانت القوات الحكومية هي التي تسيطر على تلك الينابيع ، وكانت تلك القوات تعلم جيدا بوجود ذلك الكم الهائل من البيشمه ركة و العوائل ، ولهذا أيضا كنا نتوقع في كل لحظة أن يصار إلى شن الهجوم الكاسح علينا أو قصفنا بالمدافع والراجمات أو قصفنا بالطائرات الحربية والسمتية إذ كانت دائمة التحليق فوقنا .

الثالثة : كان الاعتقاد سائداً آنذاك وبشكل خاص بعد العفو ( 6/ ايلول ) ، بأن أقصى ما يمكن أن يتخذه النظام من إجراءات ضد العوائل التي تسلم نفسها بعد العفو ، هو انه سيعمد إلى إسكانها في مجمعات في وسط وجنوب العراق ، أو ربما في كوردستان أيضا ولكن كاحتمال ضعيف .. وهذا ما جرى فعلاً ، باستثناء عوائلنا وعوائل أخرى من قرى المنطقة ، ولكن الأغلبية الساحقة أسكنت في مجمعات قسرية في كوردستان . وفي الانتفاضة عادت كل تلك العوائل إلى المدن أولا ومن ثم قراها وأماكن سكنها السابقة بعد أعمارها طبعاً .

توفيق ( خيري درمان) الذي فقد عائلته هو الآخر والمتكونة من 6 أفراد إضافة إلى أكثر من 25 فردا من أقاربه ضمن هذه الحملة و كان ح&#