اليزيدية.. بقايا الديانة الميثرائية

تأليف: توفيق وهبي

الترجمة عن الانكليزية لكتاب (Yezides are the remnant of Mithrism – by:

 Taufiq Wahbee): شوكت إسماعيل حسن
على الرغم من بعض تحفظاتنا بخصوص بعض الأفكار والطروحات التي وردت في بحث المرحوم توفيق وهبي المنشور أدناه، فإننا ارتأينا نشره تفصيلياً وحسب ما نشرته عام 1994 وذلك لأنه واحدا من الأبحاث التي تستحق الدراسة والتمعن ولانه ايضا لم ينل من الاهتمام الاعلامي اسوة بغيره من الدراسات..
شبكة لالش الإعلامية

الحلقة الأولى
الغرض من هذه الدراسة هو نشر ما اكتشفته سنة 1954 لأول مرة عن بقايا عناصر الديانة الميثرائية من المنحوتات والرقم التي تم استخراجها من (الحضر) جنوب غرب (الموصل) من آثار الميثرائية في اليزيدية.
ومنها إثبات جازم بان اليزيدية ليست بـ (عبادة الديو Devil) وتتضمن هذه الكراسة أيضا على آراء وجود آثار الميثرائية في المنطقة الواقعة بين نهر دجلة وسلسلة جبال زاكروس. وكذلك دراسة موجزة لديانة الكرد حتى ظهور الإسلام، ولبعض الملاحظات حول قسم من الديانة ذات الأسرار (الباطنية)...

توطئة:
في معنى اسم اليزيدي:
المذهب (ألعدوي) الذي استحدثه الشيخ (عدي بن مسافر) المتوفى حوالي سنة 1154م. يعرف الآن بديانة الطائفة اليزيدية وليست هناك معلومات تبطل النظرية القائلة بان هذه التسمية جاءت من تأليههم ليزيد بن معاوية(*) بل على العكس فهناك أكثر من دليل مقنع يؤيد هذه النظرية التي هي في الحقيقة رأي الغالبية العظمى لمن بحث في هذا الموضوع، ومع ذلك فالموضوع الذي كان ولا يزال موضع النقاش بين الباحثين هو البت في منشأ عبادتهم للديو Devil و أصولها (**).

إهمال التعمق في البحث:
فتش الباحثون ومازالوا عن المنشأ الأصلي لعبادة الديو Devil عند اليزيدية الذين اشتهروا باسم (عبدة الديو Devil) ولكنهم لم يعنوا حق العناية بإثبات أو نفي عبادتهم له أو عدم عبادتهم.
والحقيقة إن الباحثين قد اقتنعوا ضمنا بصحة تلك النظرية، دون الإتيان بأي برهان نهائي قاطع وحددوا مجهوداتهم في تعيين موطنها الأصلي استنادا إلى ما دوّن في هذا الموضوع في كتب متعددة.
ويعتقد قسم من هؤلاء الباحثين بان (عبدة الديو اليزيدية) هم بقية عبدة (أهريمان) وهو المذهب الذي نشا من (الزردشتية)، (كذا) وحالفتها، ويعتقد آخرون بأنها ظهرت في العصر الإسلامي من مجموعة أحاديث كبار متصوفي بغداد وفلاسفتهم في ذلك العصر.
وهناك أيضا النظرية القائلة بان عقيدتهم نشأت من الحقيقة التي بشر بها (الشيخ عدي) وهي تحريم اللعن. ولقد عبرت في مقالاتي ومحاضراتي الخاصة عن رأيي بان ديانة (عبدة الديو اليزيدية) إنما هي امتداد لعبادة (أهريمان) التي لم تكن نابعة من الزردشتية بل انتشرت في (إيران) خفية رغم وجود الزردشتية التي كانت ديانة إيران الرسمية، وبقيت في صورتها حتى الغزو الإسلامي. الارتباط المحتمل بين اليزيدية والميثرائية:
كان اعتقادي في منشأ عبادة الديو Devil لدى اليزيدية ذلك الذي ذكرته إلى اليوم الذي زارني فيه السيد فؤاد سفر (وهو كان مسئول عن التنقيب في الحضر) وبعد نهاية أولى سنوات تنقيبه أراني صورا لشخصين وجدها بين الآثار التي عثر عليها هناك وحين أمعنت النظر في تلك الصور قلت له: يبدو لي بأن إحداهما صورة (ميثرا) اله الشمس، والأخرى صورة (أزدهاك) وقد نقشت كما اعتاد الفرس تصويره في نسخ شاهنامه الخطية القديمة. وقد حفزتني الأخبار على الاعتقاد مبدئيا بان هاتين الصورتين تمثلان بقايا (الميثرائية) التي قد تكون ديانة (الحضر) وكنت على علم بان (أهريمان) أي (الديو Devil) كان من معبودات الديانة المهرية. وعندما نقلت تلك الآثار من (الحضر) إلى متحف الآثار القديمة في بغداد أتيح لي بمعونة أبحاث (كيومونت) في أن اثبت هوية معظم تلك النقوش النابعة من الميثرائية، واتضح لي بان الشخصية التي شبهتها بـ (أزدهاك) كانت في الحقيقة والواقع (أهريمان، الديو Devil) وتأكد لي من دراساتي كل التأكيد بان المهرية قد دانت بها مدينة (الحضر) وارتبط اليزيدية بها أيضا. وبما إنني سأقارن في هذا البحث بين اليزيدية والمهرية أرى من الضرورة بمكان التمهيد لذلك بنبذة من المعلومات عن الإله (ميثرا) وعن ظهور الديانة (الميثرائية).

ميثرا:
الإله العظيم (ميثرا) من الأرباب المعبودة التي سبق وان عبدتها الشعوب ( الهند ــ إيرانية) في موطنها الأصلي، وهو الإله الذي حملوه معهم في حلّهم وترحالهم ولقد جاء ذكره في أقدم الكتب المقدسة (ريك فيدا) باسم (ميثرا) وفي الآفستا باسم (ميثرا) بأنه اله النور حامي حمى الحقيقة وعدو الكذب والخطيئة، وورد في (الآفستا) عن (ميثرا) بأنه يعاقب كل من حلف يمينا كذبا أو ينحرف عن الحق والصواب والنزاهة، انه يحطم القبائل والجماعات المناهضة له، ويهب الصحة والصداقة والرجاء للذين يمجدونه ويكون حليفا مؤيدا لمن ينذرون أنفسهم له(2).. و(ميثرا) واحد من تلك الآلهة التي ظلت عبادتها في إيران مع إن (زردشت) كان قد ألغاها وأبطلها وحوّرت كلمة (ميثرا) في إيران منذ القرن الأول بعد الميلاد إلى (مهر) فأصبحت (مهر) الشمس والعقود، وظل في العهد الإسلامي اسما للشمس ولفكرة الشفقة والمحبة.

ظهور الميثرائية:
نتيجة اتصال طبقة الكهنة الفارسية بالكهنة البابليين بعد غزو (كورش) الأكبر لبابل (539) ق.م، اقتبس الأولون مبدأ (الزروانية) (الزمن) من البابليين واتخذوا (زروان) والدا للتوأمين (كائاس) (سبينتاماينو) (الروح الطاهر الخالد) و (انكراماينو) (الروح الشرير الهالك) وذلك بعد أن عرف (سبينتاماينو) بأنه (اورمزد)
ولهذا السبب نفسه بات آلهة الفريقين متماثلة، وتشابهت عبادة الساميين للنجوم مع أسطورة الطبيعة لدى الإيرانيين. ومن تلك التحقيقات الشخصية وإجراء التشبيهات تنطبق الحالة نفسها في كلتا الديانتين بين (الشمس) و (ميثرا)، اله العدالة والحق، نور السماء، واهب النصر والظفر إلى المحاربين. و هو حامي الملوك(1).
ويظهر إن (المجوس) بدءوا يبثون الدعوة لديانتهم الجديدة (زروانية) في بلاد ما بين النهرين (ميسوبوتاميا) في الكورد الجبليين الذين كانوا يمارسون الديانة الهندوايرانية التقليدية، ووجهوا بعدئذ النشاط شطر الغرب فشيدوا في أواسط القرن الخامس قبل الميلاد مراكز لممارسة الزروانية في آسيا الصغرى.
وفي الديانات الزروانية المجوسية اله كل من (اهورامزدا) و (انكرماينو) أما ميثرا فقد نال المرتبة الأولى في الزروانية وأصبح اله للضحايا والقرابين ومَداراً تدور حوله الأساطير وتنسج عنه المذاهب الهندوايرانية. والسبب في ذلك هو الأعمال الباهرة التي قام بها هذا الإله فأصبح على الأسر الإيرانية التي نشرت بذورها في الأقطار الغربية ولكن لم تنل المكانة المرموقة عند الحكومات السماوية ذات النظام الكهنوتي. وعند اكتساح المقدونيين للبلاد 331 ق.م اقترن أرباب إيران بآلهة الإغريق، فاقترن زروان بــ كرونوس ، و اهورامزدا بـ ( زيوس ) والفاتح العظيم (فيرى تراخنا ) بــ (هرقل) و الإلهة اناهيتا بـ (ارطميس) وميثرا (التي عبدت في بابل) شماس واعتبرت صنما لــ (هيليوس) وهكذا تطورت الميثرائية نتيجة للاختلاط الحاصل بين الديانة الزروانية والعقيدة الإغريقية.
يقول كيومونت:
القاعدة الأساسية لهذه الديانة والمبدأ الذي بنيت عليه هو المعتقد الإيراني القديم الذي اتخذ جذوره منها، فوضعت رواسب مذاهب الساميين في بابل فوق أصول المنشأ للمزدية، ثم أضيفت رواسب من علمي المعتقدات المحلية في آسيا الوسطى. وفي النهاية ترعرعت من هذه التربة الخصبة نبتة الأفكار (الهيلينية) اليانعة واختفى من الأنظار طبعها الأصلي الصائب تدريجياً.
وسوف اكرر ذكر الميثرائية كثيراً، بالنسبة إلى المعلومات الآتي ذكرها عن اليزيدية، إلاّ إنني أرى من الضرورة هنا أن اسرد بعض الكلمات عنها:
الميثرائية كانت نوعا من الزروانية التي كان يعبد فيها كل من (ميثرا) (اله الشمس) و (انكراماينو) (اله الشر) و كانت اجتماعات عَبَدتها تعقد في العادة سراً و كان على حديثي العهد باعتناقها أن يجتازوا طرقا وأسرارا وشعائر خفية صعبة. وكانت الميثرائية كديانة للقوات المسلحة تنتشر في الأقطار التي تصلها الجيوش الزروانية. إلاّ إنها واجهت الضربة القاضية من الديانة المسيحية في القرن الرابع بعد الميلاد. نوع الميثرائية في الحضر:
الميثرائية التي كانت عقيدة أهل الحضر لم تكن من نوع الميثرائية الرومانية التي عادت إلى الشرق وتأصلت، بل اعتنق منها وهي في الحقيقة زروانية نشأت على عهد البارثيين قبل أن تعبر البحر المتوسط إلى اليوم، ومن بعد ذلك تكونت الارتباطات فيما بينهما، فالثياب التي نراها تكوّن أصنام الحضر تعود إلى الزمن البارثي مع إن معظم تلك المنحوتات من صنع فناني الإغريق. نوعان من شعائر عبادة الديو Devil:
1
ـ عبادة الديو Devil كديانة مستقلة بذاتها، هي التي اتبعت سراً في إيران القديمة واستمرت على (الزردشتية) الشكل حتى ظهور الإسلام.
وأسس عبادة الديو Devil موضوع البحث هي عبادة العفاريت وممارسة السحر والجحود والإباحات والعقوبات.
2
ـ عبادة الديو Devil في الميثرائية، وهي التي سلف ذكرها، كان حديثو العهد بالميثرائية يمارسون شعائر مناسبة وتعازيم خاصة لتجنيد العفاريت في خدمتهم واستخدامهم ضد أعدائهم أملاً في القضاء عليهم.
فآمنت الميثرائية بخلود الروح وبيوم الحساب وببعث الميت وبنهاية الدنيا أملاً في القضاء عليهم..

آثار السحر في الحضر:
هناك أسطورة تدل على إن السحر كان يمارس في الحضر وورد ذلك في (معجم البلدان) لياقوت الحموي كرواية تبحث عن خضوع الحضر لسلطة شابور الأول سنة 241 بعد الميلاد بتأثير السحر. المنحوتات الميثرائية في الحضر:
كانت المنحوتات الميثرائية من صنع الفنانين الإغريق الذين لم يقدموا القابلية في إسباغ الصور التي اعتبروها حسب عقيدتهم الإغريقية الخاصة بهم إلى جانب إلمامهم بالأسماء الإيرانية لتلك الآلهة بوساطة أسمائها على آلهة الإيرانيين. وقد نشرت أخيرا صور الأشكال المعثور عليها في الحضر على صفحات مجلة (الأخبار) اللندنية المصورة.
ولتسهيل الحصول على هذا المرجع سأبين تاريخ المجلة التي نشرت فيها تلك الصور، بالإضافة إلى الأرقام التصنيفية للصور نفسها مع بيان الرأي في تحقيقاتي الشخصية بصددها. وبجانبها أسماؤها الإيرانية واليونانية:
17
تشرين الأول 1951.
رقم 7: مانة ــ هو الإله الإيراني (القمر) ــ الإله الإغريقي (سيلين)
رقم 3 : نفس الإله في صوره الثلاث، الهلال، البدر، المحاق.
رقم 8 : مهر الإيراني ــ هيليوس الإغريقي.
رقم 9 : وهذا له صورتان:
ا: عقاب يمثل (السماء، زمن، زورفان).
ب: عَلم (الحضر) الميثرائي الذي نقشت عليه السماء والمهر.
رقم 11: أهريمان ــ بلوتو في العالم السفلي مع زوجته (جهه ــ هيكات) وهي جالسة على بعد منه وفي يدها علم (الحضر الميثرائي).
18
كانون الأول 1954.
الصورتان المرقمتان 6 و 7 تخصان زورفان ــ كرونوس ــ سماء من الأمام ومن الخلف.
25
كانون الأول 1954
رقم 2 : الحالات الثلاث للإله (قمر) في صورة (أثينا) على ثلاثة أشكال.
رقم 7 : مجموعة من الميثرائيين هي الدالة على رتبهم العالية.
رقم 8 : زورفان ــ كرونوس ــ اله الزمن.
رقم 10 : أهريمان ــ بلوتو ــ اله العالم السفلي.
رقم 3 : فيرى تراخنا ــ هرقل.

آثار الميثرائية بين الكورد:
وللتعمق في دراسة هذا البحث يجب التفتيش عن آثار الميثرائية في المنطقة الواقعة بين نهر دجلة و سلسلة جبال زاكروس مع إجراء مقارنة بين اليزيدية و الميثرائية.
اليزيديون كورد، كانوا من أتباع الديانة الهندوايرانية على وجه التأكيد بكل ما جرى عليها من التطورات المتوالية في إيران حتى العهد الإسلامي. ومن المحتمل إن الإيرانيين قد مارسوا حتى ظهور زردشت في النصف الأول من القرن السادس قبل الميلاد الأديان التالية:
1
ـ الديانة الهندوايرانية التقليدية التي سادت إيران، وهي عبادة ديفا ــ ديو (العفاريت) والآلهة الطبيعة الخير والشر (أهورا) حامي الحكمة و المبادئ الأخلاقية، (هوما) اله الخلاعة والشراب والسكر (فرافاش) (أرواح الأسلاف).
2
ـ قدس الإله الشرير (دئيفا) بالإضافة إلى عفاريت الهندوايرانية (ياقوس) وكان الفجور من المقتضيات الضرورية لهذه الديانة.
3
ـ عبادة (أهورا) و(دئيفا) الخير باسم (بكات) داريوس الأول، يعني البكات (الكرماء)، وأطلق اسم (دئيفا) (دئيفا خلير شاه) على الآلهة الشريرة التي ألغيت عبادتها.
وكانت هذه الديانة هي الديانة التقليدية نفسها بعد أن جرت عليها تنقيحات وتعديلات وعلى العكس من ذلك فقد ساعدت الحالة عبدة (دئيفا) الذين سموا بعبدة الديو Devil بإعطائهم انكراماينو (أهريمان) بمثابة اله الشر لتكون رئيسا لدئيفا وكلاهما موجودان على الأرض والعفاريت هم أمراء هذه الدنيا.
ولنترك عصري المقدونيين والبارثيين التي اكتشفت فيها المعتقدات الدينية الإيرانية وأدرك خلالهما الانحلال في أديان هذا العهد فبقيت خفية غير جلية (لمدة خمس قرون ونصف القرن).
وكان على الزردشتية التي طوّرها ملوك الساسانيين الأوائل وقد سرّها أن تحارب عدداً من الأديان الإيرانية الضالة وعدداً آخر من الأديان غير الإيرانية الفاسقة حتى بدء الغزو الإسلامي.