آثار الميثرائية في بعض الطقوس والشعائر اليزيدية
عيد تناول
العشاء الرباني:
أهم واشمل عيد بين جميع الأعياد اليزيدية، العيد الذي
يسمونه (جه مايي، جماعية) يقيمون فيها شعائرهم خلال سبعة أيام من (23) إلى ( 30)
أيلول.
وأنني لا اشك في تماثل أيام العيد هذا مع أيام العيد (ميتراكَان)
أو (مهركَان) الذي كان يقام رسميا في إيران في زمن ما قبل الإسلام وهو عيد الخريف،
وربما نسي اليزيديون منشأ هذا العيد لأنهم اخطئوا في تقدير موعدهم الحقيقي، يدل على
ذلك إقتناعهم بالأيام المعينة في (تعديل قانون العطلات الرسمية سنة 1960) وقد كان
(مهركَان)
عيدا خاصا بالإله (مهر) لوجود علاقة بين حلول يوم (مهر) في شهر (مهر) من
كل سنة. فاعتاد الإيرانيون تسمية يوم منتصف الشهر (يوم السادس عشر) (مهر)، وشهر
منتصف السنة (الشهر السابع) مهرا. وهذا يبدأ في 17 أيلول، وحسب هذا التعداد يكون
(ميهركَان)
هذا أي يوم (مهر) في شهر (مهر) ويوافق اليوم الثاني من شهر تشرين الأول،
والظاهر إن المرشد اليزيدي الذي اقترح تناول العشاء الرباني لجمع اليزيدية سوية في
وادي لالش المقدس للحج وللشعائر الأولى التي دخلت مذهبهم، ولانجاز الطقس السنوي
السري الخاص بالسمر الليلي، كل ذلك دفعه لان يعيّن وقته بصورة تصادف الأيام التي
تخص عيد المهركَان.
وسوف اشرح بعض الطقوس والشعائر الجارية خلال هذا
العيد محاولا بذلك تعيين آثار الميثرائية فيها.
حفلة
سما:
يذكر الدملوجي احتفالا دينيا يجري في سرية مطلقة في ليالي أعياد
تناول العشاء الرباني ويقول:
اليزيدية يسمونه (سما) أو (سمايى) إشارة إلى
توسلاتهم الكثيرة بالسماء والهاماتهم من السماء. ويستمر فيقول: ينجز هذا الطقس جمع
مكون من عشرين شخصا في الفناء المقابل لمرقد الشيخ عادي حول شمعدان يسمى (جقل تو)
نصب وسط الفناء وعلى رأسه إناء مملوء بزيت الزيتون أشعلت فيه النار ونظمت حول
الإناء فتائل توسط الإناء فتيلة غليظة على شكل وردة كبيرة الحجم. وذكر الدملوجي
بانتظام درجات ورتب هؤلاء الأشخاص البالغ عشرين نفرا. ويبين مواضعهم في حلقة تحيط
بالشمعدان الموجود فيها فتائل تشتعل اشتعالا، يستمر قائلا: تنجز الحفلة هذه
بدورانهم بطيئا حول الشمعدان ثلاث مرات خلال ساعات اربعة (كذا) بينما القوالون
جالسون أمام عتبة باب المرقد يرددون الترانيم ويضربون الدف وينفخون في المزامير
(كذا).
هذا واسرد فيما يلي تعليقاتي على هذه الحفلة الدينية بقدر ما يسمح
لي الوصف القصير الذي ذكره الدملوجي:
فيما لاشك إن طقوسا حقيقية خفية
كهذه يؤديها اليزيديون خلال الاحتفالات بعيد تناول العشاء الرباني، لذلك ولأجل هذا
الطقس غيروا (الميهركَان) الخاص بعيد الخريف إلى (جماعي) المشتق من المصطلح الغامض
(عين
الجمع) الذي معناه (الاجتماع الأكبر) وهو الاجتماع بحضور الله أو مع الله أو
مع المعبودات.
يبدو لي بان ما يسميه الدملوجي شمعدانا هو عريش في شكل
(السنجق)
الخاص بهم وهو يشكل سوسة مع الطير الموجود فوق (السنجاق) ولكن هنا يشكل
العريش سنجاقا هو والشعلة الموجودة فوقه عوضا عن الطير المعتاد. ربما إن السنجاق
يمثل المرتبة الروحانية لالهتهم السبعة، لذا تتعدد هنا المشاعل الى غاية سبعة
مشاعل، المشعل الكبير في القسم الأوسط يمثل طاؤوس ملك ـ اله الشمس، والستة الأخرى
هي الآلهة الباقية.
تكشف الأضواء السبعة لهذا السنجاق هوية الرمز ويمكن
اعتباره ظاهرة جلية تثبت اعتقادنا بكون آلهة اليزيدية السبعة هي معبودات الضوء، وفي
الأصل هي الكواكب الميثرائية السبعة، وارى في دوران اليزيديين حول معبوداتهم
ارتباطا بدوران الكواكب حول الأرض (بناء على الاعتقاد السائد قديما). ويظهر ان
الدملوجي يخلط (سما) اليزيدية بكلمة (سما) العربية المرفقة من (سماء) في حين يستعمل
اليزيديون كلمة (سما) للدلالة على هذا الطقس الخاص، وهو اصطلاح رمزي خفي للطقوس
التي تجري بالدبكات والموسيقى والغناء. أما منشأ الدبكة (سما) في كتاب الطقوس
فتنسبها الباطنية إلى (سما) الأولي التي قام بها (رجال الغيب الأربعون) عندما أرسل
محمد (ص) رسولا (وهذه بالطبع لم تصاحبها الموسيقى والغناء) (انظر جل
ميران).
والكلمة هذه عربية الأصل فهي (سماع) وفي الكوردية كلمة (سما)
تعني (دبكة) فتكون هذه الكلمة قد استعيرت من أنظمة الدراويش منذ قديم الزمان. يقول
المولوية عن (سما) بأنها احتفال يجري بالدوران والالتفاف حول الشيخ، العريش، مع
أنغام جوق الآلات الوترية. فاهم رمز وعلامة ألاحظها في هذا الطقس هي وضع حركة
الدراويش التدويمية.
يلبس الدرويش المولوي رداءا وعلى رأسه قبعة مخروطية
الشكل وهو حافي القدمين يدير ذراعه اليمنى الممتد إلى الجانب واليد في مستوى الرأس
بينما تكون كفة اليد نفسها إلى الأعلى وتميل يده اليسرى. ويبدو لي بان (سما)
المولوية فيها آثار الميثرائية. فالدرويش المولوي في هذا الطقس مع وضع جسمه وحركته
التدويمية (الدوران والالتفاف) يمثل (ميثرا) حاملا لوائية الاثنين، أعضاء ثالوثة
واحد على يمينه وهو غير مرفوع، الآخر على يساره مع مشعل مقلوب ورحلاته المستمرة في
السماء حول الأرض. ويوجد بين الشمعدانات التي يشعلها البكتاشيون في عيدهم المسمى
(عين
الجم) شمعدان واحد اكبر من الآخر فيه ثلاث فتائل تمثل ثالوث البكتاشيون (الله،
محمد، علي) الرمز الذي يشير إلى الحكمة والجمال والمجد) وبعبارة أخرى هي ثالوث
الميثرائيين في الاصل. محمد وعلي هما اللواءان الاثنان. يحمل الشمعدان الأكبر
للبكتاشيين اربعة واثنتي عشر علامة أيضا، العلامات الأربعة تمثل ملائكتهم الأربعة.
وأبواب أهل التصوف لا يمكن أن يكون لها منشأ غير الاربعات والعناصر الأربعة الرياح
الأربعة والفصول الأربعة الخاصة بالميثرائية، والعلامات ألاثني عشرة التي تمثل
الائمة ألاثني عشرة هي من حيث المبدأ إشارات إلى البروج ألاثني عشرة.
عيد القاباغ:
يقوم اليزيديون في اليوم
الخامس من عيد تناول العشاء الرباني بطقوس فريضية (القباباغ). تتسلق جماعة منهم قمة
الجبل المشرف على مرقد الشيخ عادي حيث تطلق النيران من بنادقهم احتفالا بابتداء
الحفل ثم تنزل إلى مرقد الشيخ عادي حيث يقوم الرجال والنساء سوية بالدبكات على نفخ
المزامير وقرع الطبول، بينما يحضر (مير شيخان) ثورا ضخما ويسال هؤلاء الحاضرين
حمايته من كل مكروه وأذى، فيتسلمه شبان مدججون بالسلاح ويأخذونه إلى مزار الشيخ شمس
الدين قاطعين الوعد بإعادته إلى مرقد الشيخ عادي سالما معافى من كل أذى. بينما
يقومون بترديد أصوات وصلوات غير مفهومتين لدى غير اليزيدية، يقوم اثنان بالدخول الى
صفوفهم سرا ويسرق احدهما الثور خدعة، فيرتفع النواح والعويل بينا الناس المجتمعين
ثم يجدون الثور بغتة ولكنهم لا يبدون أية إشارة من هو السارق، ادعاء على كون اسم
السارق مجهولا لا يعلم احد بحضوره هناك، فيقودون الثور بعدئذ إلى مرقد الشيخ عادي
وسط فرحة عظيمة واغتباط شديد، وتحتشد القبائل في مكان يدعى (ميداني جفات) ويتقدم
إلى الأمام عشرة رجال شجعان لحماية الثور.
وفي تلك اللحظة يعلن (المير)
إن لا حاجة إليهم. إذ هرب الثور، ذلك لأن الشخصين اللذين سبق وان سرقا الثور قد
دخلا المرقد متنكرين مُتظاهرين بأنهما من الرجال المير وقد جاءا لحماية الثور،
فيهربان به بعد ذلك إلى مزار الشيخ شمس القريب من مرقد الشيخ عادي، حيث يضربه
اليزيديون بالعصي والسياط صائحين ثم يذبحونه.
وهذا الاحتفال ليس إحدى
مراحل العيد كما يُدعى، بل هو في الأصل طقس ديني لمباركة الغلة والخصب يؤديه
اليزيدية بالشكل التقليدي.
ولا ندري إلى أي مدى تبلغ معلومات زعمائهم
التاريخية من جذور هذا الطقس!؟ والشيء الواضح في هذا الاحتفال هو الحيوان الذي
يضحّى به، اعني فانه يقرّب أمام مزار الشيخ (شمس).
(الشمس)
هو (ميهر)
وبذلك يمكن القول بان الاحتفال يتعلق بميثرا ويعتبر صورة محرفة لأسطورة قيام
(ميثرا)
بأسر الثور وذبحه. وهنا أورد لكم أسطورة ميثرا بشكل وجيز مأخوذة عن كيومنت:
لقد أسر (ميثرا) أول الحيوانات الحية، وكان ثورا خلقه (اهورمزدا) فنجح ميثرا في
سحبه إلى كهفه. ولكن الثور هرب من سجنه ثم استطاع ميثرا بأمر من السماء (عن طريق
الشمس) من إيجاد الثور مرة أخرى واصطياده وقتله بغرزه سكينه الخاص إلى المقبض في
خاصرته ثم إخراجه من جسم الضحية التي تعاني سكرات الموت جملة من الأعشاب النابتة
المفيدة التي تكسو الأرض باخضرارها، وهكذا يخرج من نخاعه ألشوكي القمح الذي يصنع
منه الخبز ومن دمه الكروم الذي يعصر منه الشراب المقدس الخاص بالشعائر
الدينية...