عيد مهارشة الثيران (طقس ضرب الثور)
وكما يضرب اليزيديون اليوم الثور بالسياط والعصي، قبل ذبحه صائحين هاتفين، كان العمل نفسه جاريا بالأمس عند الزردشتيين المتأخرين (إذ كان الزردشتيون يضربون الضحية بالهراوة قبل استعمال السكين) ولا يتبع اليزيدية عند ذبح الحيوانات بأنواعها هذا الأسلوب الزردشتي بل إن هذا الأسلوب خاص بحالة ذبح الثور في عيد القباغ دون غيرها. وهذا برهان قاطع بان العيد يرجع عهده إلى ما قبل الإسلام...

وليمة جل ميران (سماط جيل ميران):
يقولون: (انه كان للشيخ عادي أربعون حوارياً طائعون يخدمونه بإخلاص ومن بين هؤلاء (فخرى جل ميران) وكان من (عين سفني) ولهذا السبب شيدوا له هناك بناية تاريخية. وفي نهاية أيام عيد تناول العشاء الرباني يذبحون ثورا ويطبخونه إلى أن يُطهى لحمه جيدا ويدعونه بوليمة (جل ميرا) واليها يهرع جميع اليزيدية لياخذوا سهامهم منه ويقوم كل من (المير) و (وزير شيخ) و (بابا شيخ) بإخراج قطعة كبيرة من اللحم من القدر ويلقيها على رؤوس الناس المحتشدة. فيتلقاها الحاضر بتلهف بالغ، ويقسّمونها حيث يحصل كل واحد منهم على قطعة منها مهما كانت صغيرة. ويصل التلهف ببعضهم إلى مد اليد إلى اللحم الموجود في الماء المغلي اعتقادا بأن أي شخص يأكل قطعة منه مهما كانت صغيرة يكون نصيبه الفوز بقسط من الحق.
إنني أميل إلى الاعتقاد بان هذه المراسيم إنما هي لما كان يؤديه عشاق أعياد التصوف في الاحتفال الخاص بتلاميذ الصوفية المبتدئين وكان يتضمن الاحتفال بضحية الثور ذكرى لآخر عشاء احتفل به (ميثرا) مع (هيليوس) وأتباعهم الآخرون من العمال ونهاية كفاحهم المألوف قبل عروجهم إلى السماء.
وتقوم الشيع الأخرى من الباطنية بطقس تناول العشاء في ختام شعائر حديثي العهد بها. أو بعبارة أخرى شعائر المقبولين إليها، مثال ذلك ما لدى (الكاكائية والعلي اللاهية) اجتماعهم المسمى (جم) وفي البكتاشية في (عينى جم) (جم اختصار لكلمة جمع أو (عينى جم) تستعمل للدلالة على (عين الجمع).

أصل جل ميران
بما إن أصل (جل ميران) منسي لدى اليزيديين، فإنهم ينزلونه منزلة حوارى الشيخ عادي ويقصد بهم الكهنة الروحانيون الاربعون الذين تجسدت فيهم شخصيات القديسين ذوي الصيت. ويوجد شيء من التباين والتفاوت بين الشيع المختلفة بالنسبة إلى تشخيصهم طبقاً للعقائد والتقاليد المتعددة لتك الطوائف. الذوات الأربعون العجب هم أتباع الله المتجسد وفي الحقيقة لهم الأوحد والوجود نفسهم مع الله لهم وحدة رمزية كما هو عليه الجسم الواحد.
الأربعون الروحانيون معروفون لدى الصوفية بسبب الاجتماع ألاول المنعقد بعد معراج محمد (ص) والذي تصدره محمد (ص) بنفسه. وتعتقد الباطنية إن علياً (كرم وجهه) هو الذي تصدر ذلك الاجتماع وسمح لمحمد (ص) بالدخول اليه بعد التماسه ذلك حيث عرف محمد (ص) في ذلك الاجتماع الحقيقة الطبيعية في ان (علياً الله).
فيسميهم الكاكائية بـ (جل تن) (الأشخاص الأربعون)، (والبكتاشيون بـ (قرقلر) الأربعون، (وقرقلر ميداني) عبارة عن الصلة التي يعقدون فيها خلال الليل (عين الجم) ولابد أن يكون أصل العدد المقدس هو ألايام الأربعون في أواسط فصلي الصيف والشتاء والتي بنيت عليها الأساطير الفصلية والزراعية وسبغت صفة الإنسان على الاله.

طقس القربان المقدس :

في الميثرائية:
من المحتمل أن يرجع أصل هذا الطقس في الميثرائية إلى طقس الخبز المقدس والماء المختلط بـ (هوما) المسكر لدى الزردشتيين واقتبسه منهم الميثرائيون. إلاّ إنهم إستعملوا الشراب بدلا من (هوما) الذي لم يكن معروفا لديهم. وكان يقام طقس القربان المقدس في الميثرائية بوضع رغيف خبز وكاس من الماء المختلط بالشراب أما الصوفي فيقرا عليها القديس الترتيل المقدس.


في الصوفية:
وأقيم هذا الطقس في اجتماع (الأفراد الأربعين العجب) الذي ذكر أعلاه حيث شربوا سوية عصارة عنقود عنب واحد عصره احد الأربعين الحاضرين، وقد كان محمد (ص) هو الذي عصر العنقود كما قال بعضهم، بينما يقول آخرون بان (سلمان) هو الذي عصره. وتجري ممارسة الطقس (موضوع البحث) بين جميع الصوفيين بشرب العصير أو الشراب المسكر اعتمادا على النظام الخاص بهذا الشأن. وتبحث الباطنية عن طقس (الرغفان) في الاجتماع الخفي الأول للذوات الأربعين.

في اليزيدية:
يبدو لي انه ليس معقولا بان اليزيدية الشديدي التيقظ واضعو القانون أهملوا هذا الطقس الديني الهام ـ أي طقس القربان المقدس ـ الذي هو رمز نذر القسَم بالإيمان. إذ يقام طقس الخبز والماء في الاصبحة خلال أعياد تناول العشاء الرباني ويقام طقس الخبز والماء في يوم عرفات (9 ذي الحجة) الذي يسبق يوم عيد الأضحى.
ويجوز اعتبار كل من المناسبتين بمثابة طقس القربان المقدس، وإنني لعلى ثقة بأن طقس الماء والطين (انظر سنجق برات وقوال) الذي يجري خلال الاحتفال بزيارة السنجق عبارة عن طقس القربان المقدس.
نلاحظ ذلك في حفلات زواجهم أيضا، إذ يجب إنهاؤها بمراسيم (قطعة الخبز) التي يشترك فيها معا كل من العريس والعروس ويجب أن يكون مصدر القطعة دار الشيخ، كذلك يشربان جرعة ماء بعد الأكل، ومن الجائز الاستعاضة عن قطعة الخبز بابتلاع كمية قليلة من تراب مرقد الشيخ عادي بعد عجنه بالماء.

التعميد :
من بين الشعائر التي يكون قد ورثها اليزيدية من الميثرائية التعميد. اذ يقوم اليزيدية بتعميد أطفالهم فيغطسونهم ثلاث مرات في حوض فيه ماء نبع (كانى سبي) هيء لغرض التعميد بها، فاذا لم تساعد الظروف لتعميد أطفالهم في حضورهم فمن الجائز استدراك ذلك في أي عصر كان.
أما عن التعميد في الميثرائية فيقول كيومونت لدى تعقيبه على المنافسة التي كانت موجودة بين الميثرائية والمسيحية في القرن الثالث: إن الشعائر التي يمارسونها فيها مشابهات فمثلا كان أتباع الطوائف الإيرانية من عبدة (ميثرا) يطهرون أنفسهم بالتعميد تماما مثل المسيحيين.