آثار الميثرائية في
بعض رموز وتقاليد اليزيدية
السمة (علامة الرتبة):
يربط مندوبو (مير)
أشرطة بيضاء حول رؤوس اليزيدية بعد الانتهاء من وليمة (جل ميران) لقاء ثمن ويعودون
إلى بيوتهم في اليوم ذاته فرادى وجماعات.
والشيء الذي يسميه الكتاب شريطا هو
لفاف ابيض، ورد في الأنظمة الباطنية بأنه كان يقام الطقس ذاته في بادئ الأمر عند
انتهاء عيد القربان المقدس في الاجتماع المعقود من قبل (الذوات الأربعين)، كانت
تعطى علامة إلى المبتدئين في الميثرائية.
البرات:
يجب على كل يزيدي حمل شهادته ولبسها اتقاء للشرور وتقبيلها بكرة وأصيلا،
وتسمى هذه الشهادة بـ (برات) وهي عبارة عن حبة سبحة حجمها يقارب حجم جوز البندق
صنعها القوالون من تراب مرقد الشيخ عادي والماء المقدس يبيعونها للحجاج من اليزيدية
عند زيارتهم السنجاق.
كما يبيع القوالون منهم تراب المرقد على شكل مسحوق أيضا،
ويجوز لليزيدية اكل تلك الحبات أما التراب المسحوق فابتلاعه شيء لابد منه، وقد
يكتشف البحث التالي الأصل الميثرائي لتلك الشهادة: فيحدثنا القديس أوغسطين عن أحجار
منقوشة كانت تعطي المدربين في نهاية امتحانهم كدلائل على دخولهم إلى صف الإخوة
ووسائل تذكارية بين الأعضاء جميعهم.
القوال:
اعتبر (ميثرا) هو الشمس، واتخذ خدمة لأنفسهم اسم (ركاضو قرص الشمس)
(هيليودروس)
وفي الميثرائية أطلق ذلك الاسم على أعضائها من الدرجة السادسة.
وتتشابه واجبات القوالين وشاراتهم في اليزيدية إلى حد ما وواجبات (ركاضي قرص
الشمس ـ هيليودروس) في الميثرائية حقا انه تشابه عجيب. فاحد واجبات القوالين هو
ملازمة السنجاق والطواف به بين اليزيدية لإجراء مراسيم تعوّد اليزيديين بعبادتها؟!
ويستخدم الأمراء هؤلاء القوالين إلى واجبهم الآنف الذكر سفرا لهم إلى اليزيدية
البعيدين عن الديار. ويسمى بـ (تازي
tajî)
وهم فرحون بهذه
التسمية. يزعمون بان الشيخ عادي خلع عليهم الاسم المذكور لأنهم في خدمة الشيخ عادي.
وكلمة تازى أو (تانجى) في اللهجات الكردية تفيد
معنى (الكلب السلجوقي) أما معناها الأصلي في جذور (الآفستا) فهو (الركض) إذ هي
مشتقة من (تاج) بمعنى (الركض).
السنجق:
أهم وأشهر رموز اليزيدية بيرق يسمونه بـ (سنجق) أو بطاووس خطاءً إذ إن
الطير الموجود على سارية السنجاق ليس طاؤوسا. ويسمى السنجق في فتوى الشيخ الربتكي
بـ (عَلم الشيخ عادى) وسيأتي التنويه اليها فيما بعد. وتعني كلمة سنجق في اللغة
التركية (العَلم) أو اللواء أو البيرق وكانت هذه الكلمة شائعة منذ القرن الحادي عشر
حيث استعملها السلاجقة للدلالة على نوع من الحكم الذاتي.
ولليزيدية اليوم سبعة
سناجق، ترمز إلى عدد آلهتهم المعبودة، وكلها واحدة ممثلة لطاؤوس ملك.
واعتقد إن
سنجق اليزيدية صورة محرّفة لعلم الحضر الميثرائي، إذ يتكون عَلم الحضر من مجموعة
رموز رُكبت على طول سارية تنتهي برمح هلالي ذي ثلاث رؤوس في مركزها نسر يشبه ألنسر
الذي يمثل نسر الفلك ويشاهد بجانب العلم.
ويوجد في سنجق اليزيدية شيئان الأول هو
ما اكتشفه السيد عبد الرزاق الحسني فسماه وسائد، وتبدو لي إنها أشبه بالأشرطة
والأقمشة المعلقة خلف علم الحضر
الميثرائي. والكأس كما نعلمه عبارة عن الكأس
المقدسة التي يسقي بها القوالون اليزيدية المتقدمين إلى زيارة السنجق.
ويتم
الطقس بإعطاء (البرات) ومسحوق تراب مرقد الشيخ عادي إلى الزائرين فيبتلعونها مصحوبة
بجرعة ماء يعطيها لهم القوالون من الكأس المقدس (انظر البرات وشعائر القربان
المقدس).
أسطورتان ميثرائيتان أخريان في اليزيدية:
1
ـ في عقيدة
اليزيدية إن (الينبوع الأبيض) (كانى سبي) الموجود في كهف الشيخ عادي هو إحدى
المعجزات حسبما جاء في ذلك (القصيدة) المنسوبة إلى الشيخ.
ويعتقد البكتاشيون إن
من معجزات (حاجي بكتاش) تفجيره ينبوعا قرب قرية (حاجي بكتاش) في تركيا. والشيء
الغريب هو إنهم أيضا يسمونه (اف بوناز) ومعناها باللغة التركية (الينبوع الأبيض)
كما وهي مثل معنى (كانى سبي) لدى اليزيدية. ويرجع أصل هذه الأسطورة إلى (ميثرا) إذ
صوب (ميثرا) سهما إلى صخرة فانبثق منها الماء وأراد بذلك إنقاذ البشر من الجدب الذي
عم الدنيا.
وتعتقد الباطنية في إيران بوجود ينابيع جارية فجرها (الإمام علي) وفي
عقيدة سكان مدينة السليمانية والمناطق المجاورة لها إن ينبوع (سرجنار) الذي هو أغزر
الينابيع الموجودة إلى جوار المدينة كان قد فجره الإمام علي بضربه من سيفه ذي
الفقار، وهذا الاعتقاد بقى سائدا منذ أن انتشرت الباطنية في منطقة (شهرزور).
لقد كانت عين سرجنار في قديم الزمان مكان مقدسا ويغلب الظن بأنه كان في زمن ما
قبل الإسلام معبداً لإلهة الإيرانيين المقدسة (اناهيتا) الهة الينابيع والمياه
المتدفقة والأراضي الخصبة، وربما كان نبع (سرجنار) معبد (اينيا) بالذات الذي أورد
(سترابو)
ذكره واثبت موقعه بالقرب من كركوك، و (اينيا) تحريف لـ (انايتيس) وهو
النطق الإغريقي لـ (اناهيتا)، وتجاورها قرية تسمى (زركته) وربما اشتقت كلمة (زركته)
من (آذر كدة) ومعناها (معبد النار).
2:
يعتقد اليزيديون بأن الشيخ عادي يدخلهم
الجنة في يوم قيامة الموتى بغير حساب ولا عقاب(4). ولقد كان ميثرا عند الميثرائيين
الأب السماوي الذي استقبلهم في مسكنه البهي واحتضنهم كما يحتضن الأب ابنه الذي عاد
من بعيد.
ملك السلام، ميران بن نوح:
جاء في (مصحف رش) كانت اليزيدية من سلالة ملك
السلام ميران بن نوح. ولاشك إن هذه الاسامي تدل على معاني مخصوصة..
أ ـ إن ملك
السلام في معتقدات الإسماعيلية هو (رب الزمن) والثالث من الستة الذين يأتي كل واحد
منهم خلال ألف سنة من دورة سبعة آلاف سنة حسب أيامنا الحالية.
وقد اصطحب كل
واحد منهم احد الأنبياء الستة ابتداء من ادم إلى محمد (ص) وكان رب الزمان السابع
للزمن (مولانا حسن) الذي جاء سنة 1164 وكان الرب الأعظم ليوم بعث الأموات. عاش ملك
السلام في زمن النبي إبراهيم وكان إسماعيل ابنا له وإبراهيم حجته وسماه
الاسماعيليون (اوشيدار) و(اوشيدارما) ويوجد في حديث منقول بان (زردشت) هو حجته وقد
ظهر في أواخر عهد إبراهيم.
وينبغي لي الاعتراف بعجزي عن الجواب على كيفية
اقتباس اليزيدية أسطورة ملك السلام الخاصة بالاسماعلية ولكن ربط الملك السلام بـ
(اوشيدار)
يلقي على (اوشيدارما) فحسب الاعتقاد السائد في الزردشتية إن زردشت يلد
ثلاث اولاد: اوشيدارما، اوشيدا و ساوشيلنس وتكون الفترة بين ولادتهم ألف سنة.
وهؤلاء أربابا للزمان وتتجدد الديانة الزردشتية في أوائل العصر الألفي السعيد لـ
(اوشيدار)
و(اورشيدارما) ويصادف يوم بعث الاموات عهد (ساوشيانس) بعد أن اجتاز البشر
كافة المناجم المصهورة فتؤثر فيهم جميعا حسب نوعية الحياة التي عاشها كل واحد منهم
حين وجوده على ألارض ويعودون إلى حياة خالدة في منتهى الغبطة والسرور.
ب
ـ ميران: ميران اللفظة الكردية المرادفة لكلمة (ميهران) المشتقة من (ميثرا) إذ كانت
(ميثرا)
تلفظ في القرن الاول بعد الميلاد (مهر) ومنذ ذلك الوقت أصبح اسما لآلهة
الشمس حامي العقود والحق والصواب كما جاء ذكره أعلاه.
وان صلة كلمة (مهر)
تستعمل للدلالة على الاحترام كما هي الحالة في كلمة (يزدان). و (مهران) اسم علم من
بقايا العهد الساساني ولا يزال يستعمله الإيرانيون، فالأرمن والكورد الذي صحفوه إلى
(ميران)
وهو سائح عندهم إلى يومنا هذا قد يكون أولاً لقب (ميران) الدال على
الاحترام والذي يستعمله الكورد للاشخاص مثل (ميران) صديق قد جاء من عين الاشتقاء
(مير)
و (ميران)، وربما اشتقت من الكلمة العربية أمير.
وكلمة ميران الموجودة مع
ملك السلام اشتقت من (المهر) الإيرانية وقد يكون السبب في ادعاء اليزيدية بوجود
علاقة بين ميهران ملك السلام وبين ملك ميران الأسطوري مما يقود جذوره إلى ماضي
أمرائهم المنسي، فنرى ذلك جائزا: أن يكون أجداد أمرائهم الحاليين من أتباع المذهب
الميثرائي.
يُتبع بالقسم الخامس والاخير..