اليزيدية ليسوا بعبدة إبليس (devil)
طاووس ملك:
اللفظ الصحيح للاسم: يلفظ اسم في العادة (طاووس ملك) ومعناه (الملك طاووس) أو (طاووس الملك)...

واللفظة الصحيحة كما يستعملها اليزيديون (طاووسى ملك) مع ياء الإضافة الموجودة في اللهجة الكرمانجية (الشمالية) فيكون معناها (طاؤوس ملك).

استعمال لقب طاووس
يستعمل لقب (طاووس ملك) للدلالة على الاحترام والتقدير ولبيان المجد والسناء والثناء والعجب، وقد تعارف عليه الصوفية منذ القدم، كنّوا قديس القرن التاسع الأعظم (بايزيد البسطامي) بطاووس الملائكة.
وتوصف الشمس في الأدب الإيراني الكلاسيكي بـ (طاووس اتشين بر) الطاووس ذي الأجنحة النارية.
وأيضا (طاؤوس علوي اسيان) (الطاووس السماوي العش) و (طاؤوس ملك) هو جبرائيل، اله الشمس (مهر: ميثرا) ولعله من غير المعقول إن مؤسس (يزيدية عبدة الشمس) أسبغ في الأصل لقب (طاؤوس ملك) على جبرائيل رئيس الملائكة الأربعة... ثم لما ارتفع عدد الملائكة إلى سبعة حتى يتساوى مع الآلهة الميثرائية السبعة أبقت سيادة (طاؤوس ملك) على جميع الملائكة الآخرين وبذلك أصبح معادلا للإله الشمس (مهر: ميثرا)..
وفي الحقيقة كان علم القوال الرئيسي (ليدي دراور) بان (طاؤوس ملك) هو رئيس الملائكة السبعة وهو مع جبرائيل واحد ((عبارة غير مفهومة هكذا وردت في الأصل.. شبكة لالش)).
(devil)
كان جناً:
كانت الهيمنة على ديانات الناس على وجه التدقيق منوطا بالقائد الروحي الأكبر الذي كان لابد وان يراجع لأنه مصدر جميع الشرائح المبينة. فاستحال على الناس إتباع اله جديد والطلب من القائد الروحي الذي كان هو مؤلهاً أن يعبد بدوره الإله الجديد.
والشيخ اليزيدي الذي كان صوفيا متعلما وقادرا على إنشاء ديانة جديدة من الأجزاء المنتقاة والمستمدة من مختلف الديانات والفلسفات بكل دقة وحذاقة يصعب التصديق بعدم استطاعته إيجاد اله آخر ليكون على رأس الآلهة السبعة من غير (إبليس) لا سيما وان إبليس ليس من الملائكة بل هو جن لان الله القدير قال: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه) (سورة الكهف 50).

كتاب (الجلوة) لم يصدر عن اله الشر:
ولأجل القناعة بان الإله الذي عبده اليزيدية هو اله الشر الإيراني يتحتم علينا أن نثبت بان كتاب الجلوة كلام اله الشر. واتخاذنا هذا الرأي لا يبرره سند قوي ولا يمكن الدفاع عنه دفاعا ناجحا لان (طاؤوس ملك) لا يبدو أكثر قسوة وصرامة من (ميثرا) في عقاب أعداءه، ذلك لان (ميثرا) يحمي الإنسان من عداء الشيطان وتابعيه ويبعدهم عن غوائيه وهو أول واهب النعمة والبركة للإنسان وهو يفني القبائل والشعوب المناهضة له. انظر القسم الأول 3 ـ 12 (جلوة).

مقارنة بين طاؤوس ملك والشيطان:
طاؤوس ملك الشيطان
هو جن مخلوق من نار. هو انبعاث من ذات الله.
مطرود ودنيوي ودنس ملازم لله لحفظ العالم وصيانته.
وملعون مغضوب عليه.
عدو للجنس البشري. ليس عدوا للبشر.
لا قدرة له على إنسان. له قدرة إلهية على الإنسان.
يضلل ويخدع الجنس البشري. لا يضلل ولا يخدع البشر.
انه بشري ماءت ومصيره نار اله أزلي ابدي.
جهنم.

طاؤوس ملك وميثرا:
من الظاهرة التي استخلصتها من (مصحف رش) يجدر بي أن اختم البحث بقولي إن (مصحف رش) أوحت آلهة الكواكب الميثرائية إلى الآلهة السبعة اليزيدية وان طاؤوس الملائكة مساوٍ للشمس وهي (ميثرا) (انظر القسم الخامس 1 أيضا). ولا تقف المقارنة عن هذا الحد بل حتى إن منزلتها في العلم الكهنوتي الإلهي هي نفس المنزلة، يقول كيومنت: يشبه ميثرا لوكوس القديم (لبن الله، أو الكلام الإلهي) فهو انبعاث من الله وندّه وسلطانه. والأمر يشبه إلى حد كبير كون (طاؤوس ملك) انبعاثا من (الله) ومسؤولا أمامه وندّا له لحماية العالم وحفظه حسب اعتقاد اليزيدية. وقد انبعث منه بالتناوب ستة آلهة جميعهم عبارة عن ذاتية واحدة.

اتهام اليزيديين بأنهم كانوا عبدة الشيطان:
لم تبد على اليزيديين أية ظاهرة تدل على تكتمهم حقيقة تأليههم الشيخ عادي. بل ذهبوا ابعد من ذلك فألهوا وعبدوا (يزيد بن معاوية) أيضا. على نفس الشاكلة، فاتخذوا يزيد إلها ذليلاً على الازدراء بالخطر حينما جاء (عليد بابايس) من خراسان وهدد وضع العدويين، وكان (عليد) يتبعه عشرات الآلاف من الدراويش الهاربين من المغول يبحثون عن ملجأ لهم في سنجار والمناطق الجبلية الأخرى في كوردستان العراق.
وحقاً قد كان لتأليه هذا العنصر الذي اكره ما يكون في التاريخ الإسلامي تأثير ونتيجة غير مرغوب فيها من لدن أهل المذهب. ونتيجة لهذا العمل لطرح العالم الإسلامي هذا المذهب جانبا ثم عملت الاتهامات الموجه إليه تأثيرها البالغ فيه واعتقد بصحتها للسبب نفسه، وعلى وجه التحديد اتهامهم بعبادة الشيطان.

الاتهامات:
أولى الاتهامات ابتدأت بالافتراء على معتقداتهم ونسج الوشايات لها فظهرت من اليزيدية عقائد عفيفة في وقت التصق بها الضلال الديني وهرطقة عبادة الشيطان. ومهما بات على اليزيدية الحقائق الملموسة والتهمة الملتصقة بها، ألا وهي عبادة الشيطان فأود أن أبين عدم وجود ظاهرة شاملة تؤيد صحة أو أحقية تلك التهم وغيرها الكثير الوافر، إذ هي مجرد أحقاد وظنون تخالف الواقع وأعمال جهات استنبطها أعداؤهم وألبوا النفوس بها عليهم.
وكما يقاسي اليزيدية هذا كذلك قاسى الكاكائية والقزل باشية وغيرها من المذاهب الخفية وهو افتراء وتخريف غير مقبول ولا مبرر له مطلقاً. ولولا الافتراء والتحامل لم يتهموا بعبادة الشيطان استفاد الحاقدون وكذلك غير المدققين من هذه الاتهامات حرضوا الآخرين على إصدار فتاوى جائرة تبرر إشهار الحرب على هذا المذهب وإعدام أصحابه واستباحة ممتلكات مريديه ومعتنقيه.

الفتاوى:
لم يُتهم اليزيديون بعبادة الشيطان قبل أواسط القرن الثامن عشر:
احدث هذه الفتاوى كما يزعمون هي التي نسبت إلى شيخ الإسلام أبي السعود ألعمادي (1490 ـ 1579) أوردها الدملوجي في كتابه وتحتوي الفقرة التالية:
(
حبهم الجماعي للشيطان وحبه لهم واعتقادهم به في انه (طاؤوس ملك).. يقول الدملوجي عن هذه الفتوى بأنها (كلام صادر عن جهل مطبق لا أظنه من عمل المفتي ألعمادي).
والدملوجي صائب في رأيه أعلاه فهناك أربعة أسباب تؤيد عدم وجود مثل هذه الفتوى حتى بعد منتصف القرن الثامن عشر بعد الميلاد، ويقصد الفتوى التي وردت فيها هذه العبارة (يسمي اليزيدية الشيطان بطاؤوس ملك).
أ ـ لم يرد ذكر لعبادة الشيطان عند اليزيدية في كتاب الشرفنامه (لأثير شرف الدين البتليسي) الذي كان عرف من الكورد أكثر من غيره في ذلك الوقت الذي أنهى به علما بان في الكتاب إشارات عابرة إلى ديانتهم في صدد حديثه عن (حكام الجزيرة) اذ يقول: (تبنوا إلى حين أساليب وخصال رهط اليزيدية المنحوسة ثم حادوا عن تلك الهرطقة وارتكنوا إلى الدين الحنيف..). وخلال تحدثه عن تاريخ طوائف (الدنبلي) وحكامهم يعرف اليزيدية بأنها (خصلة مستقبحة).
ب ـ في سنة 1654 زار سنجار الرحالة التركي (أوليا جلبي) وافترى على اليزيدية واتهمهم بتهم باطلة، ولكنه لم يشر إلى عبادتهم للشيطان ولم يرد ذكرا لاسم (طاؤوس ملك).
جـ ـ ومع التهم الباطلة المنسوبة إلى اليزيدية الواردة في فتوى الشيخ عبد الله الربتكي، كان فقيها كرديا يقيم في منطقة تجاور اليزيديين سنة 1724 ليس فيها ذكر لطاؤوس ملك أو لعبادة الشيطان.
د ـ جاء في فتوى الشيخ عبد الله المشار إليها أعلاه إنهم كانوا يسمون علمهم (أي العَلم الذي يسمونه اليوم طاؤوس) بعلم الشيخ عادي، وهذا دليل واضح على عدم اتهام اليزيدية بعبادة الشيطان، وان إلههم (طاؤوس ملك) كان معروفا حتى لدى الأجانب في أواسط القرن الثامن عشر.
وفي الإمكان إيجاد وصف أوضح للشمس وعبادة الشيطان بين اليزيدية في مقالة كتبها محمد أمين العمري سنة 1785.


الخاتمة:
لا يمكن أن يعتقد اليزيدية بوجود الشيطان في الواقع:
عند ذكر الخليقة لدى الباطنية آنفا بيّنا بان العام انبعاث من كينونة الإله، وليس إيمانا بوجود الشيطان. ولذلك يرفض اليزيدية الاعتراف بوجود الشيطان في مدى مشاركتهم هذا الاعتقاد حول الخليقة.
خذ مثالا لذلك ما قاله (ناصري خرو) عن اعتقاد الإسماعيلية بصدد الشيطان في القرن الحادي عشر: الشهوة المفرطة شيطان الفؤاد.
المستنصر بالله هو نزار إسماعيل القرن الخامس عشر قال أيضا: كل ما تحدث لك من المحاسن هي من الله ونور عقلك، وما يقع عليك من المساوئ هي من خطايا نفسك.
قال شيخ لـ (ليدي دراور) استنادا على اعتبار طاؤوس ملك (الشيطان) قولا ندرجه أدناه:
الشر الذي في قلوب الناس ليس من طاؤوس ملك، بل من أنفسهم. وبكلمة أخرى لا وجود للشيطان.

ليس اليزيدية عبدة الشيطان بل هم عبدة شمس:
الحقيقة التي تدفع إنكار اليزيدية وجود الشيطان دليل مقنع في ذاتها يزيل عنهم تهمة عبادة الشيطان (بالإضافة إلى الحقائق الواردة في هذا الصدد بجانب الأبحاث السالفة).
ولكنني أرى الأمر لدى اختتام دراستي بان أعيد إلى الأذهان قاعدتين أساسيتين لعبادة الشيطان:
1
ـ استعمال السحر لتجنيد مساعدة الشيطان في انجاز مآرب الشخص.
2
ـ جحود العقاب والجزاء في الآخرة.
وعلى كل حال لا يمارس اليزيدية السحر، كما يؤمنون بالعقاب عن طريق التناسخ ويؤمنون بالجنة في الدار الآخرة. ولهذا يجب أن ننهي البحث ونحن على أتم الثقة بان اليزيديين لا يعبدون الشيطان. وبعبارة أخرى اليزيدية الحقة هي ديانة توحيد تكونت من الباطنية والميثرائية، وهذا ما ينقذها من تهمة عبادة الشيطان وبالإمكان أن نعلّق التسمية التالية لها دون وجل: (العبادة الخفية للشمس).
ـ انتهى ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملاحظات من الأستاذ بير خدر سليمان:
ورد إلى مجلتنا (لالش) هذا البحث القيم الذي كتبه المغفور له العلاّمة توفيق وهبي باللغة الانكليزية وتم طبعه في خمسينيات هذا القرن ولأهمية هذا البحث الجاد الذي يلقي الضوء على جانب من أصالة العقيدة الإيزدية ولكون اغلب القراء لم يطلع عليه لكونه باللغة الانكليزية ننشر ترجمته والتي بعثها لنا الأستاذ شوكت إسماعيل حسن في الوقت الذي نعتز بجهد العلاّمة المرحوم توفيق وهبي ونشكر الأستاذ شوكت نستسمحهما والقراء الكرام عذراً بإضافة بعض الهوامش على أصل البحث لتصحيح بعض الهفوات بل والإشارة إلى مغالطات وتهم باطلة سبق و أن أتينا على تصحيح بعضها في كتاباتنا إتماما للفائدة:
أ: بصدد تسمية الإيزدية انظر كتابنا (إيزدياتي) ص17 ـ 19.
ب: بصدد هذه التهمة الباطلة انظر كتابنا (إيزدياتي) ص37 ـ 47.
جـ: هذا التباس حيث في وادي لالش عينا ماء، (عين زمزم) و (كاني اسبي) العين البيضاء.
د: حسب التقويم الشرقي الذي يتخلّف عن التقويم الميلادي بـ 13 يوماً.
هـ: المقصود في قصيدة الشيخ عادي هو نبع زمزم وليس كاني اسبي، حيث تعتقد الإيزدية إن كاني اسبي أقدم من زمزم.
بير خدر سليمان/ 1994 دهوك