بحزاني للثقافة والنشر

صباح كنجي : آزاد سعيد تخرصاتُ باحث ٍ أمْ نفاياتُ إرهاب

   

آزاد سعيد تخرصاتُ باحث ٍ أمْ نفاياتُ إرهاب

 
   

صباح كنجي

 
   

الكاتب

 

الفصل الاول

 

الفصل الثاني

 

الفصل الثالث

 

الفصل الرابع

 

الفصل الخامس

 

الفصل السادس

 
 

الفصل الخامس

في الفصل الثاني ، المعنون بأصول الاعتقاد لدى اليزيدية ،عن الله في عقيدتهم يقول :

( قبل التحدث عن عقيدة اليزيديين في الله يجب التحدث عن مسألة التوحيد عندهم، فالإيمان بالله لا ينفع إذا لم يكن معه التوحيد الخالص) ص 57 .

وبعد ان يستعرض بعض النصوص، من خلال كتابات الدكتور خليل جندي ، و أقوال بعض الذين تحدث معهم ، الدكتور خيري نعمو وشيخ علو ، عن مجمع اللآلهة والأرباب لدى الإيزيدية يستنتج :

( يتبين من الأقوال السابقة : إن اليزيدية بوضعها الحالي، ليست ديانة توحيدية، إلا إننا نستطيع القول: إن اليزيديين كانوا قوما ً موحدين ..... ورغم إن اليزيدية بوضعها الحالي ليست ديانة توحيدية ، إلا أن اليزيديين يؤمنون بالله ويقدسونه، ويعبدونه، والإيمان بالله سبحانه من بديهيات عقيدة اليزيديين ، والذي يختلط بهم ويتعامل معهم يتبين له بشكل واضح وبيّن أن اليزيدي رجلا ً كان أم إمرأة، صغيرا ً كان أم كبيرا ً يؤمن بالله ويعظمه ويخشاه ، ويوحده في بعض أقواله ) ص57 .

ويعلق على هذا ، في متن الهامش المرقم- 2- بالعبارة التالية - الإيمان بالله وحده لا يكفي للنجاة يوم القيامة، بل لا بد أن يصحبه توحيد الله ....

لنناقش ما أورده الباحث، في الفقرات التي أوردناها ، كمقدمة في الدخول في جدل جديد معه ، من خلال الرجوع لمصادره الإسلامية ،التي إسْتلّ من بيها حكمه عن عقيدة الإيزيديين، في هذا الموقف المتناقض، الذي يقيس عقائد الآخرين من خلال مسطرته الإسلامية، ناسيا ً ،أو متناسيا ً ،عن عمد ،كثرة المقاييس، وتنوعها ،بحسب عدد الديانات المنتشرة بين القبائل والشعوب ، التي تختلف في الشكل والمظهر ، وطريقة العبادة وغيرها من التفاصيل.
لكنها تتفق في الجوهر على القيم والمبادىء والأهداف ، من هنا أهمية العودة مع الباحث لتحديد مصدر مفاهيمه ،في تعريف معنى العقيدة ،ومفهوم الله ،والتوحيد والأيمان ،والتوحيد الخالص...
وهي المرادفات التي إستخدمها في سياق وصفه وتعريفه لعقيدة الإيزيديين .. في إستنتاجاته العجيبة الغريبة ،التي جعلته يتدخل في شؤون الله ، ليحدد معه من يدخل الجنة ؟ !!!!ومن لا يدخلها ؟!!!! وكيف إن الإيمان بالله لا ينفعُ.... إذا لم يصحبه التوحيد الخالص !!!! ، وإن اليزيديين كانوا قوما ً موحدين ،إنظر كانوا،أمّا اليزيدية بوضعها الحالي ليست ديانة توحيدية ، ماذا يريد أن يقول الباحث ؟ .
أليس هذا تدخلا ً من قبله في شؤون الله الذي يؤمن به ؟ !!
أليس هذا شركا ً به ؟!!!.
ماذا قال بالفعل ؟ لو أردنا التدقيق ، في فحوى ما ورد من خلال مسطرته ومصادره الإسلامية ذاتها ، التي ينطلق منها ،والتي تحدد فحوى وجوهر التوحيد في ا الإسلام، بفرائض خمسة ، في مقدمتها الشهادتين ، أي أن من لا يقول وينطق بالشهادة الثانية ... محمدا ً رسول الله ...ولا يعترف ُ ويقر بها جهارا ً في كل يوم ، يسقط إيمانه ،ولا يعتبر مؤمنا ً موحدا ً ... وهذا يشمل كافة بني البشر، من غير المسلمين ، ولا يقتصر على الإيزيدية وحدها ..

هل كان السيد آزاد مصيبا ً في هذا المجال ؟ المْ يكن الإسلام نفسه إمتدادا ً للحقب التي سبقته ، من الديانات التي كانت متواجدة ، في الجزيرة العربية وأطرافها ؟
المْ يكن إمتدادا ً في الكثير من مفاهيمه لشكل ومحتوى العبادات التوحيدية التي سبقته في الفترة التي يطلق عليها البعض تجنيا ً بالجاهلية ..
يقول فراس السواح في الكتاب الثاني من موسوعة تاريخ الأديان:

( لقد أحجم الباحثون المسلمون منذ صدر الأسلام عن بحث مسألة شيوع عبادة الله في جزيرة العرب قبل الإسلام ، حفاظا ً على صورة الله في الإسلام من إختلاطها بصورة الله في الجاهلية .

ولكن البحث الحديث عليه أن يتجاوز هذا الموقف القديم ، إقتداءً بالقرآن الذي قدم لنا أوضح بيان عن معرفة الجاهلين لله وإعلائهم لشأنه واعتقادهم بأنه رب العالمين وخالق السماوات والأرض . وذلك رغم شركهم به وعبادتهم لآلهة أقل منه شانا ً ......

هناك أخبار متواترة عن قدم عبادة الله في جزيرة العرب . فقد أورد الأزرقي في أخبار مكة رواية تكررت مع بعض التنويعات في معجم البلدان لياقوت الحموي ، والسيرة لأبن هشام ، مفادها أن قريشا ً لما أعادت بناء الكعبة قبل البعثة المحمدية بسنوات قليلة ، نقضت أحجارها حتى وصلت إلى أساس إبراهيم ، فوجدوا كتابة بالسريانية تقول :
" انا الله رب مكة الحرام. وضعتها يوم وضعت الشمس والقمر " ....

وقد بقي رب الكعبة إلها ً لكل العرب ،إلى أن بعث الله نبيه بدين التوحيد.فكان حج العرب جميعا ً إلى مكة ، وتفضيلها على كل البيوت والكعبات، تعبيرا ً عن إعتقادهم في إله يعلو على كل الآلهة ) . ص301

ولدينا حادثة وردت في سيرة ابن هشام ، تدل على أن الله الذي بشر به محمد ليس إلا صورة منزهة عن الشرك لإله الجاهلية.
فقد ورد عن ابن عباس في خبر قدوم واحد من أشراف العرب" وهو ضمام بن ثعلبة" على الرسول وسؤاله إياه عن الإسلام . فكان مما سأله إياه :
أنشدك الله، إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك ، أألله بعثك إلينا رسولا ؟ قال:
اللهم نعم ..... السواح نفس المصدر ص 302..

وقد أوردتْ قصائد الشعر العربية قبل الإسلام الكثير من الأبيات التي تذكر الله كرب أعلى وموحد ، بحكم قناعة الناس أن الله هو رب الأرباب جميعا ً ،وتذكر بعض المصادر التاريخية ، تفاصيل حملة أبرهة الحبشي على الجزيرة ، و سيطرته على الكعبة ، وأخذه الغنائم من عرب قريش ، وكيف إن شيوخ العرب وزعماء مكة في حينها ، بمن فيهم عبد المطلب جد محمد ، لم يدافعوا عنها .
إذ أوكلوا حمايتها والدفاع عنها إلى الله رب الكعبة ، وكيف إن عبد المطلب ،ذهب إلى أبرهة ليطلب إبله التي إستحوذ عليها الجنود ، وقد أدهش هذا الطلب من قبل زعيم قبيلة عربية أبرهة ، مقارنة بفعله في هدم الكعبة ،التي سكت عنه عبد المطلب وبقية شيوخ قريش في مكة !! ...
حيث قال له عبد المطلب :
" إني رب الإبل ولكن للبيت رب يحميه " ..
وذكر القرآن هذه الواقعة ودفاع رب الكعبة عن بيته في سورة الفيل ( ألم ترى كيف فعل ربك بأصحاب الفيل .... الخ ) . ليؤكد هنا تداخل مفهوم الرب، لدى محمد والمؤمنون به في الجاهلية ،من حيث إيمان عرب الجاهلية بحماية رب الكعبة لها ،الذي جرى تأكيده في القرآن ، بنص عن حماية الله للكعبة ، وهنا يتوحد من حيث المنطق مفهوم الله في الإسلام مع مفهوم الله في المرحلة التي سبقته .

علما ً إن الشاعر أوس بن حجر يقسم باللات والعزى وبالله الأعظم منهما في قصيدة له قبل الأسلام حيث يقول :

وباللات والعزى ومن دان دينها **** وبالله إنّ الله منهن أعظم ُ

وفي بيت آخر يقول :

ألم ترى أن الله انزل مُزنه **** وعَفْرُ الظباء في الكُناس ُتقمَّعُ

وكانت قبائل قريش تردد في تطوافها حول الكعبة قبل الإسلام :
لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك ..
علما ً أن المعبود الرئيسي عند العرب ،قبل الإسلام،كان ُهبل،حيث كان يمثل كبير الآلهة وأعظمها ، الذي أخذ إسمه عن أدْدْ أوْ ُهدْدْ ، ذات الجذر السومري ، حسب بعض التفاسير، وكان الناس من جميع القبائل ،يؤدون مناسك الحج له ، التي توارثها المسلمون، بكافة تفاصيلها ، أيْ إنها كانت متبعة قبل الإسلام ، وذروتها يوم التوجه إلى جبل ( إلال - قارن هذا بلالش ) في لحظة ميول الشمس للغروب ، وبعدها تجري مراسيم الدوران والطواف سبع مرات حول الكعبة ،يرافقها حركات إيقاعية تتمثل بإطلاق الصفير من الأفواه والتصفيق بالأيدي في تناغم موسيقي محكم الإيقاع مع صيحات لبيك اللهم لبيك لا شريك لك ...

وفي الوقت الذي كانت فيه الشمس تدعى باللات ، في ديانة عرب الجنوب وإله القمر بود ، كانت تسميات الآلهه في تدمر تتداخل مع آلهة بابل ، من بينها " ديا سيريا " التي معناها الأم السورية ، مع وجود إله لا يذكر إسمه ، يشار إليه بالوصف :
الذي بورك إسمه إلى الأبد ...ووصف بانه الإله الواحد ... كما يلاحظ تواجد للإله إيزيس..
ويؤكد فراس السواح:
( على الرغم من أننا نستطيع وصف اللات بأنها إلهة العرب الكبرى ، إلا أن أصولها البعيدة ليست عربية ) ص284 .
ويذهب الى أن الأسم في شكله الأصلي هو إيله أو إيلات وهو صيغة التأنيث من إسم كبير الآلهة الكنعانية إيل ...
عندما تبنى العرب هذه الإلاه ادخلوا على الأسم سابقة التعريف"الهاء" أو " أل" فدعيت هاإلات أو إلالات ، ومنها جاء الاسم اللات بعد إدغام اللامين .

وفي هذا يقول المؤرخ الأغريقي هيرودوتس بان العرب كانوا يعبدون الآلهة إفروديت أورانيا وكانوا يسمونها الإلات .

واللات عند الأنباط حسب المصادر القديمة مثل سترابوهي الشمس . والملفت للنظر إن الشمس في الديانة الإيزيدية هي أحدى تجليات الله- خودا وتسمى في لغتهم الكردية ( روزهلات أو روزهه لات ) أي الشمس المشرقة ،وفي بعض الأحيان ُيختصر معناها بالشرق الذي تهل من جهته الشمس ...

جرى عبادة الشمس في الديانات التي سبقت الإسلام ،من خلال صخرة مربعة لقبت ب (الكعبو) في البداية ، ومن ثم جسدت بدائرة يحيط بها ويحرسها أسدان ومازال الإيزيديون يسمون مراقدهم بالقبب مفردها قبة ، ويلفضونها قوبه أو قووبه ، وهي تسمية سابقة للكعبة ، جرى فيها تحوير القاف إلى كاف ،وإلغاء العين فتحولت القوبة الى كعبة ، وهو استنتاج يتفق مع قوانين علم الفيولوجيا وتحولات الحروف ، بين عدد من لغات الأجناس والقبائل المتقاربة والمتجاورة التي تحوّر السين وتقلبها إلى شين أو القاف إلى كاف ، وعددا ً آخر من الحروف ، التي تعتبر من قوانين علم الفيولوجيا المعاصر ويستطيع الباحث أن يرجع لكتاب الدكتور لويس عوض ، مقدمة في فقه اللغة العربية ، للمزيد من المعلومات في هذا المجال ....

ذهبتُ لهذه التفاصيل المهمة ،كي أثبت للباحث آزاد ، بأن الإسلام شأنه شأن الكثير من الديانات الأخرى ، قد أخذ من الذين سبقوه الكثير الكثير، من المعطيات الميثولوجية والطقوس والعادات المتوارثه .

هذا هو تاريخ الأديان المتداخل والمتعاقب، لذلك حينما يتحدث عن موضوع الأيمان ،أو التوحيد ،أو التوحيد الخالص ،وغيرها من التسميات، بما فيها تسمية الله ،فإنها لا تعود للإسلام وحده ، وهي سابقة له .
إن كان يعتكز عليها في جعل الإيزيدية فرقة إسلامية ، من خلال إلغاء التاريخ ما قبل الإسلامي .. هاهي الدراسات الجديدة ، تفند هذا الزعم وتخطأه ُ، وتؤكد إن الأسلام قد أخذ من الذي قبله...
لذا من الأجدر به ، أن يقارن الإيزيدية ، كديانة لها إمتدادها العريق في التاريخ ، منذ ان نشأت العبادات من خلال إستقصاء تاريخ الأديان ، وتطور أشكال المعبد ، ومحتوى الميثولوجيا .
لأنها الأسلم والأصح ، وإن كان لم يسمع عن التطور الحاصل في مجال علم الفيولوجيا ، وفقه اللغات الذي ينتج المزيد من البحوث ، التي تفك ألغاز الماضي ، وتشابكات تاريخ أجناسه وقبائلهم وعقائدهم وأصولها ومنابعها فإننا نوصيه ،على الأقل بقراءة تاريخ الكرد .
ليكون قادرا ً على فهم ما تحتويه جبال كردستان وكهوفها ،من نقوش ومخلفات ، لا تخلوا من معاني الإيمان و التوحيد الخالص.

لأن الله- خدا- الطاووس- إيزي ... ما هي إلا تسميات مختلفة لمعنى واحد هو الإله ، تبدو جذورها في كلمات ، حتاو أو حتاف - الشمس في الكردية ، وعند الفراعنة في هاتور ، أو التاو، تاوس ، طاوز ، طاوس ،تيؤس ، تموز ، توتسن ، سنsun,suni ، الشمس ،و تحولت في الفارسية إلى الهور أو الخور و الخورشيد - هي الشمس/ القمر / الإله أيضا ً.
ويمكن أن نذهب ابعد من هذا ، ونرحل إلى حيث ، السومريين في بلاد الرافدين ،و الفراعنه في مصر، والأغريق والرومان .
لنجد تجليات الإله من خلال مرادفات إيزي وايزيس وإزيريس وإيسوس" عيسى" وايزوس والعزة /العزيز وكلها تأتي بمعنى الله - الإله أو إله النار/ النور / الضياء، لأن النار في السومرية كانت إيزي ، ومنها أزيز النار في العربية المعاصرة ...

هكذا هي الديانات ، كالبنيان، طابوقة فوق أخرى، لكل منها زمانها ودورها ومكانتها ومدلولاتها، لذلك من الأفضل أن لا نكون متعصبين لفكرة نعتقد إنها الصحيحة ، بينما غيرنا يخطؤها ، ويعتبرها بلا قيمة ، ولا يعيرها أية اهمية.

ومن حيث الجوهر ، لا يختلف من يعبد شجرة أو صخرة أو أي شيء في الكون ، عن غيره ، في المعنى ،وقد عبدت البشرية الكثير من الأشياء والمظاهر تجسيدا ً لفكرة الإيمان والقناعة ...
الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يؤمن ويبحث عن قناعات حتى لو كانت وهمية... ولسوف يؤمن بالتعددية والتنوع...
هذا هو منطق الطبيعة ... الذي لا يريد السيد آزاد القبول و الإعتراف به ، في مسعاهُ لفرض دينه الوحيد و"إيمانه الخالص " على الآخرين من البشر، عبر إلغائه ورفضه لقناعاتهم وعقائدهم وتكفيرهم، كما فعل أسلافه ...
 

مرة ً أخرى هلْ يعبدُ الإيزيديون الشيطان ؟!!

جاء في متن كتاب ، آزاد سعيد سمو ، عن معتقدات الأيزيدية ، بخصوص طاووس ملك ووجه تسميته :

( والذي يبدو لي ، أن اليزيدية اخذوا هذا الإسم "طاووس ملك " من المصادر الإسلامية، إذ من المعلوم أن إبليس قبل أن يطرد من رحمة الله كان مع الملائكة، إلا انه لم يكن واحدا ً منهم بل كان من الجن..... وقد سمي إبليس ب"طاووس الملائكة" لحسن وجهه ونضارته وإكثاره من العبادة ، فاليزيديون اخذوا هذا الاسم من تلك المصادر الإسلامية، وبالتالي صنعوا له تمثالا ً على هيئة الطاووس، وقدسوه كل التقديس لاعتقادهم أنه يرمز إلى الملك عزازيل... ) ص62.

وفي معرض إجابته عن سؤال من هو الطاووس ملك ؟
يطرح جوابه من خلال تساؤلات ملحقه بالسؤال الأول...هل طاووس ملك عند اليزيدية هو الشيطان نفسه؟
أم أن طاووس ملك هو غير الشيطان؟.
هذا السؤال غفل عنه أكثر الباحثين إن لم نقل كلهم ، وربما يكون سبب ذلك هو عدم تجرؤهم التطرق إلى ذكر الشيطان وعقيدة اليزيديين فيه....
فاليزيدية لا يلفظون كلمة الشيطان ، بل وحتى الكلمات التي تحتوي حرفي الشين والطاء معا ً مثل :
شخاط ، شط أو الكلمات التي على وزن شيطان مثل :
قيطان ويعتبرون ذلك مسبة كبيرة لهم ، بل كفرا ً ، يستحق صاحبه القتل ، لذلك فإن على اليزيدي الذي يسمع من شخص التلفظ بكلمة شيطان أن يقوم بقتل ذلك الشخص. وإذا لم يستطع قتله فعليه أن يقتل نفسه كي يتخلص من ذلك الذنب العظيم ) ص66 .

و إستكمالا ً لهذا الرأي يعلق في الحاشية ، ولكن بعد إختلاط اليزيديين بالمسلمين، واستقرار الكثير منهم في المدن تغيرالكثير من طبائعهم متأثرين بالمسلمين.

( وخلال اختلاطي بهم .. تبين لي أنهم يفرقون بين طاووس ملك والشيطان، ولا يعتقدون إنهما شخص واحد ....
ولكن رغم تفرقة اليزيديين بين طاووس ملك والشيطان واعتقادهم أنهما ليسا واحدا ً ، رغم ذلك ، فاليزيديون يعتقدون أن الذي إمتنع عن السجود لآدم يسمى طاووس ملك ونحن المسلمين نسميه الشيطان أو إبليس ، إذا ً فطاووس ملك والشيطان هما شيء واحد، والخلاف بيننا وبينهم خلاف حول التسمية ...
هذا ويرى الكثير من الباحثين وعامة الناس إن اليزيديين يعبدون الشيطان "طاووس ملك" ولكن الواقع خلاف ذلك ، فقد زرت الكثير من اليزيديين في قراهم وأقمت عندهم واختلطت بهم فلم أرَ فيهم عبادة الشيطان ، إلا إنه التبس هذا الأمر على الناس عندما رأوا تقديس اليزيدية الشديد للشيطان ودفاعهم عنه فظنوا إنهم يعبدونه.... إن عقيدة اليزيديين في طاووس ملك" الشيطان" عقيدة غريبة خالفوا فيها جميع الأديان ....) ص66- 68.

قبل أنْ ابدأ بمناقشة الباحث،فيما ذهب إليه من آراء ،بخصوص ما ورد، في المقتبس السابق من بحثه ، بخصوص إبليس والشيطان وفكرة الشر وملابساتها وتشابكاتها وتحولاتها المعقدة في مسار تطور الفكر الديني ، أود أن أؤكد بأن القصص والحَكايَا الأسطورية /الميثولوجية ، التي تناقلتها الأديان على إختلاف الوانها لا تهمني ، ولست ُ مطالبا ً بتصديقها والأيمان بها ، سواءً أكانت قصص ، أتتْ بها حَكايَا ، الديانات البدائية /الأولية ، أمْ كانت من وحي الخيال اليهودي ، أو ما جاء من قصص الأنبياء في المسيحية والأسلام .
كونها لا ترقى إلى مستوى الوثائق التاريخية ، من الناحية العلمية. وما يهمني في هذا المجال ، ليس قصة الإسراء و المعراج أمْ عدد الرسل والأنبياء وغيرها من مكونات وعناصر الدين الميثولوجية ...

وإنّ ما يهمني ... كيف يمكن من الناحية الواقعية الصعود إلى طبقات الجو العليا من خلال إمتطاء حيوان ٍ خرافي كالبُراق ؟...
كيف ُيريدني الباحث أنْ أصدقَ تحوّل العَصَا في يد موسى إلى أفعَى وبالعكس؟ .
أو قصة العبور ، المزعومة ، وشق الماء وتوقفه عن الجريان لحين مرور أتباعه ومؤيديه إلى الضفة الثانية الآمنة من البحر، بعد ملاحقة جيش فرعون لهم .
أمْ ولادة الكثير من الأنبياء من دون مرور أمهاتهم ، العذارى دوما ً ، بمرحلة التلقيح والإخصاب الذكورية .
وهكذا الحال بالنسبة لمسألة الفردوس والجحيم والشيطان، ومعاقبته ، وطرده من الجنة . في الوقت الذي إختلفت فيه هذه الأديان على مكان الجنة، فجعلها البعض عالية في السماء ، وآخر في الشرق ، وثالث على حافة الماء، ورابع حددها بعدن أو دلمون ، وخامس لا يقر بوجودها أصلا ً ويؤمن بتناسخ الأرواح وتحولها من بدن لآخر كما هو الحال في الديانة الإيزيدية .
وغيرها من المتناقضات، التي تشوش الفكر الديني ، وعقول المؤمنون به ،قبل غيرهم، ناهيك عن عدم صمودها ،وهروبها ، من أبسط المماحكات العلمية في عالم اليوم ، الذي يستطيع تحديد عمر الكون ، ومكوناته وتاريخ الكائنات ، وزمن إنسلاخ البشر عن عالم الحيوان ، وهكذا هي الحال بالنسبة لتاريخ تطور الفكرالديني ،عند البشر ، ونمو وتواجد فكرة الشر، ومدلولاتها وكيفية تعامل الأديان معها ..

أجل إن هذا أصبح جزءً ، من تطور العلوم الأجتماعية، في عالم اليوم ،من خلال دراسة تاريخ الأديان ، التي توسعت وتعمقت الدراسات فيه ، لتتشعب وتفرز حقلا ً قائما ً بذاته ،يعرف بعلم الدين المقارن . ليصبح هو الآخر ، إختصاصا ً مستقلا ً، يفرز الحقائق التاريخية من الأدعاءات الميثولوجية ، التي إبتدعها وأنتجها الفكر الأنساني ، لغايات ومبررات خاصة ، كانت جزء ً من متطلبات الواقع والوعي الإجتماعي والميثولوجي والفكري آنذاك..

مع التأكيد على أن الفكرة البدائية ، أو إن شئت الأولية ، لدى الديانات الأولى في تلك المجتمعات ، لا يمكن أن تكون مبتذلة ومتخلفة ، كما يتصور البعض من أتباع الديانات الحديثة ، الذين يسفهون ما قبلهم ، ولا زلنا قاصرين ،رغم تطور العلوم والتكنولوجيا ،عن الأتيان بمُثلْ مشابهة، لإبداعات الذين سبقونا منذ آلاف السنين .
كتلك الرسوم والنقوش والصور البديعة في زوايا الكهوف والمعابد ، والمنحوتات الرائعة على الصخور في الجبال والسهول ، ناهيك عن الجنائن المعلقة و الزقورات والأهرامات وفن تحنيط الموتى ...الخ .
التي إبتدعتها أيادي وعقول مصممين ومهندسين فنانين ، من ذوي التفكير العميق والذوق الرفيع ، في تلك المراحل ، وإنجزت بوسائل بدائية بسيطة ، تعجز التكنولوجيا المعاصرة إنجازمثيلها ، و فك الغازها .

وليس بالضرورة كل جديد أو معاصر، يكون أفضل من الذي سبقه ، على سبيل المثال ، لو خيرت ُ في المقارنة و الأختيار ، بين كاهن بدائي أو أي مؤمن من أتباع عبدة الأشجار أوالأبقار،أو أي كائن خرافي ، من زمن الكهوف والمغارات ، من المؤمنين بأفكار يجري الأستخفاف بها في عالم اليوم ، وبين رجل دين معاصر بلحيته الكثة غير المهذبة ،المخيفة والمفزعة للكبار والصغارعلى السواء ، من النمط الذي تبعث وجوههم على القرف ، الذين يتقنون إستخدام أجهزة الكمبيوتر، ولديهم المقدرة على قيادة طائرات عملاقة ، ويجيدون أكثر من لغة ، من اصحاب الشهادات العليا .
من المؤمنين بفتاوى القتل و الذبح ، ويكفرون غيرهم ، ويستبيحون دمه ، في كل يوم من خلال الفضائيات ...
لما ترددت ُ إطلاقا ً ، في إختيار النموذج الأول .... البدائي / الساذج/ البسيط/ غيرالمتعلم/ "الجاهل" / سمه ماشئت ، وصِْفهُ بما تحب ، من نعوت الوصف الدالة على الوضاعة و الإنتقاص... سأختارهُ بلا تردد وأفضله..
لأنه الأقرب إلى عالم البشر، والناس والحضارة ، من تلك النماذج الحيوانية المؤمنة بالأنتحار، التي تنشرُ الخراب والدمار، في ربوع الكون ، وتسعى لتحويل الحياة إلى كابوس حقيقي بإسم الدين والأيمان ...

دخلتُ في هذا الجدل عن تطور الفكر الديني كي أنتقل إلى الأهم منه الذي يتعلق بمحتوى الدين وحركية مفاهيمه من منطلقات يمكن تحديدها :

الأول:
إختلاف كل دين عن آخر في المضمون والجوهر والشكل ،بحدود معينة ،كي يميزه عن غيره من الأديان ، هذا الأختلاف والتمايز الذي يمنحه الشرعية الفكرية في البقاء والديمومة ، والقدرة على المنافسة ، في ساحة الصراع الأزلية ، التي تؤدي بها للأنتقال إلى الحالة الأفضل في مستقبل الأيام ، أو تحد منها ، وتعرقلها ، وتمنعها ، وفي أحيان أخرى، تجهضها وتسحقها .

الثاني :
حدوث اختلافات في محتوى الدين الواحد تصل للجوهر في بعض جوانبها، مما يولد الفرق والمذاهب المختلفة والمتعددة في الدين الواحد .

بعضها يتطور ليبتعد وينفصل من رحم دينه ، ليكون لنفسه دينا ً جديدا ً فيه من الماضي الكثير ، ومن الجديد الشيء الأكثر ، كما حدث للمسيحية التي انبثقت من رحم اليهودية .

الثالث:
إنّ فكرة الله المجردة من حيث المحتوى والشكل قد مرّت بالكثير من التحولات ، من حيث تمثيلها لقيم الخير والشر، والعلاقة المتجانسة بينهم ، قبل أن يتحولا إلى طرفين منفصلين، متجانسين ومتكاملين بداية ، ومن ثم متضادين ومتعاكسين في مرحلة ثانية ، ومتصارعين يواجه احدهم الآخر ليقهره و يتغلب عليه، ليحاسبه وينفيه أو يفنيه إن شاء في مرحلة ثالثة .

ولكل هذا منبعه وأصوله وجذوره اللغوية وتشبيهاته وتجلياته ، ابتداء من فكرة إله القمر وإله الشمس وإله الثور ، ومن بعدها إله السماء وإله الأرض أو آلهة السماء والأرض ، ولاحقا ً الحاكم /الإله ، بمحتويات ميثولوجية ذات قيمة ومنفعة للناس ، تحمل في ثناياها مفهوم الخير، الذي جسده الضياء المنعكس من القمر أو النور الذي يشع من الشمس والكواكب والنجوم والنار، وعلاقة ذلك بالماء والأرض والهواء التي تتداخل عناصرها في تشكيل الدين .

هذه المكونات التي تتداخل تأثراتها من خلال حركية تفاعلها ،عبر الزمن لتنتج الأفكار، والقيم الجديدة ، من خلال تبنيها لبعض نتاجات وافرازات المرحلة الجديدة ، التي تعلّم فيها الأنسان الزراعة ، وأخذ يستقر في مستعمرات بشرية ثابته ، فنشأت تبعا ً لذلك متغيرات في مفهوم الدين ، طالت الشكل والمحتوى.

تمثلت بتكوّن وإبتداع الآلهة المحلية المتخصصة ، في مجال محدد أو عدة مجالات مشتركة كإله الهواء والعواصف ، ممن يعتمد عليها الرب الأعلى ، والموحد للكون وخالقه ، أرباب هم مساعدين، لله الواحد العظيم .
بعظهم يشترك معه في عملية الخلق ، وله مكانة متميزة ، وبعظم مجرد آلهة صغار، في مجمع الآلهة، يؤدون وضائف صغيرة ،تافهة وحقيرة ، ُحدد دورها وإقتصر على الحماية والحراسة فقط وتقديم الطعام للرب ومن معه .

آلهة يسخر منها الأدب السومري في لوترجياته وقصائده التي نتمتع بقراءتها اليوم، إلى الحد الذي يصفها ويشبهها بالذباب في لحظة تجمعهم على مائدة الرب .

هذا المجمع الذي تغيرت تركيبته من زمن لآخر، ومن قبيلة لأخرى، في دويلات الحضارات الأولى، ونشأت فيه مفاهيم جديدة ، لفحوى الإله الذي كان يجسد الخير، وأصبح في لحظة جديدة يجسد الشر أيضا ً ،في ذاته، بحكم تداخل الخير والشر ، كما يتداخل النور بالظلام وينبثق منه ، في مسار الليل والنهار وتعاقب أدوارهم. وأصبح مفهوم الإله أمام تحدي جديد ، يحمل في ثناياه المتناقضات ، ويجمع بين مفاهيم متعاكسة ، فنشأ مفهوم الله الواحد - المزدوج .
الديانة الإيزيدية تحمل في مقولاتها جزءً من هذا المفهوم القديم ، بحكم عراقتها ،عبر إيمانها بالمنبع المشترك للخير والشر ...
" خير وشر..إش دركه يت خودينا ...بمعنى الخير والشر من باب الله .
الذي تتجسد وتنبع منه وتفيض الأشياء جميعها في ذات الوقت .
وهكذا أصبح إلاها ً يجمع و يجسد القيم المتناقضة ،ويوحدها في إطار العلاقة ، المتداخلة ،المزدوجة ، ذات بعدين في ذات الوقت ، فظهر الإله بحلته الجديدة التي تعبر عن نفسها من خلال الجمع بين إلهٍ واحد ٍ للحب والحرب ، و للجمال والقبح ، والسلم والقتال ، الحياة والموت ، باختصار، الله ، العلة والمعلول ،المرض والصحة ، الخصب والجفاف الخ ...
وفي هذه المرحلة ظهرت المفاهيم المتناقضة عن طبيعة الله المتداخلة الصفات ، وأصبح مفهوم الله يوحي بالخير والشرمعا ً ، مما أسفر عن ظاهرة تحول في مواقع بعض الآلهة وتغيير مكانتها ومنزلتها من مدينة لأخرى .
رافقها تغيير مفهوم الناس عنها، كما حدث في مصر حينما أصبح الشقيق الشرير لأوزيريس ( سيت ) روح الشر ، المعارض الأبدي لروح الخير، بينما كان في السابق سيد مصرالعليا وكبير آلهتها .
تم خلعه من قبل عابدي الإله حورس، في سياق الصراع الأسطوري، بين الآلهة الأخوة ، وقد أمر رمسيس الثاني ، بإزالة صور سيت الملعونة ، وشوه وجههُ على جدار القبر الذي يعده لنفسه ، وطالب أن يلقب بالأوزيري ، بدلا ً من السيتي .

وفي عهد الأسرة الثانية والعشرين تمت معاقبة إله الشر"ست" ،من جديد ،بتحطيم تماثيله ومنحوتاته البارزة ، و محو اسمه ، و طرده من مجمع الآلهة ، ولقب بإله الأنجاس.
ليتحول من سيد مصر، وكبير آلهتها ، إلى شيطانا ً وعدوا ً للآلهة .

وتم تصنيف الحمير والظباء وحيوانات الصحراء واعتبروا من أتباعه، كما اعتبرت الخنازير والتماسيح والعقارب وفرس النهر من الحيوانات التي تجسده ُ. يتخفى فيها هربا ً من ملاحقة اله الشمس حورس له.

والأسطورة تواصل تجلياتها ، في صورة قتل الخنزير، كرمز للشر لآلهة الحب والخير اوزيريس ، التي إلتجأت للقمر، ومن هنا حسب الأسطورة إختفاء القمر في نهاية كل شهر، حيث يلتهمه إله الشر طيفون ، وهو تعبير مستعار من اسم حيوان خرافي شرير.....

وفي سومر كان أنليل رئيس لمجمع الآلهة في مدينة نيبور، الفردوس الذي لا يسكنه إلا الآلهة فقط ، لكن سلطاته كانت محددة وغير مطلقة ، وحينما قرر إنليل الزواج من الإلهة الحسناء نينليل لينجب منها إله القمر(سين) ، يقرر مجمع الآلهة المكون من خمسين إلاها ً من الآلهة الكبيرة ، وبمعاونة ومشاركة الأرباب السبعة ، الذين يرسمون ويحددون المصائر، معاقبته وإبعاده منها إلى العالم الأسفل وينعتونه بفاسد الأخلاق كما يرد في القصيدة حيث يأمرونه:
إنليل يا فاسد الأخلاق ، أخرج من المدينة ..

وُيرغم على النزول للعالم السفلي المظلم ... تحمل هذه الأسطورة ثلاثة ابعاد أولها فكرة الثالوث الديني من الأب والأم والأبن ، التي إستعارتها بقية الأديان وخاصة المسيحية وفكرة الفردوس والطرد من الجنة ، بسبب ممارسة الخطيئة ، والثالثة هي تقديمها صورة غير ثابثة و متحركة للإله. بمنزلة ٍ غير مستقرة ، خاضعا ً للعقوبة ، والطرد من الفردوس ، من دون أن تشير إلى وجود مواطن الشر أو الكفر فيه .
بل بسبب خلقه للثالوث من خلال إنجابه للأبن أي البشر ، بمعنى أوضح إنه لقي عقوبته من آلهة السماء بسبب خلقه للبشر..
الذين يجب أن يكون لهم عالمهم السفلي الخاص على الأرض كي لا يتداخلوا في شؤون الآلهة ويزعجوهم ..

مع التأكيد أن هذه القيم هي مفاهيم مجردة في الفكر الإنساني لا يمكن إنتزاعها من سياقها التاريخي .
فالله في الكثير من الديانات ليس متشابها ًومحتواه ليس متطابقا ً ، وهو يمارس الشر والعدوان ، ويسحق البشر بلا رحمة أوشفقة والنصوص الدينية ، في الكتب التي توصف بالمقدسة، تحمل الكثير من الصفات التي لا يقبلها العقل والمنطق، ابتداء من اليهودية ومرورا ً بالإسلام .
حيث نرى فكرة ،التباين في مفهوم الله ، ودوره فيها ، الى الحد الذي هناك نصوص دينية تقدمه بشكل بشع ، كإله قاتل وشرير، ونفس الشيء ، بالنسبة لفكرة إبليس ، حيث تبشعه ديانات وتبالغ في أدواره السيئة ، بينا تنظر إليه ديانات أخرى بعين ثانية ، ذات محتوى فكري وفلسفي عميق ، ليس فيها من الشر شيئا ً .

قرأتُ في هذا المجال مقال جميل للباحث نبيل فياض ،حمل عنوان ( أنا يزيدي أعبد الشيطان : ديني وأنا حر فيه !!! ...
يقارن فيه بين مفهوم الله في الإسلام و الشيطان ، المتهة الإيزيدية بتبجيله وعبادته ، من حيث المحتوى وتأثيرات ذلك على سلوك الناس ، من خلال مشاهداته لأفلام فيديو عن الأيزيديين وموسيقاهم المرافقة لطقوسهم قال فيه :



(أريد أن أسأل: أيّهما أجمل - الله كما يفهمه أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، أم الشيطان كما نعبده نحن

أيهما أقرب إلى روح الحقيقة: الله كما فهمه اللبنانيّون، بطوائفهم حين كان المسيحي يقتل المسلم على الهويّة أو العكس، أم الشيطان الذي نفهمه على أنه انمحاق في الآخر الذي نحب؟

أيهما أكثر صدقاً وروحانيّة: الإله الذي يجعل عبّاده يفجّرون أنفسهم بالآخر المخالف لهم في الرأي أو المذهب، أم الشيطان الذي يدفعنا لأن ننفي ذواتنا لأجل الآخر؟

أيهما أقرب إلى الطبيعة: الإله الذي يحرّم الفن والحب والموسيقى، أم الشيطان الذي نصل إليه بالألحان الساحرة والرقص النشواني والحب الذي لا يخجل من ذاته؟

أيهما الأكثر إرعاشاً لنا بوجوده: الإله الذي يحمل السيف ليطارد أعداءه الذين خلقهم بعبثيّة لا مبرّر لها، أم الشيطان الذي يحمل البزق ويزغرد بأصوات منغمسة في المدى؟

ما أكره اللون الأسود!! الذي يشعر المرء أنه يحمل ذاته بذاته إلى مثواه الأخير!!!

ما أحلى ألوان أخوتي اليزيديين، التي تضج بالحياة!

ما أكره تلك الوجوه العابسة باسم الله، التي تقتحم ليلنا الربيعي الخجول، ترمي بنا في عالم من الخوف الذي لا يعرف الدهشة!!

ما أجمل تلك الوجوه اليزيدية التي لا تمل سرقة الحنان الباسم، وتوزيعه بين أتباع طاووس ملك وأخوتهم من كل البشر!!


المنطق يقول إن إبليس هو الأكثر جدارة بالتقديس من كل الكائنات الأخرى التي يقال إن الذات الإلهية اخترعتها. هو الوحيد الذي رفض أن يسجد للإنسان فالسجود للذات الإلهيّة وحدها. هل يعقل أن يغيّر الإله قراراته من حين إلى آخر؟؟

طاووس ملك هو الأكثر مبدأية في هذا العالم، فهو الأكثر جدارة بالاحترام والسجود!!) .

وقد ذكرني ما كتبه نبيل فياض ... بما فعله اوزيرس في الديانة المصرية عندما قرر نشر فضائله في أرجاء العالم ، وترك الحكم لإيزيس ومساعديه ، ثم سافر لينشر تعاليمه باللين والإقناع عن طريق الأغاني والموسيقى ،كي يعم الحب بين الناس ، ويخلصهم من العنف والقسوة ، والعادات الهمجية ، بتعليمهم صناعة الادوات، وانتاج الحبوب وصنع الخبز والخمرة والتمدن ، ولقب نفسه بالطيب...

ولسوء الحظ لم تكن هذه المعادلة الوحيدة أو الأزلية لصفاة الآلهة ، فالسومريون في بلاد الرافدين،في مسار آخر من الميثولوجيه ، قد اعطوا معايير أخرى مزدوجة عن سلوك الآلهة ،ومنحوهم صفات وُخصال أخرى قبيحة ومناقضة للأخلاق والمناقب الطيبة و الحميدة،وصنفوهم بالأرباب الذين يخططون للشر والباطل والعنف وبقية الصفات الوضيعة أيضا ً ، ولأجل تدارك المصائب والشرور النابعة منهم .
ابتدع السومريون ، فكرة الشفيع أو الوسيط ،الذي كان يعتبر الإله الشخصي،وهي نفس فكرة الخُدان عند الإيزيدية ، ودوره يتحدد في تنظيم العلاقة بين المخلوقات والآلهة، بحكم منزلة هؤلاء عند الآلهة ،وإصغائهم لهم ، من جانبهم أوكل الناس للشفيع او الخدان مهمة تمثيلهم في محافل الآلهة ، و يتوكلون عليهم في حمايتهم وحراستهم وإعادتهم للحياة ثانية ..
ورحم الدين كان خصبا ً ومنتجا ً تمكن من إنتاج و ولاد ة إلاها ً آخر ، هو إلهُ الظلام والشر ، ليكون جزءً ، من الرب الأعلى بداية ، ومن ثم إنفصل، ليشكل إلاها ً ، قائما ً بذاته كما في الزرادشتية .
لتبدأ مراحل الثنائية ، التي تتجسد في إله الخير مقابل إله الظلام، أو اله الشر في مواجهة رب العالمين ، الله والشيطان ...

دعونا نتساءل كيف تعاملت الأديان والفكر الديني مع هذا المكون الجديد ؟ وأية متغيرات حدث في هذا المجال لتبرير هذا التواجد؟
نعود لأصل الموضوع...
لنتساءل لماذا نشأ الدين ؟ وتبعا ً لذلك لماذا تم خلق الله ؟ومن ثم خلقُ الشيطان من لدن البشر ؟!!
ماهي المبررات الميثولوجية لعملية الخلق ؟ وما هي أهمية هذا التواجد بالنسبة للبشر؟!!
للأجابة على هذه التساؤلات لا بد من أن نتطرق الى طبيعة ومحتوى وأشكال العبادات ، والغرض منها عبر التاريخ التي حددت دوافع و مبررات الدين في :

1- الرغبة للتقرب من الله و الأستفادة من ذلك في تحقيق الأماني والطموحات المشروعة...

2- الطلب من الله - الرب ، الحماية والرحمة ودرء الأخطار والكوارث الطبيعية من فيضانات وأوبئة وأمراض عن البشر والمخلوقات...

3- زيادة الخصوبة والمنح والعطاءات التي يتحكم بها الرب بما فيها كميات الأمطار التي كانت بحاجة إليها مزروعاته وحيواناته ..

4- إتقاء وتجنب الشر برفضه والإبتعاد عنه ، أو من خلال تقديم العطايا والقرابين له،التي تساعد على تحجيم دوره وتقلل من سيئاته وشروره .

وقد جسدت الديانات ،هذه الأفكار ،على شكل مخلوقات متداخلة ،على هيئة أجساد، ذات رؤوس لطيور وحيوانات ،مختلفة الأشكال ، كما جسدتها بالأفعى تارة ، كتجسيد لقيم الخير ، من خلال حراستها للمعابد والبشر، حيث كانت ترسم أو توضع على أبواب ومداخل البيوت والمعابد،أو عند سدها لثقب السفينة التي تعود لنوح ومن معه من ناس ومخلوقات .
وتارة من خلال قيمة للشر حيث تقوم بالسرقة أو الأغواء، تخفي في ذاتها ما يمكن أن ينتج منه أذى ً أو خطرا ً للناس ، وهكذا الحال بالنسبة للخنزير الذي تم تجسيده في غالبية الديانات كصورة من صور إله الشر، الذي يسبب في مقتل آلهة الحب والجمال...
فأصبح منبوذا ً ومكروها ًمن وفي غالبية الديانات..

لكن فكرة الشر وربطها بالشيطان مشفوعة بالكفر ،هي فكرة حديثة ، نشأت في رحم الديانات الحديثة ، وقد بدأت بشكل فعلي مع زرادشت ، حينما ربط بين الشيطان والشر والكفر، حينما وصمَ بها من لم يدخل في دينه الجديد ،الذي أنشأهُ على مبدأ تقابل فكرة الشرمع فكرة الخير.
اهريمن في مواجهة اهورا مزدا.. ليجسدا حالة صراع لا تقبل التوفيق والأنسجام ، كما كان لدى الديانات التي سبقته..

أما الإسلام ، فقد وتر من هذه العلاقة ، وشحنها بأقصى ما يمكن ، من شحنات العداء والكره ، و إستخدم تعابير الكفر، ليعممها على غالبية الناس بسهولة غيرمبررة ، جاعلا ً من الذين لم يدخلوا فيه أو قاوموا دعواته وغزواته لفرض الإسلام عليهم ، من أتباع الكفر و الشيطان.
ينبغي القصاص منهم من خلال مفهوم الجهاد وجعله ركنا ً من أركان الدين ، فتحول فيه المؤمن إلى جندي محارب على أتم الأستعداد لمواجهة الآخرين، بعد أن صنفهم، بجبهة الكفر، التي يتزعمها الشيطان ...

هذا الشيطان الذي يستطيع رؤية الحمار حسب ما جاء في الصحيح الإسلامي لأبي هريرة .. في حديث قال فيه:
( إذا سمعتم أصوات الديكه فسلوا الله من فضله فإنها رأت ملكا وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان فإنها رأ ت شيطانا ) الجامع الصغير للسيوطى حديث رقم 4259

والمتتبع لموضوع إبليس وبقية تسمياته، يلاحظ الكثير من الحكايات المضحكة والمسلية لدى الديانات المختلفة ، وعلى سبيل المثال هناك الشيطان الكبير، والشياطين الصغيرة ، والشيطان الذي بعين واحدة ، وينتعل فردة حذاء واحدة، والشيطان الذي يحل معنا في ليلنا ونهارنا ، والشيطان الذي يكون ثالث إثنين، إن إجتمع رجل مع إمرأة ، أو إختلى بها ، والشيطان الذي يدخل بين فخذي الأنسان، وفي مخرجه أثناء الصلاة ، وبقية الخزعبلات عن الشيطان الأحمر والأزرق والزبانية وكلها قصص وحكايات صالحة للتسالي والضحك ، أكثر مما هي مكون من مكونات الفكر والثقافة حتى في صورته البدائية ... إبتدعها الناس... هناك من يعتقد بصحتها ،ويؤمن بها، وهناك من يرفضها ،ولا يعتبرها إلا جزء ً من حكايا التراث والتاريخ ، يصعب توحيد الموقف والرأي حولها ، وستبقى الآراء متباينة إزاؤها لا يمكن خلق توحيد خالص وموحد بها كما يرغب ويسعى الباحث آزاد...
لكن الذي لفت إنتباهي ، في هذا الموضوع ، تسمية السومريين لشيطان المرض والداء ب ( أساغ ) وهي تسمية مازالت ، باقية في اللغة الكردية ، حيث يستخدمها الإيزيديون في وصف المرض ( أفه نساغه - أي هذا مريض ، أو أسْ نساغم ، أي أنا مريض ) .
كذلك أهل بعشيقة وبحزاني حيثُ يصفون المريص بالنساغ ،على سبيل المثال( اشقد كي نساغي - بمعنى كم هي مريضة) ...

والإيزيدية كدين لديها الكثير من الخصوصيات في هذا المجال ، لكن الذي أورده الباحث بخصوص الإيزيدية في هذا الموضوع فيه الكثير من الأكاذيب وآسف لهذه العبارة لأني لا أرى ضرورة المجاملة في هذا المجال ، حينما يقول أن اليزيدية لا تلفظ كلمة الشيطان والكلمات الشبيهة به وإنهم يقتلون من يقولها أويلجأون لقتل أنفسهم عند سماعها ، هذا يدخل في باب الأكاذيب الرخيصة والسخيفة التي لا تستحق التوقف عندها أوالرد عليها.

إن كنا غير صادقين أو مخطئين فيما نقوله ، ليدُلنا الباحث المحترم عن شخص واحد قتل بيد الإيزيديين لأنه نطق بإسم الشيطان أو قيطان ...
في كردستان وغيرها من المدن، يتعوذ المسلمون من الشيطان ، خمس مرات في اليوم ، من خلال المكرفونات عالية الصوت ، إلى حد تسببها في الإزعاج والتأثير السيء على الصحة العامة للناس وخصوصا ً الأطفال .
هل سمع بمقتل أحد من هؤلاء المؤمنين المتعوذين بالشيطان بأعلى صوتهم أو المصلين ليجعلها تهمة يسوقها في كتابه ؟...
أو ليدلنا على من قتل نفسه من الإيزيديين ، بعد أن سمع أحدهم ينطق بها ولا يستطيع معاقبته ، فقررأن يقتل نفسه ُ كما إدعى ...
يا رجل في أي عصر تعيش ؟ هل ما زلت في عصر ما قبل التاريخ تتوجسُ من هبل ورع ْ وشمشون ْ؟
أم إنك في عصر الثورة العلمية التي تنقل ُعطاس الناس في ثوان معدودات من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب ،وبالعكس، وأنت تقول هناك من يقتل نفسه عند سماع هذه الكلمات أي هراء هذا ؟ !!..

حسنا ً لدينا سؤال آخر ...هل للباحث تفسير لأستخدام الأسم (ديو) من قبل الإيزيديين والتعامل معه بلا تحفظ في لغتهم الكردية ومن دون إشكالات ؟
وبالمناسبة هل يرى الباحث تشابها ً كما نراه نحن في مرادفات التسمية في بقية اللغات منها :
ديفل ، دنكوس ، دنغوس ، ديفاس ، دفيئوس ، ديفوس، ديوبلس ، التي تحولت في لغات اخرى منها العربية إلى إبليس ، وفي لغات أخرى تأخذ جذر الإله ، ست ، شيت ، سيث ، سوتيخ، سطان ، وطيفون ومن ثم شيطان التي كانت رموزا ً لآلهة الخير/الشر في الكثير من الديانات من دون أن يرافقها موضوع التكفير ..

يقول فراس السواح :
( غالبا ً ما نلاقي صعوبة في الفصل بين الآلهة والشياطين ، فنمطار مثلا ً نجده إلها ً وشيطانا ًفي الشياطين السبعة ، وذلك في الرُقم التي تشمل على رُقى وتعاويذ . والشياطين بعضها صالح و أكثرها شرير ، تضطلع بقسط كبير في حياة البابليين اليومية ، وكان ينظر إليها بطريقة واقعية كان يكون لها هيئات متميزة واسم لكل منها ) ص

إن الذي يدفع الإيزيدية للإشمئزاز والتقزز من كلمة الشيطان هو ربطها بموضوع التكفير وتحليل قتلهم من قبل المسلمين أكثر مما يتعلق بلفظ الكلمة والإبتعاد عن قولها ، علما ً إن عدم ذكر اسماء بعض الاشياء يعود لأسباب كثيرة وقد إمتنعت العديد من الديانات من ذكر بعض الأسماء أو لفظها وهذا ما سنتناوله لاحقا ً في الحلقات المقبلة ...