المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الفنان التشكيلي الكوردي حسكو حسكو . الوان الفنان تعكس ذاكرة الطفولة .. المصدر جريدة



سلام قوال
03-23-2015, 21:54
مشق - الاتحاد
ابراهيم حاج عبدي
كانت علبة الألوان المائية التي قدمها له والده، كهدية غامضة، نقطة البداية في مشوار التشكيل لدى حسكو حسكو. كان حسكو يراقب سحر الطبيعة الخلابة في عفرين من حوله وتحديدا في قرية شران حيث ولد سنة 1973 م، محاولا فهم تلك اللغة الخضراء القريبة من لثغة الطفل الذي كان. طبيعة جميلة؛ ملونة تصبغ أديم الأرض وتتبدل حسب الفصول.


وآفاق مفتوحة على الأمداء الواسعة في ذلك الغمر الشاسع حيث الكائنات والبيوت الطينية الغافية في ذلك الشمال النائي، ومفردات الطبيعة عارية، بكل بهائها، تعانق عين الطفل اللماحة. علبة الألوان تلك وفرت له وسيلة كي يحول مشاهداته المبكرة تلك الى رسومات وأشكال خيالية تحاكي الواقع، وتحلّق، بنفس الوقت في فضاءات أبعد من تلك البيئة الهادئة التي تروي الخرافات، وحكايات الجن، وقصص الأجداد المنتهية، دائما، بحسرة خائبة. يقول حسكو انه كان يذهب الى كروم العنب. يتذوق طعم الحلاوة المجبولة بعبق الأرض. يتسلق اشجار الجوز والتين، ويراقب، عن كثب، الطيور وهي تبني اعشاشها، وتغازل الطبيعة البكر من دون ان يفهم سر العلاقة التي تربط بين الكائنات والطبيعة. كانت الفراشات تترك اثرا ناعما على جدول ماء، والسنونو تحلق في سماء الربيع. تلك أعراس الارض تروي للفتى علاقة عشق متبادلة تشهد عليها اشعة الشمس في الصباحات الرخية، وضوء القمر في ليالي الصيف البعيدة، وهو يجزم بأنه كان يسمع صوت الأرض في فصول الصيف الحارقة حيث كل شيء ساكن؛ سكون الابدية، وفي الربيع تخضر المروج والجبال كما لو ان يدا الهية تحمل ريشة عظيمة مرت خلسة ولونت كل شيء في طريقها. هذه الحالات والمشاهدات الوجدانية ترك لدى الفتى تأثيرا قويا، فكان يريد، بدوره، أن يذوب في الطبيعة، وان يغدو "جندبا حديديا"، وفق عنوان أحد كتب سليم بركات، حرا من كل قيد، ومن وصايا الاب والأم. كان يتمنى أن يقضي سحابة النهار في العراء، ويقضي الليل حالما الى جانب اسراب القطا، كي يستوعب أكثر سينفونية الطبيعة من حوله، وإذ أخفق في تحقيق هذه الأمنية راح ينحت اشكالا على الخشب والحجر وتضاريس الأرض من حوله، باحثا عن شيء يؤنس وحدته وحيرته.من هذه البيئة الريفية الآسرة، انتقل حسكو الى مدينة حلب القريبة حيث الصخب والفوضى والفن والحوارات ومكر المدينة، فتعرف هناك على الوسط الفني وراح يصغي الى النقاشات والجدالات حتى عرف ان ثمة شيئا اسمه الفن التشكيلي يستطيع أن يعيد ترتيب مفردات الحياة كما يشتهي الفنان. ولعل أول اسم ترك في نفسه أثرا كان اسم الفنان التشكيلي فاتح المدرس الذي فتح أمامه عالما آخر غير عالمه الطازج؛ البريء. عالم يحتكم الى مدارس الفن التشكيلي والى الحداثة، والى فلسفة اللون، فكان الانتساب، حينئذ، الى كلية الفنون الجميلة بدمشق كي يتعلم التشكيل اكاديميا. وهو لم يشأ أن يحمل شهادة جامعية فحسب، بل اراد أن يستغل سنوات الجامعة الاربع في التعرف الى كل صغيرة وكبيرة في مجال الرسم، فكان مثالا للطالب المجتهد الحريص على صقل موهبته بصورة علمية منهجية الى ان تخرج من الكلية سنة 2000 وهو متخم بالنظريات والمدارس الفنية، مثل تلك الذاكرة المثقلة بكل ما هو طازج وعفوي، وراح يعمل كمصمم ديكور في بعض الافلام السينمائية والمسلسلات الى جانب احترافه للرسم. عندما بدأ في الممارسة العملية حرص حسكو على المزاوحة بين تلك الذاكرة العفوية الفطرية، وبين المناهج التشكيلية الحديثة، بيد ان الكفة كانت راجحة، دوما، لصالح الجانب العفوي والتلقائي الذي انعكس في لوحاته بيوتا وكائنات ووردا وفراشات ملونة... ورغم انه اطلع لدى دراسته على اعمال الكثير من الفنانين التشكيليين العالميين بيد ان اسما واحد بقي عالقا في الوجدان وهو اسم الفنان التشكيلي الروسي مارك شاغال (1887 ـ 1985) الذي ارتبط اسمه بالعديد من المدارس الفنية المهمة وكان واحدًا من أنجح فناني القرن العشرين. يقول حسكو ان "التشكيل يظهر بصورة فطرية من دون قسر او تكلف، وألوان الفنان هي دائما تلك الألوان المستوحاة من أزياء والدته المزركشة، ومن بيئة الطفولة، ومن الرسومات واللوحات التي كانت معلقة على الجدران. ألوان الفنان هي تعبير عن ذاكرة جمعية تختزل ثقافة الفنان، وتقود ريشته إلى ينابيع الاسطورة الأولى والى طبائع الخيال والمنمنات الاسلامية، والسجاجيد الملونة، والرموز والأشكال التي تصوغ تلك البيئة البسيطة".
في لوحة حسكو نجد خطوط الافق دائما في أعلى اللوحة، وهي كناية عن الطبيعة الكوردية حيث يستقر خط الأفق فوق ذرى الجبال الشامخة، وتستقر الكائنات الخيالية وفوضى الطبيعة في لوحة الفنان على نحو هارموني جذاب مستبعدا اي اثر للانسان. هو يلمح الى أفعال الانسان بوصفه عدوا للطبيعة، لكنه يأبى ان يضع وجها انسانيا في لوحته، وكأنه بذلك يدافع عن عذرية الطبيعة أمام همجية الانسان. وهو يراقب المشهد دائما من الأعلى، أو ما يسمى "نظرة الطائر" تلك التقنية التصويرية التي يعرفها السينمائيون جيدا، في محاولة للاحتفاء بالطبيعة عبر مشهد بانورامي. وردا على سؤال حول المدارس الفنية التي تحكمت في ريشته، يقول حسكو بانه اطلع على كل المدارس الفنية، "وحاولت ان امزج بينها في اللوحة الواحدة، وبهذا المعنى يمكن أن تجد في لوحتي البعد الواقعي والرمزي والانطباعي والتجريدي والسوريالي...
لكن من دون ان اجبر ريشتي على ان تكون اسيرة لمدرسة بعينها. انا استفيد من كل هذه المدارس سعيا الى العثور على بصمتي الخاصة. وانا ارى بانه ليس من الضروري ان يتبع الفنان مدرسة فنية بعينها بل يجب أن يستفيد من جميع المدارس... ولاشك ان تقنية اللوحة ومضامينها تختلف من فنان الى آخر، فلكل فنان طريقته واسلوبه، اما بالنسبة لي، فانا استفيد من جميع المدارس، وعندما ارسم اندمج في لوحتي في حالة من الوجد والصوفية لدرجة اذا احترق الكون من حولي لن أشعر به". ويقر حسكو بان لحظة الشروع في رسم لوحة جديدة هي لحظة "مركبة وغامضة ومخيفة، فلا شيء يبعث على الخوف مثل القماشة البيضاء التي تشبه بحرا شاسعا مشاكسا، وعليك انت الفنان ان تعيد له الهدوء والوداعة. القماشة البيضاء تحتاج الى مفاتيح كي تفك طلاسمها وهي اشبه بدائرة مغلقة تحرضك على الإبداع فهل ثمة ما هو اصعب من أن تخلق شيئا من العدم من الفراغ، اقصد من البياض اللانهائي. وعلي أن اعترف بانه عندما انجز لوحة جميلة اشعر وكاني املك العالم". اما عن توظيف الفن لخدمة قضية ما، يقول حسكو بأنه لا يؤمن بهذه النظرية، مضيفا ان "الفن عموما هو يخدم قضية الانسان في كل زمان ومكان، ولكن من دون ذلك الادعاء المباشر والفج. القضية الاسمى للفن هي الإنسان والسؤال بأي ادوات متطورة تستطيع ان تخدم هذه القضية بعيدا عن المرجعيات والايديولوجيات؟، مؤكدا انه "لا قاعدة في الفن، ولا معيار يفرز بين الجيد والسيء. المعيار هو الزمن الذي يمحو الزبد ويبقي على اللوحة التي تنطق بكل جمال هذه الحياة، وشرط هذه اللوحة المنشودة هي الحرية، وعندما تتوفر الحرية للفنان، عندئد يمكن للفن أن يخلق عالما افتراضيا جميلا موازيا للعالم الواقعي المليء بالقسوة والألم.