المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أحوال نصارى العراق في خلافة بني العباس بهنام سليم حبابه



bahzani.4
06-09-2015, 10:41
أحوال نصارى العراق في خلافة بني العباس



بهنام سليم حبابه





طالعت هذا الكتاب النفيس قبل مدة فوجدت موضوعه طريفا بعد أن استهواني عنوانه، ورحت اتصفحه مرة ومرتين وثلاثا وقد وجدت بين فصوله من الأخبار الطريفة والنوادر والملح التاريخية الشيء الكثير، ولاعجب فهو سفر تاريخي جليل غني بالأخبار والأحداث الجديرة بالاعتبار والتاريخ والتخليد نظرا لأهميتها البليغة على مر الزمن. اما مؤلف هذا الكتاب فهو من المؤرخين العالميين المعروفين، بانه الراهب الدومنيكي الاب (حنا فييه) الفرنسي الجنسية وقد أمضى في بلادنا 35 سنة من عمره في البحث والاطلاع واكتشاف تراثنا وأمجادنا التاريخية التليدة وبخاصة في المناطق الشمالية الغنية بآثارها وجمالها وعظمتها وكتب في ذلك من البحوث مايستحق الاعتبار بكل موضوعية وتدقيق وبلغ مجموع بحوثه ورسائله ومنشوراته وكتبه اكثر من (130) عدا توفي الاب (جان موريس فييه) -وهذا اسمه بالفرنسية- في بيروت مساء 10/11/1995، والقلم بيده، بعد عودته من الجامعة اليسوعية فهو استاذ متمرس فيها منذ مغادرته العراق.


سوف استعرض في هذه الأسطر بعض ماورد في الكتاب المذكور من نوادر تاريخية طريفة وحكم بليغة. ولابد من التنويه بأن مؤلفات المؤرخ العلامة (حنا فييه) كلها مكتوبة بالفرنسية- وهي لغتهُ الام- مع انه كان يعرف العربية (واللهجة الموصلية) وذلك بفضل إقامته الطويلة في العراق ثم لبنان.
إن هذا الكتاب موضوع كلامنا هو أصلا بالفرنسية، قام بترجمته إلى اللغة العربية أحد ألأدباء اللبنانيين وهو مسلم شيعي اسمه (حسني زينه) وذلك سنة 1990، يقول هذا المترجم، وهو محامٍ معروف كان صديقا للاب الراهب الدومنيكي (حنا فييه) (قرأت الترجمة العربية على المؤلف في جلسات مطولة لاتُنسى كان من ثمارها مزيد من التدقيق في بعض المصادر)، هذا ماورد في ص32 من الكتاب. يلي ذلك مقدمة الكتاب للمؤلف عينه وهي في عشر صحائف مترجمة إلى العربية (ص33-42).
هذا وسوف أسردُ للقراء الكرام قسما من الاخبار الطريفة والاحداث التاريخية الظريفة الواردة في كتاب (أحوال نصارى العراق في خلافة بني العباس) موضوع هذه الأسطر، وبعد ذلك أورد نبذةً عن المؤرخ العلاّمة (الاب فييه) في ترجمة لحياته. ويقول المترجم الاستاذ حسني زينه إن هذا الكتاب هو جزء من ثلاثية تتناول أحوال نصارى العراق في ظل الساسانيين ثم العباسيين فالمغول. رقد مهدّ المؤلف لهذه الثلاثية بأربعة مجلدات ذكر فيها كثيرا من معلوماته عن الديارات والكنائس والأماكن النصرانية في العراق ومقالات عديدة عن المسيحية في ايران جُمعت في مجلد نُشر في لندن.
إلى جانب مؤلفات وشخصيات وأحداث مهمة في تاريخ المسيحية في بلاد الشرق، وقد اورد المترجم الشعار الذي اتخذه المؤلف شعارا له مقولة شيشرون الفيلسوف (قبل الميلاد) وهو من رجال روما العظام ومن خطبائها المعروفين في التاريخ، وهي حكمة بليغة تقول ( لاتُقدم على قول الباطل ولا تصبر على كتمان الحق) كم إنها جديرة بالاعتبار والتطبيق!!
والآن إلى بعض الاخبار والعبر والطرائف التي يتضمنها كتاب (احوال نصارى العراق) هذا:
- ابو يوسف يعقوب المتوفى سنة 798م، حوالي 170 هـ، ينسب إلى الخليفة عمر بن الخطاب قُبيل وفاته قوله ( اوصي الخليفة من بعدي بذمّة رسول الله ان يوفي لهم بعهدهم – والكلام عن النصارى- وان يقاتل من ورائهم ولا يكلفوا فوق طاقتهم) فأين نحن من هذا ؟؟ - جرى في تلك الايام أمر يكشف عن العقليات السائدة. فقد أراد الخليفة المنصور أن يهدم طاق كسرى ليستعمل حجارته في البناء ببغداد! فحاول الوزير خالد البرمكي الذي هاله الأمر أن يجد الاعذار ليصرف الخليفة المنصور عما عزم عليه، قال: لاتفعل يا أميرَ المؤمنين فانه آيةُ الاسلام وهو مصلّى علي بن ابي طالب وان مبالغ نقضه اكثر من نفعه فقال له المنصور: أبيت يا خالد إلا بدلا إلى العجمية!! وأمر بهدم قسم من الطاق وفاقت النفقة الوفر المرتجي لان كل نقلة كانت تستغرق يومين ذهاباً واياباً إلى بغداد. عندئذ اراد المنصور الرجوع عما قرر سابقاً فقال خالد: قد صرنا إلى رأيكَ وتركنا هدم الديوان إلاّ ان خالدا نصحَ له بمواصلة الهدم لئلا يقال إن الخليفة أضعف همة مما بناه غيره. فكان أن أمر الخليفة وتوقف الهدمُ حتى أنه أمر بترميمه فيما بعد!
كان ذلك قبل وفاة المنصور باربعة أعوام (ص52).
- كان للرهبان دور كبير الأهمية فيما قيل عن بناء مدينة بغداد، فقد كان هنالك على مقربة من المكان الذي بنى فيه المنصور قصر الخلد دير للرهبان، كما كان بالقرب من قرية العتيقة دير آخر على اسم ماربثيون نزل به المنصور وطردَ منه بعض المسلمين الذين اغتصبوه (ص53) في العام 148هـ، وبعد ثلاث سنوات من تأسيس بغداد مرض المنصور وفسدت معدته، ولما عجز اطباء المدينة عن شفائه ذُكر له احد معلمي جنديسابور الشهيرة ومدير بيمارستان تلك المدينة جورجيس بن جبرائيل من آل بختيشوع، وهذه قصة طريفة عن الهدية التي أهداها الخليفة لطبيبه في عيد الميلاد سنة (151 هـ)، فلما بلغ المنصور ان جورجيس قد غادر في عيلام زوجته التي شاخت وأقعدها الوهن عن القيام على رجليها. بعث المنصور اليه ثلاثة الآف دينار مع ثلاث جوارٍ روميات حسان بصحبة سالم
الخصي، ولكن جورجيس رد الجواري وقال للخليفة: هؤلاء لا يكونون معي في بيت واحد لأننا معشر النصارى لا نتزوج بأكثر من واحدة مادامت المرأة حية لا نأخذ غيرها، فحسن موقعه من الخليفة وأمر في وقته ان يدخل جورجيس على خطاياه وحرمه، ولما مثل بين يدي الخليفة ليستأذنه بالسفر دعاه الخليفة الى الاسلام قائلاً: أسلم وانا اضمن لك الجنة!! ولكن الطبيب تجرأ على الرد قائلاً: رضيت حيث آبائي في الجنة او في النار...
- وحصل جورجيس على هدية وداع بلغت عشرة الآف دينار (ص152)، هذا وقصة فحص البول للخيزران وانبائها بمولود معروفة ايضا، في سنة 190هـ أستدعي جبرائيل بن بختيشوع الى بغداد حيث تحققت على يده سلسلة من الشفاءات المذهلة بدءاً بالمحظية مشلولة اليد! فقد وقفت امام الطبيب بحضرة الخليفة الرشيد وتقدم جبرائيل ليكشف عن ثوبها فبسطت يدها بحركة غريزية لستر عورتها اذ خافت ان تنكشف.. وشفيت يدها!! ونال جبرائيل عن شفائها 500 الف درهم (ص92).
- -مات الخليفة المنصور على طريق الحج سنة 157هـ.
- -كان حي الشماسية في عهد الرشيد هو حي البرامكة الارستقراطيين (ص84).
- -أبو زكريا يوحنا بن ماسويه صار في خلافة المأمون رئيسا للمترجمين (ص84)، عن الرشيد قال: كل من له اليّ حاجة فليخاطب بها جبرائيل لأني أفعل كل ما يسألني فيه ويطلبه مني (ص62)، وجبرائيل هو الطبيب ابن يختيشوع.
- -ان زبيدة كانت تكرم طيمثاوس كثيرا وتميل الى النصارى وتستخدمهم وقد شاركت في عمل اعلان الشعانين وعملت الصلبان من الذهب والفضة واعطت طيمثاوس اوانٍ من الذهب والفضة وبعض الاقمشة الفاخرة (ص46)، كانت خلافة الرشيد كأيام العرس بالنسبة الى النصارى وذلك بفضل جبرائيل والسيدة زبيدة وفضل طيمثاوس خاصة (ص97).
-صادف المعتصم رهباناً وابتاع منهم سنة 221 هـ (835م)، ديراً مع ضياعه في الموقع الذي بنى فيه مقره بسامراء (ص128).
- -ابو تمام ولد نصرانياً وكان أبوه ثيودوس خماراً بدمشق، ولما اسلم ابو تمام سمى اباه أوساً ولفق نسباً يرتقي الى بني طي (وفاته في الموصل -228هـ)، له شاخص على نهر دجلة أزاله الداعشيون!
- -في عهد المتوكل: الطبيب بختيشوع بن جبرائيل العيلامي كان يجالس الخليفة على سدة الملك (ص44).
- هذا وتذكر كتب التاريخ سبب ميل السيدة زبيدة زوجة الرشيد الى النصارى في ايام طيمثاوس المذكور انفاً، هو (ان الرشيد لما ندم على اليمين بطلاق زبيدة وأجمع الفقهاء على تزويجها من يستحلها له وعرف طيمثاوس صعوبة ذلك على الرشيد أشار بأن تنتصر على يده فيوجب عليها القتل وترجع تسلم فتحل له، وأمضى ذلك الفقهاء وبهذا حظي طيمثاوس عندها وعاونته على سائر أموره واعطته أدوات الذهب والفضة وغيرها!! (ص75)، من كتاب المجدل لماري بن سليمان طبعة روما (1899).
- اين العراق وأهله اليوم من مسلمين ومسيحيين بعد 1200 سنة؟!
- وبعد هذه كلمة عن المستشرق المؤرخ الاب جان موريس فييه الراهب الدومنيكي الشهير باسم (ابونا حنا) الذي أعطي لقب (يوحنا الموصلي) لاهتمامه بتاريخ الموصل وخدماته فيها.
- هو واحد من المؤرخين الاعلام المعروفين، فرنسي المولد عام 1914 أمضى 27 سنة من خدمته في الموصل وسبع سنين في بغداد إشتهر بمؤلفاته العديدة التي أهلته للحصول على الدكتوراه الفخرية من جامعة ديجون الفرنسية، كما جرى تكريمه مع اربعة علماء متميزين بدكتوراه شرف بالعلوم الشرقية من قبل المعهد الشرقي في روما، وتعين عضواً في لجنة التاريخ الدولية منذ تأسيسها.
- حل الاب فياي منذ 1939 في بلادنا وهو راهب شاب فسحرته الحدباء بموقعها وآثارها وتاريخها وأهلها فخدمها وخدم العراق كله بتتبعاته واهتماماته التاريخية فاصبح حجة ومرجعاً وقدم للبلاد مؤلفات تاريخية دقيقة من أهمها أخبار المسيحية في الموصل وآشور المسيحية بثلاثة أجزاء وكلها ترجمت الى العربية الى جانب المقالات الكثيرة والبحوث والدراسات المتعددة، ورد ذكره في معجم المؤلفين السريان (ص165)، ولم يكتف هذا العلامة بهذا فقط بل انصرف الى التربية والتعليم وفتح ثانوية سماها (كلية الموصل) تولى ادارتها وهيأت للوطن مئات الطلاب الممتازين، وقد اغلقت كلية الموصل ابوابها في 1959 بعد خدمة 15 سنة، انتقل ابونا حنا الى بغداد أواخر 1966 مواصلاً ابحاثه وخدماته واتصالاته بالعلماء والمؤرخين، وبعد سبع سنين عاد الى الموصل فالقاهرة ثم بيروت وكان دائم السفر الى اوربا لالقاء المحاضرات، وكان شديد الشوق لزيارة العراق لولا ظروف الحصار لكن المنية لم تمهله اذ باغتته في بيروت يوم 10/11/1995، وأقيم له حفل تأبيني في بغداد والموصل نظراً لمكانته العلمية.
وبعد.. فنظراً لشهرة هذا العلامة الجليل المؤرخ الاب حنا، كان الصديق العزيز البحاثة الاستاذ بسام ادريس الجلبي قد طلب من الآباء الدومنكان حضور الاب جان موريس فييه الى الموصل بنية تكريمية والاحتفاء به لما قدمه من خدمات جليلة للمدينة وأهلها. وخلع عليه لقب (يوحنا الموصلي) لكن المنية عاجلته رحمه الله وأدام الأخ بسام الجلبي أعواماً مديدة.