المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المراة الكوردية والفن التشكيلي ..عن جريدة الاتحاد



سلام قوال
06-23-2015, 21:42
ثقافة وفن: المــــــــرأة الكرديـــــــــــة و الفـــــــن التشـــــــــكيلي





بقيت المرأة عبر التاريخ، موضعاً للحدث و الحديث منذ تفاحة آدم حتى اليوم، وقد كانت محور الأدب و الفن، و المجتمع في كافة العصور و الأزمان و لم يأت ذلك صدفة، أو رغبة عشواء في تأكيد أهميتها أو تلميحاً بخطورتها، بل جاء ذلك نتيجة طبيعية لدورها الأساسي في عملية العطاء، وإغناء تجربة الحياة، المتمثلة بالاستمرارية والخلود، وقد مرت المرأة عبر مسيرة التطور الحتمي، من ظروف إلى ظروف حسب طبيعة وعي المجتمع المنتمية إليه، وحسب تطور مفاهيمه، وعاداته، وتقاليده وعانت المرأة ما عانت من اضطهاد وتهميش لدورها، لتخلف المجتمع من النواحي الثقافية و التربوية.



- وقد ساهمت مجموعة عوامل في تعميق هذه الهوة بين المرأة و المجتمع من جهة، وبين المرأة و الحضارة من جهة أخرى، في الوقت الذي كانت تشيد صروح الحضارات منذ مصر القديمة، والحضارة الميدية و الحضارة الآشورية في ما بين النهرين، منذ خمسة آلاف عام على أكتاف الرجل من خلال استلهامه للحياة الجميلة، عبر وجود المرأة في حياته، وتعاونه معها، التعاون غير المنظور... الآلهة الجميلة كانت امرأة و الشعر الجميل للمرأة و اللوحة النادرة للمرأة، و التماثيل الخالدة للمرأة، قصص الملاحم الرائعة، تحكي دور المرأة، و تتمحور حولها،ونحن لسنا هنا في صدد الحديث عن تاريخ المرأة و حقيقة وجودها ودورها عبر الأجيال، ولكننا نتناول جانباً صغيراً من حياة المرأة ونشاطها الهام و الفعال في مسيرة الحركة الفنية في سورية . نأخذ المرأة من محورين : المرأة المنتجة الفنانة، و المرأة الملهمة .
-أما المنتجة فهي المرأة الفنانة التي ساهمت بشكل أو بآخر في بناء صرح الحركة الفنية التشكيلية الكردية في سورية، إذن نحن ندرس دورها التشكيلي فقط. إذا راجعنا ذاكرتنا قليلاً، وعدنا إلى نحو نصف قرن على الأقل لسمعنا أن هناك أسماء عرفت في بدايات الحركة الفنية من خلال نشاطات فردية، أو من خلال وجود جمعيات و تجمعات و نواد كانت في ذلك الزمان: أمثال: د. شيرين الملا، وجدان ديركي،نارين زلفو، خديجة شيخ بكر... الحقيقة أن المشكلة الأساسية التي تواجه المرأة عندنا هي مشكلة تحديد دورها الفعلي والأساسي من خلال قناعاتها هي نفسها .
-أما المرأة الملهمة؛ هي إنسانة قبل كل شيء، ودورها الإنساني يجب أن يكون بالضرورة أشمل و أوسع من دورها الأنثوي الخاص، بمعنى الاستفادة القصوى من طاقاتها الابداعية وموهبتها الفنية بالرغم من الاعباء الحياتية التي تقع على كاهل المرأة في مجتمعات إشكالية مثل المجتمعات الشرقية من جهة ومن جهة أخرى خضوعها وارتضاءها بالضغوطات والاشتراطات التي تقلل من دورها وبهذا تكون المرأة هي التي وضعت نفسها في هذا الموضع و هي التي اختارت هذا الطريق؛ فلو حرصت على متابعة دورها الحضاري في شتى مجالات الثقافة والفن لما وقف في طريقها أحد، إلا في بعض المجتمعات المتخلفة، أو لبعض ظروف اجتماعية أو بيئية، أو اقتصادية معينة. نحن أمام واقع يفترض فيه أن يكون متطوراً ينظر إلى المرأة على أنها نصف المجتمع فعلاً، ولا تقبل حواراً في غير هذا الاتجاه . ولكن يحدث هذا حقاً، فكثيراً ما قاتلت الفتيات من أجل الدخول إلى (كلية الفنون) أو (معاهد الفنون)، بعضهن من أجل الفن، والبعض الآخر تقاتل من أجل نقص في مجموع العلامات، والبعض الآخر تقاتل من أجل الدراسة، وللدراسة، أية دراسة متاحة لها فقط .

( الفنانة كلناز علي )
إذن من مجمل استعراض هذه الاحتمالات، نجد أن مشكلة المرأة الفنانة المنتجة في سورية وربما في بعض الأقطار العربية، تعيش ضمن ظروف تختلف عن ظروف الرجل و يكون من نتائج ذلك قلة عدد الفنانات المنتجات، و بالتالي قيمة الطموح لدى البعض الآخر منهن، و في المحصلة نجد أنفسنا أمام المرأة الفنانة، إما معلمة للرسم و الأشغال، أو خريجة فنون و لا تمارس الفنون، أو زوجة تمارس الفن في منزلها و على نطاق ضيق، أو فنانة تمارس الفن في حياتها اليومية، سواء تزوجت أم لم تتزوج وهذه قلة كما قلنا.
وقبل أن نلجأ إلى هذا التصنيف إذا صح التعبير، قلنا إنه قبل نصف قرن من الآن كانت هنالك ملامح حركة فنية نشيطة في سورية، من خلال جمعيات أو تجمعات ثقافية و فنية، أو من خلال نشاطات فردية، وظهرت أسماء فنانات كرديات مارسن الفن التشكيلي من رسم و زخرفة أو تدريس الفنون أمثال (الدكتورة شيرين الملا- تصوير) و(السيدة نارين زلفو- تصوير) و(السيدة وجدان ديركي- تصوير)، و(السيدة شكران بلال- تصوير) و(ليلى الترك- نحت) و(سارة شيخي- تصوير) و(السيدة يسرى شريف- تصوير) و(السيدة جيان سعيد- نحت) و(السيدة خديجة شيخ بكر- ديكور) و(السيدة ستير محمد حمام– زخرفة ) و(السيدة روشان الشوزي – تشكيل) و(عزيزة جمعة أحمد – زخرفة) و(منى ظاظا – تصوير) و(أمل إبراهيم – تصوير) و( الأميرة السيدة روشن بدرخان – تطريز) و( السيدة كولناز علي – تطريز) و(مريم "باكستان" مراد- تصوير) و( ليلى شيخ حسن – تصوير).
و للإنصاف نقول : إن المرأة الفنانة سواء كانت زوجة غير موظفة/ أم فنانة غير متزوجة، قامت وتقوم بتدريس الفنون في المدارس. فقد ساهمت بكل تأكيد في هذا النجاح، و وضعت اللبنات الأولى في بناء الحركة الفنية التشكيلية بالنسبة للمرأة .
فالمرأة الفنانة المتزوجة، والتي لم تستطع إما لظروف اجتماعية أو تعليمية أو اقتصادية أن تكمل دراستها، أو أن تتابع نشاطها و إنتاجها الفني، قد نجدها و قد حولت بيتها إلى جنة من الفن والجمال، وحاولت و تحاول أن تغرس في نفوس أولادها حب الفن و تذوق الجمال.
وهذا أيضاً دور إيجابي وفعال، تمارس فيه المرأة الفنانة عملية الإسقاط أي تحقيق رغبتها التي لم تتحقق، عن طريق تحريض غيرها على ممارستها بشكل أو بآخر، وهذا ما يحصل فعلاً في بعض الأسر خاصة عندما تكون المرأة الفنانة، زوجة، مغلوبة على أمرها، مكرهة على ترك الفن، والنشاط الفني، مجبرة على عدم ممارسة أي عمل فني كان، وفي مثل هذه الحالة، قد يكون دورها كبيراً، فتخطط بذكاء، وبإصرار، وبعناد على تنمية التذوق الفني لدى أولادها، و تحاول بطرق شتى أن تغرس لديهم هذه الرغبة الجامحة التي تعيش في أعماقها،فتعرض بذلك بعض ما حرمت منه في حياتها و شبابها، وبالتالي تشعر براحة كبيرة عندما تثمر جهودها، وتتحول العملية عندها من ظاهرة و رغبة فردية، إلى ظاهرة اجتماعية و تربوية و سلوكية، وتصبح مجمل العملية (رسالة) بكل معنى الكلمة، رسالة الفنانة، رسالة إنسانية، رسالة حضارية فعلاً و قولاً. وحتى في مجال التعليم، يمكن للفنانة، التي لم تستطع أن تمارس العمل الفني، ولم يتح لها أن تشارك في المعارض والأنشطة الفنية المختلفة، يمكنها أيضاً أن تضاعف الجهد لتعلم الطالبات، كل ما لديها من خبرة في الفن، كنوع من التعويض من خلال ذلك .
-الفرق بين فن المرأة و فن الرجل ؟!
لا يوجد أي فرق، إلا في عقلية الرجل المتخلفة و الذي يدّعي بأن هناك فناً للمرأة، وفناً للرجل، والحقيقة التي نؤمن بها نحن : إما أن يكون الفن فناً أو لا يكون، أما من الذي أنتجه وقدمه، فهذا لا يدخل في التفريق بين الجنسين الرجل أو المرأة. فن المرأة، إذا أسميناه تجاوزاً بـ"فن المرأة"، لا يحتاج إلى دعم أو إلى رعاية خاصة و إلى عطف حتى ينجح ويأخذ دوره. العمل الفني، إذا كان جيداً، سواء كان من إنتاج رجل أو امرأة، لابد أن يقف على قدميه، لا بد أن يأخذ مكانه الطبيعي بين جميع الأعمال الفنية في الحركة الفنية التشكيلية . قد يقول قائل إن المرأة أميل بطبيعة أنوثتها، إلى الزخرفة، و التطريز، و إلى المنمنمات والفنون التطبيقية والأشغال الخاصة بالمنزل، والاستعمالات المنزلية اليومية.
هذا أمر لا يقلل من أهمية عمل المرأة وعطائها الفني. المهم فقط أن يكون العمل إبداعياً، لا تقليدياً أو نقلاً، ولا نتيجة مهارة يدوية تعلمتها عن طريق الوراثة وتكرار التصاميم وأفكار ووحدات مألوفة، المهم هو العقل الذي يفكر، والإحساس الذي يتدفق، و الفكر الذي يتوهج، و العاطفة التي تنمو، كل ذلك يصعب في بوتقة واحدة اسمها الإبداع سواء أكان ذلك لامرأة أم لرجل، لا يهم على الإطلاق. عندما شاركت المرأة الفنانة في سورية في المعارض و النشاطات لم تشارك فيها بصفتها امرأة، بل بصفتها فنانة ولهذا السبب تركت بصماتها الخيّرة على الفن وعلى الحركة الفنية، وكانت القدوة لكل فنانة وفنان، يحرص على أن تكون جادة ومسؤولة في تحمل دورها، و أخذ مكانتها الطبيعية في المجتمع .
وهي ضحّت فعلاً و قدمت أكثر مما يقدم الرجل، من صحتها وراحتها و كل إمكاناتها، من أجل أن ترسخ قيماً فنية نحن بأشد الحاجة إليها، والنشاطات التي كانت تقام أسبوعياً وشهرياً، كانت تبذل فيها بكل صدق و بكل جدية بل كان دورهن حديث الناس و المجتمع .
وكانت أعمالهن الفنية تمتاز بكثير من الجهد و بكثير من الإخلاص و كثير من الإتقان، حتى يثبتن جدارتهن أمام مجموعة من الزملاء الفنانين الذين بدأوا يتوافدون من الدراسات الفنية من خارج القطر . و هذه هي بعض من الأسماء التي نذكرها عن المرأة الفنانة في سورية، ومن الملاحظ كيف أن عدداً غير قليل منهن يغيب عن الحركة الفنية بمجرد الزواج، أو الانشغال في الحياة اليومية و كم كان بودنا أن نتعرّف على الجهد الأكبر، ونعرف الأكثر عن المرأة الفنانة في بلادنا، وعن إنتاجها، ليس من باب التفريق بين فن المرأة و فن الرجل، وهذا منطق مرفوض و خطأ و غير مقبول كما قلنا، فالفن فن سواء أنتجته المرأة أم الرجل، ولكننا نصر على أن يكون عدد الفنانات الكورديات في سورية أكبر، حتى يكون وجود المرأة الفنانة في حياتنا يغني حياتنا الثقافية و تعكس الجانب المتطور و الحضاري فيها، و يلوّن حياتنا و يعطيها بهاءً و جمالاً و رونقاً و مزيداً من الحساسية و الشاعرية.
تلك هي صورة مكثفة عن المرأة التشكيلية الكردية المنتجة في سورية هذه المرأة التي تواكب مسيرة الحضارة و تتابع عطاءها بكل حب و بكل جدية و بكل اهتمام … وهي الوجه المشرق و المشرّف لنا أمام حضارات العالم .
المرأة في النهاية هي الأم و الزوجة، و الشقيقة، تمنحنا تعبيراً عن الجمال و الحنان و الحب و تعبير الأمومة : بمعناها الواقعي، ليس فيه مبالغات و لا شطحات و لا أي نوع من أنواع التقنيات غير المألوفة .
موضوع الأمومة بمعناه الواسع و الواقعي . و المرأة رمز من رموز الحياة :
يعني العطاء الخصب، المرأة تعني الأرض، تعني الحياة و الوطن بكل خيراته و معانيه .
والمرأة الكرديــة لا يزال دورها في الحركة التشكيلية ضعيفاً طيلة الســــنوات الماضية و ذلك يعود لأسباب سياســـــية واجتماعية و اقتصادية وعدم وجود منظمات نـــسائية (كردية) تعتني بمثل هذه النشاطات الثقافية و لتفعيل دور المرأة الكردية في الحياة الفنية التشكيلية (في سورية وتركيا وإيران والعراق) و تقع أيضاً المسؤولية على عاتق الحركات الوطنية التحررية السياسية الكردية بالدرجة الأولى