المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التشكيل الكوردي العراقي ..ثقافة التحديث في رحلة البحث عن الغائب ..عن مجلة بلادي



سلام قوال
07-23-2015, 23:04
ثمة انزياح واضح نحو الأثر في التشكيل العراقي المعاصر بشكلٍ عام والتشكيل الكردي بشكلٍ خاص، قد تمثل بمناهضة الشكل الكلاسيكي القديم، المتمسك بالمعنى الواحد. حيث تجاوز الفنان التشكيلي الكردي بنصوصه الاخيرة بعد عصر الحروب ، هذه المحدودية في المعنى باتجاه تعددية الاصوات على اعتبار ان النص الفني مزيجٌ متنوع تتعدد فيه الاصوات .. فلا وجود لنص تشكيلي نقي بمعزل عن النصوص الغائبة. وفيما يلي بعض التجارب التشكيلية الكردية المشتغلة على قوانين التناص قد تواجدت بين ثنايا آرشيف موسوعة الفن التشكيلي العراقي الخاص بي..

د. شوقي الموسوي

ثمة تمركزات واضحة المعالم حول تشفير المرئي بالاعتماد على الذاتية الفردية ، في حدود التشكيل الكردي العراقي ، قد يبدو غريباً بعض الشيء ، حيث تبنت أغلب النتاجات الفنية بعض أساليب التجريد الغنائي ، المُحتفل بالجوهري على الرغم من تسييد بعض التجارب الاساليب الواقعية على الساحة التشكيلية المتعاقبة. فالذات اصبحت المحور الاساسي لبعض الفنانين العراقيين ، بل هي مركز لكل خطاب تشكيلي .. وعلى وجه الخصوص تجارب الفنان " عوني سامي " الذي طرح أفكاره باسلوب تجريدي يُناهض الواقعي ، بل ومُحطماً له .الفنان " عوني سامي " من الفنانين الكرد الشباب المُجدين ، حاول جاهداً استنطاق مرئياته وانسنتها متأملاً جواهرها لا قشورها ، فنجدهُ في بعض اعماله الفنية يبتعد عن الامتثال لقوانين المرئي التشريحية من خلال عمليات البحث والتجريب والتلصيق والتسطيح التي يجريها على اشكاله وبالتالي يُنتج أشكالاً جديدة تحتفل بالتجريد على حساب التجسيم فتتمظهر أشكاله (مربعات رمادية - أشكال طوطمية - خطوط - نقط - بقع لونية حمراء مركزية - مواد مختلفة ..) في اطار التأمل فتكتسب لغته البصرية دلالات مثالية تجعل من النص الجديد المُقترح بفعل عمليات التلصيق والتحزيز والتحطيم جمالاً خالصاً ؛ كون الجمال الخالص يتموضع في الشكل الخالص على حد تعبير الفيلسوف كانت ..؛ من خلال هكذا تجريد وتشفير للواقع المحيط وجدتُ بان هنالك تعددية في الازمنة بحدود مفهوم التناص في اعمال الفنان " عوني " قد ساعدت النص الجديد على استنباط معالم الزمن ، ليصبح ذا دلالة اشارية (ايحائية) تتمفصل مع القانون الهندسي العام وبالتالي يُعطي للمتلقي تعددية في المعنى لحظة فعل القراءة . من هُنا أرى ان الفنان الكردي بشكل عام والفنان "عوني سامي" بشكل خاص، أنصب اهتمامه على تمزيق و تحطيم دلالات المكان الموضوعية، لصالح تعددية الازمنة الجديدة ، عندما حاول اختراق الفضاءات اللامرئية المخفية (الاطياف) من خلال استعانته بالاشكال الهندسية والحيوانية ذات الفكر الطوطمي، بفعل عمليات الحذف والاضافة والتمويه والترميز والتجريد، فالفنان "عوني سامي" كالمنقب الذي يهتم بالبحث عن ما هو جوهري ومثالي من اجل المضي قُدماً الى مناطق ومديات بلا حافات .

تجارب كردية متجاورة: سحر التخييل والتغريب

يتعمق اداء فعل الذات المغتربة لدى الفنان التشكيلي العراقي عندما تكون هُنالك ملامح للغياب والتغييب في الهوية وفي الفن وباداء فانتازي، يحتفل بعمليات التغريب والتركيب والتهجين بين ماهو واقعي وماهو مُتخيل . انه غياب يخترق مناطق اللامرئي في المرئي فيقترح أشكالاً جديدة وفق رؤية حدسية ماورائية، تقترب من العوالم السوريالية ، فتحدد جغرافية للصمت الابدي . هذه الرؤية الماورائية وجدناها في بعض نتاجات التشكيل الكردي العراقي لدى الفنانين (بُرهان سابير - ماجد شاليار - روناك عزيز - دارا محمد علي - عادل محمود - تريفا أنور - فارس تمر ..) . ففي منحوتات الفنان " بُرهان سابير " نجد ان الفنان قد سعى في أغلب نتاجاته الفنية الى تغييب العالم المرئي (الموضوعي) لصالح العالم الداخلي (الجوهري ) في أشكاله المركبة ( كائنات مركبة - تكوينات طوطمية - اقنعة الجسد - اشكال اسطورية سوريالية وتراثية ...) هذا التغييب يُساعد ذهن التلقي في اختراق مناطق الحُلم والعودة بالاشكال الى الينابيع باتجاه الزمن الماضي الجميل ، الممتليء بالحكايات الخليقية والاساطير المحتفلة بسحر التخييل والتغريب ..؛ حيث تمظهرت مظاهر الحداثة من تحديث وتجريد وتركيب في منحوتات الفنان " سابير " باشكال رمزية ، سوريالية كما هو واضح في عناوين معارضه السابقة (الاقنعة 1988- طوطم 1999 - مخلوقات 2000) مُستحضراً ذاكرته البكرية واللاجمعية المختزلة للموروث الحضاري فتتحول الى ثيمات ميثيولوجية للتأويل لحظة فعل القراءة .بينما نلاحظ في رسوم الفنان والصديق " ماجد شاليار " ذات الطابع الواقعي ، تشتغل على اظهار ملامح المدينة القديمة بما تحويه من ذكريات وحكايات تنتمي الى ذاكرة المكان اكثر مماهي تاريخانية ، فهو يرسم ذاتيته عبر امكنته القديمة المُفعمة بالذكريات مستعيناً بخياله الخصب وتقنياته الاكاديمية المحتفلة بالتعبير. فالفنان "ماجد" يتأمل مرجعياته عندما ينتج موضوعاته المتعددة (سوق شعبي - عربة وحصان - طبيعة ريفية - رقصة كوردية - ملامح مدينة ..) ليُعبر عن محنته وليدون وجوده الانساني ولا يُحاكي مباشرةً ، اذا مااعتبرنا ان الرسم طريق للوجود، فالفنان يحتضن الماضي الجميل وبالتالي يشعرنا بالامتداد والارتداد الى الجذور . ومروراً بتجربة الفنانة "روناك عزيز" نلاحظ وفي حدود موضوعة ثنائية الجسد ( الرجل والامرأة) ثمة أمكنة غرائبية مخفية تكمن في أعماق التمظهرات (الخطوط والالوان) ، قادرة على توسيع مدارات السرد الذاتي واغنائه بالجانب الروحي المتعدد الاصوات بفعل تعددية الازمنة والامكنة في المشهد الفني العام وخاصة في الاعمال الاخيرة التي وجدت في عملية ادخال المواد المختلفة والصاقها على السطح التصويري ( خيوط - عجائن - ورق ..) أساساً في تكويناتها التعبيرية التي تُسيح بنا الى عوالم الحميمية والسلام والذكريات والى الانسانية المفقودة في الزمن الاحمر هُناك !! لذلك نجد ان الفنانة " روناك " قد صبت اهتمامها على الفكر الانثروبولوجي المحتفض بطاقات التعبير ، بحثاً في جوهر الاجساد (المرئيات) عن الحلم الضائع (الوطن) .في حين وجدنا في تجارب الفنان " دارا محمد علي " احتفالاً واضحاُ بثنائيات الوجود وهي متجاورة ومتحاورة ( رجل وامرأة - الانسان والطير - الحب والحرب - الليل والنهار - الاسود والابيض - الموت والحياة - الواقع والخيال - السماء والارض ..) حيث قام بتجريد وتخليص المرئي (الايقون) من صوره المكانية التقليدية والذي يساعده على استحضار ذاكرة الحلم والوهم والرمز ، ليصبح الزمن هُنا بمثابة تيارٌ هائج لا يكشف المعنى الظاهر بل يُحرّف بقايا أمكنته من أجل التنقيب في سرائر الرمز للوصول الى الاعماق والى الصمت ، باتجاه الحقيقة الجمالية .. وهنالك مفردات أخرى كانت اكثر حضوراً من غيرها في اعمال " دارا محمد " تمثل الاشكال الكونية ( الشمس - النجم - القمر - السماء ..) وهي تُحدق بنا وتحلق بذاتيتنا الى المثال ، بمثابة عودة الى الينابيع والى استذكار الذكريات والى تشييد معمار الذاكرة المغتربة فتكون شاهدة على عصر الحروب كبديل للبقاء وحلول الحياة في أشكاله المركبة فانتازياً .بينما نجدُ ان سحر التخييل قد تموضع بشكل واضح في اعمال الفنان الكوردي " عادل محمود " ذات الطابع التعبيري والسوريالي وخاصة في موضوعة الجسد الانثوي ، المُشبع بالرمزية والاستعارية والمُحتفلة بالتلقائية والعفوية بالالوان .. ؛ حيث يستخدم الفنان الرمز القابل للتأويل تارة وتارة أُخرى يقوم بالدوران حول بعض النقاط المعتمة في خارطة الجسد متوارياً خلف تلال التأويل ، مُبتعداً بذلك عن المادية المُحددة للجسد الانثوي .وفي تجربة أخرى من تجارب التشكيل الكردي العراقي تتواجد تجربة الفنانة " تريفا أنور " المتمسكة بالمبدأ القائل بان التعبير وسيلة أكثر مما هو مجرد احاسيس رغم ارتباط التعبير والاحاسيس معاً بالانسان ؛ لان المشاعر لدى الفنانة " تريفا أنور " كانت بمثابة تجربة ( حُب - حُزن - فرح ..) أكثر مما هو مجرد أوهام تتخذ أشكالاً متنوعة (طير - جسد - وطن - دائرة - نقاط - مطر - ماء - سماء ...) ، تحمل فكرة يُراد بثها الى الآخر فتتجسد كوطن بفعل القراءة وتتعدد معانيها ( طفولة - ذكريات - قطرات المطر - الربيع - الحب والحرب - الحُلم ..) . هذه الذاتية السحرية في أعمال الرسامة " تريفا أنور " قد جعلت من الغرائبية في اللون التعبيري ، تتصاعد من خلال الوانها وخطوطها المتطاولة أدائياً فتساعد التكوين العام لاعمالها الاخيرة ان تفلت الى حدٍ ما من احادية المكان ، توغلاً في الاعماق .و وصولاً الى تجربة الفنان " فارس تمر " التشكيلية المتوغلة بالوجدان التعبيري والمحتفضة بالمثالية ، نجد ان الفنان قد اهتم بانتاج مشاهد احتفالية باللون المُحمّل بالعاطفة .. فالاشكال هُنا تأخذ قسطاً من البساطة والتحرر من بعض أصنام البعد المكاني حينما اعتمد الاسلوب الرومانسي في تناوله لموضوعاته المختلفة ( الحياة الصامتة - الطبيعة - المدينة ..) حيث أضاف الحياة الى عوالم الاشكال الصامتة (ستل لايف ) من خلال عنصري اللون والحركة الديناميكية المستعينة بملكة الخيال والتخييل في رحاب الذات الجمالية .

تجارب جديدة : انطباعات وارتجالات وتكوينات قد يتوهم البعض ان الرسم من الطبيعة مباشرةً سواء اكان باسلوب طبيعي او انطباعي ، فن سهل .. ولكن ما ان يبدأ الانسان بالرسم من الطبيعة آنياً تبدأ محنة الرسم .. وبالتالي يتوجب على الفنان ان يكون مُلماً بحيثيات الطبيعة بصرياً وبصيريا وتقنياً في حدود التشكيل المُعاصر . فالمشهد الطبيعي بما فيه من بانورامية عالية وخصائص تلقائية متمظهرة على اسطح لوحات التشكيليين الكورد العراقيين ، نجده قد اصبح في متناول الذات الانسانية بحدود أحد أساليب السرد الانطباعي . فالتشكيليين الكرد امثال ( كوران جبار وهاب - زينب حسين - محمد محي الدين ..) نجدهم قد اهتموا بتأليف مشاهد الطبيعة تصويرياً بصرياً وبصيرياً ، مُعبر عن وصف عام للمكان والزمان المقترحين والتي تمثل سرداً يحتضن الحدث ، او يروي حكايات المرئيات في الطبيعة او يصف بعض ملامح الطبيعة . حيث يمكن حصر هذا الوصف باكثر من وظيفة حسب توجهات كل فنان تشكيلي .. فربما يصبح عملية امتزاج الوصف بالسرد المباشر للمشهد الطبيعي وبالتالي نلاحظ اهتمام الفنان بتفاصيل المشهد وبالاداء التقني (السكين) والاكاديمي للون وانعكاساته والفضاء التصويري .بينما نجد هنالك خاصية وصفية اخرى لدى الفنانين امثال ( وليد جعفر - سيروان محمود - دلشاد - عبد الرحمن كلهو ...) والمتمثلة باحتضان الحدث او المرئيات باسلوب انطباعي مائل الى التعبيري ، مما يؤدي الى اضفاء سمات التماثل على بعض تكويناتهم كونهم يؤرخون زمن التجربة الذاتية للانسان .. فالذات المغتربة قد عدت لدى الفنانين الكرد الهاجس الاساسي للرسم من الطبيعة وهي المسؤولة عن تغيير طبيعة الطبيعة وعن الافصاح عن مكنونات الذاكرة البصرية بمساعدة الوسائل والتقنيات التصميمية والعناصر التكوينية - اللون خصوصاً - مما يتيح للمتلقي الاستمتاع بالسياقات السردية المتوارية خلف الاشكال .في حين نجد ان الفنانين (صباح محي الدين مصطفى - هادي محمد ..) قد رسموا الطبيعة من وجهة نظرهم الذاتية وليس كما هي ؛ على اعتبار ان ادراكات الفنان الكوردي الحسية تتمفصل مع ذاتيته المُغتربة بجانب خبراته الادائية الاكاديمية التي استنبطوها من دراساتهم الفنية المتراكمة ، لاجل تسجيل اللحظات البصرية الآنية الهاربة والتي ترى ان كل شيء في تغيير وتبدل مستمر ، لذلك يسجل الفنان ويجرد انطباعاته الذاتية السريعة لحظة فعل الرسم ازاء التحولات المتسارعة في معالم المشهد الطبيعي . فاللون هُنا قد أصبح عاملاً متغيراً مما يؤدي الى ان يسمح باستمرار الانتقالات اللونية في الزمان والمكان والتي تلاصق تحولات المناخ الجغرافي للمشهد من أضواء وظلال والوان وفضاءات رحبة .. بينما تواجدت تجارب أخرى مختلفة للفنانين امثال ( علي جولا - علي كريم - خليل ابراهيم - دلير كاميران - صفاء المهاجر - ستار سالي - شمال بابان ..) وقد احتفلت بالاسلوب التعبيري والتجريدي على حدٍ سواء حينما انتجوا مواضيعهم ( رجل وامرأة - المدينة - أقنعة - اشكال هندسية ...) ، والتي شكلت البنية المعرفية للمشهد التشكيلي العام لفن كوردستان فأصبح الرسم عندهم فكراً يساعدهم في الاهتداء الى العوالم المخفية وراء المرئيات . فضلاً عن نتاجات الخزف للفنانين (سويل قاسم - قادر ميرخان ..) المشتغلة على الانساق الحروفية ( لفظ الجلالة - نصوص لآيات قرآنية - أشكال معمارية - قباب ومنائر - أرقام ..) لتؤسس سمة بنائية ذات طابع مثالي ؛ مما يسفر عنها إقتراح ايقاعات لونية موسيقية تتردد أصدائها بين ثنايا التكوين العام للخزفية .واخيراً تواجدت بعض تجارب الفنانين ( سليمان شاكر - ابتهال توفيق - ممدوح كريم رستم - عدنان عبدالقادر ..) قد انتهجت الاسلوب الواقعي القريب من آليات التعبير ، حيث احتفلوا لونياً بالمحيط وبمختلف الموضوعات ( بيوتات - أزقة - ريف - جبال - طبيعة - رقصات شعبية - الحياة الصامتة - الانسان ..) فالمشاهد البانورامية هُنا حصيلة لامتزاج المرئيات مع ذاتية الفنان ومن ثم الانصهار والتداخل معاً لانتاج الشكل الجديد .. هذه الذاتية كان لها حضوراً في المشهد العام للنتاجات الفنية . ان الفنان الكردي العراقي يُحاول جاهداً ان يضيف الاحساس بالجمال على مشاهده الفنية الجديدة المُقترحة بفعل آليات التخييل ، من أجل تصوير انفعالاته الذاتية وأفكاره المتأرجحة مابين المثالي والطبيعي الديناميكي دون الاسهاب الى حدٍ ما في تفاصيل المشهد . هذه التجارب التشكيلية المُفعمة بالجدية والجدلية في المرئي واللامرئي وجدناها تحمل من التعبير والانطباع الآني ما يكفي لان يثير فينا إحساساً بالجمال وبالتالي الاحتفال بالرمز والرمزية والحميمية المتواجدة في ملامح الحياة الفنية للتشكيل الكردي العراقي.