المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ريبوار سعيد يوثق صمود كوباني جماليا طارق كاريزي ..صوت الاخر



سلام قوال
08-28-2015, 22:28
http://aawsat.com/sites/default/files/styles/article_img_top/public/Daily-070114-2.1.jpg?itok=xrcet_sKhttp://www.sotakhr.com/2006/uploads/pics/af1d_35.jpghttp://www.sotakhr.com/2006/uploads/pics/af1c_60.jpghttp://www.sotakhr.com/2006/typo3temp/pics/6a9b562424.jpgيبدو ان الرسام الكوردي ريبوار سعيد هو الفنان التشكيلي الكوردي الأكثر تجاوبا مع ملحمة كوباني وكارثتها الانسانية. فقد نشر في الأيام الأخيرة بالتزامن مع محنة كوباني، المدينة الكوردية السورية، التي تعرضت ولازالت تتعرض لهجوم شرس من قبل مسلحي تنظيم داعش الارهابي، سلسلة من اللوحات والبوسترات في صفحته على موقع فيسبوك للتواصل الاجتماعي.

الفنان الاكاديمي د. ريبوار سعيد فنان مرهف الحس يتعامل بعاطفة جياشة مع الاحداث التراجيدية، حيث سبق ان انجز (5) آلاف عمل فني لـ(5) آلاف شهيد من حلبجة لقوا حتفهم بالسلاح الكيمياوي الذي استخدمه نظام صدام الفاشي. ويبدو من خلال اعماله التي ينشرها تباعا عبر النت، انه يعيش بحس وجداني فائق الحساسية مع احداث كوباني حيث سطر المقاتلون الكورد ملحمة نادرة من حيث الصمود بوجه التنظيم الارهابي الأكثر شراسة وخطورة في العالم، تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام (داعش).
للفنان اسلوبه الخاص في الرسم وتجسيد اجواء اللوحة وبلورة مفرداتها وعقد الصلة بين تجاذبات الفحوى، محققا التوازن في اعماله التي تبحر على مسطح من الألوان. وقد اعتمد في تنفيذ اعماله الخاصة بملحمة كوباني على توليفة من التقنيات المتباينة. فقد اعتمد الرسم اليدوي إلى جانب الرسم عبر تقنيات الكومبيوتر، واستعان أيضا باسلوب الكولاج ليستطيع الاسراع في افراغ الشحنات العاطفية التي تعتمر كينونته، كي يتفرغ لتلقي توالي صفحات الاحداث المتسارعة لملحمة جمعت البطولة إلى جانب القسوة والتراجيديا، فمشاهد مئات الآلاف وهي تقطع الوهاد والجبال هربا من بطش جيش السواد الداعشي بحثا عن الأمن والأمان، ماهي الا جزء من كارثة انسانية مازالت جراحها تنزف.
حاول الفنان ابراز حالة التضاد بين شعب آمن ينشد الحرية والانعتاق على ارضه، ومسلحين قادمين من مختلف الاصقاع مشبعين بروح القتل والانتقام والقسوة المفرطة. كوباني وابناؤها هم رمز للحياة والبراءة، لذلك ترى الفنان جسدهم بألوان زاهية في لوحاته، وعبر عن جيش الظلام والابادة، جيش داعش، باللون الاسود الذي يعبر عن البؤس والقتامة. وتخللت احداث كوباني آلاف المشاهد التراجيدية التي يصعب تجسيدها آنيا باللوحات الفنية، فالحدث مفعم بالقسوة المفرطة التي تصدم العقل وتشل الذاكرة وتجمد الاحاسيس، الا ان الفنان ريبوار اختار الاستعانة بفن البوستر مستغلا لغته المباشرة في التعبير والايصال. وقد كان موفقا من حيث اختيار المفردات واعادة تجسيد الحدث في كوباني بلغة استاتيكية بالغة التأثير والوضوح.
ومن حسن اداء الفنان في انجازه هذا الكم من اللوحات والبوسترات عن كوباني، هو الاختيار الذكي لمشاهد اللقطات الفوتوغرافية المنتقاة من موقع الحدث/ المدينة وهي تعيش الحرب بكل قساوتها، والمشاهد التراجيدية لهجرة مئات الآلاف من المدنيين نساء ورجالا واطفالا حيث المعاناة والآلام بادية على ملامحم، موظفا هذه اللقطات بمزيد من البراعة مع تشكيلات من رسومه الفذة التي نفذها بالالوان او من خلال برامج الحاسوب، وبذلك فقد انجز مجموعة من الاعمال البصرية اتسمت بالوضوح والجمال المفعم بالحسرة والمروي بآلام شعب ينشد الحرية مطارد من قبل جيش الظلام.
ان تأريخ الفن التشكيلي عبر العصور يقدم مآثر كبيرة فيما يتعلق بالأحداث التأريخية التي مرّت على الشعوب والأمم. لوحة (غورنيكا) للفنان الاسباني الشهير (بيكاسو) معلقة حاليا في صالة مبنى الأمم المتحدة تعبيرا لأدانة المجتمع الدولي للجرائم التي ارتكبها النازيون الأسبان ضد المدنيين الآمنين في قرية اسبانية نائية اذ لولا ريشة بيكاسو المبدعة لما عرفتها البشرية بكل هذه الشهرة الطاغية. وهذا يعني ان شهادة الفنان حيال الحدث التأريخي هي الأكثر حضورا في المجتمع الدولي وتعبير بصري تصغي اليه المجتمعات المتمدنة، لأنها شهادة تمتلك الى جانب المصداقية، الحضور الجمالي مع لمسات للحس الابداعي لعباقرة الفن.
قدر تعلق الأمر بكوباني، هذه المدينة الكوردية الوديعة التي قد لا تظهر في الأطالس، الا ان المقاومة البطولية التي أبداها سكانها جعلتها علامة بارزة ضمن خارطة الشرق الأوسط وعنوان يهتدى به. ولحظة الابداع الفني هي لحظة خاطفة يمكن أن تمر كالبرق، ان لم يقتنصها الفنان فانها تسير نحو زوايا النسيان. ونظرا لأهمية الشهادة البصرية التي يدلي بها الفنان، خصوصا عندما تمتاز بالمصداقية التي تنبع من الحس الوجداني الخالص، عليه يمكن أن ندرك أهمية الاداء الفني الذي ينجزه أو لا ينجزه الفنان. ومن المفيد الاشارة الى أنَّالتعايش مع الحدث التراجيدي لا يخلو من آلام عميقة تلامس شغاف القلب وتحرم الفنان من النوم، ولا يمكن له أن يخلد الى النوم ما لم يجسد ألم شعبه، وهنا فان شنكال وكوباني تعدان صفحتان جديدتان للألم الكوردي السرمدي. وستتحول أعمال ريبوار سعيد في السنين المقبلة الى وثائق يتعامل معها الباحثين بمزيد من الاهتمام لكونها وثائق بصرية تحمل خطابا شديد البلاغة والمصداقية.