المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الفن التشكيلي العراقي في الاغتراب)يبحث عن مدن الذاكرة::عن صفحة رابطة المراة العراقية



سلام قوال
09-11-2015, 22:01
الفن التشكيلي العراقي في الاغتراب)يبحث عن مدن الذاكرة)

نشر بواسطة: Adminstrator
الإثنين 24-01-2011





Share on facebookShare on emailShare on printShare on favoritesMore Sharing Services
0

موسى الخميسي
أفرزت الحالة العراقية جملة من المعطيات ترافقت في مجالات وقطاعات وآفاق وتصورات مختلفة الأبعاد والمضامين، ولعل المدخل الأهم الذي أفرزته قد تمثل واضحا في صلب مسألة الهوية التي أضحت بدورها شديدة الحضور في جملة التداعيات التي نعيشها في عالم اليوم.

وقد تجلت هذه الخاصية في علاقة المثقف بشكل عام والسلطة العراقية السابقة، وحملت معها إشكالية تاريخية واجتماعية وأخلاقية كبيرة كانت ولفترة استمرت اكثر من ثلاثين عاما موضوع التنافر والتأزم والقطيعة، بعد ان أصر النظام الفاشي في العراق، بتغيير عقول الناس ونظام تفكيرهم والدخول في تفاصيل حياتهم اليومية، وقيمهم الجمالية، أي خلق شعب آخر على مزاجهم ومتماش مع اعتقادهم، فتحولت السلطة الى قدر الهي لا يمكن رده،فتفننوا خلال سنوات تجربتهم في تركيب قطع غيار لجسم غريب تشكلت منه ظاهرة الإرهاب بكل دمويتها،كما جرت عملية تزوير كبيرة للماضي والحاضر، وتعين على الجميع ان يشهدوا هتكا ثقافيا شاملا تحت واجهة

( علم الجمال البعثي) وكان من الطبيعي ان يكون أول ضحايا هذا النظام المثقفون العراقيون الذين عانوا مرارة المنفى وكأنه قد كتب عليهم الانتقال من مكان الى آخر على امتداد الكرة الأرضية تكفيرا عن جريمة التفكير الحر والإبداع الجسور والمخالفة التي تؤكد الحضور.

لقد ظل العراق مادة مغرية للعديد من الفنانين المغتربين ، كساحر مفعم بالأساطير وملاذ للإلهام، كما انه اصبح للعديد من هؤلاء الفنانين مكانا لحلم أول، استوطن اللوحات بفعل أسطورته المكانية والزمانية، بجمالياته وفواجعه، بانتصاراته وانكسارا ته، انه الموطن الأول، والمكان الملتبس وحاضن الطفولة الأولى، والبراءات الأولى، انه الصورة الحاضرة ابدا بوضوح تفصيلاتها، ورسوخ جذورها الممتدة عميقا في تربة الروح، حتى أصبحت عند البعض بمثابة الهوية التي يطمئن على نفسه من خلال الاحتفاظ بها قريبا من صدره، فقد فتح داء الحنين عند هؤلاء ليجعل كل منهم دافعا في الأعماق يستوطن القلب ويسعى لاكتشافه مرة أخرى واعادته كمادة مبدعة في الروح والجسد والعين والعقل والذاكرة، فغاص البعض في تجربة البحث عن الميثولوجيا، واخر نابشا في الاجتماعي، وثالث في مفردات الحنين اليومي من خلال التفاصيل والأشياء، من حارات ومساءات وامكنة للطفولة، الى آخرين حاولوا الاختلاف بالتبعية والانبهار بتجربات عدد كبير واسماء لامعة من فناني الأوطان الجديدة ، حيث وجدوا في ظاهرة العولمة وعاء تتحرك وتتفاعل فيه جميع الثقافات، وهي سائرة بفرض نفوذها وبنودها لسحق الهويات الثقافية الأخرى.

المبدع العراقي المنفي المزود بهالات من الرؤية تعتمت ألوانها يوما بعد آخر، اصبح الوطن هاجسه الذي يغلي في داخله، ينزع على الدوام نحو إعادة صياغة العراق وفق متخيله الشخصي، بجرأة تقنية ودقة في التوزيع مع تقصي الكمال الشكلي والمبالغة في التعبير عن المشاعر، مستعيدا التجربات الفنية لجيل الرواد في الأربعينات والأجيال الفنية المتميزة التي ظهرت في الستينات والسبعينات من القرن الماضي ، حيث هاجر معظم هؤلاء الى شتى أنحاء العالم، وظلوا يمثلون الانطلاقة الفنية التي سحبت تأثيراتها بوضوح على التيارات الفنية اللاحقة بالداخل والخارج ، من خلال محاولاتهم المتميزة والمنهج الذي اتبعوه في أساليبهم والذي كان مهتما بالظواهر والوقائع المرئية، وبتجسيد رغباتهم لاعادة بناء فضاء لوحة تشكيلية على أسس جديدة ومتينة، فكان دور هؤلاء، يتسم بالريادة المعاصرة، لا يكترث بالنظم المتعارف عليها في اللوحة التشكيلية حتى ذلك الوقت.

جيل الستينات والسبعينات كان قادرا على اتباع طرق غير معهودة من قبل في عموم الساحة العربية في فن الرسم ، مبنية على أنماط جديدة في الرؤية، مثلت فسحات جيدة وايجابية من التأمل لم تتوقف عند أسلوب فني محدد، بل تلتقي فيها مختلف التيارات الفنية على تناقضاتها

( التعبيرية، الواقعية، السريالية، الاتجاهات التجريدية.. الخ) وظلت معارفهم مهيمنة على رؤيتهم الفنية، كما ظل الشك بالقيم التقليدية هو الانطباع السائد، وهو ما انعكس على الحالات النفسية التي انعكست بدورها على الفنان نفسه الذي ظل طيلة هذه السنوات الطويلة حاملا اعتقادا متشائما، قاد البعض الى اليأس والشعور بعبثية الوجود والأمل في الخلاص لاجل العودة الى الوطن.

لقد أحس هؤلاء بعذابات المنفى إبداعيا واستفادوا من أجوائه ومناخاته ومفارقاته في عملية الإنتاج الفني واسواق العرض وعمليات الانتشار، ، وعلى رغم ذلك فان ما عكسه بعضهم في تقديم نتاجاتهمم يوضح اثر البصمات والأجواء المختلفة التي أثرت بشكل او بآخر عليهم، فاستثمر بعضهم المنفى في إطلاق ملكاته الإبداعية والتعبير عن المواضيع التي اختارها للعديد من أعماله، مستغلا حرية التعبير والعرض ورحابة صدر المشاهدين الجدد واصحاب الغاليريات.

فوائد جلى منحتها المنافي للفنان العراقي، وتقف في مقدمتها الاستزادة المعرفية والاحتكاك بالثقافات المختلفة والمتعددة، إضافة الى التقاليد التاريخية العريقة لفنون هذه البلدان التي نمت وتطورت، فأنضجت تجربات إبداعية جديدة للفنان، ومنحته سعة الإدراك في صوغ السؤال الحر، المنطلق في شتى مناحي الحياة والوجود. لقد أسبغت ثقافات هذه البلدان أيضا على مادة وعطاءات الفنان العراقي، نكهة لا تتسم بالمحلية الصرفة كما كان الحال من قبل، بل أصبحت قابلة لعبور مدن ودول وقارات، ابتغاء في الامتزاج بالثقافات والفنون العالمية.

ومن هنا فان الفنان العراقي المبدع المنفي المزود بهذه الرؤية التي بدأت بالاتساع الممتزج بملامح كونية مكتسبة من خلال عملية التواصل مع إبداعات الشعوب الأخرى، وجد في الثقافة المكتسبة ، إمكانية معالجة المدى التشكيلي والأحجام دون اللجوء الى وسائل إيهامية، ومن اجل تحقيق ذلك لجأ بعضهم الى توسيع التجربة الحسية والتعامل بمرونة عالية مع الأشياء التي تحيطهم، مجتمع وبيئة وافراد.

ان ظاهرة الفن العراقي المهاجر أضيفت أليها ظواهر اكثر غموضا والتباسا في افتقار المعلومات،والنقص الحاد في المعرفة، وطغيان المنابر الرسمية كراعية وحاضنة لعدد معين من هذه النشاطات، مهملة المغاير والمختلف، وفارضة سيادة التعتيم على إنجازات الآخر،في ظل نظام بطريركي، يقوم على وسائل القمع والإبادة، تعتقل فيه الحريات الشخصية وتقمع وتغيب الشروط الإنسانية. وقد برز سؤال الهوية في الثقافة التشكيلية على ضوء ظروف التشتت الاستثنائية التي شهدتها الساحة التشكيلية العراقية بعد ان توزع العديد من الفنانين التشكيليين العراقيين في منافي متباعدة، وهو ما ساهم في إضعاف المعرفة النقدية والتوثيقية بالنتاجات الجمالية ومتغيراتها الحيوية لعدد غير قليل من هؤلاء الفنانين.

من ناحية ثانية فاننا ندرك ان الكتابة عن الفن أمر شائك ويمتلك صعوبات كثيرة ، تتمثل بافتقار الدور النقدي والدور الهام الذي يلعبه النقد في التفاعل مع الحركة الإبداعية، اذ لايمكن تصور إبداعا مؤثرا بدون إسهامات نقدية واعية وفاعلة، الا ان التناقض ما بين المعنى اللغوي والبصري، ولدته المسافة الممتدة ما بين بنية اللغة وبنية الصورة، وتظل اللغة في حالات كثيرة عاجزة أمام آنية المشهد، والطريقة المباشرة لحضور الصورة.

ان غياب الحس العلمي والأكاديمي في قراءة الظواهر التشكيلية المختلفة، وسيطرة الرؤى الوافدة، جعل العمل التشكيلي من دون غطاء نظري جدي، الأمر الذي احدث التباسات كثيرة في العملية الإبداعية ذاتها،أفرزت أشكال هزيلة للكتابة عن الفن ترتبط أساسا بوسائل الإعلام، الأمر الذي لعب دورا سلبيا انعكس على حركة الإبداع، ونمت العديد من الظواهر، مثل المصلحة الشخصية ، والمحاباة، والكتابات المتعجلة، وغياب المعايير الموضوعية، على حساب الموهبة الحقيقية وعلى عملية النقد والنقاد، فتحولت عملية النقد من تجربة حية وإبداعية الى عمليات وصفية تمتلك نفس المواصفات النقدية للعمل الأدبي. فالعمل الفني هو عمل ثقافي له فكره ولغته التشكيلية التي تختلف عن المعنى اللغوي التقليدي، والجانب البصري له قواعده ومفرداته وخلفيته التاريخية. ويعلم العديد من المتخصصين بان اللغة الأدبية ظلت ولفترات طويلة عاجزة أمام تفسير وحضور العمل التشكيلي، وخلقت وصفات نقدية جاهزة كانت تتصف بالجمود، وبنت نفسها على ادعاءات معرفية غير موضوعية وغير دقيقة، على حساب الموهبة الحقيقية والفهم النظري المطلوب، مما جعل الإنجاز الجمالي فنا بدون مراجع نظرية وبدون مراجعات نقدية، وبالتالي اغتراب الفن البصري عن الوعي السائد، كما ظل العمل التشكيلي العراقي في بلدان الاغتراب، مفتقرا الى المحرك الجوهري الداخلي، النظري والتطبيقي، المتمثل بالرصد والمتابعة والتقييم الذي يستلزم تفاعلا جديا مع الحركة الإبداعية في الداخل ومواكبتها بكل اتجاهاتها وأساليبها، فالنقد الفني هو ظاهرة أساسية حضارية تلازم الإنجاز الفني او تسبقه في أحيان كثيرة كمؤثر نقدي مستقبلي.

لقد وقع الفن التشكيلي العراقي ضحية لظاهرة الخصام بينه وبين جمهوره المحلي والعالمي،كما ان هناك انقطاعا من قبل اغلب المثقفين العراقيين تجاه الفن التشكيلي، وهذا يعني ان هذا الفن معزول عن نسيج الحركة الثقافية والفنية الراهنة، اذ ان عدد كبير من المثقفين العراقيين في الخارج ، تعاملوا مع الفنون التشكيلية بوصفها زوائد هامشية لا تحتل مكانة مركزية في تكوينهم او اهتماماتهم، وكان لها التأثير الكبير على غياب متابعة الظاهرة التشكيلية العراقية والعربية المحلية والعالمية، فأصبحت حالة الفن التشكيلي العراقي في الخارج بمثابة صورة صادقة لواقع الثقافة العراقية التي تشوهها ظاهرتي الضيق والانحسار، واصبح من الصعب تحديد هويته، لانه امتلك هويات متعددة بعد ان اكتشف صانعوه هنا وهناك تجرباتهم الجمالية التي تخطت الحدود التقليدية التي كان متعارف عليها من قبل.

ان إبداع الفنانين التشكيليين العراقيين في الخارج لم يكن منقطع الصلة تماما بمنجزات الذين سبقوهم، الا ان التغيرات المحلية والعالمية التي ساهمت في تكريس مفهوم العزلة بين الفنان ومجتمعه، عجلت في استحداث ظاهرة جديدة هي ركض بعض الفنانين الى أرشفة تاريخهم الشخصي من اجل تحقيق ما يدفع اليه المجتمع الجديد، وهي الشهرة السريعة، من خلال إقامة المعارض المتعددة ونشر الكاتالوكات والكتب الملونة ، كما هو سائد في بلدان الغرب، ساعدهم في ذلك ما تقدمه بعض من المؤسسات المختصة وبلديات المدن الغربية من دعم مادي ومعنوي،على اعتبارات التضامن مع المحنة العراقية، واهتمام الجمهور الغربي باقتناء ما هو مختلف، إضافة الى وجود وسائل حديثة ومتطورة للترويج، وقد انعكس ذلك سلبيا على نتاجات بعض من هؤلاء الفنانين تمثلت في أحد جوانبها بعدم استكمال واستيعاب وتمثل التجربات الذاتية ، وكذلك تجربات الفنانين الآخرين، فأصبحت نتاجاتهم تستهدي بأنماط وأشكال ومضامين مسبقة الصنع، اقل خفوتا واكثر التصاقا بهّم الآخر.

الفنانون العراقيون وخلال تلك السنوات الطويلة، يرسمون تجارب تختلف وتتعدد وان جمعها قاسم مشترك واحد هو الرغبة في العثور على وطن ضائع ، وعلى الرغم من طول فترة المنفى نسبيا وتباعد المسافات بين العراق والبلدان التي توزع عليها الفنانون العراقيون، وتغير أساليب الحياة وأنماط المعيشة اليومية وصعوبات المكان الجديد والتكيف الاجتماعي، فما زال معظم هؤلاء الفنانين ينبش عن الماضي ويعيش على الذكريات وينهل من صورها التي تعود عليه بأشكالها الكابوسية وخيالاتها الممتلئة بفظاظة القسوة والانتهاك التي تعرضت اليها حتى تفاصيل الحياة الصغيرة للإنسان العراقي .

الفنان العراقي المغترب وبشكل عام سجل حضورا اكثر شجاعة من زملائه العرب في المهجر، وطرح أشكاله التعبيرية المحددة الملامح والوجوه، من دون تصنع، ولم يهرب الى الأعمال المجردة بحثا عن إرضاء احد، بل طرح نفسه في صدق كامل نختلف او نتفق معه،اذ لم تستطع طاحونة القمع ان تخرس شجاعته، وظل العديد منهم يحمل ثقة بان الإرهاب زائل والعتمة عابرة.

أصبحنا أمام تجربات جديدة بعضها يستند على ارث فني عراقي يؤكد أهمية امتلاك التراث وما ندعوه بـ(القيم) السومرية والكلدانية والبابلية والآشورية والعربية والإسلامية في الفن، التي على الفنان استيعابها ، بكونها تشكل رصيدا لحيوية جمالية متفردة خصوصا بعد عمليات الصقل التي اعتمدها البعض من خلال الارتكاز على التقنيات التي تمت استعارتها من تجربات غربية. والبعض الآخر حمل قناعة جمالية متجددة بعد تفتيش عن أفق آخر لتجربته الوجودية وحاول ان يكون وفيا لتجارب الفنانين الغربيين بعد ان قرر إنهاء ارتباطه بثقافة بلده، وذلك من خلال الرسم على غرار تنصيص للذات الغربية عبر نزعاتها المستمرة، واقتلاع كل انتماءاته ليذوب ولو شكليا في ثقافة بلد المهجر، اما البعض الآخر فحمل قواعده الثقافية العراقية ليمرر عليها رياح الاستعارات الغربية في الأساليب والمضامين، ليماشي الحداثة في انتماءاته العالمية التي تطالبه بها الهويات الثقافية الجديدة، فاصر العديد من هؤلاء الفنانين التشكيليين على إنتاج لوحة تجريدية، في عملية إصرار لقتل الشكل، والدعوة الى اللاشكلية والإغراق في اللاموضوعية، وتمجيد الصدفة والعفوية، كما تم تحويل التجريد نفسه عند البعض الى مساحات تأويلية مختلفة ومفتوحة. وقد يكون التجريد عند الأوربيين حصيلة تجارب تعكس تاريخ طويل من الاضطرابات والالتباسات التي شاعت ما بعد الحرب العالمية الأولى،كرد فعل رافض لكل وسائل الاتصال بالعالم الخارجي ولكل ما يمت الى الوعي بصلة، الا انهم أي الأوربيون، وبعد السبيعنات والثمانينات من القرن الماضي، عادوا من جديد الى الشكل كأداة اتصال بالعالم الخارجي،

فـ( الضرورة الداخلية) التي تحدث عنها كاندنسكي ذات يوم، لم تعد تلبي الاحتياجات، وتؤسس الوعي بالعالم، كما انها لا تعبر عن استشاطة الغضب من هذا العالم للهرب نحو العزلة والخصوصية التي يعتبرها البعض واحة الراحة التي تقف وراء الحروب والالتباسات التي يعيشها العالم.

كيفية التعامل مع المعاصرة، أخذه العديد من فنانينا صورة استعراضية سعيا الى تجربة يشعر من خلالها الانتماء الى الآخر، فأوصله هذا الشعور الى الاهتمام بالفكرة بدلا من العمل الفني نفسه، ووجد فيه، التعبير الجديد عن الحقيقة الكامنة خلف المظاهر وخلف المادة، فحاول التحرر من كل القيود الاجتماعية والثقافية والسياسية والأهداف والآمال ، والتخلص من الفن التقليدي بكل أشكاله ووسائله التعبيرية ، ضنا من الفنان بأنه يستطيع التحرر من كل الوسائل والتوجه مباشرة لاكتشاف نفسه والعالم، وذلك من خلال استخدام أي شيء يمكنه التعبير بواسطته عن أفكاره وتخطي حدوده الجسدية، وهو فن لا رسالة له ولا وظيفة سوى تحديد نفسه. وهذا الأسلوب من الفن يطلق عليه اليوم اسم المفاهيمية( من معرض أقيم سنة 1969 في متحف ليفركوسن في ألمانيا تحت اسم مفهوم) التي تتوزع على باتجاهات وأساليب متعددة، الحدوثية، وحركة فلوكسس، واللغوية، والشكلية، والفوتوغرافية، وفن الاعتدال.. الخ.

وهناك فئة أخرى من الفنانين العراقيين، أغرتهم عملية اللعب حول الخط العربي، على انه تأسيس لفن عربي بعيد عن التأثيرات الغربية، وعلى اعتبار الرؤية التشكيلية العربية بحاجة الى تنظيرات مستقلة عن الجمالية الغربية،، وهذا الاتجاه للخلاص من التبعية للغرب،للنزوع نحو الأصالة، وتعزيز الانتماء القومي ، وتجاوز مرحلة الانبهار والتبعية للفعل الإبداعي الغربي، لتأسيس خامات ورؤية جديدتين، بدلا من تجذير محاولات التفكر والتأمل في الإرث البصري بموضوعاته وأساليبه وخاماته ورؤاه . شرعت الحروفية التي أضحت المنجز الفني الوحيد عن بعض فنانينا على اعتبار انها طرح حداثوي يتأطر بإطار الروح التي تستند الى الزخرفة العربية القديمة شكلت تيارا حاضرا وبصيغ وأساليب مختلفة، وهناك من طور تجربته بعد ان أغناها بالبحث والتجريب الدائمين، على اعتبار ان الحرف العربي يفرد بقدرات تشكيلية وتعبيرية، الى جانب كونه أداة لها إمكانيات بصرية وجمالية عالية الا ان العديد سقط في النمطية والتقليد والتكرار الذي اصبح شيوعه مثل شيوع موضة الأزياء، ليؤكدوا بهذا التراكم الهائل في المنتج الفني اتجاهات الثقافة العربية السائدة بكونها ثقافة الكلمة وليست ثقافة الصورة،فانطلقت العديد من التنظيرات التي تتسم بطابع مثالي .

ظاهرة الإرهاب وآلياته التي تأصلت في إطار النظرة الاستبدادية للمشهد الرسمي، أصبحت النصوص الجديدة التي سخرها جيش من المبدعين العراقيين في المنفى في أعمالهم الإبداعية، فقلق الفنان، وجروحه والآمه والخسائر والأوجاع التي أصابته ، جعلته يتأرجح بين فضائين لثقافتين مختلفتين، بين ما تحمله مخيلته، وبين مناخات جديدة، فالزم نفسه برؤية سياسية، تمثلت بمطالبه بالحرية والديمقراطية وإدانة القمع، فتقدم الموضوع السياسي على رؤيته الفنية، واصبح يدور في لوحته ولفترات طويلة حول الإشكالية العنيفة التي مارستها مؤسسات النظام الفاشي على زمنه الجديد، لقد ظلت اللوحة تتقصى آثار العنف وتناميه في الوطن وانعكاساته في الإبداع التعبيري، فأصبحت هذه الظاهرة مركزا للانطلاق لمحركات التغيير والتبدل وطرح العديد من الاسئلة، حتى صار بعض الفنانين يكتشف انتصاره على الموت والعنف والقلق بالتوثيق، لتلمس الأمان في عملية الصراع التي عاشها في منفاه، كما ان هذه الظاهرة أصبحت شارات للتوحش في سحنة المنجز التشكيلي العراقي بدلا من التحرر.