المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : صوم الخالق أيزدان..الأمتناع عن الأكل والشرب وأرتباطها بفكر الانسان البدائي



ماجد خالد شرو
12-01-2015, 19:16
صوم الخالق أيزدان..الأمتناع عن الأكل والشرب وأرتباطها بفكر الانسان البدائي



الصوم:
هو أمتناع او حرمان الشخص كبح جماح نفسه (جسده) شهواته من بعض أو الكثير من ملذات ومتاع وضرورات الحياة، وهنالك انواع وطرق كثيرة ومتعددة يتبعها الأنسان ليثبت وليبين لنفسه اولا وثملمحيطه كيف انه تتفوق روحه الخالدة على النفس (الجسد) التي هي ليست الا وسيلة يتقمصها الروح لفترة مؤقتة ويستغلها للأستمتاع بالحياة في هذه الدنيا الفانية الزائلة لا محال، والتي قد تزول في أية لحظة، وذلك حسب مفهوم اكثرية الميثولوجيات الدينية القديمة والجديدة أيضاً او قد تكون كأمتحان أو هي كتجربة مدبرة من الخالق الألهة أو الطبيعة الأم الحقيقية لجميع الكائنات الحية تمر بها الروح البشرية وبالتالي يتم معرفة قوة صبرها وتحملها ومقدار قوتها وطيبتها وأيمانها ولتحاسب في الأخرة على افعالها، وبالتالي لتتقرب اكثر من الخالق ولتدخل الجنة أو لتتقمص (تناسخ الأرواح) الروح جسد أخر أعلى منزلة من القالب الأول وعكسها الى النار الابدية الجهنم وبأس المصير أو لتتقمص تلك الروح في جسد أخر شرير أو مريض ليتعذب طيلة حياته أو حتى قد يتقمص جسد حيوان ما حسب بعض الميثولوجيات القديمة ومنها ديانتنا، اذا هناك صراع دائم بين الروح الطاهرة الخالدة الأزلية والنفس (الجسد) الفاني التي تجاهد من اجل اسقاط الأنسان في المحرمات الفواحش والركض وراء شهواته الجسدية من علاقات جنسية ومأكل وشرب وطرب ورقص والتكلم والخ...
وهنالك العديد من انواع الصوم هذا أذا ما صح اعتبار النقاط التالية وصنفها جميعاً الى خانة الصوم منها :
1.الأمتناع عن الزواج كما في حالة سادن معبد (لالش) (البابا جاويش والفقرايات) لدى ديانتنا الأيزيدية ورهبان وراهبات الكنائس لدى قسم من ابناء الديانة المسيحية الى بعض الكهنة في المعابد البوذية والهندوسية وغيرها.
2.الابتعاد عن المخالطة بالبشر وعدم رؤيتهم والتحدث معهم نهائياً وقد تطول الفترة الى عقود من السنوات كما كان يقضيها البعض من المتصوفين المسلمين او الايزيديين او غيرهم وهي فترة يقال لها (الخلوة) لكي يتفرغوا فيها للعبادة والتنسك او لتحل عليهم الروح الألهية المقدسة ومن بينهم الشخصية الدينية الايزيدية (الشيخ حسن أبن الشيخ ادي الثاني) الذي يعتقد انه اختفى عن الأنظار لعدت سنوات.
3.الأمتناع عن أكل البعض من انواع النباتات او الفواكه أو لحوم الحيوانات او المشروبات لفترة بشكل مؤقت او دائم، كتحريم اليهود والمسلمين لأكل لحم الخنزير، او اكل لحم الديك او الغزال للقسم من الايزيديين، وامتناع المسيحيين عن اكل جميع المنتوجات الحيوانية لفترة زمنية محددة.
4.الأمتناع عن الأكل والشرب بكل انواعه لفترة زمنية محددة تبداء من الفجر قبل شروق الشمس والى ما بعد غروب الشمس.
والنقطة الأخيرة هذه هي المتعارف عليها والمنتشرة أكثر بين الأيزيديين والمسلمين...
صوم الخالق (روزيين ايزدان)

اولا وقبل كل شيء وبعد التمعن الطويل والتفكير العميق بهذه الايام الثلاثة التي نصومها نحن ابناء الديانة الايزيدية سوف يتبين لنا بأنه لم يتم أختيار هذه الايام الثلاثة تحديدا في أقصر ايام السنة بمحض الصدفة، والتي يكون فيها النهار اقصر ما يكون من الدرجات بالنسبة الى الليل حيث تطول الليالي خلال هذه الايام الثلاثة الى اقصى ما امكن على حساب النهار، وهنا أذا ما راجعنا تأريخ أجدادنا القدامى والظروف الصعبة التي تتبعها في هذا الوقت حصرا (الليالي الطويلة) حيث كان قديماً يبداء معه البرد والصقيع الشديدين والأمطار والظلمات والجوع بالتفشي بين البشر والتي لا بد ان تلحقها فيما بعد المرض والجوع والسرقة والقتل والظلم، وعليه بأعتقادنا ان هذه الايام كانت اسوء واقسى واصعب الايام التي يمر بها الانسان القديم من خلال ايام السنة التي كانوا يقومون بحسابها بدقة متناهية للتعرف على مواسم بدء الزراعة والصيد والقنص والرعي وغيرها من امور مهمة تخص حياتهم البدائية، واعتمادا على كل هذه المعطيات فأن الانسان البدائي وبالأخص الذين كانوا يعيشون في جغرافيتنا قد فكروا بأنه قد يأتي يوم ما وينتصر فيه الليل على النهار (الشر على الخير، الظلام على النور، الباطل على الحق، الموت على الحياة) فما كان منهم الا ان يذلوا نفسهم اذلالاً امام الألهة والطبيعة كي تعطف على أحوالهم وتنظر اليهم بعين الرحمة والشفقة، وليبينوا بالتالي للألهة والطبيعة بأنهم لا شيء امام قوتها وجبروتها وهي أعلى الدرجات التي قد يصل اليها الانسان من أيمان واستسلام وهو تعبير قوي وصارخ عن نكران الذات، فكانوا يبتعدون عن كل مظاهر الفرح والسرور وكل ما يشير اليه بأشارة بسيطة، هكذا كان يفكر الانسان القديم اي يقوم بمعاقبة نفسه لعله عمل شيئاً لم ترضي الالهة فقد غضبت والبرد والليالي الطويلة والجوع والعطش والقتل والمرض والسرقة واختفاء الشمس عين الألهة والطبيعة شيئاً فشيئاً (الدفء والنور ) كل هذه الاشياء الألهة والطبيعة الحية تقف ورائها، هكذا كان يفكر الانسان القديم...

فبنظرة سريعة الى الكتاب المقدس العهد القديم وتحديدا سفر (يونان) سوف يتبين لنا فيها كيف انه كان الانسان القديم يفكر.
حيث النبي أو الرسول المذكور يحمل رسالة من الرب لأهل اشور نينوى الحالية بأنهم سوف يهلكون بعد اربعين يوما النص ادناه مقتبس:
أذعن يونان إلى أمر الرب فأنطلق إلى نينوى عاصمة الآشوريين ليبلغ أهلها وملكها سنحاريب (705 – 681 ) ق.م. بقضاء الرب. وعندما دخلها بدأ ينادي قائلاً: بعد أربعين يوماً تتدمر المدينة (سفر يونان 3 : 4). فبلغ إنذار يونان ملك نينوى فقام عن عرشه وخلع عن نفسه حلته وأرتدى المسح وجلس وركع على الرماد ثم دعا جميع رعاياه إلى الامتناع عن الأكل والشرب، وكذلك البهائم والغنم والبقر لا ترعى ويقطع عنها الأكل ولا تشرب الماء. وطلب من جميع الناس أن يرتدوا المسوح متضرعين إلى الرب تائبين عن طريقهم الشريرة وعما أرتكبوه من ظلم لعل الرب يرجع عن اقتدام سخطه فلا يهلكون ... هكذا كما مدون في سفر يونان ( 3 : 7 : 9).
انتهى الاقنباس.

وبعدما قام الملك الاشوري بأذلال نفسه ومملكته من بشر وحيوانات أمام النبي (يونان) وربه فيبدو بأن الاربعين يوما قد انقضت ومرت مرور الكرام ولم تحصل اية واقعة تهلك تلك المملكة فتبين لهم بأن الالهة حقاً قد اعفت وصفحت عنهم، هكذا كان الانسان البدائي يفكر في الامور...
عذرا هنا وكتوضيح اشارتي لهذه الحادثة والقصة ليست سوى لمعرفة بما كان يفكر به انسان تلك الفترات الزمنية وليست لها علاقة بصومنا نحن الأيزيديين البته فلا داعي كي يفكر بعض من الاخوة بأنني اربط بين صومنا وصوم اهل نينوى (أشور) في الكتاب المقدس...

بالاضافة الى كل هذا فأن الانسان البدائي كان يفكر بأساليب اخرى مختلفة وعديدة للنيل والفوز برضى الألهة والطبيعة ولجلب انتباهها كي ترحم وتعطف عليهم ولتبعد كل انواع الشرور عنهم ولتقلبها على اعدائهم فيما بعد، من تلك الممارسات العديدة هي الصوم ( الامتناع عن الاكل والشرب ) ولبس الالبسة العتيقة والمتسخة والمتشققة ووضع الرماد والطين الوحل فوق الرؤوس كل هذا الاذلال بالنفس هو تعبير صارخ عن نكران الذات امام الالهة والطبيعة التي يتوجب على الانسان ان يحترمها و يبين لها بأنه لا شيء امام قوتها وقدرتها وجبروتها، علماً ان هناك وسائل اخرى ايضاً لازالت موجودة ومتبعة لحد هذا اليوم ونمارسها نحن جميعنا وهو تقديم الاضاحي الحية كقرابين للألهة للفوز برضاها وللكفر عن الذنوب وطلب الغفران، أو قد تكون الاضحية القربان ليس حيوانا بل (انسان)!!! فالى حد ليس بالبعيد او قد يكون لايزال معمولا به لحد هذا الوقت لدى بعض القبائل البدائية الغير متحضرة في العالم، فالمعروف لنا وحسب ما تشير اليه اغلبية الديانات بأن النبي (ابراهيم) حاول ان يقدم ابنه من لحمه ودمه عند المسلمين والايزيديين (اسماعيل)و(اسحاق) عند اليهود والمسيحيين كقربان للألهة ليدعي فيما بعد بأن الألهة قد اعفت عنه ومنعته من أرتكاب ذلك الفعل وكافئته بكبش من السماء (يتمأمأ) وفعلا وافق النبي ابراهيم على ذلك وقدمه للألهة كقربان بديلا عن ولده ...
هذا الفعل الذي ان قام به احدهم في هذا الوقت سوف يتهم بالجنون ويحاسب عليه القانون كيفما قال وادعى بأن الالهة طلبت ذلك منه في المنام (تقديم الابن كقربان للألهة تنفيذا لأوامر الرب وللتقرب منه)!!! فالأصح ان يقدم الشخص نفسه كقربان للألهة ان كان حقاً مقتنعاً ومؤمناً بفكرة نفسه بدلاً من حيوان أو شخص أخر...
فمن منظورنا الشخصي نرى بأن هذه الايام الثلاثة التي يصومها ابناء ديانتنا الايزيدية حالياً في كل مكان في العالم هي ليست الا تلك الايام ذي النهار القصير والليالي الطويلة الحالكة الظلمات الباردة الصعبة على الانسان القديم البدائي التي كانت تخيفه وترعبه وهي قديمة بما فيها الكفاية ومرتبطة ببدايات ولادت الافكار الدينية والروحية لدى الانسان وبحثه عن خالق ومسبب ومدير لهذا الكون الواسع الشاسع ومن ثم محاولة التقرب منه وارضائه بكل الوسائل والسبل، فلهذا يصعب ويستحيل ان يتم تحديد التأريخ الحقيقي التي بداء الانسان فيها بممارسة الصوم (الامتناع عن الاكل والشرب) أو اعمال وامور اخرى مشابهة لهذا التقليد القديم...
ختاماً نتمنى صياماً مقبولا لكل ابناء الديانة الايزيدية اينما كانوا وتواجدوا وايضاً نتمنى بحلول هذه المناسبة المقدسة ان يعم الخير والسلام على الانسانية جمعاء لينتصر فيها الخير والنور والدفء والحق والسلام والأمن والولادة على الشر والظلمات والبرد والقتل والتشرد والباطل والموت، ودمتم بخير وسلام دائم .


*ملاحظة مهمة جدا: الكثير من ابناء ديانتنا الأيزيدية يفرقون بين هذا الصوم وبعض مرادفاتها (أسماء مختلفة تعطي نفس المعنى)حيث هناك البعض وأغلبهم من أصول ابائنا الأيزيدين المنحدرين من ولاتى (خالتا) في تركيا الحالية يقومون بصوم ثلاثة أيام للخالق (شيشم) ويعايدون في الجمعة وبعدها بأسبوع يرجعون ليصوموا ثلاثة أيام اخرى للخالق (أيزدان) مع العامة من الأيزيديين ويعايدون مرة اخرى في الجمعة وتخالطت تلك التسمية لديهم بحيث هناك من يسميها بصوم (شيشمس) وذلك التباس وخطيئة فاضحة جدا تلك الشخصية الدينية الأيزيدية هو أبن (أيزدين أمير) الشمساني الطبقة التي تنتمي بالأصل للبيرانية، والذي كان أباه يمتلك زمام الأمور الدينية الأيزيدية في لالش قبل حلول الشيخ الجليل المتصوف (أدي) الأول والذي منح سلالته (الشمسانية البيرانية الأصل) صفة الشيوخ حيث كان في ذلك الوقت تعتبر مرتبة الشيوخ أعلى منزلة من البيرانية، أكراماً له ولمكانته ومواقفه النبيلة، ونظرا للشبه الكبير بين الأسمين (شيشمس ابن أيزدين أمير وشيشم الخالق) حدث هناك التباس تداخل فاضح بين الأسمين والأصح بأن (شيشم) هو نفسه (أيزدان) وكلاهما من أسماء الخالق (خودا) كما الحال مع (به دشا، ريبر، هوستا،تاوس ملك، الخ..) ولا علاقة لتلك الأيام الثلاثة ب(شيشمس) ونظرا لسعة الرقعة الجغرافية ووعورة المنطقة التي كان يقطنها أبائنا الأيزيديين فيما قبل وتباعدها وتقسيمها فيما بين الأمبراطوريات التي حكمت المنطقة وقطع وصعوبة المواصلات والتواصل مع المركز الحقيقي حيث معبد (لالش) واختيارى (مركةه البابا شيخ) أخذت كل منطقة تسمي تلك الأيام (الصوم) بأسم مختلف عن الأخر ولا فرق بين التسميتان حقيقة (شيشم وأيزدان) حيث كلاهما تعودان لأسم الخالق (خودا) ومع وجود كل تلك الظروف حدث هناك أختلاف بسيط في حساب الأيام تقديم وتأخير، وتمسك كل طرف بحسابه وتسميته الخاصة، فألى ذلك نتمنى أن تصل هذه المعلومات والتوضيح لجميع من وقعوا في هذا الألتباس والأتفاق على تسمية واحدة لتلك المناسبة والأجماع على أسبوع واحد للصوم والعيد.


ماجد خالد شرو/ مهتم بالشأن الأيزيدي

المانيا / 01.12.2015

Sharo_majed@yahoo.com