المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عند حضرة شيخ التشكيليين الكورد جمال بختيار: الفن في مدارج التصوف..عن موقع كلكامش



سلام قوال
12-13-2015, 21:24
http://www.sotakhr.com/2006/uploads/pics/baxtear2.jpghttp://www.sotakhr.com/2006/uploads/pics/baxtear3.jpgالفن في مدياته الانسانية العليا وعند كبرياء الذات التي لا تعرف الكلل ولا تتوافق مع الخنوع، سيخلق شخصية فريدة لا تجد تجسيدا لها اعظم مما هو في جمال بختيار. هذا التشكيلي الفريد في تاريخ الفن التشكيلي الكوردي قلما يجود الزمان بمثله وما جمع من خصال انسانية وهمة عالية في مواصلة درب النضال القومي وخدمة الرسالة الانسانية لشعبه ومنظومة القيم العالية التي تحطمت في يومنا هذا بعد ان بات الجشع والطموح المادي الذي لا يعرف الحدود هو المسيطر على ميول واهواء البشر. شخصية جمال بختيار جود زمانه الذي انجب خيرة الرجال في مختلف المجالات وماهو الا زبدة نادرة وشهادة قيمة لماض جله الآلام والمآثر والاصرار.

سفر حياته الحافلة تتشكل من مسارين للعمل الدؤب، فهو كالطير الطليق في اعماق الفضاء، حلق بجناحي الفن والنضال القومي- الانساني المدافع عن شعبه، ظل باستمرار يبحث وينشد الحرية والجمال. البداية كانت في احد مقاهي مدينة حلبجة. صورة للسيدة مريم العذراء وهي تحتضن السيد المسيح (ع). القدرات الفنية والمهارة التقنية العالية لصاحب اللوحة اثارت حفيضة الطفل اليافع جمال المولود عام 1925 في مدينة السليمانية، وهو لايزال يعتبر مسقط رأسه اجمل بقعة ارض على وجه المعمورة. هذا الطفل ذو الاحاسيس المرهفة أحس منذ وقت مبكر بالحيف الواقع على شعبه ووطنه، فانخرط في العمل السياسي مبكراً. والده العامل في سلك الشرطة لم يشفع له حتى النهاية، فاضطر اخيراً للهرب الى حيث الحرية في ظل جمهورية كوردستان الديمقراطية في مهاباد بقيادة القاضي محمد.
يصطحبه القائد الاب مصطفى البارزاني ومعه لوحة تجمع القاضي مع صلاح الدين الايوبي ليلتقي القاضي محمد. رئيس جمهورية كوردستان يتعهد بارساله في بعثة لدراسة الفن في باكو، الا ان العمر غير المديد للجمهورية لم يسمح للقاضي محمد بتحقيق العهد الذي قطعه لجمال بختيار. فيضطر الاخير الى الرجوع ثانية الى كوردستان العراق. السلطات الملكية تبعده الى اربيل.
قام آنذاك (اربعينيات وخمسينيات القرن العشرين) برسم العديد من البورتريتات لكبار فناني الغناء العربي وجدت طريقها نحو مقاهي ومطاعم اربيل آنذاك.
نهاية الخمسينيات قدم لوحة باسم الحزب الديمقراطي الكوردستاني الى الزعيم عبدالكريم قاسم. وهو اول فنان من كوردستان العراق (أو ربما اول فنان كوردي على الاطلاق) تطبع لوحاته بحجم البوستر في بغداد مطلع السبعينيات. وقد وجدت لوحاته طريقها نحو كل منـزل كوردستاني ونحو الغالبية العظمى من المحال التجارية في كوردستان وخارجها. وتعد رائعته (شيرين تغزل) من اشهر الاعمال الكوردية وهي بحق (موناليزا) كوردية خاطبت احاسيس جميع شرائح وطبقات المجتمع الكوردي، منـزلة فريدة قلما تبلغها لوحة فنية في الشرق. وهي في ذات الوقت تحمل الدلالات العميقة على عظمة واهلية الفن بشرائطه الاكاديمية الواقعية كي يتجاوب مع الذائقة الجمالية لعموم الشعب.
جمال بختيار مارس الفن كفنان هاو واكتسب خبرته من خلال دأبه المتواصل وتعلقه الفريد بالرسم. بعد هجرته الى الولايات المتحدة الامريكية عام 1976 توفرت له فرصة الدراسة والتحصيل. وبالفعل انخرط في الدراسة ونال الشهادة الاكاديمية في الفن، بعدها اصبح مدرساً للرسم في المؤسسات الاكاديمية هناك، حتى الحياة الغربية وقيم المجتمع الامريكي لم تسلخ الفنان بختيار من ماضيه وتراث امته. الحرية المشاعة هناك والامكانيات المتوفرة جعلتا الارضية مهيأة لجمال بختيار ليطور مهاراته الفنية ويزيد الالمام بتقنيات اعداد اللوحة الى مديات اوسع. الالوان الزيتية والكنفاس هما المادة والارضية المفضلتان لديه لادامة الصنعة الفنية، وقد التزم بأسلوبه الواقعي المفضل الذي لا يخلو من مسحته الكوردية الغالبة كأجواء وكمواضيع، لذلك فقد انتج فناً كوردياً خالصاً من ناحيتي الاسلوب والفكرة.


جمال بختيار هكذا يعرف الفن التشكيلي: هاجس ينبع من الذات وينشد الجمال، لغة الفن يجب ان تكون واضحة وجلية. ولا وجود لحاجز بين الفن والسياسة لدى جمال بختيار، الاثنان اتحدا جدلياً وتلازما بشكل مصيري. الكثير من رفاق الدرب استشهدوا وهم يدافعون عن حرية الشعب وحرمة ارض كوردستان. قصص حب رومانسية واخرى واقعية تمتزج مع دماء شهداء من البيشمركة قاوموا غزاة كوردستان بعناد واصرار فريدين... مثل هذه القصص هي مواد مفضلة للوحاته. شيخ التشكيليين الكورد يبلغ عمره الآن (81) عاماً وهو يعاني من بعض الامراض المزمنة، اثار عمر مرت سنينه بثقل بادية عليه وافقدته القسط الاعظم من قدرات السمع والبصر والحركة وحتى الكلام، مع هذا يقول الفنان الكبير جمال بختيار: عندما ارسم اللوحة انسى كل امراضي ولا أحس بما حولي، عشق صوفي يجمعني مع حرفة الرسم وينسيني ما سواها ولا أحس بالوهن مطلقاً.
جمال بختيار مناضل عتيد وفنان قدير وانسان عظيم، يصعب الاحاطة به في مقال او مقالات، بل لابد من كتاب خاص به كي يستطيع تغطية سيرة حياته الحافلة بالفن والنضال والاصرار بنفس انساني لا يكل.
موقع الصوت الاخر