المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : محطات في الفن التشكيلي الفلسطيني ..عن الحرية



سلام قوال
01-02-2016, 21:58
http://alhourriah.org/user_files/news/photo/fan_tashkeli-2---_22-8.jpgشكل الجرح الفلسطيني المفتوح والنازف منذ ما يربو على ستين عاماً، للفنانين التشكيليين العرب عموماً، والفنانين التشكيليين خصوصاً، مادة هامة لإبداعاتهم المتنوعة التقانات والأساليب وطرائق الأخذ والمعالجة، ذلك لأن هذه القضية باتت جزءاً أساساً من الوجدان الجمعي العربي وهاجساً رئيساً من هواجس الحاضر والمستقبل، لاسيما بعد إدراك الصغر والكبير ومن هذه الأمة الخطر الكبير الذي تمثله (إسرائيل) ليس على حاضر ومستقبل هذه الأمة فحسب، وإنما أيضاً على ماضيها وتاريخها وقيمها. وبدأت تتكشف بوضوح المطامع الإسرائيلية بسرقة موروث الأمة العربية وتزوير تاريخها، توطئة وتمهيداً، لتبرير وجودها الشاذ والغريب والطارئ، في هذه البلاد التي كانت ولا تزال، محط أطماع القراصنة واللصوص والحاقدين الذين أصبحت لهم أسماء ومصطلحات جديدة ومتلونة ومتغيرة، تجاوزت عبارة (الاستعمار) إلى تعابير مخاتلة ومضللة، غير أن الهدف ظل واحداً هو: نهب ثروات الشعوب واستغلال جهود أبنائها وعقولهم.
لقد صبغت القضية الفلسطينية نتاجات المبدعين العرب بصبغتها، حيث كان هؤلاء لا يزالون، مهمومين ومؤرقين بالتحديات الصعبة والخطيرة التي رمتها في واقعهم، وأثرت تأثيراً مباشراً على مستقبلهم، الأمر الذي دفعهم لتكريس جانب كبير من هذا النتاج للنضال المتعدد الأشكال، هذا الشكل الجديد والخبيث والخطير من الاستعمار والداعمين له، صوناً وحفاظاً على حقهم بأرضهم وأوطانهم ووجودهم ومستقبلهم.
الفن المقاوم
مراجعة متأنية للنتاج الفني التشكيلي العربي المعاصر، نجد أن غالبية الفنانين التشكيليين العرب (إن لم نقل جميعهم أفردوا جانباً من إبداعهم للقضية الفلسطينية. وبعضهم كرس القسم الأكبر لها. بينما شكلت هذه القضية الهم الأول. تالياً الموضوع الأول، في نتاجات الفنانين التشكيليين الفلسطينيين التي نفذوها بتقانات وأساليب مختلفة وحملوها إلى الشعوب والأمم بأكثر من شكل وصيغة ولا زالوا ينسجونها من جراح شعبهم التي لا تزال تنزف حتى تاريخه.
لقد كرست المعارض الفردية والجماعية الدورية للفن المقاوم والمنتصر لقضية فلسطين ومنها المعرض الدوري الذي يقيمه فرع سورية للاتحاد العام للفنانين التشكيلين الفلسطينيين بالتعاون مع نقابة الفنون الجميلة في سورية، ويشارك فيه غالبية الفنانين التشكيليين الفلسطينيين المقيمين في سورية،، والذي يحمل اسم (يوم الأرض ). فهذا المعرض الدوري يمثل أجيال الفنانين التشكيليين الفلسطينيين كافة، ويحوي ألوان وأجناس آبدات مختلفة، بدءاً من الرسمة واللوحة والمحفورة والمنحوتة وقطعة الخزف... وانتهاءً بالملصقات، وهذه الأعمال، تختزل اتجاهات الفن المعاصر وأساليبه وتقاناته، وتمثل في الوقت نفسه. أسلوبية كل فنان والشخصية التي يشتغل عليها، وباتت قرينة له، مع ملاحظة بارزة وهامة، حافظ عليها هذا المعرض، هي أن جميع أعماله، تتحرك ضمن الضفاف الرحبة والواسعة للواقعية المتلونة بالتعبيرية والرمزية والسوريالية، وهي الاتجاهات الفنية القادرة على احتضان قضية الفنان الفلسطيني ونقلها إلى المتلقي بوضوح وقوة، لذلك كان هذا الفنان ولا زال ملتزماً بالصيغ الفنية الجادة القادرة على فتح حوار واسع الطيف، مع المتلقي مهما كان حجم ثقافته البصرية والفكرية.
وكعادتها في المعارض الفنية التشكيلية العربية كافة، تطغى أعمال تصوير على الأجناس الأخرى كالنحت والحفر المطبوع والإعلان، في معارض (يوم الأرض) فيها تصدى أصحابها للهم الفلسطيني والعربي بطرائق مختلفة، منها الصيغة المباشرة بتصوير مظاهر النضال والمقاومة اليومية لشعبنا الفلسطيني العظيم ضد الاحتلال، كما لدى الفنانين: سليمان العي، خالد تميم غسان جود، منير الزين، يحي عمشاوي. أو من خلال الجمع بين رموز المقاومة من رجال ونساء وأطفال ومفردات البيئة الفلسطينية المتميزة كالبيوت والجوامع والكنائس والمشغولات الشعبية المنفذة بمواد وخامات مختلفة، كما لدى الفنانين: علي الكفري، عبد المعطي أبو زيد، محمد الركوعي، جهاد حنون، علي جروان، أيمن أحمد مصطفى.
البعض الآخر من الفنانين، يلجأ إلى الاستعارات التاريخية، واستخدام معطيات من الفن الشعبي الفلسطيني، ليقدم موقفه تجاه ما يجري حوله كما لدى الروائي والفنان الفلسطيني محمود شاهين الذي شهدت تجربته التشكيلية عدة انعطافات، منها جمعه الموفق والمنسجم، في عمله الفني بين المساحات اللونية النظيفة المفروشة بإحساس إعلاني رفيع وبين الكتابات الزخارف والهيئات الإنسانية المحورة أو المستندة إلى الأساطير والخيال.
يعتمد فنانون آخرون على الصيغة الرمزية المشوبة بنزعة سوريالية في تقديم أفكارهم، كمحمود الخليلي، وحسن أبو صبيح، وموفق السيد، وأديب خليل، ورامي عباس، والحكم النعيمي، وياسر يوسف. أما الأديب والفنان عبد اللطيف مهنا، فقد كرس تجربته الفنية لتقنية الأبيض والأسود القائمة على الرمس الدقيق، والحشد العنصراتي الموزع ضمن حقول شاقولية تتكامل مع بعضها بطرية التماثل والتشابه والتكرار، وهي في الغالب مطرزة بعناصر نباتية وهندسية ومعمارية وإنسانية صامتة، شاردة، تمسح كافة الاتجاهات وهذه العوالم. دأب الفنان مهنا على استحضارها في رسومه التي تتماهى إلى حد كبير مع كتاباته وأشعاره، ما يقربها على فن الرسوم التوضيحية (الموتيفيات).
ويتابع الفنان محمد الوهيبي مشواره في عالم الغرافيك المنفذ باللونين الأبيض والأسود، أو الفاتح والغامق، مقدماً لوحة ضائعة بين خواص الرسم والتصوير والحفر المطبوع، تنوء بثقل حشد هائل من الأشكال والهيئات والعناصر الواقعية والتخيلة أو المستعارة من التاريخ القريب والبعيد لرحلة الإنسان في الحياة، بكافة مجرياتها وعناصرها. وهذه اللوحة لدى الوهيبي، واقعية متماهية بالرمزية والسوريالية. هذه العوالم، سبق للفنان الفلسطيني الكبير مصطفى الحلاج وقدمها في سلسلة طويلة من الأعمال، إنما برؤية مختلفة، فالحلاج لم يتناول القضية الفلسطينية بالصيغة المباشرة، بل أطل عليها عبر حشد من الرموز المستوحاة من التاريخ القديم للأمة العربية، لاسيما تاريخ فلسطين الكنعاني، والفن المصري القديم، حيث تأهل أكاديمياً في مصر، ومكث فيها لسنوات طوال. مزج الحلاج في فنه بين هذه الرموز الحضارية وبين رموز معاصرة، محققاً بذلك صيغة تشكيلية ملحمية قوامها الرسم القوي الناهض من خبرة وممارسة، وقبل ذلك من موهبة حقيقية تأهلت أكاديمياً في حقل التعبير المجسم (النحت) لكنها أشاحت عنه إلى التعبير المسطح (الرسم والحفر المطبوع) وقد استقر الحلاج أواخر حياته، في التعامل مع تقنية الحفر المطبوع بواسطة ألواح (إم.دي.إف) و(المازونيت) ومع هذا الأخير، أنجز لوحته الكبيرة والشهيرة (تداعيات وارتجالات الحياة). وقد كان ينوي الاستمرار في الشغل عليها حتى آخر يوم في حياته، وقد فعل ما نوى عليه، إذا ترجل الحلاج وهو يشتغل عليها، لكن ترجله جاء قبل الأوان، بفعل الحريق الذي شب في مكان إقامته وعمله بصالة ناجي العلي، وأتى عليه وعلى أجزاء من مشروعه الفني الكبير.
وفي مجال النحت، برز الفنان زكي سلام الذي خاض غمار مواده وخاماته وتقاناته كافة، مقدماً ومن خلاله، قضية شعبه وأمته، بأكثر من صيغة وشكل. كذلك فعلت زوجته الفنانة هناء ديب، والنحات محمود السعدي، وعماد رشدان، وعبد الحي مسلم.... وغيرهم.
الكاريكاتير يتضامن مع فلسطين
لم يقتصر التضامن مع القضية الفلسطينية على الفن العربي، بل تجاوزه ليشمل الفن العالمي، لاسيما الفن في الاتحاد السوفيتي ودول المعسكر الاشتراكي السابقة، حيث تبنى فنانو هذه الدول، القضية الفلسطينية، وناضلوا في سبيلها، وكذلك فعل العديد من الفنانين الشرفاء على امتداد الساحة العالمية، هذا العام(2009) شهد المتحف الوطني بدمشق تظاهرة هامة لفن الكاريكاتير العالمي أعدها ونظمها تجمع العودة الفلسطيني (واجب) ضمت 130 رسمة كاريكاتيرية عائدة لعدد مماثل من رسامي الكاريكاتير المنتمين لست وثلاثين دولة تغطي قارات الأرض الخمس، بدءً من فلسطين وسورية ولنبان والسودان ومصر والأردن والسعودية والمغرب والعراق والبحرين، مروراً بإيران وتركيا وأذربيجان وأفغانستان والهند والباكستان والصين وكازخستان والكوريتين وتايلاند واندونيسيا ومقدونيا وأسبانيا وبلجيكا ورومانيا والنمسا والنرويج وهولندا واليونان وانتهاءً بفنزويلا وكولمبيا والمكسيك والأرجنتين وأستراليا.
اختزلت أعمال هذه التظاهرة أساليب وسيغ فن الكاريكاتير المعاصر كافة، منها الرسوم التي تزاوج بين المفردة البصرية الاصطلاحية والكلمة أو النص، للإحاطة بالفكرة، لكنها جميعها التقت على الانتصار لفلسطين وقضيتها العادلة، لاسيما غزة وشعبها ومقاومتها ضد العدوان الوحشي الغاشم الأخير الذي لم يفرق بين الحجر والبشر، ولا بين مقاوم وطفل وشيخ ولا بين دار العلم وبيت الناس الآمنين، وحتى الحقول والنباتات والأشجار طاولها الحقد الصهيوني بالحرق والتجريف والقصف والدمار، ما يعكس مدى ما يكنه هذا العدو من حقد وعداوة للحياة ورموزها وثقافتها التي تأتي المقاومة في مقدمتها.
لقد صال وجال هؤلاء المقاومون بالرسم واللون والشكل المباشر والرمز والإشارة، في تفاصيل ومظاهر العدوان الغاشم على غزة، وتناولوه من جوانبه كافة، وأشاروا إلى أهدافه وأبعاده الظاهرة والمتوارية، ودلوا على منفذيه المباشرين وغير المباشرين، والمشاركين فيه بقصد ودون قصد، مستخدمين في ذلك الصيغ والأشكال المباشرة التي تذهب بالمتلقي إلى الحدث، بنوع من الصدمة القاسية، والمواجهة العنيفة، كتصوير الدبابة الإسرائيلية وهي تعتلي أجسام الأطفال الفلسطينيين الأبرياء، أو تفترش أجسام الشيوخ والنساء، والطائرات التي تصب صواريخها وقنابلها على دور العلم والعبادة والناس الآمنين، وترمي أحدث ما تفتق عنه العقل الغربي العدواني المريض من وسائل القتل والتدمير والحرق، فوق الناس والحجر والشجر والحقول ورموز الحياة كافة، كما صوروا الصهاينة الذين يقودون آلات القتل مقاربين بينها وبينهم، فهم كآلاتهم بلا عواطف وأحاسيس، مسكونون بالسادية والعدوان ومهووسون بالقتل والتنكيل، يتباهون باصطياد الأطفال وتجميع جثامينهم الطاهرة على خواصرهم، كما يفعل الصياد مع الطيور، ويستمتعون بتسوية أجساد البشر بالأرض أو تعبيد الطريق بها. ولا يتوانون عن التبول فوق القانون الدولي، أو نهب ألعاب الأطفال وأحلامهم و مستقبلهم، وتكريس كوابيسهم وآلامهم ومخاوفهم.
كما صوروا الإسرائيليين المنافقين الكذابين الذين يلغمون السلام، ويسرقون تاريخ الأمم والشعوب ومستقبلها، أشاروا إليهم بالجهامة العسكرية المدججة بكل صنوف القتل والتدمير، وبنجمة داوود، وبالنصوص والكلمات، وبكل الرموز والإشارات التي تذهب بالمتلقي عليهم مباشرة. وتناولوا في رسومهم أيضاً من ساند العدوان ودعمه مباشرة أو بشكل موارب، من العرب وغير العرب، فصوروا هؤلاء على هيئة رواد سينما سلبيين يراقبون ما يجري في غزة وكأنهم يشاهدون أحد أفلام هوليود المسلية، أو وهم يختبئون خلف إصبعهم، أو تحت الطاولات العامرة بالموسيقا والطعام والشراب. ولم تنج هيئة الأمم المتحدة من نقد رسامي الكاريكاتير وتقريظهم، فصورها وهي تغسل أيدي القتلى الإسرائيليين من دماء الشعب الفلسطيني، أو وهي تغطي جرائمهم بهذا الشكل أو ذاك. كم ركزوا في رسمهم على الدور البطولي للمقاومة في التصدي للعدوان والصمود أمام آلة القتل الإسرائيلي الهائلة، وبشروا بنصرها عندما رسموا الزهرة وهي تقاوم الدبابة، مشيرين بذلك إلى إرادة الحياة التي لا يمكن أن تقهر، أو تسلب من الشعوب المناضلة المقاومة. ولم ينس رسامو الكاريكاتير المتضامنين مع غزة وشعبها ومقاومتها، والمنتصرين لحريتها وكرامتها وعزتها، من الإشارة إلى الذين وقفوا ببسالة وجرأة إلى جانب الحق.. حق الشعب الفلسطيني في التحرر وإقامة دولته المستقلة فوق أرضه، وحقه في مقاومة العدوان والتصدي لكل أشكاله، ومن أبرع هذه الإشارات، المرأة الفلسطينية المنكوبة وهي تصرخ (واشافيزاه) في إشارة بليغة مستعارة من التاريخ العربي، إلى الموقف النبيل الداعم الذي وقفه الرئيس الفنزويلي (شافيز) عندما قام بطرد السفير الإسرائيلي من بلاده احتجاجاً على محرقة غزة التي نفذها لجيش الإسرائيلي بدعم ومباركة الذين يدورون في فلكه.
القدس في الفن التشكيلي.
استأثرت (القدس) عاصمة للثقافة العربية للعام 2009، باهتمام المعماريين والفنانين التشكيليين والباحثين في مجالات الفنون المختلفة، فوضعت حولها، العديد من الكتب والأبحاث التي تناولتها تاريخياً ومعمارياً وفنياً، ومن النواحي كافة، ذلك لأنها إحدى أهم المدن المقدسة لدى الديانات السماوية الثلاث: الإسلامية، والمسيحية، واليهودية، يضاف إلى ذلك، أنها مسرى الرسول محمد عليه الصلاة والسلام (المعراج) ما جعلها تكتسب أهمية خاصة عند المسلمين الذين يعتبرون المسجد الأقصى الموجود فيها، عتبة الجنة يوم الحساب، كما أن المسيحيين ينتظرون مجيء (المسيح المنتظر) فيها، ولهذا فهم ينظرون إليها بكثير من التقديس والتبجيل والاحترام، ويشدون الرحال إليها من أصقاع الديار كافة، للتبرك بها، والإطلاع على المطارح التي شهدت بزوغ فجر دينهم. ولأن القدس بهذه الأهمية الروحية المثقلة بالرموز المقدسة كانت ولا تزال، محط تجاذب وصراع مرير بين الغرب والشرق، بلغ أوجه في حروب الفرنجة المتلاحقة على القدس والمنطقة العربية المشرقية عموماً، ثم في الهجمة الشرسة للصهيونية العالمية على فلسطين، واحتلالها لها ولأرض عربية أخرى، وما رافق ذلك من حروب طاحنة لا زالت مبررات تجددها قائمة، لاسيما باستمرار الاحتلالات الإسرائيلية، وإصرار الكيان الصهيوني الغاصب على تهويد القدس، وجعلها عاصمته الأبدية، وسعيه الدائم، لتقويض الآثار العربية فيها وإلغائها، ممثلة بالإنسان والعمائر الدينية والدنيوية، بحجة بحثه المحموم عما يؤكد ويثبت وجوده القديم في هذه المنطقة، وفي نفس الوقت تفريغها من سكانها الأصليين، تمهيداً وتوطئة لبسط السيطرة الكاملة عليها.
القدس في التشكيل العالمي
من الصعوبة بمكان، الإحاطة بكل الأعمال الفنية العالمية التي تناولت مدينة القدس، أو استلهمت معالمها البارزة، لذلك سنكتفي هنا، بتقديم نماذج منها، مع الإشارة إلى أن(قبة الصخرة) و (المسجد الأقصى) شكلا المفردتين التشكيليتين الأبرز في هذه الأعمال، ومنها لوحة زيتية لفنان مجهول، جميلة ومتقنة وساحرة الأجواء، تشير عناصرها وأسلوبها وثياب شخوصها، إلى أنا منفذة أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وهي بمحمولاتها وطريقة معالجتها، تمثل بأمانة، النزعة الفنية الاستشراقية الأوروبية التي نشطت عقب ترجمة (غالان) لكتاب ألف ليلة وليلة (1704 ـ 17171) بدليل الدقة المتناهية التي عولجت بها، والمعلمية الكبيرة في تعامل صاحبها مع عجينتها اللونية، وقدرته المدهشة، على التقاط نبض الواقع ونقله إليها، بكل هذا البهاء والجمال والسلاسة، وهو واقع عربي يضوع عبقه في فسيفساء قبة الصخرة، وطراز المعالم المعمارية المحيطة بها، ومحمولاتها من الزخارف والتوريقات التي ابتدعتها اليد العربية الإسلامية، ومن هذه الحياة الوادعة التي ترصدها للوحة، لاسيما هذا المشهد الساحر، للنسوة الفلسطينيات وهن يقمن بتعبئة جرارهن من سبيل الماء الجميل الواقع في مقدمة اللوحة التي ينم تكوينها المدروس ومتانة بناء عناصره، وأسلوب معالجتها الواقعي الكلاسيكي الرصين، عن الموهبة الكبير للفنان الذي رسمها وخبراته المتفوقة في التعامل مع الخط واللون والمنظور وإبراز خصائص المواد والخامات المعالجة فيها، هذه الخصائص والمقومات، أفضت في النهاية إلى لوحة واقعية، مفعمة بجماليات الحياة العربية المتفردة في فلسطين، قبل أن يشوهها الاحتلال الصهيوني، وتعطبها همجيته، وتخربها أطماعه وأهدافه الخبيثة، في سرقة أرض وتاريخ ومستقبل فلسطين والأمة العربية في آن معاً.
أما لوحة (قبة الصخرة) للفنان الإنكليزي (إدوارد ستانلي) المولود عام 1855 والمتوفى عام 1921. فتعود إلى القرن التاسع عشر ومطالع القرن الشعري، وترصد بشكل رئيس، قبة الصخرة والنسيج العمراني الإسلامي القديم المحيط بالقبة والحرم الشريف، وهو كما رصدته ريشة هذا الفنان المتمكن من أدوات تعبيره لاسيما من العجينة اللونية التي يسخرها في لوحته لأكثر من مهمة تشكيلية وتعبيرية. فهو يرسم ويلون ويؤكد هيكلية عناصرها بها. يشغل تكوين اللوحة غالبية مساحتها، عنصره الأساس والمحوري، قبة الصخرة والحرم الشريف، لذلك عمد الفنان إلى تسخير باقي عناصر اللوحة ومحمولاتها، لخدمة هذا العنصر وتأكيده، وهو كما يبدو، مفعم بالألوان والتوريقات الناعمة والمنسجمة، بينما باقي العناصر، أخذت الألوان الترابية الفاتحة والهادئة المشبعة بالضوء، ما ساهم بإبرازه وتوجيه عين المتلقي مباشرة إليه.
تنتمي هذه اللوحة للواقعية المبسطة والرصينة، وهي مشغولة على أرض الواقع، بدليل تمثلها الأمين، لمناخ فلسطين العربية، وضوء الشرق الساطع واحتضانها المدهش، لألوان تربة زهرة المدائن وخصوصيتها وقدسيتها، بدليل هذا التوزيع الرائع للضوء فوق عناصر اللوحة وسلامة المنظور والإحاطة الوافية والمعبرة بماهية محمولاتها من العمارة والأشجار والنباتات والزخارف والتفصيلات الصغيرة والكبيرة، البعيدة والقريبة، والإشارات الواهية لبضعة أشخاص يتحركون فوق المساحة الفاهية القريبة من قبة الصخرة.
بموهبة كبيرة، وخبرة عالية نقل الفنان ستانلي هذا المعلم العربي الإسلامي البارز، إلى لوحة تماهت مع الواقع إلى حد الإدهاش!!.
كما شكلت قبة الصخرة ومحيطها المعماري والطبيعي، موضوع لوحة رائعة نفذها فنان أوروبي مجهول، بصيغة استشراقية تشير إلى معلمية صاحبها الكبيرة، كما تشير شخوصها وطرز الثياب التي ترتديها، إلى أنها منفذة بداية القرن التاسع عشر. تحمل هذه اللوحة من الدقة الواقعية ما يجعلها تتماهى بالصورة الضوئية، وهو ما يجعل منها وثيقة دقيقة وجميلة، لهذا المعلم المعماري العربي الإسلامي الهام.
وأغرق الفنان (ليين ملر) لوحته عن القدس، بألوان وحشية قوامها الأزرق النيلي والأحمر والأصفر والبرتقالي والأبيض، وفيها صور(ضمن شريط في الأسفل لا تتجاوز مساحته خمس اللوحة) ملامح لمساجد وكنائس وأسوار وأشجار غلب عليها الألوان البنية. فنان غربي آخر، قدم قبة الصخرة والحرم الشريف والمسجد الأقصى ومحيطهم، بأسلوب(الماكيت) وبدقة واقعية شديدة، اعتمدت على الرسم والقليل من الألوان الشفيفة. في هذه اللوحة، تطل عين المتلقي على موجوداتها وعناصرها من أعلى، وبرؤية بانورامية تحيط بأكبر قدر ممكن من تفاصيل المشهد. وبرؤية وأسلوبية مشابهة، نفذت لوحة متخيلة للقدس أيام السيد السميح، بالأبيض والأسود والقليل الباهت من الألوان، ما جعلها تقارب المحفورة. وبشيء من الخيال المجنح، عالج فنان آخر (يوحي أسلبه بأنه روسي) المعالم المعمارية الرئيسي لمدينة القدس، لاسيما المسجد والكنائس والمحيط الطبيعي. الصيغة الفنية لهذه اللوحة، حالة متوافقة من أسلوب المنمنمة والأيقونة، وهي على قسط كبير من الخيال والطرافة والجمال والتفرد.
وفي لوحة لفنان مجهول، منفذة بألوان ضائعة بين الزيتي والمائي، برزت قبة الصخرة ضمن محيط ساحر من العمارة القديمة وبعض العناصر الطبيعية، زادتها بروزاً، السماحة الواسعة والخالية من العناصر الموجودة في مقدمتها، والسور الذي يليها.
رسمت هذه للوحة بأسلوب واقعي مبسط وبألوان زخرفية متباينة الدرجات، مأخوذة مباشرة من إصبع الألوان. أي أن الفنان لم يتعب نفسه كثيراً في استنباط ألوان يقارب فيها الواقع الحقيقي، وإنما اكتفى بالأوان الجاهزة، وهو ما أوقع لوحته بالسمة التزينية الزخرفية، والحس التلقائي البسيط.
عكسها تأتي لوحة أخرى لفنان مجهول أيضاً، صور فيها قبة الصخرة وسور القدس العتيق، والمحيط العمراني المؤلف من مجموعة كبيرة من المساجد والكنائس والبيوت القديمة، ذات الطراز العربي الإسلامي. اعتمد الفنان في إنجاز هذه اللوحة على الخط (الرسم) كقيمة تشكيلية أساسية، إذا أكد به عناصر اللوحة المعمارية والطبيعية، وأعطاها هيكليتها الصحيحة، أما للون فجاء شفيفاً متدرجاً من الغامق إلى الفاتح، ضمن مساحات واسعة، ما أعطى العناصر ثقلاً ورسوخاً ووضوحاً، ولأنه عالجها والسماء، بكثير من الأناة، والتأكيد على التفاصيل والنمنمات الدقيقة، أخذت اللوحة خصائص ومقومات المحفورة الملونة.
الفنان الهنغاري (كونستغاري كوستاك تيفدار ) نفذ لوحة للقدس عام 1905، أظهر فيها معلمين أساسيين هما: كنيسة (جاءت في مقدمة اللوحة) وقبة الصخرة (في وسطها) إضافة لطيف جامع يلوح في الأفق وبضعة أسوار وبيوت قديمة، تحيط بالمعلمين، انبثقت بينها، أشجار ونباتات، اللوحة منفذة بالأسلوب الواقعي المبسط الملحاح على التفاصيل الصغيرة، لاسيما رسم الأحجار في مداميكها، ما أوقع العمل في سمة بدائية، وحسن تزييني.
في التشكيل العربي.
يأتي الفنان التشكيلي السوري الراحل (غازي الخالدي) في طليعة من تناولوا مدينة القدس ورموزها في لوحاتهم، وبأكثر من صيغة، ولأكثر من هدف وموضوع وقضية. من ذلك ربط رموز القدس المعمارية الإسلامية والمسيحية، بموضوع الشهادة والشهداء، كما في لوحته (تحية على شهداء فلسطين) المنفذة بالألوان الزيتية عام 1976، حيث شكلت هذه المعالم الشريط السفلي في اللوحة، وقد عالجها بواقعية مبسطة، وألوان قليلة (الأزرق والبرتقالي) ورمز في الشريط العلوي ( ويشكل ثلثي مساحة اللوحة) إلى الشهداء بثلاثة أحصنة مشرئبة الأعناق نحو السماء الغارقة بألوان الأحمر القاني والبرتقالي والأسود، إشارة إلى دماء هؤلاء الأبطال المؤسسة لفجر التحرير القادم المتمثل بقرص الشمس (أبو القمر) الذي تنكشح عنه الغيوم السوداء (رمز الاحتلال الصهيوني) ممهدة الطريف لبزوغ فجر الحرية النقي الصافي القادم من الأفق، والمرتمي فوق أسطح عمائر القدس وبين جنباتها.
اللوحة بسيطة العناصر، قليلة الأولان واضحة الرموز، ما جعلها سهلة التناول والوصول، إلى المتلقي، على اختلاف ثقافته. أما في لوحته (زهرة المدائن يا قدس) المنفذة بالألوان الزيتية والموجودة في نادي ضباط الجيش العربي السوري بدمشق المنفذة عام 1982، فقد ربط قبة الصخرة ومحيطها، بفتاة خائفة رسمها بلون أبيض (رمزاً للطهارة) تطل من القسم الجانبي اليساري من اللوحة تحتضن بيدها اليمنى، هذه العمائر المقدسة، وتشير باليد اليسرى إلى قبة الصخرة المهددة، بينما طيف حمامة بيضاء (إشارة إلى الحرية القادمة ) يتشكل في الأفق المرسوم بألوان زرقاء سماوية، شفيفة، انعكست أطيافها على جدران العمائر المنفذة بخطوط صلبة، وألوان متدرجة مكونة من البني والأصفر والأبيض ومشتقاتها. واللوحة كسابقاتها، معالجة بالأسلوب الواقعي المختزل والبسيط.
أما لوحته (فلسطين عام 1948) المنفذة مطالع سبعينات القرن الماضي، فقد صور فيها عملية النزوح الفلسطيني من خلال فتاة مذعورة الملامح، تستقر على كتفي رجل يعبر بها البحر إلى المجهول و وقد رمز إلى فلسطين، ببيوت ومساجد وأشجار أخذت لون الدم، إشارةً وتأكيداً، على الطغيان الصهيوني ومذابحه التي دفعت بالفلسطينيين إلى مغادرة بيوتهم وأراضيهم، وكانت قبة الصخرة، الرمز الأبرز والأهم في اللوحة. وحتى في لوحاته الوطنية والقومية الأخرى، ظلت القدس برموزها الأساسية، حاضرة ومؤكدة فيها، من ذلك وجود قبة الصخرة ومحيطها العمراني العربي الإسلامي المميز الطراز، في الطرف اليساري العلوي من لوحة (ملحمة حرب تشرين 1973) الموجودة في القصر الجمهوري بدمشق، مشيراً بذلك، إلى وحدة النضال العربي وضرورته، لتحقيق أهداف الشعب والأمة، في التحرر من السرطان الخبيث الذي زرعه الغرب في جسد الأمة العربية، ومن ثم التفرغ لبناء الحياة العربية الجديدة الخالية من المخاطر والتحديات.
وفي لوحته (القدس في النار) المنفذة عام 1973، صور الفنان غازي الخالدي اللهيب الذي طاول شوارع ومرافق هذه المدينة المقدسة، معبراً عن المأساة التي تعيشها شعبنا العربي الفلسطيني، تحت الاحتلال الصهيوني، مبيناً من خلال تباينات الألوان المتضادة، حدة هذه المأساة وقسوتها وتداعياتها على الأمة العربية ومستقبلها. عبر هذه التباينات اللونية، والصياغة الواقعية المبسطة، تمكن الفنان الخالدي من وضع المتلقي في عمق المأساة الفلسطينية، من خلال التعبير المأساوي الانفعالي الحاد الذي سكبه فيها.
لقد ظلت القدس بخاصة، وفلسطين بعامة، حاضرة ومتألقة، في معظم أعمال الخالدي الوطنية والقومية، ما يعكس حساً رفيعاً ومتيناً بالانتماء القومي، رافقه طوال حياته، وانعكس بوضوح في إبداعاته المتشعبة. بل قد لا نكون مغالين، إذا قلنا أن القدس شكلت أيقونة لوحاته الوطنية والقومية، ومنها لوحته المعروفة (سورية بطولة وحضارة) التي ربط فيها بين القديم والجديد، من رموز حضارتنا العربية والإسلامية، كصلاح الدين وزنوبيا، وتدمر وقبة الصخرة، ودمشق والجامع الأموي، دون أن يغفل الإشارة إلى الشهداء المتمثلين بالأحصنة المشرئبة الأعناق نحو السماء، وبالتحديد إلى قرص الشمس الذي يهب الخصوبة والعطاء والأمل، ويرمز في الوقت نفسه، إلى العزة والسمو والرفعة والكبرياء.
إلى جانب الخالدي، قام عدد كبير من الفنانين التشكيليين بتناول القدس في أعمالهم، منهم الفنان سليمان منصور الذي جسد مأساة ومعاناة الشعب العربي الفلسطيني، بزهرة المدائن تتوسطها قبة الصخرة، على شكل عين، تستقر فوق ظهر رجل يحملها كما الوديعة أو الحرز، في عالم لا ملامح له، ومع ذلك يحمل القدس بأناة وصبر وإرادة لا تلين ولا تنكسر.
الفنان الرائد إسماعيل شموط، ربط بين القدس والجماهير المزروعة حولها كجذور الشجر العتيق، مبرزاً ومؤكداً، على المرأة العربية الفلسطينية التي أخذت على عاتقها، ضخ قوافل المناضلين والشهداء وصناع الحياة، بشكل متواصل ودائم، لتتحر البلاد، وتورق الحياة عزة وكرامة ومستقبلاً آمناً. وفي إشارته على القدس، جاءت قبة الصخرة الذهبية، كعنصر أساس وحوري في لوحته. نفس الشيء فعله الفنان عيسى عبيدو، عندما جعل قبة الصخرة تتوسط لوحته عن القدس وتبرز كعنصر أساس، لاسيما بعد أن جعل سور القدس يشغل القسم السلفي من اللوحة، وتعمد عدم التأكيد على النسيج العمراني حولها، وبالغ في مساحة السماء التي أخذت نحو نصف مساحة اللوحة. ولأنه علاج السور والمحيط العمراني، باختزال وبساطة، برزت وتأكدت قبة الصخرة بلونها الذهبي. ولربطها بالسماء المطرزة بالغيوم، أغرق الحرم الشريف الذي تعلوه باللونين الأزرق والأبيض وتدرجاتهما، وهو ما فعله في مساحة السماء، وبأسلوب واقعي مبسط تماهى بين الرسم والتصوير والحفر المطبوع، صور الفنان حسن نعيم التلال التي تنهض عليها القدس القديمة، لا سميا الأماكن المقدسة، الإسلامية والمسيحية.
وأحاط الفنان تيسير شرف في لوحته (القدس) هذا الجزء المعماري، بموج متدفق من الحروف والكلمات (من الأسفل) وبشرائط شاقولية ملونة، تنهض في الأعلى كألسنة اللهب، وكغيره من الفنانين، يؤكد ويبرز الفنان شرف قبة الصخرة والحرم الشريف، إنما ضمن جوٍ من الزخرفية الطاغية، سببه قوة الألوان المتضادة التي استعملها في لوحته.
على العكس من ذلك، تأتي لوحة (القدس) للفنان توفيق عبد العلا التي اختزلها بجامع ومئذنة وخلفية رمزية مؤلفة من مساحة لونية زهرية، وتقطيعات هندسية صفراء، ومن هذين اللونين: الزهري والأصفر ومشتقاتهما، بنى عمار اللوحة البسيطة التي قاربت أسلوبيتها رسوم الأطفال والبدائيين.
وقام الفنان بشير السنوار بالربط بين الحصان ـ الرمز التي تطوق عنقه الكوفية الفلسطينية ويقف شاخصاً إلى قبة الصخرة، فوق تله مواجهة، ولسان حالة يقول: إن الحق باقٍ والأصالة مترسخة، وشمس الحرية والتحرير، قادمة لا محالة.
النحت وجذور المشكلة.
كغيره من أجناس الفن التشكيلي، تصدى فن النحت العربي، للجرح الفلسطيني، بأكثر من شكل وصيغة، ومن أكثر من زاوية فكرية، أو رؤية مضمونية، وفقاً لخصائصه وتقاناته التي تفرض على النحات حلولاً وصياغات وأساليب تختلف عن باقي وسائل التعبير البصري الأخرى. ففن النحت محكوم بجملة من القوانين العلمية، والأسس الوضعية والتقانية، المتعلقة بمواده وخاماته وعلاقته ككتلة في الفراغ المحيط، وحركته المعبرة في هذا الفراغ، ومحافظته على توازن هذه الكتلة واستقرارها رغم حركتها التي يجب أن تطول واجهات المنحوتة كافة.
لقد حاول النحات العربي عموماً، والفلسطيني خصوصاً، تجسيد القضية الفلسطينية في أعماله النحتية الحجرية أو النصبية، والمجسمة أو النافرة، ومن زاويات ورؤى مختلفة. فبعض التجارب، أخذتها بشكل مباشر مصورة المتصدين للعدو الصهيوني، أو الذين سقطوا وهم يؤدون هذه المهمة النبيلة. أو قامت بالتأكيد على حق الشعب العربي الفلسطيني بأرضه ومستقبله، وبعضها الآخر، ضرب بعيداً في الجذور البعيدة لهذه المشكلة، بينةً المفاصل التاريخية الرئيسة للصراع القديم ــ الجديد، بين شعبنا العربي والغرباء الطامعين بأرضه وتراثه مستقبله، بدءاً باليهود المسكونين بنزعة التطرف والتعصب والتفوق والقتل والتدمير، وانتهاءً بالصليبية المتعددة الأشكال والأجناس، وصولاً إلى الصهيونية الطامعة بالأرض والثروة والمستقبل. إن النحاتين الذين تصدوا للقضية الفلسطينية، الفنان الفلسطيني مصطفى الحلاج الذي درس فن النحت أكاديمياً في القاهرة ثم تحول كلياً إلى الرسم والتصوير، ومن ثم استقر بشكل نهائي مع الحفر المطبوع. والنحات الفلسطيني زكي سلام الذي أوقف معظم نتاجاته النحتية لقضية شعبه، والفنان الفطري عبد الحي مسلم... وغيرهم الكثير.
ومن التجارب النحتية اللافتة، التي تغلغلت في جذور المشكلة الفلسطينية، وحاولت تجسيدها والتعبير عنها تجربة النحات السوري عبد الله السيد، لاسيما في عملية البارزين(نصب صلاح الدين الأيوبي) الرابض أمام قلعة دمشق، وعمله المنفذ الحجر البرزاوي الوردي (راهوم جنين)، وراهوم هي أميرة سريانية من نجران، قضت في اضطهاد اليهود لمسيحي الجزيرة العربية قبل الإسلام، حيث أهينت ثم ذبحت حفيدتها فوق فمها، قبل أن تلقى هي نفسها ذات المصير.
في هذا العمل المؤلف من (راهوم) و(حفيدتها) ضمن كتلة نحتية متماسكة وشبه كروية، ربط النحات السيد بين الحدث التاريخي المتمثل براهوم، وبين الحدث المعاصر المتمثل بمخيم جنين الذي دمره الصهاينة فوق رؤوس ساكنيه، دون التمييز بين مقاوم وطفل وامرأة وشيخ، ما يؤكد أن الحقد الصهيوني لم يتغير ولم يتبدل، منذ ذلك التاريخ الموغل في القدم وحتى يومنا هذا، وفي ذلك إشارة إلى تأصله في الصهاينة، وتحوله، إلى جزء لا يتجزأ من بنيتهم النفسية والفيزيولوجية.
قدم النحات السيد عمله هذا، بلغة واقعية تعبيرية مبسطة قادرة على وضع المتلقي في جو الجدث التاريخي المستعاد والمسقط على الحدث المعاصر، وبتكوين مغلق وقوي ومتماسك، ترتد فيه الخطوط المنحنية، المساحات المستديرة، إلى بعضها البعض، ما يعكس بقوة، درامية الحدث وشفافيته، رغم التعبير المأساوي، والخوف الكير الذي أودعه النحات عيون راهوم، وحركة أيديها القابضة على حفيدتها لتجعلها جزاً لا يتجزأ منها، وفي ذلك إشارة إلى المصير الواحد الذي لاقته، والتماهي البعيد الدلالة والرمز الذي أراد النحات السيد إيصاله إلى المتلقي، من أجل عكس الحالة المعاصرة والتعبير عنها بعمق، رغم الاختزال الشديد الذي اعتمده في صوغ العمل وإخراجه، ومن هنا تحديداً تأتي أهمية اللغة النحتية التي يتعامل معها النحات السيد، والدراسة المسبقة العميقة التي تسبق قيامه بتحقيق هذه اللغة في عملٍ فراغيٍ مجسمٍ أو نافرٍ.
* ناقدة وفنانة تشكيلية