المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تجليات المأساة الأرمنيّة في الفن التشكيلي عن جريدة الحياة



سلام قوال
01-05-2016, 21:42
http://artinvestment.ru/content/download/articles/20100127_arshile_gorky_scent_of_apricots_in_fields .jpghttp://www.alhayat.com/getattachment/2ad1f205-485d-486c-9886-baf955eb6543/تجليات المأساة الأرمنيّة في الفن التشكيلي
لوحة للرسام الأرمني يوسف غولسريان
A+a-PrintEmailتعليق (0)
النسخة: الورقية - دولي الأحد، ٧ يونيو/ حزيران ٢٠١٥ (٠١:٠٠ - بتوقيت غرينتش)
آخر تحديث: الأحد، ٧ يونيو/ حزيران ٢٠١٥ (٠١:٠٠ - بتوقيت غرينتش) بيروت - مهى سلطان
تــــحيـــلنا الاستعادة البانورامية لتجارب الفن الأرمني، على قدرات شعب عاش أهوال المذابح والمجازر والهجرات وبؤس الشتات، وتمكّن من خلال مواهب هذا الشعب الكادح من فرض وجوده في مسيرة تحولات الحداثة الفنية في بلدان المشرق والمغرب العربي وفي أوروبا وأميركا. هذا ما نستشفّه على الأقل، خلال زيارتنا معرض ولادة شعب (1915 - 2015) في مركز بيروت للمعارض. كما لو أن الفن التشكيلي الأرمني خلال القرن العشرين، قد استمدّ مقوماته الواقعية والفطرية والكاريكاتورية والتعبيرية والسوريالية والخيالية والتجريدية من رائحة التاريخ، أي من الألم والأسى والصرخة التي تنطلق من قلب جريح عرف معنى الإبادة.
على مدخل المعرض، عُلّق ملصق للفنان الأرمني العالمي أرشيل غوركي، الذي هاجر إلى أميركا وأرسى ركائز التعبيرية التجريدية الأميركية وعبارة تقول: «تكاد تكون معجزة أرمينيا أنها على جانب كبير من الجمال، وأنها أعطت الكثير من الرسامين، ولكن الغريب أن معظمهم غير معروف خارج وطننا الأم». وعلى بعد خطوات، عُلقت لوحات الفنان إيفان إيفازفسكي الكلاسيكية، التي روت مشهداً من أهوال المجازر التي مارسها الأتراك، والتي صوّرت فاجعة رمي ضحايا الأرمن في البحر.
لم يستطع الفنان الأرمني تجاوز صدمة حكايات المجازر التي رواها الآباء والأجداد، بل اندمج في ثنايا رؤى شرارات طاقاتها التعبيرية، في محاولة لتصوير مناخات تداعياتها في مراحل الهجرات والعيش في بؤس المخيمات والمرافئ المفتوحة على أسفار بلا عودة. لذا نرى مواضيع الأرض وبيوت يارافان وجبل أرارات، وجذور الارتباط بالعائلة والأمومة المعذبة، والوجوه البائسة والعمال والموسيقيين وحلم السفر، والصرخة النابعة من عواطف جياشة، واليد التي تحمل وردة كما لو أنها تحمل أقداراً لولادات جديدة. وهي جميعها تحمل اتجاهات الفن الأرمني الحديث في توقه إلى الحرية.
كشف المعرض عن اتجاهات الحداثة في الفنون التشكيلية الأرمنية، وتحوّل النظرة من دلالات التعبير المثالي اللاهوتي عن نشيد صوفي مسيحي يدمج ما بين طراوة روح الشرق (في فلسفة جماليات الاختصار والتسطيح التجريدي البليغ) إلى الارتحال نحو وجهات التيارات الفنية الغربية المختلفة، التي ساهمت في ولادة تيارات جديدة جسّدت في بعض جوانبها رغبات التغلّب على مرارة المنافي والتعبير عن أحلام الحياة في أوطان جديدة، وكان من أبرز الأمثلة أن الحداثة الباريسية قامت على عاتق فنانين مهاجرين (ميرو، شاغال، بيكاسو موديلياني، هارتونغ، إرنست...) كانوا مدعاة لولادة تعبير مدرسة باريس. وكثر هم الفنانون الأرمن الذي تركوا لبنان وعاشوا في كنف تلك الحداثة الباريسية، في طليعتهم كارزو وشارت ونوريكيان وأسادور بزديكيان الذي عُرف كواحد من أبرز المجدّدين في الفنون الطباعية.
اللافت، أن العديد من الفنانين الأرمن ساهموا في بلورة جدلية الفكر المستقبلي للحداثة، على اعتبار أن الفكر في عمق أعماقه هو حوار. لذا اهتدوا والتقطوا في تجاربهم، معالم التعبيرية المتحررة التي لامست ولادة ينابيع الاتجاهات الجديدة، وذلك خلال تنقيبهم عن ترنيمات عطور تكسير الأشكال وعوالم واقع الفوضى والعدم وهندسة ما بعد الخراب: اتجاهات ما بعد التكعيبية الى التعبيرية المأسوية (على وجه الخصوص يوروز وآرار آزاد)، التعبيرية العاطفية (بول غيراغوسيان، زافين هديشيان وترجان)، الغرائبية (كامو نيغاريان)، الخيال التجريدي (غوفدير وجورج غوف أرتاش هونانيان)، السوريالية الفانتازية (رافي توكاتاليان، أراميان وأباجيان) والمناخات الشرقية (هرير، أفيديسيان وغابو).
لا أدري إذا كان بالإمكان الحديث عن الفن الأرمني داخل أرمينيا وخارجها، وتحليل أبعاد مصطلحَي الموطن الثاني والوطن الأم في معرض اتخذ عنواناً له «ولادة شعب»، لأن زائر المعرض يكشف مدى الحضور الإنساني العميق الصارخ بالألوان، والمتنوّع الينابيع والشتات، في استعراض إنجازات الفنانين الأرمن الذين استوطنوا بلداناً مثل سوريا ولبنان وفلسطين ومصر وفرنسا وإيطاليا وأميركا، مقارنة بأعمال الفنانين الذين آثروا البقاء والعمل في موطنهم الرئيسي أرمينيا. فالفنانون الذين رسموا معاناة الهجرات الخارجية، يختلفون في توجهاتهم التعبيرية عن الفنانين الذين عانوا من هجرات داخلية وآثروا البقاء في أرمينيا. في الهجرات الخارجية، نلمس مفاهيم جمالية لثقافة الحقائق الجديدة للذكريات وشاعرية الحنين الى الماضي القريب، بينما نرى لدى الفريق الآخر إشادة بمناخات روائية شعبية ذات أنماط خيالية وسوريالية، تعبّر عن مفاهيم الاستكشاف الشاعري لرموز اللامكان واللازمان في دلالات المدن والساحات الأسطورية، وتجسيدها في أوضاع استثنائية تربط الأحلام بألغاز واقع لا مقابل له في الحقيقة.
من ذهب الأيقونات ومعاطف الأمومة الحمراء وزخارف الشرق وتخاريم الأمكنة القصية في الذاكرة، تأتينا «ولادة شعب»، على أنها ولادة فنية مشتّتة في أصقاع الأرض، ومندمجة في ثقافات الأمم تحت شعار كل ما هو إنساني وعميق وإبداعي.