المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من اوراق الفنان التشكيلي خالد الجادر عن مجلة سطو .محمد رفاعي



سلام قوال
02-12-2016, 21:30
http://www.sutuur.com/images/resized/images/stories/mobd3oon/kald_333_250.jpgمن اعمال خالد الجادر محمد الرفاعي
رسام عراقي
1924ـ 1988
الفنان الجادر ليس اول مبدع يترك لنا ابداعه ويرحل. الا انه من بين المبدعين القلائل الذين لهم دور ريادي كبير في الحركة التشكيلية في العراق والعالم العربي. وهو ان كان يعمل بصمت من خلال الألم والمرض، الا ان صمته كان ابلغ من كل الضجيج الذي يتعالى هنا وهناك، فالمبدع الحقيقي هو من لا يرتدي ثياب المهرجين، وقد كان خالد مبدعاً حقيقياً.
خالد الجادر مجموعة من الثقافات الآنية، والتراثية، والتاريخية والأدبية والموسيقية، فقد ولد في بغداد، وتخرج في معهد الفنون الجميلة فحصل على دبلوم المعهد في فن الرسم، وتخرج في كلية الحقوق،جامعة بغداد فحصل على شهادة البكالوريوس، ثم أرسل الى باريس لدراسة الفن في بعثة للحكومة العراقية.
عاد الى بغداد بعد خمس سنوات وقام بتدريس الرسم وتاريخ الفن في كلية الملكة عالية، ثم عين في معهد الفنون الجميلة في بغداد، ليعين بعد ذلك عميداً لأكاديمية الفنون الجميلة عند تأسيسها عام 1961 .
شغل خالد الجادر رئاسة اللجنة الوطنية للفنون التشكيلية التابعة للرابطة الدولية للفنون التشكيلية في منظمة اليونسكو، وأسس جمعية الفنانين العراقيين وانتخب رئيساً لعدة فترات، كما أسس الفرقة السيمفونية العراقية، واختير نقيباً للفنانين العراقيين عند قيام النقابة، ثم اختير لمنصب الأمين العام لاتحاد الفنانين العرب.
هذه بضعة من أوراق الفنان د. خالد الجادر تؤشر على الطريق الذي قطعه الفنان الراحل، في مواجهة حياة تحفل بالمعاناة الصادقة، لشاب عراقي يحمل بين جوانحه ذلك ألتوق الرائع، لوطن كان مستعبداً، حتى إذا غادره إلى تلك المدينة الساحرة ((باريس)) طالباً في مدارس الفن الأوربي العريق، أدرك بشعور حقيقي، أن تلك ليست مدينته، وأن مدنه هي تلك القرى المتناثرة في شمال وطنه البعيد، أو المتلاصقة بين أهوار الجنوب.
تلك كانت رحلة خالد الجادر الفنية .. وتلك أيضاً كانت تجربته مع العالم ومع نفسه، والتي تمخضت عن فنان مبدع عاش لفنه ولشعبه.
في هذه الأوراق تكمن بعض أسرار خالد الصادقة والعميقة، وفيها أيضاً يتمثل هاجسه الواعي، التي تحول فيما بعد إلى أنتساب رائع لفنه وموقفه الفكري الإنساني العميق .
((في السنة النهائية من الحقوق 1947، وبعد حصولي على دبلوم الفنون، وقبيل الامتحان بنيفٍ وشهر، كنت أبني آمالي بمعول المتفائل، وأنظر إلى المستقبل بعين الرضا والاطمئنان ...
وانطوت الأيام، ولم يبق من الحقوق إلا النتائج التي كنت أترقبها لتكون الحد الفاصل بين الدراسة والعمل.
ونلت الشهادة، ودخلت آفاقاً جديدة تتنافى مع ما ذهبت إليه أثناء حياتي الدراسية، فالمجتمع حافل بالمظاهر الخادعة والعلاقات بين الناس مبنية على الطمع والمنفعة المحضة المتبادلة فلا اعتبار لشهادةٍ أو علمٍ وفن، وإنما العبرة بما تتمتع به من سطوة ونفوذ لدى المراجع العليا، أو بما لك من علاقةٍ بالأشخاص ذوي المكانة ...
بقيت مثابراً على المحاماة، وكنت حائزاً فيها على قصب السبق بين من تخرج معي، وتمكنت خلال أشهر قلائل من أن أكوّن لي مركزاً لا بأس به مع نخبه المحامين، إلا أن المادة كانت تعوزني، حتى أني لم أفتح مكتباً أو أعلاناً حول اشتغالي بالمحاماة وهناك من كان يترقب تخرجي بفارغ الصبر، يجب أن أرضيهم وأرضي نفسي. فطرقت باب الوظائف، وقدمت طلباً إلى لجنة الحكام والقضاة في وزارة العدلية التي أشتغلت في دوائرها ثلاثة أعوامٍ بعد رجوعي من الجامعة السورية. ألا أن الوظائف كانت وقفاً على أصحاب رؤوس.
الأموال وأبناء الذهب وأولاد الذوات، فنفذت الوظائف المرموقة عن طريق البيع بالمزاد والوساطة، وبت أعارك الحياة متأبطاً شهادتي، ومتمنطقاً بما أملكه من كلمات حصلت عليها من دراستي القصيرة العملية بعد التخرج.
أنجلى الغشاء الكثيف الذي كان يحجبني، وبت أحصي ما يعترضني من وقائع شاذة وأوضاع غريبة، فبان لي هذا المجتمع المتفسخ الذي يصعب عليَّ الحياة فيه.
فما العمل إذاً ؟
لقد عرضوا عليَّ وظائف هي دون درجتي، وعرضوا وظائف أخرى كبيرة على من كان بالأمس معي في صف واحد، وقد خرج من الكلية خروجاً يتنافى مع العدل والمصلحة العامة. أنه لا يتكافأ معي في كل شيء، لا في الدرجات ولا في الثقافة العامة أو الحقوقية، فكيف أرضخ لعملٍ شاقٍ كهذا، وأتخذ لنفسي وظيفة هي حقي المشروع ؟
ولكن هي الحقائق، هو المجتمع الذي أعيش فيه، فلا حياة لأمثالي ممن لا يتحصنون بدروع المظاهر والحياة.
وأعلنت وزارة المعارف عن عزمها على إرسال بعثةٍ فنيةٍ إلى فرنسا، قدمت إليها، وكنت الأول بين المقدمين، ألا أنني لم أراجع المعارف، ولم أحضر مجلس المقابلة رغم علمي به لأن رغبتي بالسفر كانت تنازعها عقبات هي في غاية الأهمية والخطورة. فكنت أقضي أوقاتي متردداً بين السفر وعدمه.
سأسافر إلى باريس، وسأبقى أمداً طويلاً فيها، وأشبع غريزتي، وأنمي ملكتي الفنية، وقد أكون رساماً حقاً، ولكن هناك أهلي، أخوتي الذين أحسب حسابهم في كل عملٍ أو تصرفٍ أقوم به، أنني لا أعيش كخالدٍ منفرد، أنني أحيا وكأنهم قطعة مني، فكيف بي أتركهم خمس سنوات؟ أنهم في أشد الحاجة إلى توجيهي ومساعدتي، أنهم يمرون بأحرج دورٍ في حياتهم، فأن تركتهم، تركت سفينتي بلا قائد، تتنازعها العواصف، وتلاطمها الأمواج، وقد تكون النهاية مؤلمة. فوجودي إذاً أمر لا بد منه، لأساعد من يحتاج، وأقوم المعوج من الأمور، وأرشد إلى الصواب.
ولكني أعود إلى تخيلاتي، ويملك الرسم مشاعري وأشعر بالخيبة أن أهملت البعثة الحكومية والسنوات الخمس التي سأقضيها في بلد متنقلاً في أرجاء أوربا. وقد أحصل على شهادة الدكتوراه في القانون، أو العلوم السياسية، فتكون لي عوناً عند رجوعي أستفيد منها في شتى ضروب الوظائف. وخصوصاً وأني محتاج لمثل هذه المدة لأتم مشاكلي البيتية كبناء الدار، وإقناع والدي وغيرها من )
ضروريات الأمور. ثم هناك مشروع قانون جديد، الغرض منه ترفيه حالة المدرسين، وإعطائهم راتب كامل، ومنحة، إذا أرادوا السفر إلى الخارج لدراسة أي فرع يرومونه. وعلمت بأن اللائحة ستقدم إلى البرلمان حال انعقاد دورته الثانية. ولهذه الأسباب لجأت إلى الوظيفة في المعارف واتخذتها واسطة تعينني على زيادة الراتب في بعثة الرسم، أو دراسة الدكتوراه ورفض البعثة الحكومية إذا صادق البرلمان على اللائحة.
وبدأت في تنفيذ خطتي التي سأسير عليها، وذهبت إلى دار المعلمين العالية، وأقنعت عميدها بترشيحي إلى منصب محاضر في الكلية فوافق ثم وافقت المعارف بعد أستمزاج رأي كلية الحقوق ومعهد الفنون، فصدر الأمر بتاريخ 14/10/1948.
ألا أنني على مزاعمي، وأنفي أوهامي إذ أصطدم بعقبةٍ أخرى، وهي أني سأعود، وسأعود مدرساً للرسم في مدارس بغداد. أبيت أم رضيت، وسأكون في مركز يمكنني التمتع بأحسن منه الآن وبالراتب نفسه الذي سأتقاضاه بعد عودتي من باريس.
ولكن سفري إلى باريس يحدوه الأمل بأن أصبح رساماً لا أن أتقاضى راتباً يزيد أو ينقص عن راتبي الحالي، فالحياة واحدة يجب أن أحصل خلالها على أوفر قسطٍ من الحرية دون أن أعباء بمركزٍ أو مادة.
أنني شخص طُبِعَ على عدم الرضوخ لرئيس، إنسان جُبِلَ على الانطلاق وعدم التقيد بقيود المجتمع، فكيف أنثني عن دستوري وأعيش في جحيم الوظائف.
باريس ... أنها تدعوك يا هذا ! فلبي الدعوة !
باريس ... مدينة الحرية ووحي الفن.
باريس ... أم الثورات والمدنية، كعبة العالم ومهبط العباقرة.
وبقي عليِّ أمر واحد تمهيدي للبعثة، وهو الوظيفة، فتطلعت إلى الوظائف الشاغرة، فلم أر أجدى من التدريس في معهد الفنون الجميلة، وليس هناك من هو أكفأ مني لهذا المنصب، ولكن هناك عقبة واحدة يجب تذليلها وهي فائق حسن، إذ سكون رأيه الفصل عند مدير الإدارة الإنكليزي الجنسية.
واجهت الأمر الواقع بشجاعة، وأصبحت لا أعجب بما يصادفني من أوضاع شاذة ووقائع دنيئة في هذا المجتمع الفاسد، وذهبت إلى المعارف وانتخبت لي وظيفة مدرسٍ في ثانوية الأعظمية، وصدر القرار بتعييني مدرساً ومحاضراً فيها بتاريخ 27/11/1947.
والآن ... أنني أمر بأقسى دورٍ مضى عليَّ في حياتي، تارة أرجح عملي وأحسب أن المجتمع الذي
سأعيش فيه سيتبدل، وأن المقاييس المطبقة على أوضاعنا الحاضرة ستنعدم وتزول، وسيحصل كل ذي حق على حقه. وأخرى أرجع عدم سفري وبقائي نظراً لحصولي على شهادتين عاليتين أتمتع بها وأصل المركز اللائق بي وأبقى جنب أهلي.
وهناك استحسان من بعض المتصلين بي يقابله استهجان من البعض الأخر حول سفري، وسأبقى فريسة للهم والقلق والتردد ريثما تنتهي المدة القانونية للتثبيت ويحين موعد السفر، ولا أدري ما تخبئه لي الأيام ولكني أقول أخيراً:
أنسيت باريس؟ تلك التي كنت متلهفاً إليها، تلك التي كانت تناديك فتنفر من الدرس، وتندم على سنين قضيتها غارقاً في هذيان القانون.
باريس ... تهب للقياك، وقد يبزغ نجمك، ستتعلم الفرنسية وتوسع ثقافتك العامة، وتطلع على العالم وما فيه من علوم ومعارف فضلاً عن الفن الذي ستتلقاه بصفةٍ أساسية.
أترجح سجن الدوائر الرسمية على أجواء فرنسا ؟
أنك باقٍ هنا في سبيل اكتناز المال والرغبة في جمعه! ولكنك ستكون كمن يجمعه في شبابه لينفقه على ملذاته في مستقبل الأيام، وحين يناله، يجد المشيب قد دبَّ إلى قلبه وجسمه فلا تعود لماله فائدة، لأن موكب الحياة قد بارحه، فيندم حين لا يجد الندم.
ألا أن باريس لم تخلق لمن سيعيش في عراقنا المظلم والبذور التي أعود بها لا تنبت ولا تنتج في أرضنا.
باريس ليست دائمة لي إذ سأعود منها وأقضي بقية عمري في حسرٍة وأسى بين قومٍ تكون العبقرية بينهم نقمة على صاحبها، ثم هناك زمرة الرسامين من زملائي أولئك الذين لا ترضيني سيرتهم، ولا تروقني روحهم الفنية وسأكون في تصادم مستمر مع أناس رعاع في مستوى رجل الشارع. ولكني سأكون بعيداً عنهم، ولا أختلط بهم، وسأنزوي في ركنٍ منعزلٍ من ضواحي بغداد، وسأستقر وأقضي بقية أيامي في أنتاج فني. وهب أنني عشت في بغداد فماً الذي أحصله في بيئةٍ لا تقيم لي وزناً ولا تحسب لأمثالي حساباً، أن التمثال الذي سأفني أيامي في نحته سيهدم وينقض على رأسي، سأكرس العمر هنا في تقويم مشاريعي ألا أنني أفني قبل أن أتم البداية.
وما هو موضوع شهادتي الحقوقية ؟ ولماذا حصلت عليها؟ وأفنيت زهرة العمر في اقتنائها .. أنني حصلت الشهادة في سبيل الثقافة العامة وفي وقتٍ لم تكن الحكومة قد شرعن في إرسال بعثةٍ إلى
الخارج أما الآن فإن بقيت في بغداد فسأخسر الرسم ولا أستفيد من الحقوق ألا الراتب فكيف بي لا أضحي بالحقوق!
كانت الأفكار السالفة تتقاذفني، وتهد أركاني فلم أشعر بقرار، ولم تهدأ لي ثورة، وأمسيت كجرمٍ صغير تتقاذفه قوى هائلة لا إرادة له بوقفها أو تتغير اتجاهها، فطوراً أصمم على البعثة، وأصل المعارف، ألا أنني أرتد على عقبي، وأعود أدرجي، وتتغلب عوامل عدم السفر على السفر.
وفي هذا الأثناء أعلنت وزارة الخارجية عن بعثةٍ للعلوم السياسية، ففرحت بها، وانتشيت بعد ذاك الذبول، أسرعت إلى الدوائر أجمع أوراقي لأقدمها ولكن مقابلة الرسم انتهت ولا سبيل إلى قبولي.
هنا ستتجلى مقدرتك وتتبين قوة عزيمتك ومضاءك، عليك يتوقف إقناع الأمر، مدة، قانون، قرار ... كلها كلمات غير موجودة في قاموس حكومتك ... وهكذا سرت إلى المعارف وبينت لذوي النفوذ بأحقيتي بالبعثة منذ مدةٍ طويلة وعرضت عليهم تضحيتي بشهادة الحقوق في سبيل الفن الذي شغفت به، فحددوا لي اليوم للمقابلة..
فقابلت، ونجحت، وبقى على السفر.
ألا أن مدير البعثات أخبرني بأن من المفيد جداً أن أتعين في وظيفة مدرس للرسم وأكتسب بذلك خدمة سنة واحدة، ثم أثَبَّت فتكون لي ما يسمونه (ممارسة مهنة) أي الرجوع من البعثة براتب يزيد على راتب الشهادة الفنية أي براتب ثلاثون ديناراً. فوجدت بأن العرض وجيهاً وكلي أمل بالقبول! إذ استوفيت الشروط الشكلية وهي كتاب توصيةٍ من رئيس مجلس النواب، والشروط القانونية وهي عراقيتي ودرجاتي ومقابلتي، فضلاً عن دبلوم الفنون.
ولكن النتائج ظهرت وهي خالية من أسمي، ثم ألغيت البعثة بناءً على قرار وزارة المعارف القاضي ((بأن الطلاب المقبولين لا يتمتعون بدرجات عالية تؤهلهم السفر على نفقة الحكومة)).
وهكذا كان سلوك الوزير الشائن وغلوه في ارتكاب متن الشطط الباطل سبباً في حركاني وأخواني ذوي الدرجات العالية من البعثة.
أغلقت الأبواب في وجهي، فعدم قبولٍ في العدلية والخارجية، وبات من العبث الحصول على وظيفةٍ تريحني وترضي طموحي، وبقيت محامياً أنتظر ركود هذه الثورة العاتية الناتجة عن عدم الاستقرار النفسي.
فوضع البلد كله مبني على ارتباط المصالح نتيجة لطغيان الاستعمار ومروجيه في البلاد، فكيف
السبيل إلى تقرير مستقبل؟ وما هو الطريق الذي سأسلكه بعد هذا؟ لم يبق أمامي ألا أمر واحد ... مستقبل واحد ... هو باريس.
كفى التردد يا هذا، امضِ في طريقك، أن لك عقل يميز بين الخير والشر، يفرق بين الصالح والطالح، بين الظلمة والضياء.
امضِ ولا تحفل بعقبات واهم، وترمي أيامك في بلدٍ قفزٍ لا يحوي من مبادئ الإنسانية شيئاً. لا تدع الفرصة تفوتك ثانيةً، ولا تجعل الأمل يعبث بك، واليأس ينشب إظفاره فيك.
أنت في مفترق الطرق، أنت أمام الحياة والموت. فلا تنتخب لنفسك طريق بغداد الشائك، طريق الانتحار البطيء، فسيفلت منك الفن، وتمتد إليك علة التسكع، وتقضي عمرك متهالكاً متخاذلاً سرعان ما يدب السقم فيك ويقضي عليك.
تأخرت مقابلة البعض الذي كنت منه، ودخلت أسماء ضمن قائمة الطلبات بأمر الوزير، وحدد يوم آخر للمقابلة، ثم أُجِلَ إلى الغد وأُجل أخرى، فعلمت أن الوساطة لعبت دورها وستضرب الدرجات عرض الحائط وسيكون الفائز من تمكن من التأثير على الوزير، فحاولت وتشبثت فحصلت على كتابٍ أسرعت في تقديمه إلى غرفة الوزير.
ودخلت المقابلة، وعلم الوزير من أحد أعضاء الهيئة بأني حاصل على دبلوم الفنون فضلاً عن تفوقي في الحقوق فسألني عن اختصاصي الفني، فإجابته الرسم، فهبت لجنة المقابلة بالثناء علي، وقرروا بالإجماع بأن شهادتي الفنية ميزة عظمى تفيدني في حياتي السياسية، ولاحظ الوزير في قائمة درجاتي على 98% في علم النفس فكانت ميزة أخرى، ثم ناولني صحيفة التايمز فقرأت نتفاً منها وسُئِلت أربعة كلمات أجبت منها ثلاثة، وأمِرت بالانصراف. أنني سأُقبل حتماً، ولا مجال للشك في قبولي، أما كانت شروط البعثة أن يكون الطالب متفوقاً بالدرجة؟ وها أنا ذا الثاني من أثنى عشر محامٍ سينتخبونهم، وانتهت مدة تقديم العرائض ونحن ثلاثة عشر، ألا أن الطلبات استمرت بعد مضي المدة القانونية بناءً على أمر الوزير وأربت على الثلاثين، ومع هذا فما زلت محافظاً على مركزي ومن المتفوقين بين جماعتي، وبات ترشيحي للبعثة في حكم المقرر لا تعوزه ألا الموافقة والتصديق الرسمي.
ألا أنني فوجئت بوجود مقابلةٍ حُدِدَ لها يوم معين وما المقابلة ألا ستار تلعب وراءه الأيدي الأثيمة لتكسب الباطل صفة الحق، وباب خبيثة يسلكها ضعفاء المقدرة والتحصيل أقوياء الجاه والوساطة، ليسلبوا حقوق من هم أعلى شأناً منهم، ويسرقوا مراكز غيرهم التي حاولوا الحصول عليها، وكم سهروا الليالي، وقاسوا مرارة الحرمان في وقتٍ قضاه غيرهم غريقاً في أوحال الرذائل والموبقات مطمئن البال، إذ سيحصل على الشهادة بأي طريق، وينتخب ما يروق له من الوظائف.