المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خدر – لياس دراسة – مقارنة في الاديان(*) كامل خوديدا



bahzani.4
02-15-2016, 19:06
خدر – لياس

دراسة – مقارنة

في الاديان(*)

كامل خوديدا

Kamillalish@yahoo.com (https://mail.google.com/mail/u/0/h/19agj6qvz7y08/?&cs=wh&v=b&to=Kamillalish@yahoo.com)

تمهيد/

البحث ودراسة الشخصية الاسطورية (خدر- لياس) عبر التاريخ وفق ميثولوجيا الشعوب والاديان المهتمة بهذه الشخصية ليس سهلا وبسيطا ويحتاج الى الكثير من الجهد والمزيد من المطالعات فى بطون الكتب التاريخية والدينية المختلفة.

ولقلة المصادر والبحوث المختصة بهذه الشخصية ، لا نعرف بالضبط مكان وزمان ظهور (خدر- لياس) ،وهل ان (خدر- لياس) اسم مركب ام لا ؟ او ان (لياس) هو والد (خدر) ، وان لم يكن كذلك ما هى اوجه الترابط بينهما ولماذا مرادفان للبعض !؟

والشىء الملفت للنظر هو ان ذكر هذه الشخصية وممارسة بعض الطقوس الخاصة بهما مشترك فى الايزدية والمسيحية والاسلام وتاثيرها واضح ايضا" في الكثير من الاديان وشعوب العالم الاخرى ، هذا ما دفعني الى البحث في هذا الموضوع ومحاولة فك اللغز والوصول الى جذور هذه الشخصية فى مختلف الاديان .فعسى ان اكون قد طرقت بابا" مهما" في مجال التراث والادب الديني القديم .



المقدمة /

(خدر - لياس ) من الشخصيات الاسطورية المعروفة ذو الدور البارز فى المجتمع البشري والمذكور في الاديان باسماء واشكال مختلفة ، حيث تجري طقوس ومراسيم دينية مختلفة فى مواسم وأعياد (خدر - لياس ) خاصة عند الايزدية والمسيحية والمرتبطة ارتباطا" وثيقا" بالحياة الزراعية و الرعوية ، وان لهذه الاعياد طابع دينى مميز عن بقية الاعياد التى تمارس فى تلك الاديان .

وعلى الرغم من اختلاف اسماء هذه الشخصية في الاديان وبين شعوب العالم والامم وكذلك في الكتب التاريخية والكتب المقدسة وفي الحكايات والاساطير ،الا ان اغلبها تتفق على انه ذو صفات مشتركة ، حيث كان في بداية الامر وفي المعتقدات الدينية القديمة يمثل اله المطر والزراعة وتغير الاسم بمرور الزمن الى ان اصبح يسمى عند العرب ب (الخضر الحى ) ، اما الاكراد المسلمون فيسمونه ( خدر زه نده )(1)، والمسيحيون واليهود يسمونه النبي (ايليا )، والايزديون يسمونه (خدر - لياس ) و (خدرنه بى) ، اما الهنود المسلمون فيسمونه (خواجه خضر )(2) .

ولشهرة هذه الشخصية ومكانتها الكبيرة لدى الشعوب لم يستطع الزمان الغاء دوره والتقليل من مكانته ، لذا نلاحظ تسمياته على الكثير من الاماكن والمناطق وبالاخص في الاديرة والجوامع والكثير من المقامات والمزارات وحتى على اسماء الناس خاصة في منطقة الشرق الاوسط .



(خدر – لياس ) فى السومرية والبابلية



لوحاولنا الخوض فى دهاليز التأريخ وتصفحنا في ثنايا أوراقها لوجدنا ان الحضارة التى يفتخربها العرب الان والتى تسمى بحضارة وادى الرافدين قد بدأت فى كوردستان والتى تمتد الى جذور موغلة في القدم .هذا ما أكده الكثير من الاثاريين والمنقبين الذين أوجدوا اثار استيطان الانسان الاول في كوردستان وبالضبط في كهف ( شانه ده ر) في محافظة اربيل (3) ذلك الكهف الذى أصبح موطأ قدم للوصول الى مراحل الزراعة وسير الحضارة وتطورها.

ومن ناحية الدين والعبادة وكما يقول ( شارل ديوبيوى ) (4) ان عبادة الطبيعة في الكهوف كانت الديانة البدائية الفطرية العاملة والشاملة سواء" في العالم القديم او الجديد ، وان جميع الهة الاديان القديمة وليس فقط الااهة بل حتى الابطال الاسطوريين وابطال الملاحم ما كانوا سوى تجسيد للشمس والقمر والظواهر السماوية الاخرى.

ولكى يستطيع الانسان العيش وتحدى الظروف الطبيعية القاسية ( فى تلك الفترة) ، عبر عن افكاره ومعتقداته بشأن مظاهر الكون والخليقة ودورة الطبيعة فآمن بالقوى الطبيعية التى تسبب فى خصب الارض ونمو النباتات عبر اقامة الطقوس والاعياد بشأنها .

فاصبح هذا الاعتقاد يسير بصورة اعتيادية جيلا" بعد جيل فاخذ ياخذ طابعا" دينيا" يشمل كافة الناس الذين تذوقوا طعم الحياة وفي مراحل متقدمة من عصر اكتشاف الزراعة. لذا فالعقيدة الدينية اكتسبها الانسان على سطح الارض منذ قديم الزمان وفي كل الاماكن التى عثر عليها المنقبون الاثريون على مواقع استيطان الانسان(5) . حيث اكد الكثير من الباحثين ان السومريين الذين نزحوا من المناطق الجبلية في كوردستان آمنوا بالقوى الطبيعية واتخذوا آلهة لها صفات خاصة . وتذكر بعض الاساطير السومرسة بان هناك العديد من الالهة المهمة والتى لعبت دورا" مهما" في العقائد الدينية القديمة مثل اله المطر ، لكون المطر ظاهرة طبيعية وذات فائدة عظيمة في الحياة الزراعية والمزروعات.

ومنذ عهد السومريين كان يسمى اله المطر باسم ( انليل ) ونسبوا اليه السيطرة على الجو وتحريك الرياح وسقوط المطر (6) .

اما الحيثيون فعبدوا الها" أخر للمطر والعواصف سموه بالالــه ( تشوب ) والذي كان عبادته منتشرة بين الحوريين (7).

وكان اله الجو والامطار عند الاموريين باسم ( ادد ) وباسم ( رمانو ) الخالق للصاعقة وباسم ( بعل ) ونتيجة لهذا التاثير تم بناء معبد للالــه ( ادد ) و ( بعل ) في مدينة بابل وبورسيبا ، وياتى ذكر مدينة كركوك كمركز لعبادة الاله ( ادد ) الــه الرعد والامطار في الكثير من المصادر الاشورية (8). وانتشرت هذه العبادة بصورة كبيرة حيث ورث الكنعانيون من الاموريين كثيرا من معتقداتهم الدينية من ضمنها الطقوس الخاصة بالالــه ( ادد ) و ( بعل) وبعدها تم نقل معظم هذه العبادات الى الاراميين والذي يسمى عندهم ايضا" ( ادد و ريمون ) الذى كان يمثل المبدأ المهم للتكاثر والذى يتجسد باله الاشجار والينابيع وايضا" يمثل العضو فى الجماعة الاصلية للالهة ( 9) .

وكان شعار ورمز الالــه ( ادد ) قد تم تصويره على انه واقفا" فوق ثور ويحمل بيده الفأس والبرق ويشبه فأسه الرمح المثلث والاسنان المقوسة وكانت احدى صفات الاله ( ادد ) هو معرفة المستقبل وايضا" لعب دورا" بارزا" فلى السحجر البابلى ( 10) ، وبقيت صفات الالــه ( ادد ) المرتبطة بالامطار ثابتة تقريبا" ولكن تغير الاسم بمرور الزمن الى ان اصبح يمثل ب ( ايليا ) – الياس في النهاية وارتبط مع ال ( خدر ) وقد ذكرت ذلك في موضع اخر من هذا البحث .

اما الجانب الاخر والمهم في المظاهر الطبيعية للحياة السومرية والبابلية والتى تركزت عليها عباداتها هو الــه الخصب والاراضى وما يتعلق به من زراعة وخضرة (11) ، حيث سمي اله الخصب باسم ( تموزى) والذى يمثل روح الزراعة (12).

وتذكر الاساطير والمصادر السمومرية والبابلية ان الالهة ( انانا – عشتار ) التى اصبحت زوجة للاله ( دموزى ) ( تموز ) قد عقد العزم ولسبب ما يزال غير واضح على القيام برحلة الى العالم السفلى اي عالم الاموات والذي كان تحت سيطرة اختها الكبرى ( ايرشكيجال ) (13) وكانت تجرى مواكب الحزن على الاله ( تموزى ) المتوفى وتقام مراسيم البكاء وتحمل فيها المشاعل (14) ، وفي ثلاثة ايام الاخيرة يجرى طقوس الاحتفال ويجرى خلالها عرض ودفن طقسي لدمية تمثل تموز المتوفي (15). وهو أمر اعتاد عليه الشعوب للتخيف من التوتر الذي يسيطر على مشاعر الالهة ( عشتار ) وذلك باطلاق العنان عليها في الحزن والبكاء ، حيث لاقى هذ الطقس أي ( دموزى ، تموزى ) انتشارا" واسعا" بين الشعوب الاخرى.

وبرز مفهوم الالــه ( تموز ) عبر النقوشات المكتشفة في المعابد منذ الالف السابع قبل الميلاد وفي رسم ( شتال حيوك) جنوب الاناضول ، واصبح ( تموز ) في الاسطورة النيوليتية ( عصر الزراعة ) الها" للقمح بشكل خاص بل كان القمح جسده وكان هو للقمح روحا" (16).

وصفات الاله تموز البابلي ابن الام الكبرى عشتار وكما اكد الكثير من الباحثين والصفات التى يتميز بها ( الخدر ) في الميثولوجيا الايزدية مشابه تماما" مع بعضها البعض ، حيث ان ( الخدر ) ليس الا استمرار فى الخيال الشعبى للاله الزراعى ( تموز ) والذي تتجدد صفاته في كل عام بالموت وبالبعث وهو مثله السيد الحى في كل زمان ومكان (17).

لذا فاستمرار الاهتمام بالامطار والزراعة في مختلف الشعوب التى كانت تاخذ طابعا" دينيا" عبر اقامة معضم الطقوس والمراسيم سنويا" اخذت اسمائها تتغير باستمرارالى ان استقرت في النهاية ب ( خدر – لياس ) أي الــه المطر والزراعة.



( خدر – لياس) فى اليهودية

في الكتاب المقدس ( التوراة ) لم يذكر لا اسم خدر ولا لياس كمرادفين والمذكور فقط هو اسم النبى ( ايليا ) والذى يسمى باليونانية الياس كما جاء فى سفر الملوك الاول (18).

حيث تصف التوراة النبي ( ايليا ) بانه من مستوطنى ( جلعاد) وانه رجل غريب ومجهول الاصل وان الله اختاره ليكون نبيا" عظيما" على اسرائيل في ايام الملك آخاب الذي حكم اسرائيل عام 875 ق . م (19).

وفي اعتقاد العبرانيين ان النبي ايليا ( لياس ) اقامه الله ليخلص البلاد من عبادة البعل وذلك عبر عدة معجزات اهمها استنزال المطر وكذلك اقامكة رجل ميت من القبر وبعدها صعود النبي ايليا الى السماء فى مركبة نارية تجرها خيول من نار وخلوده (20).

وكانت عبادة الاله ( تموز ) أي ( الخدر ) منتشرة بين العبرانيين وفي عهود متأخرة ، حيث ترد الاشارة الى الحزن على ( تموز ) فى العهد القديم بالقول ( ثم اتى الى مدخل باب بيت الرب الذي هو جهة الشمال فاذا بنساء جالسات يبكين على تموز ) (21).

فاذا لاحظنا العلاقات التى كانت سائدة آنذاك ما بين مملكة بابل واسرائيل نرى قيام ملك بابل نبوخذنصر ( بخت النصر ) كما يسمى في الايزدية باحتلال القدس مرتين وذلك في الاعوام ( 586 و 597 ) ق.م ، وجرى تدمير معبد القدس ونقل الكثير من اليهود الى بابل بما فيهم معظم الوجوه والكهنة كاسرى ( الاسر البابلى) (22). وترك الاسر البابلى تاثيرا" كبيرا" في فحوى المعتقدات اليهودية الدينية ، حيث نجد الكثير من الامثال والقصص والاشعار والشرائع الواردة في التوراة مستقاة من الادب الدينى البابلي القديم .

وبعد انتصار كورش الفارسي واحتلاله بابل سمح لليهود بالعودة الى ديارهم واعاد بناء بيت المقدس عام 538 ق.م (23) ، علما" انه في زمن الرومان حول الامبراطور ( هارديان ) مدينة اورشليم بعد ان استولى عليها ودمرها سنة 135(م) الى مستعمرة رومانية وبدل اسمها الى ( ايليا كبيتولينا ) حيث ان ايليا هو الاسم الاول ل ( هارديان ) ، ثم أعاد لها – قسطنطين – اسمها القديم اورشليم بعد اعتناق المسيحية (24) .



فمثلا"عيد الفصح الذي يجري حاليا" لدى اليهود فيه سمات واضحة مربوطة بالعبادة الزراعية والتي تمتد الى ايام السومرية والبابلية (25) ، على الرغم من المحاولات التى قام بها ملوك اسرائيل بازالة أدوات عبادة كافة الالهة الاخرى باستثناء الالــه ( يهوه ) خالق الكون من معبد القدس تم توقف الاحتفال بعيد الفصح خلال سنوات عديدة لكنه أعاد عيد الفصح القديم بشكل رسمي لعدم التمكن من السيطرة على الناس من ممارسة تلك الطقوس الدينية القديمة .

اذا" دخول العبادة الزراعية الى اليهودية وكذلك الدور البارز ل ( لياس – ايليا ) فيها وعلاقة ( تموز ) المذكور في التوراة بها ، لذا فلا يستبعد ان يكون عيد الفصح والذي يمارس لحد الان وعلاقته بالحياة الزراعية القديمة ، هو نفس العيد الذى يحتفل به عند الايزدية والمسيحية بذكرى ( خدر – لياس ) في شهر شباط الشرقي علما" ان عيد الفصح المقام عند اليهودية فى 14 نيسان على التقويم الشرقي . ومن المحتمل ان يكون تاثير ( خدر – لياس ) كبيرا" على اليهودية حيث نلاحظ وجود بلدة صغيرة غربي بيت لحم باسم ( الخضر) وفيها حصن للقديس ( ماركوركيس ) يسمى ب ( دير الخضر ) (26 ) .



(خدر – لياس ) فى المسيحية

في المسيحية نلاحظ تطور شخصية ( ايليا – لياس ) دون ال ( خدر ) ، حيث يعتقد بان النبي عيسى (ع) عندما كان مع بطرس ويوحنا يذهبون الى جبل التجلىي للصلاة، تجلت هيئة وجه السيد المسيح وصارت ثيابه بيضاء لماعة ، واذا برجلان يتحدثان معه وهم ( لياس وموسى ) وقد ظهرا بمجد وتكلما عن رحيل السيد المسيح الذى كان على وشك اتمامه فى اورشليم( 27 ).

حيث تبين من مضمون هذه القصة ان لياس هو ملاك ذو روح خالدة ظهر مع النبي موسى عند جبل التجلي ليبلغا النبي عيسى (ع) عن وقت رحيله ، وهذا ما يتطابق مع صفات (خدر – لياس) في الايزدية والذي يظهر مرات عديدة على هيئة ( درويش ) وخاصة في مواسم أعياد ( خدر – لياس ) .

وعلى الرغم من عدم وجود ذكر شخصية (الخدر) في الانجيل الا انه نلاحظ ان اسم (الخدر) مرتبط دائما" مع شخصية لياس في عيد خاص وله مراسيم وطقوس مميزة عند الكثير من المسيحيين وتشبه الى حد ما ما تمارس عند الايزدية ، حيث يسمى هذا العيد ايضا" ( باعوثا ننواى ) عند المسيحية . وتجري في هذا العيد طحن حبا ت القمح والشعير المقلية والتى تسمى بالسويق بواسطة البنات البكر ويعمل منه حلاوة خاصة (28) . وهذا العيد يقع في يوم الخميس بعد 21 يوما" من عيد الذنح (29) أي تقريبا" في 72/ ك2 من كل سنة ويتم الصوم ثلاثة ايام قبل العبد مباشرة .

بالاضافة الى هذا نلاحظ اسم ( خدر والياس ) يطلق على الكثير من المسيحيين وكذلك على بعض الاديرة والكنائس نخص بالذكر كنيسة خضر لياس في شمال شرق مدينة نمرود الاثرية في الموصل (30) والتي اخذت طابعا" شرقيا" في فن عمارتها مع امتلاكها نزعة واضحة لاقامة المحراب باتجاه بزوغ الشمس بالاضافة الى وجود نحت التنين ( الافعى ) على مداخل كنيسة ( خدر – لياس ) والذي يشبه تقريبا" نحت الحية القائم على معبد لالش ويشبه ايضا" المنحوتة الموجودة على بوابة العمادية (31) وبوابة قلعة حلب وبوابة الطلسم ببغداد (32) ، والجدير بالذكر ان أجراس الكنيسة تدعوا الاتباع ثلاث مرات في اليوم الى الصلاة عند شروق الشمس وعند الظهر وعند الغروب .

ولو نرجع الى الايام الاولى في العبادة المسيحية نلاحظ انها كانت في غاية البساطة ولم تكن هناك طقوس تقريبا" وان البساطة والسهولة بين الناس والطقوس غير المجزأة كونت الشروط الضرورية لتأمين نصر المسيحية على غيرها من العبادات وقد رأى ( انجلز ) (33) ان احدى الجوانب الثورية في المسيحية كانت في الغائها شكل الطقس الديني القديم الذي فرق الناس . وبمقدار انتماء اتباع الاديان الاخرى الى الجماعات المسيحية كان يجري ادخال عناصر مختلفة من الطقوس القديمة الى الدين الجديد (34) ، فمثلا" عيد الفصح انتقل الى المسيحية بدون أي تبديل تقريبا" والذي كان يمثل قربان الاله ( مثــرا ) ، وان هذا قد امتزج مع نفس عيد الفصح اليهودي القديم .



(خدر – لياس ) في الاسلام

ياتي ذكر النبي ( الياس) في القران الكريم في سورتين هما سورة الصافات وسورة الانعام بالشكل التالي ( وان الياس لمن المرسلين ، اذ قال لقومه الا تتقون ، أتدعون بعلا" وتذرون احسن الخالقين ، الله ربكم ورب آبائكم الاولين ....) وكذلك ( وزكريا ويحيى وعيسى والياس كل من الصالحين ، اسماعيل واليسع ويونس ولوطا" وكلا" فضلنا على العالمين ....) (35).

حيث نلاحظ في هاتين السورتين ياتي ذكر( لياس ) كنبي مثل النبي عيسى واسماعيل ويحيى وزكريا ولكن دون ذكر الافعال والصفات التي يتميز بها ( لياس).

اما ال (خدر ) فلن يأتي ذكره في القرآن الكريم ولكن مفسري القرآن يعتقدون بان القصة الواردة في سورة الكهف التي كانت تدور بين النبي موسى واحد العباد الصالحين كانت تدور بين النبي موسى والخضر(الخدر) وذلك باعتبار ان النبي موسىكان قد أعطاه الله من العلم دون غيره ، فقال موسى يا رب هل أتيت أحدا" من عبادك مثل ما أتيتني ، فاوحى الله اليه ان لي عبدا" اتيته من العلم ما لم ياتك به ، فقال موسى يا رب أسألك ان تجمعني به ، وبعد ان اجمع الله النبي موسى بالعبد الصالح ( الخدر) ، ( فوجد عبدا" من عبادنا آتيته رحمة من عندنا وعلمته من لدنا علـــما"....) (36) .



بدى من مضمون القصة ان ال( خدر) كان في درجة عالية من العلم والذكاء لم يصل اليها النبي موسى ، حيث كان النبي موسى معجبا" جدا" بافكار وافعال هذا العبد الصالح .



وفي اعتقادي ان (الخضر) في هذه القصة هو احد الملائكة أمره الله سبحانه وتعالى ان يجتمع بالنبي موسى لكي لا ياخذه الغرور والكبرياء أمام رب العالمين ولكي يكون النبي موسى على علم بان الله سبحانه وتعالى يستطيع ان يمنحه بما يشاء .

ان وجود الملاك على الارض على هيئة انسان ( درويش) لمهمة بعث به الرب أمر وارد في العقيدة الايزدية.

والاحتفال بعيد ( خدر – لياس) وممارسة طقوسه بصورة رسمية غير موجودة في الاسلام ، ولكن المسلمون في بعض المناطق يقومون باجراء مراسيم معينة ل ( خدر – لياس) كمنطقة الموصل ( تلعفر ، سنجار) وكذلك عند البعض من مسلمي الشيعة . وكانت تمارس طقوس عيد ( خدر-لياس) من قبل الاكراد المسلمين الى وقت ليس ببعيد .

كما نلاحظ ان تأثير (الخدر) قي الاسلام قد وصل الى حيث تكونت طريقة تسمى ب (الطريقة الخضرية) ، أصبحت لهذه الطريقة الكثير من الاتباع والمريدين أمثال ( سيد طه النعيمي وكذلك السيد علي ) من وادي الحجر في الموصل بالعراق (37) .

ومن الايام المستحبة لدى المسلمين الشيعة للامام المهدي هو يوم الاربعاء ، نفس اليوم المستحب لديهم عند ذكر عبدالله الصالح ( الياس) (38) .

وفي اعتقاد الكثير من المسلمين ان المكان الذي كان يجلس عليه ( الخدر) كان يتلون باللون الاخضر ولهذا سموه بالخضر (39) .

وتمجيدا" ل (خضر لياس) نلاحظ اطلاق اسم خضر والياس على الكثير من الاشخاص وكذلك على الكثير من الجوامع الاسلامية مثل ( جامع خضر لياس ) الواقع على شاطىْ نهر دجلة في الكاظمية ببغداد بالاضافة الى وجود شريعة باسم شريعة ( خضر الياس) (40) .

يوجد حي باسم (حي خضر الياس) في مدينة الكرخ ببغداد ، وهناك ايضا" مقام باسم( خضر الياس ) في ( مكة المكرمة) بالقرب من بيت الله الحرام ، وكذلك يوجد مقام ل(خضر الياس) في مدينة ( الدير) التابعة لمحافظة البصرة وايضا" في مدينة ( كربلاء ) بالقرب من مقام المهدي (41) ، وبلدة باسم ( الخضر ) في محافظة ( المثنى ) في جنوب العراق ، ومزار ايضا" في منطقة عقرة فيها شجرة تسمى بشجرة (النبي خدر)، وقلعة في منطقة ( ماردين ) بتركيا تسمى ب ( كه لا خدر لياس ) .



(خدر – لياس ) في الايزدية

تعتبر الديانة الايزدية من الديانات الآرية القديمة ذات الترابط المتين مع الطبيعة ، وذلك لكون أغلب الاعياد والمناسبات والطقوس وخاصة عيدي رأس السنة (سه رسال) وعيد ( خدر- لياس ) الايزدية مرتبطان ومنسجمان بشكل كبير مع دورة الطبيعة وحركة فصول السنة ومع دورة الزراعة التي تعلمها الانسان في أول الامر كما ظهر من خلال أحدث المكتشفات الاثرية.

وبالرغم من حدوث الكثيرمن التغيرات على طقوس واوقات هذا العيد ( خدر- لياس ) الا أن المضمون الرئيسي لهذا العيد لم يتغير ولم تستطع الاديان الاخرى من محو وازالة هذا الطقس القديم من فكر أغلب الشعوب خاصة في الشرق الاوسط .

والايزدية من اكثر الديانات التي تهتم بشخصية ( خدر- لياس) وتقدره بدرجة عالية جدا" ، لهذا نرى في الكثير من المناطق الايزدية مقام ل(خدر- لياس) وايضا" في معبد لالش المقدس ويتم ايقاد واشعال الشموع فيها .والكثيرين من الايزدية يحملون اسم خدر او لياس .

وان عيد ( خدر – لياس ) في كوردستان ( العرق، سوريا ،تركيا) يقع في يوم الخميس الاول من شهر شباط الشرقي بعد صيام ( خدر – لياس) لمدة ثلاثة أيام ( الاثنين،الثلاثاء،الاربعاء) وهذه الصيام اجبارية للناس الذين يحملون أسماء خدر ولياس وأختيارية للاشخاص الاخرى،وفي بعض الاماكن يتم أجراء هذا العيد في يوم الجمعة ويسمون بيوم (خدر نبي ). في أرمينيا وجورجيا وروسيا يتم أجراء هذا العيد في يوم الجمعة بعد الصيام ثلاثة أيام ( الثلاثاء، الاربعاء، الخميس) ، وتكون الصيام اجبارية لكافة الايزديين وتجري هناك العديد من الطقوس في هذا العيد بعضها مشابهه وبعضها مختلفة عن الطقوس الذين يمارسون في هذا العيد في كوردستان ، ويعتبر هذا العيد من الاعياد المهمة عند الايزدية في تلك البلدان(42).

وتجري طقوس ومراسيم خاصة في هذا العيد مثل قلي محصولات الحبوب في يوم الاثنين وبعدها يتم طحنها في آلات خاصة في يوم الاربعاء ليعمل منه ما يسمى ب(بيخون) السويق وبعدها يعمل منها ربة البيت حلاوة( خدر- لياس) بعد خلطها مع الدبس ويسمى ايضا" ب(الخبيسة) .في يوم الاربعاء تضع ربــة البيت صحن من البيخون في احدى زوايا غرفة في البيت على أمل ان يزورها ( خدر- لياس) ليضع علامة عليها . وفي صباح العيد يتم عمل أكل خاص من البرغل المقلي لتصبح طعام العيد تسمى ( جه رخوس) . ويقوم الفلاحون برش ال(بيخون)على مزروعاتهم اعتقادا"منهم بزيادة البركة والخير على محاصيلهم (43).

في أيام صيام (خدر- لياس) وأيضا" في يوم العيد يمنع أصطياد الحيوانات او ذبحها لغرض القربان . في نفس الوقت على الايزيدي قدر الامكان عدم السفر في مشاوير طويلة . وهناك أعتقاد في ليلة العيد ان يتحقق حلم الشباب والشابات عندما يحلموا انهم قد شربوا الماء في احدى البيوت فتكون نصيبهم في الزواج في تلك البيت (44) .

في يوم العيد وعند مزار ( خدر- لياس) في ناحية (باعه درى) موقع الامارة الايزدية يتم اجراء طقوس ومراسيم خاصة بهذه المناسبة ويحتفل الايزديون باقامة ( طواف) وحفل كبيربالطبل والزرنا يشارك فيها الكثير من الناس .

الطقوس والمراسيم المرتبطة بالحياة الزراعية التي تجري في هذا العيد يتطابق مع صفات ( تموزي ) المسؤول عن الزراعة والخصب في السومرية وما بعدها .

والخميس في كتب التنجيم هو يوم المشتري والذي يصفه البيروني بانه شاب بيمناه سيف مسلول وبيسراه قوس يسبح وهو راكب برذون ، وصورته الاخرى رجل جالس عللى كرسي غليظ عليه ثياب مختلفة الالوان (الوان الطبيعة) وبيده خرز (45) .

ولم ينسى ( نوسترداموس) الباراسايكولوجي الشهير (46) ذكر المشتري كأحد الكواكب الشمسية المهمة والذي اعتمد عليها في تنبؤاته وذلك في رباعيته المشهورة الاتية :

الزمن الحاضر هو الماضي

سوف يحكمه الرجل العظيم للمشتري

سوف يمل منه العالم بعد فوات الاوان

وسيخونه من خلال رجال الدين المحلفبن .

بالاضافة الى هذا يأتي ذكر ( خدر- لياس) في الكثير من النصوص الدينية الايزدية بصفة ملاك كما اعتقد مثل ( قه ولى بير شه ره ف )(47) والتي تنص :

شه ره ف ده نك دكه ت ز ئه ساسه

فه همى من زور قياسه

تو خدرى ئانى لياسه

خدرو يا خدرى

بر هيمه تا قادرى (48)

ل هه موو جه وابا يى حازرى

وكذلك في سبقات ( قه ولى ئيمانى) (49) والتي تنص :

ئه ز برمه به ر كه رامه تا وى مه ولايى

برمه به ر حوكمه تا وى به دشايى

ز مه را كرى خوشى وشايى

خوشى وشايى زمه را كرى

برمه سه رته ريقا مه لكى فاخرى

من نزانى تو خدرى بن خدرى

ويتبين من هذه النصوص اعلاه ظهور ( الخدر) الخالد بصورة دائمية أمام الرب لتنفيذ أوامره ، وهذه من واجبات الملائكة .

اذا" في الاقوال الدينية الايزدية نجد فصل ( الخدر) عن ( لياس) كما كان في السومرية والبابلية ( آدد و تموزي) ، وكما قلنا سابقا" بان التربط الشديد بين ( الخدر ) و(لياس) وعدم فصلهما عن بعضهما البعض قد جاء نتيجة الترابط القوي بين الامطار والزراعة والنتوجات الزراعية ، حيث تم دمـــج طقوس آلـــه الزراعة ( تموزي – خدر) مع آلـــه الامطار (أدد – لياس ) في عيد خاص تسمى بعيد ( خدر- لياس ) في الايزدية والمسيحية وقدره الاسلا م فيما بعد .

اذا" فصل (خدر ) عن ( لياس) أي انه ليس أسم مركب يذكرنا بالاسطورة التي تتحدث عن ( اسكندرالمقدوني ) مع شخصية الخدر (50) ، حيث كان الاسكندر والذي يسمى ايضا" ( ئه سكه ند ه رى جارقورنه ت) قد طلب من الناس في مملكته باحضار (ماء الحياة) له(51) فجاء الدور الى ( الخدر ) لاحضار تلك الماء (ماء الخلود) ، فكان (الخدر) رجلا" صالحا" وابلغ عمه ( لياس) بالقصة وكان ( لياس ) كبير السن ومفكر السيد(الخدر )في كل أعمال ، وكان (لياس) على علم بان (الخدر) فقط يستطيع جلب ذلك الماء فنصحه بالذهاب لجلبه ...الخ والقصة طويلة لامجال هنا لسردها .الا ان ما نريد الاشارة اليه هو ان ( الخدر) و( لياس ) شخصين منفصلين وليس شخصية واحدة ولكن العلاقة بينهما متممة وقوية . الجدير بالذكر ان ما يمارس عند الايزدية فى عيد ( خدر – لياس) من طقوس وممارسات مشابه الى حد ما لما يجري عند المسيحية .حيث يمنع ذبــح الحيوانات والصــيد وتقديم القرابين في عيد ( خدر- لياس) يذكرنا بالعادات التي تمارس في الديانة الزردشتية بتحريم تقديم القرابين وذبــح الحيوانات الاليفة .

وفي الاغانـــي الشعبية الكردية يأتي ذكــر شخصية ( خدر- لياس ) بصفة الـــه الرزق والنصيب والسعادة بين الحبيبين ، حيث ترد ذكرهم في الاغاني التالية : ( سترانا خه ج وسيامه ند ، سترانا ليل ومه جروم ، سترانا ده رويشى عه فدى .....الخ) (52).



الاستنتاجات

نستنتج من هذا البحث النقاط التالية : -

1- ان الايزدية من الاديان المهتمة بشخصية ( خدر – لياس ) الاسطورية والتأريخية .

2- ان مراسيم عيد ( خدر- لياس ) من الطقوس القديمة جدا" والمرتبطة بالحياة الزراعية ودورة الطبيعة.

3- يوم الخميس هو يوم ( خدر- لياس ) وهو يوم المشتري في كتب التنجيم ، والذي يعتبر المشتري أحد الكواكب المهمة في دورة الفلك.

4- كان ( لياس) في المعتقدات القديمة تسمى ( آدد) الــــه المطـــر ، أما ( الخدر) فكان يسمى ( تموزي) الـــه الزراعة ، ولقوة العلاقة بين الامطار والزاعة ( آدد وتموزي ) (بمرور الزمن) الى ان أصبح في الاخير يسمى ب ( خدر – لياس ) الـــه المطر والزراعة .

5- جرى على اسم ( خدر – لياس ) الكثير من التغيرات بمرور الزمن ولكن صفاتهما المرتبطة بالحياة الزراعية لم تجري عليها تغير تقريبا" .

6-لتأثير شخصية ( خدر- لياس) القوية في تاريخ الشعوب لم تستطع الكثير من الاديان من محو وازالة هذه الشخصية بل أصبحت ممارسة طقوسها جزء" من عاداتها وتقاليدها .

7- لــ ( خدر- لياس) عيد خاص له مراسيم معينة عند الايزدية والمسيحية مع الصيام ثلاثة أيام قبل العيد ، ولها مكانة مرموقة لدى الاسلام .





المصــــادر والهوامش

1. جه زنا ( خدر- لياس ) / جريدة هاوكارى / العدد 1077 سنة 1989/ عيدو بابه شيخ .

2. حول حقيقة الخدر / مجلة روز العدد ( 5،4 ) سنة 1998 / المانيا/ أبو داسن .

3 . من الواح سومر الى التوراة / د. فاضل عبد الواحد / الطبعة الاولى سنة 1989 بغداد .

4 . الاديان في تأريخ شعوب العالم / سيرغي أ. توكاريف، ترجمة د.أحمد .م. فاضل / موسكو سنة 1976.

5. سومر مجلة علمية تبحث في آثار العراق وتأريخه / الجزء 201سنة 1976/الهــة فوق الارض / د. تقي الدباغ .

6. نفس المصـــدر .

7. سومر مجلة علمية تبحث في آثار العراق وتأريخه /الجزء 201 سنة 1965.

8. كركوك في التأريخ / عبد العزيز سمين البياتي / مجلة هاوكارى ، كركوك العدد 3 سنة 1999.

9. الحياة اليومية في بلاد بابل وآشور / ترجمة سليم طـــه التكريتي ، تأليف جورج كونتينو ، ط2 ، سنة 1986 .

10. نفس المصدر .

11. سومر مجلة علمية تبحث في آثار العراق وتأريخه / الجزء 201سنة 1976/الهــة فوق الارض / د. تقي الدباغ .

12 . عادات وتقاليد الشوب القديمة / د.فاضل عبد الواحد و د . عامر حسون /بغداد سنة 1979.

13 . لمحــات من الاسطورة والتكــوين / مجلة روز العدد 1، د. خليل جندي / المانيا سنة 1996.

14. المعتقدات القديمة في العرق القديم / د. سامي سعيد الاحمد / الطبعة الاولى / بغداد سنة 1988.

15. لمحــات من الاسطورة والتكــوين / مجلة روز العدد 1، د. خليل جندي / المانيا سنة 1996.

16. نفس المصـــدر .

17. نفس المصـــدر .

18. الكـتــــاب المقـــدس ، العهد القديم ، سفــر الملوك .

19. النبي ايليــا / د. القس منيس عبد النور .

20. نفس المصـــدر .

21. عقائد ما بعد الموت في حضارة بلاد وادي الرافدين القديمة /نائل حنون / بغداد سنة 1982.

22. الاديان في تأريخ شعوب العالم / سيرغي أ. توكاريف، ترجمة د.أحمد .م. فاضل / موسكو سنة 1976.

23. نفس المصـــدر .

24. العرب واليهود في التأريخ / د. أحمد سوسة .

25. الاديان في تأريخ شعوب العالم / سيرغي أ. توكاريف، ترجمة د.أحمد .م. فاضل / موسكو سنة 1976.

26. دير مار كوركيس / د. يوسف حبي /موصل – العراق .

27. انجيل لوقا /العهد الجديد ص100.