المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سعد سلوم الشبك : الطائفة الضائعة بين التعصّب العِرقي والإبادة الثقافية



bahzani
05-25-2016, 11:35
غزاة وشعوب أصلية : تفكيك ثقافة العنصرية والتعصّب العِرقي

سعد سلوم

الشبك : الطائفة الضائعة بين التعصّب العِرقي والإبادة الثقافية (1)




https://scontent-ams3-1.xx.fbcdn.net/v/t1.0-9/11295536_10152841306201272_3003749690822513989_n.j pg?oh=1c412e4cabb2554bd84a7ea578ab94ad&oe=57D96BBB


تشكل دراسة "الشبك"، هذه الجماعة الإثنية المتميزة، مختبراً لكشف الجوانب العنصرية والتعصب العرقي التي ينطوي عليها تاريخنا المعاصر، سواء على صعيد العلاقات الاجتماعية بين الجماعات الإثنية أو على مستوى العلاقة بين الدولة وهذه الجماعات. كما أنها تزودنا بتفسيرات لطبيعة ثقافة رفض الآخر/الأجنبي التي تميز مجتمعنا، وإذا كان رفض الأجانب الغزاة وتمسك الناس بحس استقلالي خلال فترتي الاحتلال البريطاني أو الأميركي يدخل في قاموس نضال الشعوب من أجل حرياتها واستقلالها، إلا انه يتحول إلى نوع من رهاب الغرباء xenophobia، ويشتد خطره إذا ما اقترن بعقدة استعلاء عنصري، ومن خلال تصنيف الآخر ضمن ثنائية (غزاة/شعوب أصلية) يتحول إلى رفض للآخر الداخلي بوصفه من بقايا الغزاة داخل حدود الجلد الوطني، لذا لا بدّ من عزله وتطهيره.

ولكون كل مشروع (دولة/أمة) يقوم على التجانس القومي، فإنه سرعان ما سيصاب برهاب جماعي من الآخر الذي قد يهدد نقاء التجانس المفترض لهوية الدولة، لذا لا بد من عزل وتطهير من نوع آخر عن طريق سياسات "الاستيعاب القسري" من خلال تغيير هوية الاقليات وفبركة نسب يربطها بالاصل السلالي المقبول رسميا، وليس هذا في جوهره سوى "إبادة جماعية ثقافية"، تمارس باسم تغيير القومية بالقوة أو بالإغراء، وهو ما اتبعته حكومة البعث مع الشبك وغيرهم من الاقليات القومية غير العربية.
وبعد تعرض الموصل لاحتلال "داعش" في حزيران 2014 تعرض "الشبك" لخطر الإبادة الجماعية بوصفهم "رافضة"، وترتب على ذلك نزوحهم القسري إلى وسط وجنوب العراق، بعد أن طردوا في السنوات التي سبقت احتلال الموصل من مركز المدينة إلى قرى سهل نينوى على يد المتشددين الإسلاميين الذين قولبوا الشبك في هويات تتراوح بين: شيعي/رافضي، صفوي/فارسي، كافر/مشكوك بتدينه. ومن ثم أصبحوا عرضة للاعتداء بسبب الشك في معتقدهم الديني أو انتمائهم المذهبي أو أصلهم العرقي بوصفهم من بقايا الغزاة.
وفي 9 كانون الأول 2014 باشر مقاتلو داعش هدم منازل الشبك في الموصل، بهدف إزالتها ومحوها وتجريد الشبك من أي دافع للعودة مجددا إلى المدينة، إذ بدأت جرافات تابعة لتنظيم داعش تحت حماية عشرات العناصر المسلحة بهدم منازل الشبك في مناطق كوكجلي، وبازوايا شرقي الموصل، وإزالتها بالكامل. إلا أن هذين الحدثين؛ التهجير القسري، وتهديم المنازل ومحو آثار وجودهم بالكامل من الموصل، سبقه تاريخ من التمييز والتصنيف ضد الشبك، جعل منهم دوما غرباء أو "أعداء في الداخل" بالرغم من مرور القرون على استقرارهم في العراق.
"الشبك" اليوم يمرون بمرحلة تحول قسري تهدد هويتهم، بعد ان تعين عليهم ان يمروا بمراحل تطابق مع سياسات الدولة الاستيعابية قبل 2003 ومروا بمرحلة "صحوة هوية" واضحة منذ تسعينيات القرن الماضي جعلهم يتطابقون مجددا مع هوية الجماعة التي يحملون معها مشتركا مذهبيا (الشيعة)، لا سيما بعد تغير الموقف التفاوضي بين الجماعات الكبرى (الشيعة، السنة، الكرد).
جرف الغزاة الجدد الذين اخترقوا حدود الجلد الوطني ومزقوه، الجماعات المختلفة التي تعيش في سهل نينوى، وهددوا الشبك بإبادة جماعية شاملة، وفضلا عن عمليات القتل التي استهدفت اعضاء الجماعة الاثنية نفسها، اقتلعوا بين ليلة وضحاها الشبك من اراضيهم التي عاشوا فيها لقرون، وتكونت على تربتها ونمت بين ظلالها هويتهم المميزة وثقافتهم ولغتهم وتدينهم المتميز ثقافيا عن الاغلبية التي تشترك معهم بالدين، وعن الاقليات التي تشترك معهم بالأرض وتاريخ التعايش المشترك، وبالتالي ارتبطت الهوية الجماعية للشبك بالأرض ارتباطا صميميا، واصبحت تسمية "شبكستان" تشير الى انتشار جماعي للشبك عبر القرى في مناطق مختلفة من سهل نينوى، وهي ان لم تكن فكرة تقوم على ارضية تاريخية صلبة وغير متحركة الحدود الا انها تشير الى رغبة الجماعة بالتشبث بأصالة محددة ترتبط بالارض في غياب الاسباب الاخرى للنقاء السلالي المتخيل، ووسط تضارب في سرديات الاصالة من قبل الجماعات الاثنية المختلفة في الموصل على مستوى سوسيوثقافي، وفي منطقة نزاع بين الكبار (العرب والكرد) على مستوى سياسي، وبين الشبك وبين المسيحيين بشكل خاص على مستوى الاقليات في سهل نينوى، وهو ما اثار احتكاكات خلال السنوات الماضية عقدت على اثره مؤتمرات للتوصل الى حلول لتطبيع العلاقات مثل مؤتمر "برطلة" لمواجهة التغيير الديموغرافي .
وتتخذ الإبادة طابعا اشد قساوة مع حالة الضياع وفقدان البوصلة، فبعد الاقتلاع القسري للشبك من سهل نينوى انتشروا على خريطة واسعة في وسط وجنوب العراق، فارتسم خطر إبادة ثقافية اخرى، تتمثل بالذوبان في ثقافة الاغلبية، ثقافة الشبك مهددة بالذوبان والاضمحلال، ونقاؤهم العرقي مهدد بالمصاهرة والزواج مع الآخر العربي، فضلا عما تتطلبه ديناميات التكيف الاجتماعي من ضرورات التطابق اللغوي والثقافي مع المحيط الاجتماعي الجديد، الامر الذي يهدد بفقدان اللغة، ناهيك عن اضمحلال وتراجع الأداء الشعائري ذي الطابع الصوفي إزاء شعائر الاغلبية الشيعية العربية.
الطريق المعقد الذي مر به الشبك خلال العقود الماضية والذي انتهى باقتلاعهم من اماكن سكنهم في سهل نينوى، ومواجهتهم خطر الذوبان في ثقافة الاغلبية العربية المسلمة، مر بتاريخ غير غير مدون استمر لعقود من التمييز الاثنوطائفي بوصفهم من بقايا الغزاة.
لذا، ولكي نفهم على نحو اشد وضوحا تحولات هذه الجماعة الاثنية، أعتقد اننا بحاجة الى نموذج تفسيري مناسب لتحليل طريقة تنميط سائدة في الشرق الاوسط، ويتمثل هذا النموذج بثنائية (غزاة/شعوب أصلية)، وسوف أستخدم هذه النموذج لتحليل الطريقة التي قولب بها الشبك كجماعة حرمت من الإحساس بالمساواة والانتماء الى هوية بلادها طوال العقود الماضية، كما خضعت لاتهامات وتلفيقات كان الغرض منها تشويه هويتها وإدانة معتقداتها.
لكنّ أهمية هذا النموذج تتجاوز بكثير تحليل العلاقة العمودية بين الشبك والدولة والافقية مع الجماعات الاخرى في الموصل، إذ تتضمن عدة مستويات من التحليل مثيرة مجموعة من الإشكاليات خليقة بتشجيع إعادة قراءة تاريخنا العربي الإسلامي على نحو جديد، كما تضع طبيعة الصراعات الاثنية في المنطقة تحت مبضع آخر من التحليل، وحينها ستتبدى الصراعات ذات الطبيعة الطائفية وكأنها مجرد قشرة خارجية رقيقة تخفي صراعات اعمق واكثر صلابة حول السلطة والثروة.
وإذا كان النموذج التفسيري كاشفا لطبيعة نظرتنا المنطوية على التعصب العرقي تجاه الآخر والعنصرية في تعاملنا معه، فهو من جهة ثانية يكشف نظرة الآخر لنا، التي استبعدناها على أساس إحساس مركزي مضلل بالتميز الثقافي والنقاء السلالي.
كانت لحظة دخول داعش الى الموصل مفصلية في هذا السياق، فقد اطلقت التفكير من خلال هذه النموذج على مستويات عديدة ومتداخلة احيانا، فداعش "لحظة" بعثت اجواء الفتوحات الاسلامية وما رافقتها من اسئلة واشكالات، وهي اذا كانت تضع صورتنا امام الآخر على نحو مغاير، فهي بالدرجة الاهم تضع تحدي تشكيل صورتنا النمطية عن انفسنا من خلال الروايات الانتقائية التي تحذف الآخر من معادلة تسجيل احداث التاريخ. وتسجيل الروايات التي تم حذفها أو اهمالها في المدوّنة العربية وجرى تغييبها في كتابة تاريخ ذلك الحدث التأسيسي الاول وزمنه وروايته التقليدية (حدث الفتوحات العربية وزمن المسلمين الاوائل) كفيل بكشف تصورنا للعالم ولأنفسنا، وهو تصور متمركز على عنصرية وتعصب عرقي أسوة بغيرنا من الغزاة الذين رسم مرورهم خريطة التنوع الديني والقومي واللغوي للشرق الاوسط.
وقد سجل هذه الروايات الاخرى كتاب حسام عيتاني (الفتوحات العربية في روايات المغلوبين)، إذ قدم كتابه الاصوات المغيبة والمطرودة من تاريخنا، أصوات الثقافات الاخرى وشعوبها التي تعرضت للغزو، من الإخباريين البيزنطيين إلى القساوسة الأقباط ورجال الدين الزرادشتيين والمؤرّخين الصينيين، إلى المدوّنين اليهود والرهبان الإسبان، وهو ما يضعنا إزاء صورة أخرى لذلك الحدث التأسيسي الذي تداولنا نسخته المنقحة ذات البعد الواحد.
وفّرت لحظة داعش فرصة استعادة تلك الروايات وطرحها بشجاعة، واثارت اصوات تلك الجماعات التاريخية التي غيبت روايتها، ضمن نموذج ثنائية (غزاة/شعوب اصلية)، ايضا كطريقة تفكير وتصنيف للآخر العدو، عدا اننا في لحظة داعش نجد انفسنا إزاء غزاة قادمين من صحراء اخرى، صحراء المدن الطرفية في الغرب بعد فشل اندماجهم الاجتماعي، وصحراء فشل الدولة الوطنية في الشرق الاوسط بعد فشلها في إنجاز وعود جنة التنمية والمواطنة.
وإذا كانت ثنائية (غزاة وشعوب اصلية) احيت ذاكرة مغيبة ومطمورة، فإنها قد شجعت اعادة قراءة تاريخ الفتوحات الاسلامية بوصفها غزوات فحسب، والنتائج التدميرية التي اخفيت عن الإبادات الثقافية للغات وأديان ومعتقدات قديمة.
غير ان التفكير "من خلال" وبـ"هذه" الثنائية لا يقتصر على تشجيع اعادة قراءة التاريخ على نحو جديد، ومن ثم تضعنا ازاء تفسير آخر ونسخة غير رسمية من التاريخ فحسب، بل هي ثنائية حاكمة في تصنيف الآخر في الصراع الإثني، فالأخير تتمحور اسبابه في النزاع حول السلطة والتمثيل السياسي والفرص الاخرى في التعليم والتوظيف الحكومي والنزاع حول الثروة والموارد الاقتصادية ورأس المال والارض .وتتبدى بوصفها ستراتيجية دفاع تستخدمها بعض الجماعات المهمشة للدفاع عن اصالتها، ومن ثم مطالبتها بحقوقها بناء على هذه الاصالة، فتجري اسطرة التاريخ بما يخدم هذه الاهداف.
ففي الخليج العربي يتخذ الانقسام السني/الشيعي في شكل سردية تتمحور حول ثنائية (غزاة/شعوب اصلية) ايضا، مجتمع المغزوّين (الشعب الاصلي) إزاء جحافل الغزاة (الغرباء).
تؤسطر هذه الثنائية التاريخ بالنسبة لشيعة الخليج، وتاريخ البحرين والسعودية بشكل خاص، في ماضي عصر ذهبي قبل ان تستولي قبائل الغزاة (آل سعود وآل خليفة) على المنطقة، ومن ثم يشكل بناء هذه الرواية اهمية في تشكيل وعي لاستعادة حقوق المواطنين الشيعة يتجاوز الانقسام الديني السني/الشيعي ويتبدى في صورة استعادة حقوق السكان الاصليين في مواجهة الغزاة الذين احتكروا استخدام الموارد الطبيعة لمنافعهم الخاصة وفرضوا سلوكا استبداديا على السكان الاصليين، على حد تحليل الباحثة الفرنسية "لورنس لويير" في كتابها (السياسة الشيعية العابرة للأوطان).
فالشيعة هم السكان الاصليون للبحرين (البحارنة) ،ومن المهم بالنسبة للسكان الاصليين لرواية تاريخ البحرين القديمة قبل غزو القبائل لها، ومن هنا يصبح حسب الباحثة الدين امرا تاليا في اهميته بعد التاريخ، ويتداخل الانقسام الشيعي/السني مع انقسامات المجتمع الى غزاة/شعوب اصلية.
وتظهر اعادة بناء الرواية ذاتها لدى شيعة السعودية (المنطقة الشرقية)، فالعداء للنظام السعودي اذ كان يتم التعبير عنه بمفردات اللاشرعية الدينية، فإنه من جانب آخر يتم التعبير عنه بمفردات تقع ضمن ثنائية غزاة/شعوب اصلية، ويتداخل الخطاب حول غياب حرية المعتقد مع تصوير تصرفات "آل سعود" كغزاة نهابين يتجاهلون رفاه السكان الاصليين للمنطقة الشرقية : استغلال موارد السكان الاصليين المتمثل بالنفط الذي يكرس لفائدة النخبة الحاكمة، ويتم ارسال تمور الاحساء للمركز (الرياض) ويتم جر ينابيع المياه الصافية للعاصمة عبر قنوات وشبكات، في حين يكون على السكان الاصليين شرب مياه البحر المحلّاة!
النموذج التفسيري يتيح ايضا تعبئة الجماعة وتحشيدها ضد الآخر، والطريق الذي يبدأ بالتمييز ينتهي بالابادة الجماعية، ويمكن ان نلقي نظرة واحدة على المجتمعات التعددية لكي نميز ستراتيجيات توظيف الثنائية التي تعزل الآخر بوصفه ممثل رمز الغزاة، فعلى سبيل المثال حاول زعماء حزب "بهاراتيا جاناتا" في الهند إعادة تقسيم المجتمع الهندي على وفق منظور طائفي لغرض التأكيد على الوحدة الهندوسية التي ينطلق منها الحزب في قاعدته الانتخابية.
ووظف قراءة انتقائية للتاريخ ضمن ثنائية (غزاة وشعوب اصلية) لتشويه سمعة المسلمين كوسيلة لتقسيم الطبقات الدنيا من الهندوس عن اقرانهم المسلمين، فالمغول في نسخة التاريخ هذه دنسوا المعابد المقدسة للهندوس وتركوا بقاياهم من الغزاة المسلمين الاجانب الذين يظل ولاؤهم للهند محل الشبهات، وتمحور الصراع رمزيا حول مسجد "بابري" الذي اصبح بمثابة نصب تذكاري لانتصار الغزاة، فجرى تدمير هذا الصرح الذي يرجع تاريخه الى القرن السادس عشر الميلادي لإعادة بناء معبد "رام" الذي يعبر عن سعي لإعادة تركيب هوية هندوسية اصلية ونقية ضمن سياسات أدت الى غرس الطائفية في السياسة الهندية حسب ما يوضح الباحث الاميركي "سكوت هيبارد" في كتابه عن (السياسة الدينية والدول العلمانية).
وفي إطار النزاع الإثني في يوغسلافيا السابقة اصبح المسلمون ممثلين لبقايا الغزو العثماني إزاء السكان الاصليين، لذا اصبح تدمير الرموز الاسلامية بالنسبة للصرب القوميين اهم من ابادة المسلمين، وفي هذا السياق دمر الصرب القوميون الذين سيطروا على (بانجا لوكا) في البوسنة مسجد (فرهاد باشا) الذي بني 1583 أثناء الحكم العثماني الذي أصبح بمثابة نصب الغزاة.



دائرة الأساطير المقفلة وطبيعة الحصار الإثنو طائفي للشبك

سعد سلوم

الشبك: الطائفة الضائعة بين التعصّب العِرقي والإبادة الثقافية (2)


واجه الشبك تحدي التشكيك في هويتهم الإثنية، وولائهم وانتمائهم وطبيعة معتقداتهم، فاضطروا إلى فبركة هويات تتطابق مع هوية السلطة، أو تتماهى مع مشروعها لبناء دولة/أمة، وقسروا على رسم أشجار نسب ترد أصولهم إلى عشائر عربية لغرض التطابق مع إملاءات السلطة وتحديداتها، بعد أن أرغمتهم على هذه المطابقة سياسات هيمنة استيعابية Inclusionary مدعومة بتشريعات وتعليمات تحض على مثل هذا التطابق الهوياتي.
وأحاطت بالشبك من كل جانب صور نمطية تشكك في عقيدتهم الإسلامية، وتظهرهم في صورة فرقة منحرفة أو ضالة، فهم غير ملتزمين بالطقوس مثل الصلاة والصيام، ويمتازون بالتحلل الأخلاقي من خلال ما أشيع عن حفلات شعائرية ماجنة يؤدونها تسمى "ليلة الكفشة"، على نحو مماثل لاتهام أقليات أخرى مثل الإيزيديين والبهائيين والمسيحيين.
وأخرجتهم بعض الأوهام الشائعة من دائرة الإسلام من خلال إشاعة فكرة اتّباعهم نصوصا مقدسة موازية للقرآن، في حين أن الشبك في الواقع مسلمون، وكتابهم المقدس هو القرآن، وبالرغم من انقسامهم المذهبي؛ بين شيعة وسنة، إلا أنهم يشتركون بميراث عقائدي طقوسي خاص من (العرفان والتصوف)، لتأثرهم تاريخيا ببعض الطرائق الصوفية.
وقلبت هويتهم قوالب ذهنية ناتجة عن جهل عام بهم وبثقافتهم، اذ يعدون "ديناً" وليسوا "جماعة" من الاقليات المسلمة غير العربية، فقد ورد في احد المناهج الدراسية اسم "الشبك" ضمن الاديان في العراق، وحين تم الاعتراض من قبلهم بررت لجنة وضع المناهج الدراسية الخطأ بعدم توفر المعلومات عنهم، في وقت استقت فيه اللجنة المعلومات الخاطئة من العم "Google".
كما ورد ذكرهم في دستور إقليم كردستان ضمن الاديان ايضا، لتجنب عدهم "اقلية قومية" كما هو واضح. لكن تتعلق اخطر التهم الموجهة إلى الشبك، والعقدة التي تنتظم حولها جميع الأوهام والاتهامات الاخرى، في عقدة النقاء السلالي التي ينظر من خلالها إلى الشبك وأقليات اخرى، وأفرزت هذه العقدة صورتهم السلبية بوصفهم من بقايا الغزاة، الأمر الذي يبرر لدى مضطهديهم انواع التصنيف والتنميط التي يتعرضون لها، ويجعل منهم نهبا لصراع الهويات الكبرى حولهم (العرب والكرد)، وعزز من ذلك أنهم منذ خمسة قرون يعيشون ضمن رقعة ما يعرف بـ"المناطق المتنازع عليها" بين العرب والكرد.
في واقع عراقي يضيع فيه الصغار، لم يحز ما تعرض له الشبك على اهتمام بارز، فقد كانوا أسوة بمن رحلوا من الكرد في عمليات الأنفال، وفي هذا السياق اقتلع أكثر من عشرة آلاف شخص من مناطقهم إلى منطقة سهل حرير في أربيل، لاسيما من قرية "الموفقية" التي تقع ضمن خريطة تضم أربعاً وتسعين قرية شبكية تنتشر في سهل نينوى، وتمتد من ناحية تلكيف شمالاً إلى ناحية النمرود جنوباً. وبعد ان رحلوا إلى منطقة سهل حرير في العام 1988، أتيح لهم في ما بعد الرجوع إلى مناطقهم الأصلية بعد عامين، بما أن وزنهم الديموغرافي لا يشكل خطرا على النظام، فضلا عن عدم وجود تنظيم سياسي أو نشاط مسلح ضمن صفوفهم يقلق السلطة آنذاك.
وبرغم التمييز الاجتماعي ضد الأقليات، إلا أنه من وجهة نظر العديد من ابناء الشبك الذين اجريت معهم مقابلات في الاعوام الماضية، فإن التراتبية الاجتماعية كانت تضع الشبك في سلم ادنى من الأقليات الدينية الاخرى في الموصل، بل إن هوية المدينة المسيحية قبل الإسلام كانت تمنح المسيحيين افضلية في تبني صفة السكان الأصليين التي تثير بدورها صراعا على السرد والأصالة، ونقاء الدم الممزوج بادعاءات متقابلة.
التصنيف الاضيق للشبك يعدهم "روافض"، الأمر الذي يعرضهم إلى خطر الإبادة، والنظر إليهم كبقايا غزاة، استعملت ثنائية "غزاة وشعوب اصلية" ضدهم على نحو بالغ الوضوح على خلفية الحرب مع ايران، فأصبحت الأنا العربية مركزا للأصالة في مقابل ممثلي الغزاة الصفويين وبقاياهم، بما سيمهد لاحقا لتبرير طردهم ومحو وجودهم بالكامل من مدينة الموصل. أما التصنيف الآخر فيتضمن صورا نمطية وتشويهات تهدف إلى استكمال قصة المحو وإخراجهم من دائرة القبول الاجتماعي العام عن طريق التشكيك بهويتهم الدينية من خلال عدّهم فرقة غير مسلمة.
فعلى العكس من الأقليات الدينية التي تواجه معضلة عدم الاعتراف بها بسبب عدم امتلاكها كتابا مقدسا، مثل الإيزيديين، او اقليات تم التشكيك بتوحيد كتبها المقدسة عن جهل مقصود او غباء مثل المندائيين، فإن الشبك يواجهون اتهامات بوجود كتاب مقدس لديهم غير القرآن هو كتاب "البويوروق".
وبذلك يصبحون فرقة ضالة وغير مسلمة، ويخرجون من دائرة الإسلام بسبب هذه الادعاءات، في حين يعدّ الشبك أقلية مسلمة وكتابهم المقدس هو القرآن مثل سائر المسلمين. ويعود منشأ هذا الاتهام في كتابات الباحثين إلى ما أشاعه الناس حولهم، بسبب انغلاقهم الديني وعزلتهم.
وقد نشر أحمد حامد الصراف في كتابه عن الشبك، المنشور في بغداد 1954. هذه النصوص المقدسة التي تدعى "المناقب أو البويوروق"، ويشير الصراف الى انها أحد كتبهم المقدسة، وأنهم يحرصون على أن لاتقع عليه عين أحد، وأن لا تلمسه يد وهو الأنفس الأقدس وأعز من كل عزيز!
قدم الصراف الكتاب المقدس بالقول: "إنه كتاب يحتوي على حوار في آداب الطريقة بين الشيخ صدر الدين وبين قطب العارفين الشيخ صفي الدين بن إسحق الأردبيلي، ويعد من كتب الشبك المقدسة ويعرف عندهم بـ"البرخ" البويوروق أي ما يتفضل به". وإذا كان الكتاب لا يمكن نسبته إلى مؤلف معروف، فإن الصراف يرجح أن يكون من تأليف أحد المرشدين الكبار من كبار الطريقة القزلباشية، كما يشكك الصراف في وجود كتب مقدسة أخرى قد لا يكون قد اهتدى إليها.
في الواقع ان لغة "البويوروق" هذا الكتاب المقدس المفترض لا علاقة لها بلغة الشبك التي هي لغة خاصة بهم، فلغة "البويوروق"؛ هي التركية. ولغة الشبك تنتمي إلى مجموعة اللغات الأذرية الهندو-أوروبية، وبالرغم من كثرة المفردات التي تشترك فيها مع اللغات الأخرى، العربية والفارسية والتركية والهندية والكردية، إلا أنها لا يمكن عدّها لغة خليطا، فلهذا الاشتراك مبرراته وأسبابه وجميع هذه اللغات في الحقيقة تشترك في مفردات كثيرة، والسبب ناتج من سكناهم في منطقة واحدة، واعتناقهم ديناً واحداً، والاختلاط والمصاهرة لهما دورهما الفاعل في تسرب هذه المفردات من لغة إلى أخرى التي نطلق عليها عملية التأثير والتأثر. فالدين الإسلامي حتم على الشبك تعلم اللغة العربية لقراءة القرآن وتعلم الفقه الإسلامي، والجيرة والمصالح المشتركة حتمت عليهم تعلم اللغة الكردية، وأصولهم القديمة جلبت معها تأثيرات اللغة الفارسية.
كما يثير كتاب عبدالمنعم الغلامي (بقايا الفرق الباطنية في لواء الموصل) الذي طبع في العام 1950 انزعاج الشبك على نحو مماثل لانزعاجهم من كتاب احمد الصراف، وقد وصفهم بالغلاة، و اشاع قضية شربهم الخمر اثناء عباداتهم في اجتماع "جمعة لخ" ومغالاتهم بالتشيع، وقد اخبرني اكثر من مصدر شبكي انه في إثر نشر الكتاب ذهب مجموعة من وجهاء الشبك إلى وزير المعارف السيد محمد الصدر، وطلبوا منه وقف نشر ذلك الكتاب، واستجاب الصدر حينها لمطالب الوفد. وليس هناك من وسيلة للتثبت من هذه المعلومة في ضوء عدم ورودها في مصدر مستقل، او الاشارة لها من قبل الباحث المتهم بالتشويه، كما فعل عبد الزراق الحسني في مقدمة كتابه عن المندائيين عن المحاكمة التي تعرض لها بسبب اتهامه لهم بعدم التوحيد، او ما يذكره الدملوجي عن غضب الايزيديين من كتابه ومحاولتهم عرقلة نشره.
هناك ايضا، كتابات خلطت بين الشبك وبين بقية الأقليات المجاورة بسبب تشابه مزعوم أو تأثر وتأثير بين جماعات متجاورة؛ منها الخلط الذي وقع فيه المؤرخ عباس العزاوي في كتابه عن الكاكائية. وقد كتب عن مثل هذا الخلط الأب "إنستاس الكرملي" في عمله البحثي "تفكهة الأذهان في تعريف ثلاثة أديان"، المنشور في مجلة المشرق البيروتية العدد 5 لسنة 1902 والذي أشار فيه إلى أن الشبك يزورون مزارات إيزيدية ويشاركون في حفلات الإيزيديين، وقد دفع كتابا آخرين إلى عدّهم همزة الوصل بين غلاة الشيعة والإيزيديين، ويشير الى ذلك كامل مصطفى الشيبي، في كتابه (الطريقة الصفوية ورواسبها في العراق) وهي دراسة عامة للشبك والنحل الصوفية في شمال العراق صدرت في بغداد عام 1967. واشار الشيبي ايضا الى تأثرهم بالبيئة المسيحية من خلال نظام الاعتراف لدى رجل الدين، واتصال بعض القرى التي يقطنوها بماض مسيحي كباجربوعة وبازوايا، فضلا عن شربهم الخمر الذي يتصل بالمسيحية رأسا أو بالوساطة عن طريق النصيرية.
مثل هذه الآراء تعزز من اشتقاق اسم الشبك من تشابك المعتقدات والنحل الدينية، وهو ما لا يقبله الشبك ولا يؤيدونه، ويعدونه تقليلا من إيمانهم بالإسلام وتشيعهم. أما عن تحللهم الأخلاقي وحفلاتهم الماجنة، التي سبق للكتاب والباحثين أن أشاعوا وجودها لدى الإيزيديين والكاكائيين وحتى المسيحيين، فليست سوى محاولة لتشويه صورتهم ساعد على انتشارها غموض الشبك كجماعة بسبب عدم اختلاطها، وشيوع أوهام عن معتقداتها لدى جيرانهم من العرب المسلمين.
ولأن المجتمع الشبكي يمزج بين تشيعه وممارسته لطقوس الطريقة البكتاشية على نحو لا يألفه المسلمون العرب، واتخذ حراك الهوية الشبكية في فترات متأخرة، خاصة منذ تسعينيات القرن الماضي طابع ممارسات طقوسية وشعائرية سرية داخل المنازل، فقد شجع ذلك، وضمن حدود هذا الانغلاق والسرية في الممارسة الشعائرية والطقوسية الخاصة، منشأ الصورة النمطية عن ممارستهم طقوسا إباحية وغريبة مثل أسطورة "ليلة الكفشه"، إذ أن الانغلاق على البيئة الاجتماعية المحيطة وممارسة هذه الطقوس على نطاق ضيق وسري قد تكون أحد الأسباب التي عززت هذه الأسطورة .
أما اليوم، فلم يعد هناك غموض يحيط بعقائد الشبك، وإسلامهم معلن وتشيعهم باد للعيان. وحتى كتاب الصراف الذي أشاع بعض الأفكار النمطية عنهم، حاول التصدي لبعض التصورات الخاطئة عن الشبك في أكثر من موضع، مثل إنكاره امتيازهم بالتحلل من خلال ما أشيع عن حفلات ماجنة يؤدونها تسمى "ليلة الكفشة"، إذ يقول: "واجتماع الرجال والنساء في حظيرة واحدة لا يقع إلا في احتفال رأس السنة وليلة التعاذر "غفران كيجه سي"، والليلة العاشرة من محرم، وفي هذه الليلة تطفأ الأنوار، ويجتمع الرجال والنساء وينوحون ويبكون حتى مطلع الفجر، وإطفاء النور في الليلة العاشرة يكون على العادة في جميع انحاء البلاد التي يناح فيها على الحسين... وبالجملة فليلة الكفشة ... كذب صريح وبهتان قبيح".
كذلك فعل كتّاب آخرون في صيغة دفاعية حين كتبوا عن أتباع الأديان والفرق الباطنية في العراق ، مثل كتاب عباس العزاوي في كتابه عن الكاكائية الذي شدد على ظلم هذه الاتهامات، وتبعه كتّاب مغالون مثل عبد المنعم الغلامي في كتابه "بقايا الفرق الباطنية في لواء الموصل، الصادر عن مطبعة أم الربيعين، الموصل 1950".
بعد العام 2003 ظهرت مؤلفات حاولت توضيح ما غمض بشأن الشبك مثل كتاب أحمد شوكت، الشبك- الكرد المنسيون: دراسة تاريخية اجتماعية في أصولهم ولغتهم وموطنهم، أربيل،2004، وكتاب القاضي زهير كاظم عبود، الشبك في العراق، السليمانية، سلسلة كتب سردم العربي، 2006. ومنذ ذلك الحين لم يتوقف الشبك عن محاولة تعزيز حضورهم في المجال العام على نحو يتيح تغيير التصورات الخاطئة عنهم، وتوضيح المشتركات بينهم وبين الأغلبية المسلمة في البلاد.


لعنة التاريخ: سياسة المؤامرة وحصان طروادة من بقايا الغزاة

سعد سلوم

الشبك : الطائفة الضائعة بين التعصب العرقي والإبادة الثقافية (3)


تتعرض الجماعات الاثنية في العراق، بما فيها التي تنتمي للاغلبية، لمفارقة مثيرة للسخرية، تتمثل بضرورة اثبات اصلها العرقي خارج البلاد، او بعبارة اخرى تحدرها من احد الغزاة في بلاد كانت ممرا عبر التاريخ لمختلف اجناس الغزاة، الامر الذي يظهر المجتمع في صورة مزيج هجين من بقايا الغزاة العابرين من (هنا الى هناك) او (الى هنا من هناك).
لذا تبدو ثنائية (غزاة/شعوب اصلية) كاشفة لتناقض عميق في سياق تصنيف ملتبس للاخر، اذ تستخدمه الاغلبية ضد الاقليات لتجريدهم من عراقيتهم وانتماءهم الوطني كما حصل مع الاكراد الفيليين، مع ان الاغلبية العربية التي تتفاخر بجذورها الممتدة من عشائر الجزيرة العربية واليمن، تتمسك بأصل خارجي متحدر من غزاة خارجيين ايضا.
ويعد الشبك مثالا نموذجيا في هذا السياق، اذ ان الاراء المتضاربة حول اصلهم العرقي وتشوش نظريات تحدرهم من غزاة متنوعين جعلهم في موقف محرج، اما ان يتبنوا هوية خارجية ليدخلوا في لعبة الجماعات الاثنية العراقية او يقسروا على انتماء لجماعة اثنية داخلية، وهذا خيار صفري بين حرمان من هوية وطنية عراقية او حرمان من هوية خاصة متميزة.
فالشبك لا يمكن وفق هذه المعادلة العراقية الغريبة ان يكونوا انفسهم، بل لا بد يكونوا كردا او عربا، مع ان بعض العشائر الشبكية ذات اصول عربية او تركية ايضا، او ان يحسبوا على اصل تركي او ايراني، فهناك من يردهم الى القبائل التركية النازحة الى العراق في عهد السلطان "طغرل بك" السلجوقي، او من الاتراك الذين جاء بهم السلطان مراد الرابع واسكنهم شمال العراق بتاريخ 1047 م. او يمكن ردهم الى الغزاة الاخرين، الى الصفويين المقبلين من جنوب ايران بلسان خليط من لغات عديدة منها التركية والفارسية والكردية والعربية.
وما كان لهذا الاختلاف ان يشكل معضلة وجودية، لولا الاحداث السياسية التي مرت منذ حكم البعثيين الذين تبنوا سياسة تجانس قومي بالقوة، وجعلوا الانتماءات غير العربية نوعا من الردة القومية وكفرا بالهوية القومية فوق الوطنية و العابرة للحدود
ثم جاءت الحرب العراقية الايرانية لتترك أثرها في طريقة النظر إلى الشبك بسبب الخلاف بشأن أصلهم العرقي واعتناقهم التشيع، فبرغم اختلاف الباحثين بشأن أصل الشبك، إلا أن تصنيفهم سواء أكانوا أتراكا (غزاة الشمال) كما يذهب إلى ذلك الصراف، أو من بقايا الصفويين (غزاة الشرق)، عرضهم لدفع ثمن الصراع التاريخي العثماني الصفوي على العراق، ويبدو أن المزاج العدائي العام في مدينة صراع سرديات الاصالة : الموصل، وفي ضوء الصراع العراقي الإيراني دفع تصنيفهم "فرسا" إلى أمام في إشارة إلى تماثلهم الإثني مع العدو القائم في الشرق، أو "خمينيين" في إشارة إلى تماهيهم بإيديولوجيا الثورة الإسلامية في إيران.
وفي سبيل اختبار تطور الجماعة من الداخل ومواجهتها تحديات التصنيف الثنائي جمعت خلال السنوات الماضية قصصا وشهادات مختلفة، وسوف اختار قصة نموذجية لشاب انتهت محطات حياته بالمهجر : ولد "يوسف محرم" في العام الذي اندلعت فيه الحرب ضد إيران 1980، في منطقة سهل نينوى، وهي منطقة تمازج الجماعات القومية المختلفة من عرب وأكراد وتركمان وكلدو أشوريين وشبك، والدينية من مسلمين ومسيحيين وايزيديين وكاكائيين، والمذهبية من سنة شافعية وسنة أحناف، وشيعة اثني عشرية وطوائف أخرى.
في عام ولادته لم يكن الوعي بالهوية الشبكية يشكل حضورا على مستوى الفرد لولا الشعور بالتمييز الذي حجر هويته في زاوية "أخر مختلف"، في حين كان اتخاذ السلطة إجراءات قسرية مثل تهجير الأكراد الفيلية إلى إيران تجعل من يجاهر بهوية مشكوك بها مخاطرة غير محمودة العواقب، أما فظاعات عمليات الأنفال فيما بعد؛ فقد جعلت التفكير في تحدي السلطة انتحارا جماعيا، وقد مورس على الشبك مثل غيرهم من الأقليات غير العربية سياسة التعريب التي جعلت هويتهم ترتسم في صورة تهديد محتمل أو مؤكد، ما لم تتطابق مع إملاءات السلطة ومحدداتها للهوية الرسمية الجامعة لوحدة البلاد.
يتذكر يوسف إحساسه الأول بالعزل والاستبعاد الاجتماعي، فلم يكن يعلم أن هويته قد تورثه شعورا بالخجل أو الخزي، فقد كان قوله "إنني شبكي" دافعا لكي يتجنبه الآخرون، وكأن هويته مرض من نوع ما، معد وغريب.
كان سكان الموصل المسلمون يطلقون على الشبك تسمية "جيش مكرو"؛ وهي عبارة استفهامية تعني باللغة الشبكية "ماذا يعمل؟" وقد ترد خلال حديث شخصين عن شخص ثالث من دون أن يترتب عليها أي تصنيف، وقد استعملت على نحو تمييزي من خلال إخراجها من سياق استعمالها في إطار التواصل بين الشبكيين وتعميمها كتسمية على جماعة بعينها، فهذه الجماعة أصبحت منذ الآن هي جماعة "جيش مكرو"، والشبكيون هم الـ"جيش مكرو".
في رأي يوسف كانت النظرة التي تجعل الآخر في مرتبة أدنى اجتماعيا موجودة في البيئة الموصلية التي عاش فيها، فقد "كان المجتمع المصلاوي ينظر نظرة دونية إلى الأيزيدي والشبكي و في بعض الأحيان إلى الكردي أيضاً". وبعدها بدأت مظاهر التمييز تنتقل إلى المجتمع الكردي بوصفه مجتمعا أكبر، فأخذ الشبكيون يواجهون هذا التمييز على صعيد كردي بعد أن كانوا يواجهونه على صعيد محيطهم العربي.
وخلال مدة الدراسة الابتدائية كان صديقه المقرب مسيحيا، يستذكر تلك المدة بنوع من الحنين "كان اسمه جورج، وأنا اتذكره حتى هذه اللحظة لأن علاقتنا كانت قوية، ولا أعلم الآن إن كان هذا لأسباب لها علاقة بطبيعة الصداقة فقط، أم لأننا كنا نشعر بالتمييز، ولأن الآخرين امتنعوا عن مخالطتنا؟"
وفي مرحلة الدراسة المتوسطة كان صديق يوسف المقرب هذه المرة أيزيديا، وقد بدأ يتضح له الآن أكثر من ذي قبل أن هذا الأيزيدي المنبوذ والذي يتجنبه الطلاب المسلمون، كان مندفعا لصداقته، لكونهما يشتركان في المعاناة من سياسة العزل التي تبنتها الأغلبية السائدة من الطلاب. وأصبح التشكيك بهويته خطرا عندما زارهم نائب رئيس الجمهورية "عزت الدوري" إلى المدرسة، كان طالبا في الصف الثاني المتوسط، ويتطلع مثل زملائه لمهرجان الربيع الذي يقام كل عام ، وكان الحضور الرسمي يضفي طابع التعبئة على هذه المهرجانات الجماهيرية الحاشدة. وكان يوسف مثل غيره من الطلاب منتميا إلى "الطلائع"؛ وهو تنظيم يضع الطلاب في عمره ضمن إطار سلوك ممنهج وشبه عسكري لكي يرسخ انضباطا عاما في تشكيل هوية الجيل الجديد وطاعتهم للسلطة، كما كان الأمر في تنظيم الطلاب في المانيا الثلاثينيات في ما يعرف بـ"الشبيبة الهتلرية".
واثناء الاحتفال قام مع زملائه بفتح أغلفة مجموعة لوحات عرضت أمام الجمهور في حين كانت الأغاني الوطنية تنطلق من جهاز تسجيل ضخم، وبدأ المذيع يهتف أمام جمهور ضخم يقدر بعشرات الآلاف بشعارات تستعير من التاريخ حصار الموصل على يد "نادر شاه" الذي حاول احتلال المدينة بجيش من الغزاة، ثم اعاد التذكير ببقايا جيش نادر شاه التي ما تزال تعيش "هنا". كان خطاب المذيع يعيد تشكيل بقايا الغزاة في صورة معاصرة لجماعة تعيش بين ظهراني سكان المدينة، ومثل من حوله شعر بالغضب على هذه البقايا التي ينبغي "إبادتها".
لم يكن يوسف حينها يعرف أن "الشبك" قد حجروا في زاوية هذه البقايا التي خلفها الغزاة، والمخاطر التي تعكسها الصورة النمطية عنهم بوصفهم من بقايا جيش نادر شاه، وأنه على صغر سنه وملابسه المرتبة وطاعته المطلقة يعدّ في نظر السلطة جزءا من هذه البقايا، وأن الجماعة التي ينتمي إليهم بفعل الولادة تواجه خطر التصنيف كعدو أو مشروع لطابور خامس له، في وقت كانت فيه البلاد تخوض حربا على الجبهة الشرقية ضد إيران، وفي ظل إعادة كتابة للتاريخ تركز على الدور التآمري الفارسي وضرورة تصفية جيوبه العميلة التي كان من نتائجها تهجير الكرد الفيليين.
بقي مشهد الاحتفال الرسمي وكلمات المذيع ترن في ذاكرة يوسف، لم يكن حينها واعيا لهذه القراءة الرسمية للتاريخ، لكنه تعلم مثل جميع أقرانه أن يقرأ التاريخ على وفق هذه المنهجية التآمرية بين (غزاة وشعوب اصلية)، وفيما بعد، في المرحلة الإعدادية، وعندما أخذ يقرأ التاريخ الخاص بالشبك خارج إطار التاريخ الرسمي الموجه إيديولوجيا، عرف أنه بوصفه شبكيا كان مصنفا كذلك، كبقايا جيش محتل حاول قبل قرون احتلال الموصل من جهة الشرق، وتعين على طفل مثله أن يولد في مجتمع يحمله وزر هذا التاريخ كله، واتضحت أسباب التصرفات التمييزية التي كان يتعرض لها في المدرسة.
اما في التسعينيات فقد كان يوسف شاهدا على سياسة تغيير القومية التي طبقت رسميا من قبل حكومة البعث، يتذكر يوسف ذلك اليوم الذي جاء فيه جاء أحد الشيوخ من عشيرة النعيم إلى منزل العائلة وعرض على والده فبركة نسب عربي من خلال رسم شجرة العائلة على نحو يربطها بعشير الشيخ.
لكن عدم نجاح هذا الرجل مع عائلة يوسف لا يعني أنه لم يجرب حظه مع عائلة أخرى وينجح معها في مهمة مثمرة لأي شيخ عشيرة، فالوزن العددي يتناسب طرديا مع زيادة نفوذ الشيخ وعشيرته في مدينة الموصل من جهة، فضلا عن العوائد التي يمكن أن يجنيها من السلطة التي تحركت لشراء ود شيوخ العشائر، وكان يمكن من جهة أخرى أن يحصل شيخ العشيرة أو أحد ابنائه على رتبة حزبية اعلى مع ما يترتب عليها من منافع. وبذلك تحولت عمليات تزييف الهوية إلى مزايدات عشائرية رقمية على أفراد الأقليات غير العربية.
وحياة يوسف في التسعينيات تجعله ايضا شاهدا على صحوة الهوية الدينية للشبك، فبعد هزيمة حرب الخليج 1990 وانطلاق الحملة الايمانية في التسعينيات تصاعد المد الديني، وشمل ذلك الشبك ايضا في صحوة هوية شيعية. وقد اتخذ الصراع داخل الشبك الذي بدأ يتضح خلال التسعينيات شكل حركتين متضادتين:
- (حركة من السلطة باتجاه الجماعة) من خلال السعي لتحديد هوية الشبك بتعريبها من خلال فبركة اشجار النسب وربط العوائل الشبكية بهويات وهمية تعود لعشائر عربية، (سوف اتناوله في المقال المقبل).
- (حركة بأتجاه الداخل) من أفراد الجماعة للحفاظ على تماسكها الداخلي وترسيم حدودها الثقافية إزاء الآخر. فقد نما في الواقع حراك هوياتي داخلي اتخذ طابعا إحيائيا لطقوس وعادات تنتجها الجماعة وتستهلكها "في الداخل"، وكانت في طبيعتها حركة للحفاظ على التماسك الداخلي إزاء الآخر، تغذت على الحدود الثقافية المغايرة للجماعات المجاورة، فهناك إرث تاريخي يمد جذوره بالأصل العرقي للشبك من سلالة محاربين استقروا في بيئة مختلفة إيكولوجيا عن بيئتهم الأصلية، أسندها منشأ الجماعة المختلفة إثنيا في محيط عربي، ومذهبيا من خلال اعتناقها التشيع في محيط سني.
اتخذ الحراك المتمثل بممارسات طقوسية وشعائرية طابعا سريا داخل المنازل، وتميز ببصمة طقوسية خاصة تتبع تقاليد صوفية بكتاشية، وقد غذا تاريخ البكتاشية التي نشأت في القرن الثالث عشر الجانب السري في ممارسة الطقوس، فقد كانت البكتاشية فرقة دينية صوفية سرية لها صلة بعلويي تركيا تصل في بعض الأحيان إلى التماهي معهم في سياق واحد علوي/بكتاشي.
يصف يوسف طقسا ذا منشأ بكتاشي برأيه وهو (جمعه لخ)؛ وهي طريقة بكتاشية وفدت من تركيا بتأثير رجال الدين، ففي يوم الجمعة تجتمع العائلة الشبكية، ويتصلون بالسيد طالبين منه الحضور في ليلة الجمعة، فيؤم صلاتهم، ويقود ممارستهم للشعائر الحسينية بشكل سري داخل المنزل، وتمحورت الطقوس حول مديح أهل البيت الأئمة الاثني عشرية بطريقة الموشحات والغناء. ويبدو أن هذه الطريقة وجدت منذ أن نمت البكتاشية في الوسط الشبكي وإلى يومنا هذا.
وقد بدأ المجتمع الشبكي يمزج بين تشيعه وممارسته لطقوس الطريقة البكتاشية إلى حد وصل فيه الأمر إلى تحول رجال الدين إلى نخبة مستقلة تعيد انتاج دورها وتشارك في بلورة هوية الجماعة.
وتمحور دور رجل الدين حول الحفاظ على المحدد المذهبي للهوية، ونشر التعاليم التي يعدها صحيحة، وأصبح له دور اجتماعي في حل النزاعات العائلية، فقد كان تدخله كفيلا بحل الخلافات الزوجية والصراعات العائلية. واعتقد ان هذا التحول في تسعينيات القرن الماضي بلور هوية الشبك على نحو جعل انطلاقهم كجماعة متميزة ممكنا في ضوء التغيير الذي شهدته البلاد بعد العام 2003.




سياسة الهيمنة الاستيعابية للدولة وأوهام الهويات القاتلة


سعد سلوم




الشبك : الطائفة الضائعة بين التعصّب العِرقي والإبادة الثقافية (4)
طرأ تحوّل أساسي في هوية الشبك في تسعينيات القرن الماضي بفعل ظروف متعددة، الهزيمة في حرب الخليج الثانية، ثم الجزاءات الاقتصادية التي فرضت من قبل الأمم المتحدة وفقاً لقرار مجلس الأمن 661 ، ومن دون تناول تلك السنوات الفاصلة وشرح خلفية التحولات التي رافقتها، يصبح من الصعب رسم صورة عن الهوية الشبكية اليوم، التي ما كان بالإمكان تصورها أصلا على هذا النحو الذي تتبدى به اليوم، لولا الظروف المعقدة التي مر بها العراق منذ بداية تسعينيات القرن الماضي واندلاع حرب الخليج الثانية.

فمع غزو الكويت واندلاع حرب الخليج وتدمير البنية التحتية للعراق 1991 ودخول البلاد في قفص الحصار الاقتصادي الذي امتد ثلاثة عشر عاما، ضعفت قبضة الدولة الحديدية وأصبحت الرقابة أقل فتكاً وفاعلية، فنمت أغصان للهويات الفرعية المشذبة أو المقطوعة، ومع الحملة الإيمانية التي انطلقت في التسعينيات، أصبح النزوع الهوياتي يتخذ طابعاً دينياً، وفي حالة الشبك كان رد الفعل صحوة للهوية الشيعية.
شهدت التسعينيات حركة قامت بها السلطة لتدعيم سلطتها من خلال أوجه عدة ، منها إطلاق الحملة الإيمانية في إطار صراعها مع الغرب الأميركي غير المسلم، وذلك بعد سياستها بالغة القسوة في قمع انتفاضة الشيعة في الجنوب، والكرد في الشمال، فضلاً عن إصدار مجموعة من القرارات لتأكيد الهوية العربية في ضوء احتمالات نشوء كيان كردي بازغ برعاية غربية بعد صدور قرار مجلس الأمن 688، وفرض مناطق حظر الطيران التي أتاحت للكرد وضعاً شبه مستقل. وكان قد سبق للسلطة أن أصدرت قراراً بشأن منع العراقي عربي القومية من تغيير قوميته إلى قومية أخرى، وكما هو واضح يمنع هذا القرار من يريد استعادة هويته الأصلية أو حتى يقوم بإعلانها على خلاف ما يرد في أوراقه الثبوتية، وحتى لو حصل ذلك بفعل خطأ موظف حكومي، فضلاً عن حالات تغيير قوميته قسراً إلى العربية في التعداد السكاني للعام 1977.
صدر هذا القرار بعد انتهاء الحرب مع إيران عن مجلس قيادة الثورة بجلسته المنعقدة بتاريخ 27/11/ 1988 استنادا إلى أحكام الفقرة (1) من المادة الثانية والأربعين من الدستور، وقضى بمنع تغيير القومية العربية إلى قومية أخرى لأي سبب كان، وعاقب القرار بالحبس مدة لا تقل عن سنة كل من خالف أحكام القرار، وسرت أحكام هذا القرار على كل من استبدل أو غيّر قوميته العربية قبل نفاده اعتبارا من 4/9/ 1980. وهو التاريخ الذي يتذكره العراقيون بوصفه إيذانا رسميا بنشوب الحرب مع إيران. وقد صدر في وقت لاحق قرار يتضمن حركة مكملة ومعاكسة، فقد كان يتعلق بتشجيع كل عراقي تغيير قوميته إلى العربية، والأخير كما هو واضح موجه بشكل خاص لتغيير هوية الكرد والإيزيديين والشبك والتركمان. وإذا كان هذا القرار الأول يقطع الطريق على من غيرت قوميته إلى العربية لاسترداد هويته القومية الأصلية أو السابقة لتغيير قوميته إلى العربية، فإن القرار الثاني شرع لتأسيس نظام رسمي لتغيير القومية إلى العربية، وتشجيع كل عراقي غير عربي تغيير قوميته إلى العربية، ومن الواضح أنه موجه بشكل خاص لتغيير هوية الكرد والإيزيديين والشبك والتركمان والكلدو آشوريين الذين كان يطلق عليهم القانون تسمية (الناطقين بالسريانية).
وضع القرار خيارا لتحديد الهوية وتركه للفرد، في صيغة أطلق عليها القرار تسمية "الحق في اختيار القومية"، والمقصود هنا بالتحديد اختيار القومية العربية، وقد استند في ذلك حسب ديباجة القرار على ثلاثة مبررات: الأول تاريخي والثاني حقوقي والثالث آيديولوجي، إذ ذكر القرار أنه نظرا لوجود حالات موروثة في سجلات حقبة الحكم العثماني للعراق، ومن أجل إعطاء العراقي حق اختيار قوميته، وانسجاما مع مبادئ حزب البعث العربي الاشتراكي في أن العربي هو من عاش في الوطن العربي، وتكلم اللغة العربية، واختار العروبة قومية له. واستنادا إلى احكام الفقرة (ا) من المادة الثانية والأربعين من الدستور، قضى بالسماح لكل عراقي أتمّ الثامنة عشرة من العمر الحق في طلب تغيير قوميته إلى القومية العربية، وبين القرار أن طلب تغيير القومية يقدم إلى دائرة الجنسية والأحوال المدنية المسجل فيها الشخص، وحينها يبتّ مدير الجنسية والأحوال المدنية في المحافظة في الطلب خلال (60) يوما من تاريخ تقديمه، وبعدها ثبت قرار تغيير القومية في السجل المدني، واتخذ أساسا لتعديل جميع السجلات والوثائق الرسمية الأخرى، وأكد القرار إصدار وزير الداخلية تعليمات لتسهيل تنفيذ أحكام هذا القرار.
وقام وزير الداخلية آنذاك "محمود ذياب الأحمد" بإصدار تعليمات تنفيذ القرار تضمنت الإجراءات المطلوبة للقيام بمثل هذا التغيير، أو كما روج له بمصطلح آخر أكثر آيديولوجية هو "التصحيح"، لكي يخفف من وطأة كلمة "التغيير" التي تفضح الطابع القسري في هذه السياسة، ولبيان أن العملية لاتتعدى تصحيحا للهوية، ومن ثم يصبح أي خيار هوياتي آخر تفاحة محرمة، ولكي يكفر الفرد عن وقوعه في خطيئة الولادة ضمن قومية أو هوية مغايرة، لابد له من وساطة خلاصية يعاد من خلال اتباعها إلى دائرة القبول بعملية تصحيحية فردية تقوده فيها السلطة إلى بر الأمان الهوياتي.
تضمنت إجراءات تصحيح القومية قيام المواطن الذي يروم تغيير قوميته إلى القومية العربية تقديم طلب إلى رئيس دائرة الأحوال المدنية المسجل فيها، على أن يرفق بالطلب: صورة من شهادة الجنسية العراقية وصورة من هوية الأحوال المدنية. ثم يقوم رئيس دائرة الأحوال المدنية المتخصص بتنظيم صورة قيد العام 1957 يثبت فيها جميع الشروح الخاصة بالمواطن الذي يروم تغيير قوميته. ويفاتح رئيس الدائرة، الجهاز المركزي للإحصاء لتأييد قومية المواطن قبل طلب التصحيح.
بعدها يرفع الطلب رئيس الدائرة المتخصصة مع الوثائق المطلوبة إلى مدير جنسية وأحوال المحافظة للبت فيه على وفق أحكام قرار مجلس قيادة الثورة المرقم 199 لسنة 2001. ويفتح مدير جنسية وأحوال المحافظة سجلا خاصا يسجل فيه طلب المواطن الذي يروم تغيير قوميته إلى العربية يسمى (سجل تغيير القومية)، وعلى مدير الجنسية والأحوال المدنية في المحافظة تدقيق الطلب ومرفقاته وإحالته إلى مديرية شؤون الجنسية لتأييد صحة صدور شهادة الجنسية العراقية لصاحب الطلب، وإعادتها مع المرفقات إلى مدير جنسية وأحوال المحافظة للبت في الطلب خلال مدة (60) يوما من تاريخ تقديمه.
وبعد التحقق من توافر الشروط القانونية يصدر مدير الجنسية والأحوال المدنية في المحافظة قرارا بتغيير القومية إلى القومية العربية، ويرسله إلى مديرية شؤون الأحوال المدنية والدائرة المسجل فيها المواطن والجهاز المركزي للإحصاء لتثبيت القومية في السجلات الموجودة لديهم، ويرسل نسخة من القرار إلى مديرية شؤون الجنسية لتثبيتها في إضبارة شهادة الجنسية العراقية لصاحب الطلب. جاء هذا القرار ليؤطر رسميا سياسة تعريب الأقليات غير العربية ومنها الأقلية الشبكية، فقد تحركت السلطة لتأصيل عروبة العوائل الشبكية، وكلفت المقرات الحزبية في مناطق الشبك والمناطق الأخرى داخل مدينة الموصل بتنفيذ هذه السياسة التي أخذت طابعا قانونيا رسميا مع صدور هذا القرار، ونجم عن ذلك قيام الأفراد الشبكيين بتنسيب أصلهم الإثني لـ(شجرة نسب عربية محددة) يجري تسجيلها بشكل رسمي.
انطلقت عملية تأصيل الجذور العشائرية للشبك عربيا، وأخذت مقرات الحزب الحاكم ودوائر المخابرات والأمن تبلغ الشبك بضرورة فبركة جذور عربية من خلال الانتماء لأي عشيرة عربية، فأصبح الشبك مصنفين إلى عشائر عربية عدّة: الطائي، النعيمي، العبادي، الحديدي... وغيرها. وفي الواقع كان هذا التماثل في مدة متأخرة من حكم البعث أمرا شمل الأقليات الأخرى غير العربية، ولربما كانت ظروف الحرب العراقية الإيرانية قد أخرت تنفيذ المشروع الذي بدأ منذ بيان آذار 1970 الذي اعترف بهوية مختلفة هي الهوية الكردية، فصنف المجتمع العراقي إلى مجتمع قطبي يتكون من أغلبية عربية وأقلية كردية.
أما وضع الأقليات الأخرى فقد كان يقتضي خيار الاعتراف بخصوصيتها بما يجعل من العراق بلدا تعدديا، أو تذويبها في الهوية العربية الأكبر، وكان الخيار الأخير الأمثل بالنسبة للسلطة لاسيما في المناطق الفاصلة بين العرب والكرد. وقد ذكر لي افراد عديدون من الشبك قصصا مختلفة عن عروض قدمت اليهم من قبل شيوخ العشائر العربية في سبيل فبركة نسب عربي ورسم شجرة تربطهم بهذه العشائر . ومن الواضح ان اطلاق سلطة العشائر واعادة احياء نفوذها حقق اكثر من غرض لسلطة البعث آنذاك، لكن استخدامها في سياسة الهيمنة الاستيعابية للاقليات غير العربية هو امر لم يحز على التفات الباحثين في دراسة دور العشيرة خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.
لم تكن السلطة بسبب الحجم الديموغرافي المتواضع للشبك لتهتم بهم كأقلية متميزة من الناحية العرقية أو المذهبية، على العكس من اهتمامها بالمسيحيين الذين ينتشرون في كركوك حيث قلب الصراع الكردي العربي، وبغداد حيث يكمن دماغ السلطة، وفي كردستان حيث نشأ كيان شبه مستقل عن الدولة، وحتى في الجنوب، لاسيما في البصرة، حيث انطلقت انتفاضة الشيعة ضد السلطة 1991.
لكن مع ذلك كان لا بد من ضم الشبك في معركة الصراع مع الكرد، أو على الأقل تحييدهم بأي طريقة ممكنة، بحيث لا يمكن لهم أن ينضموا لحراك كردي في منطقة صدام ستراتيجية بين الكيان الكردي شبه المستقل برعاية أممية وسلطة المركز المتاخمة، وكانت الأقليات ومنها الشبك تسكن في هذه المنطقة الفاصلة بين أربيل والموصل، التي تكمن أهميتها الستراتيجية في تمركز وحدات الجيش العراقي فيها.
من جهة ثانية أوجب الحجم الديموغرافي الناهض للشبك في الموصل، وكونهم أقلية مسالمة لا تشكل خطرا على السلطة، أوجب اهتمام السلطة بهم الذي اتخذ في التسعينيات منحى أكثر بروزا. لاسيما بعد أن أخذوا بلعب دور اقتصادي في الموصل. لذا كان لا بد من حسم هوية الشبك لقطع طريق الشك والتطابق مع هوية رسمية مفترضة.
وفي الواقع كان الدور الاقتصادي الناهض للشبك نتيجة التمييز الذي يواجهونه والنظرة الدونية التي تجعلهم في سلّم أدنى، ولكونهم غير منقادين إلى حزب البعث، ولم تكن آيديولوجيته جاذبة لهم، ولم تتوافر لديهم قياديات فيه على المستوى المحلي أو الوطني، فكان اتجاه الشبك نحو إثبات الحضور من خلال التجارة والعمل نوعا من التعويض عن دورهم المفقود على أرض الواقع السياسي والاجتماعي.
وبما أن الضغوط حول حسم هوية الشبك وصلت إلى مرحلة حرجة، فكان القرار الرسمي للاتجاه إلى فبركة الأنساب العربية، ورسم اشجار الانتساب الى عشائر عربية، وقد استجاب كثير من أفراد الشبك لضرورة الانتماء إلى عشائر معينة. وفي ظل سعي السلطة لدعم مرجعية شيعية عربية أصبح فك الطوق الأمني عن ممارسة الشعائر في ظل حدود مدروسة بعناية، أتيحت للشبك فرصة ممارسة الشعائر الدينية الشيعية، فنمت تدريجيا ممارسات ثقافية كانت مطمورة أو شبه سرية، واستعاد المحدد المذهبي دوره في الهوية الشبكية مع ممارسة الشعائر الدينية في قرى الشبك في منطقة سهل نينوى، وتبلور في الاتصال مع المرجعية الدينية في النجف، وانضمام الطلبة الشبك للدراسة في الحوزة العلمية في النجف الاشرف، واتخذ منحى خاصا بعد حادثة اغتيال آية الله محمد صادق الصدر سنة 1999، التي تحول فيها السيد الصدر إلى إيقونة للنضال ضد السلطة. وبدأ الشبك يمارسون الشعائر الحسينية في مناطقهم ومنازلهم على نحو علني إلى أشهر قليلة من الغزو الأميركي للعراق 2003.