المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الخليقة .. عند الايزيديين .. 1 فواز فرحان



bahzani-3
11-15-2016, 23:04
الخليقة .. عند الايزيديين .. 1


فواز فرحان

الخليقة وتفسيرها عند الايزيديين ليست اسطورة .. بل تفسير سليم لنشأة الكون جاءت من خلال علم نوعي قائم على دراسة المنظومة الكونية منذ لحظة نشوء وسديم الفكرة الما قبل كونية أو ما نسميها في العلم الايزيدي بالأزل ( ايسف ) , وقد جسدت العديد من النصوص المقدّسة ( السبقات الدينية ) هذه الحقيقة وهذا التفسير عبر استعارات رمزية عكست هذا التفسير بشكل سليم وصلت الينا من خلال طريقين , الطريق الأول هو النص المقدس ( السبقة الدينية ) والطريق الثاني هو العلم الخفي المقدس والذي نسميه بالعلم الباطن الايزيدي ..

عندما نزح آدي من الأزل الذي كان يمثله شكل نظاماً مستتراً لواقع متجلي , هذا النظام المستتر بدأت مع إشراقات إشعاعاته الأولى بذور العلم الهندسي الايزيدي ( الإلهي ) الخفي المقدّس , بدءاً من الحركة اللولبية للتجلي ومروراً بتكوين العناصر الأربعة ( النار , الهواء , الماء , التراب ) وانتهاءاً بالتجسيد الفعلي للتجلي في دائرة صفراء مقدّسة تشكل البعد الأسمى للدائرة الملكية السماوية الأولى , في هذه الدائرة تجسّد الخلود بأسمى معانيه , وأصبح كل بُعد في الأبعاد الأربعة والمتجهة الى الإتجاهات الأربعة عنصراً أساسياً من التكوين المقدّس , فحركة النزوح من حالة الأزل ( إيسف ) ومروراً بالحركة اللولبية وانتهاءاً بتجسيد التجلي ( الذهب والألماس ) و ( اللبن والعسل ) وغيرها من الإستعارات اللفظية العميقة لهذه الظاهرة المقدّسة شكلت دائرة الوعي الأقدس كونياً ( آدي ) وسلطانه على الكون ومنظومته , وبعد هذا النروح من الأزل تكثفت كل طاقات النور عبر مسارات لولبية لتدخل في تشكيل هذه الدائرة الملكية السماوية الأولى ولتشكل في نفس الوقت مركزاً للوعي االأقدس في الكون ( سلطان آدي ) , وفي نفس الوقت خلّفت عملية النزوح وتكثيف النور في الدائرة وراءها الظلام المطلق ( الكربون ) , في العلم الهندسي الايزيدي الخفي المقدّس فسّر الايزيديون عملية التشكيل هذه بأنها البداية الحقيقية لظهور الوعي المعدني , حيث وصفوا النور الأقدس بشعاع الألماس الناصع البياض والنقاء , ووصفوا الظلام الدامس بالكربون , ومركز الوعي المكثف الأصفر اللون بالذهب الخالص , وسموا العناصر الأربعة التي شاركت في تأسيس الدائرة الملكية السماوية الأولى بأسماءها ( النار , الهواء , الماء , التراب ) وأوضحوا أن النار التي دخلت الدائرة السماوية الأولى مثلت الشرارة التي إنطلق منها التجلي , والهواء بمثابة الرياح الحاملة للشرارة , والماء بمثابة المد والجزر الأزليين لهذه الشرارة , والتراب على أنه التجسيد المادي الفعلي لها , وبما أن هذه العملية جرت في دوائر أربعة خلفتها عملية التجلي لذلك بدأت عملية التقسيم الفعلي للعوالم تخضع فعلياً لهذه الدوائر التي تحكمها العناصر الأربعة ..

ليس للعوالم فحسب بل حتى الكائنات وكل المخلوقات في الكون تقسم إستناداً الى هذا التصنيف الدقيق الذي وضعته الايزيدية أثناء تفسير نشأة الكون في دائرته السماوية الأولى , وحتى الكواكب المنضوية في مجاميع شمسية تقسم استناداً لهذا التصنيف , فهناك كوكب ناري , وهناك كوكب مائي , وهناك مجرّة شمسية هوائية , وأخرى مائية , وهناك شخصية ترابية , أو شخصية ناريّة .. وهكذا ..

هذا التفسير الدقيق الذي وضعه العلم الايزيدي الخفي المقدّس لنشأة الكون بقي سائداً حتى يومنا هذا سواء في العلم الأكاديمي الكمي أو العلم النوعي ( العلم الباطن ) , سماه البعض بالإنفجار العظيم , وسماه الآخرون ببداية الخليقة , لا تهم هنا التسميات والإستعارات اللفظية والصوتية والصورية بقدر ما يهم فهم العملية بشكلها السليم النقي الخالي من أي طبيعة غيّبية في التعريف , فالايزيدية علم مقدّس قبل أن تكون شيئاً آخراً , وحتى نفهم مضمون هذه الدائرة الملكية السماوية الأولى التي إنبثق منها الكون ومنظوماته العملاقة بأسرها يجب أن نصفها لا أن نعرّفها , فهي طاقة واعية قبل كل شي , وعي مقدّس يعلو عن إستيعابنا لهُ , مستوى عظيم من النور , هالة من القدسية في أربعة أبعاد , مصدر للطاقة الروحية , ومصدر للقوانين الفيزيائية في أربعة أبعاد , مصدر لكل أشكال المادة , مصدر لكل أنواع الطاقة , مصدر لكل المسارات الطاقية , مصدر للمجالات المغناطيسية العملاقة في الكون , مصدر للجاذبية في الكون بمختلف أبعادها ..

هذا هو الوصف الدقيق على أقل تقدير للمستوى العظيم من النور لسلطان آدي في الكون , ومنه تدرّجت عملية الخلق والتجلي بإستمرارية لم تنتهي حتى هذه اللحظة ولا تنتهي الى الأبد , وطالما بقيت هذه العملية مستمرة بقيت حياتنا قائمة على أساسها ليس في بُعدنا الأرضي فحسب بل في كل الأبعاد ( الغير مرئية بالنسبة لنا ) الأخرى , هذا الأمر يجب أن نفهمه قبل أن ننطلق في سرد ما ترتب على عملية التجلي المقدّس لسلطان آدي , فهو نظام من مستوى الأقدس كونياً تجلى عبر عملية خلق ذاتية لا يمكن سبر أغوارها بسهولة , هذا المستوى العظيم من الوعي والمصدر الخفي للطاقة الكونية بدأ عنده الزمن السماوي , هذه الطاقة الكونية المقدّسة تفاعلت مع الوعي الأقدس لتشكل ثنائية سرمدية إنبلجت معها مبادئ كونية عظيمة يسبر أغوارها أصحاب الطهارة والنقاء والإستقامة , لتشكل المجال الموحد في الكون والذي تحرّك ليشكل مبدءاً ثانياً إسمه الإهتزاز في عملية الخلق التي رافقتها نغمات موسيقية منبعثة من الوعي الأقدس وترددات رنينية مقدّسة لمجالها الموحد وهجع وظهور في تناهيها المطلق , فالوعي المقدّس متأصل في الطاقة المقدّسة ليشكلان المجال الموحد لهذه الثنائية التي قام على أساسها التجلي وعملية الخلق في الأساس ..

من هذه الدائرة الملكية السماوية الاولى إنطلقت الفكرة الجوهرية للخلق والإنبثاق , وإنطلقت معها أعمدة العلم الهندسي الايزيدي الخفي المقدّس , نشأت معها العدالة المطلقة التي لا يمكن قياسها ونشأ قانون الكون الصارم الأوحد الذي لا يقبل الجدل , من هذه الدائرة الملكية السماوية الاولى نشأة حكمة الدهور ونبضها السرمدي , في هذه الدائرة مستوى عظيم من الوعي المقدّس إنبثق , فيها عقل الكون الكلي الطابع , فكل ما نشأ منها هو إبتكار ذهني للكل , للوعي الأقدس آدي وسلطانه الكوني الأبدي الخالد ..
هذا السلطان المقدّس يمثل أساس كل التجليات المقدّسة التي ترتبت على إنبثاق نوره , فالكون المادي , وأشكال المادة فيه وأنواع الطاقة والمجالات المغناطيسية وكل نغمات الكون والترددات الرنينية تخضع الى هذا الأساس , يمثل روح أعلى من أن يدركها استيعابنا البسيط ويمثل وعي مقدس يعلو على فهمنا لهُ , فقانون الأشياء المتجلية عن هذا النزوح هي في الواقع إنعكاس للإبتكار الذهني للكل العظيم ( آدي المقدّس ) ..

وبالإضافة الى أن هذا المستوى العظيم من النور يمثل معبداً للمعرفة الخفية , ومعبداً للحرية الأبدية , ومعبداً للذكاء المطلق فإنه يشكل قانون النظام الكوني الشامل العميق الذي بدأت مع إشعاعاته الأولى نبض الحياة في الكون , وكل من دخل أبواب العلم الهندسي الايزيدي الخفي المقدّس وتبحّر في مبادئها المقدسّة يستطيع إستيعاب الجوانب السببية للطبيعة العقلية الفعالة لهذا المستوى العظيم من النور والطبيعة السببية للوعي العظيم الفعال يمكنه ان يقترب الى تاج المعرفة الايزيدية الخفية المقدسة , يمكنه أن يكون بين العظماء والأجلاء في منظومتنا الكونية ومسيرتها السرمدية التي لا تتوقف أبداً , وهذا التجلي المقدّس لسلطان آدي الذي ولّد مع نزوحه في دائرته الملكية السماوية الأولى قوانيناً كونية صارمة لا تقبل الجدل عكس ( بفتح الحروف الثلاث للكلمة ) في نفس الوقت ظواهر خارجية مثلت جوهر تلك القوانين , وهذه الظواهر تجلت كما ذكرت في أربع مستويات لأربع عناصر في مستويات متعددة للوجود والحياة ونبضيهما , ولأن العلم الهندسي الايزيدي الخفي المقدس إنبثق من هذه السيرورة الأبدية فإنه ظهر الى الوجود كعلم شبيه بمصدره يعتمد على علم ظاهر جلي وكذلك على علم باطن مستور على عمودين للمعرفة عمود يسمى المربي ( الشدّة ) وعمود يسمّى البير ( الرحمة ) , وهما في نفس الوقت يعكسان مبدأ الثنائية التي قام على أساسها القانون الكوني الشامل ( الأبيض والأسود ) ( الذكر والإنثى ) وهكذا , العلم الظاهر الجلي الذي جسّدته سبقات الايزيدية ونغماتها الموسيقية وطقوسها المقدسة يعكس في جوهره علم باطن مستور , هذا العلم الباطن المستور يتناول المسائل والقضايا المتعلقة بسيرورات الطبيعة الكونية ونواميسها الخفية , وبذلك يكون مكملاً الى العلم الظاهر الجلي ويغوص في أعماق أسرار المنظومة الكونية الى درجات عليا تسمو معها على طبيعة تركيبتنا الفيزيولوجية في الإستيعاب , وحتى أبسّط الأمر للقارئ أقول أن الظاهر الجلي هو العلم الكمي , والباطن المستور هو العلم النوعي القائم على ألغاز علمية تسبر أغوار أسرار القوانين الكونية بأعمق أشكالها , ليس ذلك فحسب بل تذهب الى أبعاد تأخذ معها الكائن الى مستويات عليا من الوعي والنور ..

هذا العلم النوعي الباطني المستور هو ما يركز فيه الايزيديون على سبر أغوار أسرار المبادئ الإلهية المسيطرة على الكون وسيرورة هذه االقوانين وفعلها وتأثيرها فيه , ومن هذه الزاوية فقط أطلق الايزيديون على علمهم بعلم الصدر أو العلم الايزيدي الخفي المقدّس , فهذا التجلي المقدّس لسلطان آدي هو من أسس هذا المحيط العلمي والمعبد الإلهي للمعرفة التي تنتشر في المنظومة الكونية دون حدود , وحتى نفهم طبيعة نبضها نكون بحاجة لأعظم الأذهان وأنقى الأرواح , ولا يمكن أن يلف الغموض هذه الأسرار إذا ما توفر الشرطان في طرق شواطئ هذا المحيط النقي للمعرفة وكذلك طرق أبواب هذا المعبد المقدّس للمحبة ..

من الصعوبة بمكان أن نتصور أن شرطي المحبة والمعرفة يمكن لنا تطبيقهما بغمضة عين ! هذا الأمر سيبدو سطحياً ويعتقد به الساذج فقط , فهما رياضتان كونيّتان لا يمكن التمتع بهما قبل الدخول الى أعماق العلم الايزيدي الخفي المقدس وأبواب المعرفة الايزيديه فيه , وربما يستغرق عشرات الأعوام قبل أن يصل المرء شاطئيهما , وربما يفشل بسبب ثقل تأثير البُعد المادي ووجود الأرواح المتخبطة والأذهان المشتتة وكذلك بسبب سرعة دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس , وعلى هذا الأساس يكون العمل على الوصول الى الأذهان النقية والأرواح النقية لمواصلة التعلم ودخول أبواب العلم الخفي الايزيدي المقدّس , وهذه الاستطالة للعلم تمتد لتشمل كل المبادئ المبطنة الخفية التي قامت على أساسها المنظومة الكونية والتي تدرسها الهندسة الايزيدية الخفية المقدسة , فهي في جوهرها تستهدف دراسة خفايا وأسرار الكون والطبيعة بكل مستوياتها , فكل أسرار المنظومة الكونية قابلة للرصد والتعلم من خلال أدوات العلم وحدها وهذا ما أدركه الايزيديون منذ آلاف السنين , فما نسميه غيبي في بُعدنا الأرضي بالنسبة لأصحاب البصيرة الروحية النقية التي أنجبت منهم الايزيدية عشرات الآلاف عبر تاريخها الطويل هو ظاهري جلي للغاية لا يلوثه غيّب ويعلو على مستوى وعينا وإدراكنا بهذا المستوى الضعيف من الشروط التي نحملها في محاولة إختراق أسراره وسبر أغواره ..

فكل شيء في هذه المنظومة المقدّسة التي ظهرت مع ظهور الدائرة الملكية السماوية الأولى يمكن كشفه من خلال النقاء الروحي والطهارة الجسدية والإستقامة الأخلاقية الواعية الغير منقوصة , وما هو خفي يمثل جانباً سببياً للوجود كلما تعمقنا فيه تعمق إدراكنا وقدرات إستيعابنا لعظمة المسبّب ( سلطان آديا ) , كما يمكن إدراك هذا الجانب السببي الذي يمثل جوهر الوجود بعظمة الإدراك والإحساس , وبسبب قدسية هذا العلم النوعي الباطني المقدس تم حجب الحكمة بنقاب سميك بمرور الزمن عن الأغلبية الغير ملتزمة بالشروط الروحية والذهنية والعاطفية والحسّية التي تجعلهم مؤهلين لدخول أبواب المعرفة الايزيدية , وبقيت الأقلية التي تمارس أقصى درجات التحكم بالعقل والعاطفة والوصول الى أعلى درجات الطهارة والنقاء والإستقامة حاملة لشعلة العلم الايزيدي الخفي المقدّس , وأبقت شعلته منيرة حتى يومنا هذا بأسطع صورة وبهاء يمكن تخليها فيه , فالدائرة السماوية الملكية الأولى شكلت أول تجلي مادي للوعي الأقدس وإنبثقت منها صور متعددة لهذا التجلي العظيم , تعمل جميعها بمعزل عن أية فطنة توجهها ..

هذا العلم الايزيدي الخفي المقدّس عندما ركز في خفاءه على هذه السيرورة السرمدية التي لا تتوقف إنما جسّد في جوهره نبض حقيقة هذا التجلي بكل أبعاده , فهو بشكل مباشر حكمة متراكمة عبر العصور وصلت إلينا بأحرف من الألماس والذهب , وبنغمات تعكس سمفونية الوجود السرمدي الخالد , فيه ما يعلو على استيعابنا وفيه ما يمكن لملكاتنا الفكرية والحسية من إدراكه بأعمق صورة , فمن خلال هذا الإدراك نستطيع الصعود تدريجياً الى القمم الشاهقة في طبيعته الروحية , هذا المبدأ الإلهي الطبيعي المتجسّد والمتجانس في ذاته هو مصدر كنوزه الروحية والعقلية والعلمية والمعرفية بأوسع أشكاله ..

وعبر هذه الدائرة الملكية السماوية الأولى إنتشر الوعي الأقدس ليشمل كل المكوّن الجوهري , وينتشر في كل مستوى من مستوياته بما يتلائم ويتناسب ومستوى التفتح فيه , أو درجه إفصاحه عن المبدأ الأصلي ( آدي ) , هذا السلطان العظيم شكل البذرة الكونية الأولى ليتجلى من الباطن الى الظاهر , ومن الظلام الى النور , ومن الأعلى الى الأسفل , ومن الطاقة الى المادة , ومن التردد الى النغمة , هذا التشكل ليس أعمى بل جاء نتيجة مبدأ داخلي فعّال حرّك هذا التجلي من الباطن الى الظاهر , ومهما حاولنا شرح هذا المبدأ الداخلي الفعّال فإنه سيبدو علياً على قدراتنا المحدودة في الإستيعاب وسيبدو الأمر أشبه باللغز العصيّ على الفهم , لكن ما أن يدخل المرء بوابات العلم الايزيدي االخفي المقدّس حتى يبدأ بالتدريج إستيعاب وفهم عمل هذه المنظومة العظيمة من الوعي والمادة ليصل شاطئ النور الحقيقي في الإستيعاب والفهم والتقبّل ..

هذا التقبّل والفهم هو من يقودنا الى فهم الجانب السببي الفعلي في التجلي وتطور العملية حتى الوصول الى أعمق المجرّات الكونية وطريقة عملها ونبضها الكوني الذي لا يتوقف , فالغاية هنا تعود للسببية السرمدية , وهذه السببية السرمدية تحتاج الى تعلم تدريجي يبدأ من العلم الظاهر أو العلم الكمي ويستمر الى أبعاد عميقة تدخل أبواب العلم الباطن أو العلم النوعي , الذي يشكل مبادئ العلم الايزيدي الخفي المقدّس , ليكتشف المرء عظمة تداخل الصورة الكونية الكبرى مع الصغرى التي نمثلها , وكيف تسلسلت تلك العملية التي نطلق عليها بالتجلي المقدّس من أعلى وأعظم مستويات الوعي والنور الى أصغر وأدنى المستويات في عالمنا المادي الموضوعي , هذا التسلسل يمكن فهمه من خلال التدرّج في التعلم صعوداً الى أعلى مستويات الوعي وفق شروط المحبة والمعرفة , والطهارة والنقاء والإستقامة , هذه الشروط أشبه ما تكون بالأدوات الرئيسية في التعلم والبحث وبدونها تنتفي عملية التعلم من الأساس , وينتفي معها فهم ما يعلوا على إستيعاب ملكاتنا الفكرية ..

لقد شكل هذا التجلي لسلطان آدي الوجه المطلق لهُ والثنائية ( الوعي والروح ) المطلقة التي تشكل أساس فعلي التجلي الكوني لهُ , قبل ظهور المادة في العملية لتكمل الثالوث المقدّس في الكون ومنظومته ومبادئ العلم الايزيدي الخفي المقدّس , هذا الأمر لا بد لنا من أن نعيه قبل الإبحار في العملية عبر تسلسل رنيني يصل أدنى مستوياته في بُعدنا الأرضي ونشوء الكائنات والمخلوقات عليه , فكل شيء في المنظومة الكونية وفي الأكوان المتعددة والمجرّات الشمسية المتعددة تعكس ذلك المصدر المطلق في التجلي , فهي خاضعة في أساسها الى نظام هندسي مبني بطريقة تامة التنظيم وسرمدية في ظهورها وتمددها وخفوتها , فكل شيء كما ذكرت متداخل فيها الى حد يصعب علينا استيعابه ليس لصعوبته بل لضعف قدراتنا في الإحساس والشعور بالجوانب السببية لهُ , وعند ذكر كلمة مستوى عظيم من الوعي أو الطاقة فإنني أتجنب قدر الإمكان الوصف الرياضياتي أو الفيزيائي العادي في التسمية , لأن كلمة مستوى أو مستويات تخضع هنا لقوانين المنظومة الكونية التي إنبثقت من هذا المبدأ الأصلي , ومن هذه القوانين كما ذكرت المبادئ الكونية المقدّسة ...

لذلك ينبغي علينا إعطاء المجال واسعاً لقدراتنا الذهنية والفكرية في التصوّر عند الحديث عن هذا المستوى العظيم من النور الذي إنبثقت منه كل الأشياء في الكون ومنظومته , وكذلك إستيعاب المبادئ الكونية لتساعدنا على فهم هذه الدرجات القصوى من التجلي , فهناك مبادئ تشكلت ذاتياً أثناء عملية التجلي ( الإهتزاز , الحركة الدائمة , الثنائية , التناظر , القطبية , النوع , التناغم ) وفهم هذه الدرجات يقرّبنا الى حد بعيد من تصوّر الموضوع بشكل دقيق , فكل ما يحدث في عالمنا المادي ما هو إلاّ إنعكاس حقيقي لتلك القوانين الكونية السرمدية , لا يخرج أي حدث أو ظرف أو حالة أو ظاهرة خارج إطارها , فهي تعمل بإستمرارية سرمدية لا نهاية لها , وموضوع المستوى هنا ( مستوى الوعي ) يخضع لمبدأ الإهتزاز وهذا الإهتزاز ينقل الوعي عملياً الى مبدأ آخر هو الحركة الدائمة , وتتسلسل العملية ليمر المستوى العظيم من النور في المبادئ الكونية بأسرها ويجسدها بتعبير دقيق , هذا التجلي للوعي الأقدس في الدائرة الملكية السماوية الأولى التي تشكلت من عشرة مستويات في حركة لولبية استمرت بطريقة تنازلية حتى وصلت أوجها في الأربع دوائر الأخيرة لظهور العناصر الأربعة المؤسسة للكينونة ( ماء , هواء , تراب , نار ) وتركزت أخيراً في دائرة مادية شكلت جوهر هذا التجلي المقدّس ..

لذلك شكلت الدائرة السماوية الملكية الأولى مسرحاً لبداية التجلي وإنطلاق العملية التي لا نهاية لها , ورغم كمالها المتسامي في جوهرها إلاّ أن العملية لم تتوقف منذ تلك اللحظة أبداً وكل مجرّة أو منظومة شمسية ما هي إلاّ إنعكاس جلي للمبدأ الأصلي الذي تجسّد في تلك الدائرة المقدّسة ..

وبعد التجلي في الدائرة الأولى تركزت الحالة المادية للوعي الأقدس والطاقة لتنقل هذا التأثير الى محيط آخر لتشكل الدائرة الملكية الثانية بنفس الطريقة الأولى وبحركة لولبية ودورات عشر وأربع دوائر لتركز العناصر الأربعة لكن العملية هنا أفرزت الرحم الكوني أو الجرّة الكونية ..

في قلب هذه الجرّة الكونية تركزت الحالة المادية بعناصرها الأربعة وحركتها اللولبية ومجالها المغناطيسي ونغماتها المقدّسة لتشكل العين البيضاء للكون ( كاني سبي ) التي تبصر كل شيء , عدسة سحرية تنبض بالنور الى الأعماق وتعكس إشعاعها على التجلي لتبصر حقيقتها , والجرّة الكونية أو الرحم الكوني هي أو هو حاوي لكل القوانين المقدّسة التي قام وتأسس عليها المستوى العظيم من النور وعندما كان الايزيديون القدماء يصفون شخص خاطئ أو يحاول التصرّف برعونة بـ ( كاسر الجرّة ) فإنهم كانوا يقصدون بالفعل كاسر للقوانين المقدّسة لسلطان آدي , كما اطلق أنليل على العين التي تتدفق منها المياه المقدّسة في لالش بالعين البيضاء ( كاني سبي ) لتشبيهها بالعين الإلهية التي ترى كل شيء وتبصر كل شيء , ويتعمّد في ماءها المقدّس طلاب العلم الايزيدي الخفي المقدّس ..

فهذه الإستعارة الصورية واللفظية للهندسة الكونية تجسّدت حتى في بناء مركز سرّة الأرض وخميرتها لالش المقدّسة وفي تسمية أماكنها , ليس في هذه الإستعارات في التسمية فحسب , بل حتى في جوهر عملية الخلق حيث يُشير كل موقع في لالش الى عملية معيّنة من عمليات التجلي بدءاً من بواباتها وإنتهاءاً بجبل المعرفة الذي يشير الى الهيكل العالي للقدسية في عملية التجلي لسلطان آدي , عندما تجلى الوعي الأقدس في الدائرة الملكية السماوية الثانية ظهرت الى جانب الرحم الكوني والجرّة الكونية النسبة الذهبية الايزيدية المقدسة والتي تدخل في حساب كل صغيرة وكبيرة في قياسات المنظومة الكونية وصورتها الكبرى , هذا الظهور العظيم للنسبة المقدسة تبعهُ ظهور الإتجاهات الأربعة والفصول الكونية الرمزية الأربعة , وكذلك تبعهُ ظهور الأوكتافات الأربعة في الموسيقى الايزيدية المقدّسة تلك التي تجسّدت في طقوس الدف والشبّاب المصنوعة اساساً استناداً لهذه النسبة الذهبية الايزيدية المقدسة في القياس ..
ظهور النسبة الذهبية في التقاطعات الناتجة من التجلي في الدائرة الملكية السماوية الثانية عكس جمال النور والوعي المقدّسين لينتقلان الى الأجزاء التي يشكلها هذا التجلي بصورته الكبرى , وعكس أيضاً جمال وبهاء العناصر الأربعة في التكوين وجمال الفصول الكونية التي نتجت عن هذا التجلي في المصدر الأصلي , ومن خلال النظر الى الدائرة الأولى التي جسّدت ظهور والوعي والروح المقدّسين يجب أن ندرك تمام الإدراك أن هذا الوعي شكل المرحلة الأولى للإدراك والعقل الكلي فهو يتخلل كل شيء المادة والمعاني والنغمات والمشاعر والأحاسيس , وهو في الأساس عبارة عن منظومة معلوماتية لا يمكن لها أن تنفصل عن الطاقة التي نتجت أثناء عملية التجلي ( الروح ) , هذا الإندماج السرمدي شكل نقطة البداية في الهندسة الكونية الايزيدية الخفية المقدّسة , ورغم أن البعض حاول الفصل بين الوعي والروح من خلال الأمثلة الميّتة ( عندما يفقد المرء الوعي نبضات قلبه لا تتوقف ) هذه الأمثلة التي لم تتمكن من إختراق حاجز السرية العظيمة التي تقف خلف هذا الإندماج بطريقة نوعية , مع ذلك لم يفصل الايزيديون القدماء بينهما بسبب الإدراك العميق والمليء بالمعاني لطبيعة هذا الاندماج السرمدي الذي شكل بداية الكينونة وتجليها المقدّس في الدائرة الملكية السماوية الأولى , وحتى نفهم الصورة كاملة خالية من التشويه منذ البداية لا بد لنا من تعريف دقيق للروح ( الطاقة ) وللوعي , فالروح جهاز حيوي معلوماتي مليء بالمعاني المقدّسة هي التي تساهم عملياً في النبض من خلال مساراتها الخفية العليّا على الفهم والإدراك في عالمنا , هذه الروح هي برنامج معلوماتي متكامل قسماً منه يمكن رؤيته والآخر خفي , وهو يشبه المبدأ الأصلي في التكوين ( قسم ظاهر وآخر خفي ) وبالنسبة لنا يمكن رؤية الجانب الخفي من خلال الإحساس والشعور العميقين الناتجين عن امتلاكنا لبصيرة روحية نقيّة ومتفتحة , ورغم أن هذا البرنامج الطاقي ( الروح ) يعمل بطريقة ذاتية الحركة ولا ترجع لأوامر من العقل أو من الأعلى فهو برنامج يعمل ذاتياً ويساهم في إدامة النبض وفق قوانين نوعية يمكن فقط إدراكها من خلال تعلمنا أسس العلم الهندسي الايزيدي الخفي المقدّس إلاّ أن توقف الأوامر الصادرة من العقل الكلي أو البرنامج البايومعلوماتي المتعلق بهذا الجانب لا يمكنها وقف النبض سواء أكان هذا النبض الطاقي في أصغر جسيّم ذري أو خلية حيّة أو حتى في أكبر منظومة أو مجرّة كونية , إذاً توقف الأوامر لا يعني توقف النبض , لهذا تستمد الأجزاء هذا النبض ( الحياة ) من هذا البرنامج بالتحديد , البعض يعتبر هذا البرنامج مستقلاً عن البرامج الأخرى في المنظومة الهندسية الكونية , لكن هذا الإعتقاد يفقد صوابه بمجرد إدراك المبادئ الكونية المقدّسة التي ظهرت مع عملية التجلي فكل شكل مندمج بطريقة معقدة , وحتى نتمكن من إدراكه نحتاج الى توفر شروط معيّنة في قوانا الروحية والعقلية حتى نتمكن من الوصول الى هيكل معرفته , فهو متدرّج بطريقة تراتبية تعكس المبدأ الكوني ( كما في الأعلى كذلك في الأسفل ) المتناغم مع كل الأجزاء في الوجود من أصغر جسيم ذري الى أكبر مجرّة كونية , هذا البرنامج في أجسادنا المادية ما هو إلاّ صورة مصغرة عن البرنامج الكوني الأكبر ( الروح الكونية ) ويختلف شكل البرنامج وتركيبه كلما صعدنا في سلم المعرفة الايزيدية المقدّسة في كل عالم من العوالم الستة الأخرى التي تعلو على عالمنا الأرضي ..

أما الوعي الأقدس الذي تجلي في الدائرة الملكية السماوية الأولى من خلال التكثف , فهو أيضاً برنامج معلوماتي كبير ورهيب ويعلو على قدراتنا المتواضعة في إستيعاب عمله وقوانينه الذاتية الحركة , هذا الوعي يتألف من العقل الكوني المجرّد والعقل الكوني الأرفع والروح النابضة , العقل الكوني المجرّد هو شعاع الألماس الغامر المنتشر في الأزل قبل التجلي وعندما تركز شعاع النور هذا تحول الى مستوى أرفع من التبعثر الى التركز , ومن خلال اندماجه بالطاقة المقدّسة الحرة المستنيرة عبر مساراتها شكل الأنا العُليا المقدّسة ( أنا أكون ) ( سلطان آدي ) أي النفس العليا لهُ , أنا أعلم أن إدراك هذا الأمر وتصوّره بشكل سليم سيبدو صعباً للغاية في البداية لكن ظاهرة تكرار التصور بحد ذاتها تفتح ملكاتنا الفكرية عن تقبل الحقيقة بأسطع صورها , لهذا لا بد لنا من تكرار عملية التصور للتجلي منذ البداية لحظة الفكرة الماقبل الكونية التي أطلق عليها الايزيديون ( ايسف ) ( الأزل ) , هذا البرنامج المعلوماتي العظيم نمتلكه بصورة مصغرة عن تلك الصورة العظمى في المبدأ الأصلي والمنظومة الكونية التي تشكل الصورة الكبرى في هذا المجال , صحيح تماماً ان البشر قلما يشعرون بوجود هذا البرنامج فيهم ببساطة لأنه يعمل في تردد حسّي أعلى من الذي يمكنهم إدراكه لكنه موجود مثل المبدأ الأصلي تماماً ( أنا أكون ) وهو يشكل النفس الإنسانية في أعماقها النقية المتفتحة التي لا تقبل الجدل , ومن خلال هذا البرنامج فقط يمكننا الدخول الى أبواب المعرفة الايزيدية الخفية المقدّسة , لأن أساس طبيعة عمل هذا البرنامج تقوم على إدراك أعمق أسرار وخفايا المنظومة الكونية الكبرى , وغالباً لا نشعر بهذا الإدراك لهذا البرنامج لكن هذه هي الحقيقة دون رتوش , فهو مدرك خفي يتواصل ويتناغم مع النفس الكونية الكبرى والوعي الكوني الأقدس بطريقة لا نشعر بها بتاتاً في عالمنا الأرضي بملكاتنا الفكرية المتواضعة التي وصلت الى الانحدار بفعل الإنزلاق الزمني الذي تعرّضنا لهُ ..

إذاً الوعي والروح ( الطاقة ) ما هما إلاّ أساس المنظومة في حركتها البدائية التي تجلت كونياً حتى وصلت عالمنا المادي الموضوعي الذي نعيش فيه , والعودة صعوداً بشكل تدريجي تنقلنا الى رحاب ذلك المعبد الهندسي العظيم من حكمة التجلي تلك وسبر أغوارها , فلا أحد يستطيع إنكار حركة الوعي والروح في التأسيس والتجلي , ربما نجد صعوبة في فهم الصورة بكل أبعادها في عالمنا هذا وعبر قراءة عابرة وسريعة لكن أجد من الضروري للمرء أن يبدأ بفهمها من أساسها حتى ولو بشكل ما في البداية حتى يستطيع توسيع دائرة خياله وتصوّره لها وإعطاءها حقها في الفهم وإبعاد الجوانب السببية المبطنة للعملية من طريقه ..

فالأمر يأخذنا الى أبعاد كبيرة في العلم لكنه يفسح لنا الطريق أمام التطور الفكري والروحي لفهم العملية من الأساس , ففي الدائرة الملكية االسماوية الثانية التي تجسّدت فيها الجرّة الكونية المقدّسة والرحم الكوني المقدّس ظهرت القياسات الدقيقة لهذه المنظومة منطلقة الى أبعاد أخرى فكل شيء هو إبداع كلي للمبدأ الأساسي الذي شكل سبب التجلي ( سلطان آدي ) هذا الإبداع الكلي الطابع يحوي على الصورة الشاملة الكاملة التي وصلت الينا بشكل جزئي صغير للغاية , وهذا الجزء الصغير للغاية نعجز تمام العجز عن فهمه واستيعاب طبيعة عمله !! فماذا لو تعلق الأمر بدراسة الكلي الشامل الذي يشكل الوحدة المبطنة السببية للوجود ؟

فنحن بكل حواسنا ومنظومتنا الفكرية والجسدية والنفسية نقف عاجزين عن فهم وإدراك الجانب السببي لوجودنا كمخلوقات بشرية بسيطة في هذه المنظومة الكونية وهذا العجز ولّد في نفوسنا الكثير من الأسئلة والبحث عن أجوبة لها وهذا البحث بطبيعته ولّد العلم الأكاديمي المنهجي في عالمنا المادي والذي لا يزال وسيبقى يبحث في هذا الجانب الى ما لا نهاية !! ليس بسبب العجز , بل بسبب الأدوات القياسية القاصرة التي لا ترتقي في الاستخدام للغوص في سبر أغوار المنظومة الكونية بصورتها الكبرى أو منظومتنا الجسدية التي تمثل الصورة الصغرى للكون , هذا الإدراك يمكننا توسيعه وتطويره الى درجات عالية المستوى بحيث تجعلنا نخترق أعماق أية فكرة في هذه المنظومة ونطلع على جوانببها السببية بعمق , فالإدراك هنا هو الأداة التي نتحرّك من خلالها لتحقيق مظهر رؤية التجلي بأبعاده الحقيقية بطريقة سليمة , فسِعة الإدراك هنا مسألة جوهرية لتحقيق التقدم الروحي والفكري لإختراق الأسباب , وهذا الإدراك عملياً هو المصدر الفعلي للعقل وللوعي وللعاطفة وللروح , مصدر لكل المشاعر والأحاسيس التي تعكس الصورة الصغرى فينا , فبحجم الإدراك يكون الفهم , كلما توسعت مساحته توسع معها فهمنا للظواهر وإختراقنا لبواطنها وأسرارها وأسباب وجودنا , حتى حواسنا ستعمل بطاقات وسعات أوسع بكثير من حجمها الطبيعي إذا ما تعمّق الإدراك واتسع , فهو منهل عظيم ينبض بالحياة ويمكننا استخدامه بشكل فعّال من خلال توسيع مساحته التي تؤدي في نهاية الأمر الى التزوّد بأعظم درجات الحكمة والمعرفة والتحليل , هذا الإدراك تجلى بعمق في الدائرة الملكية السماوية الثانية بعد ظهور النسبة الايزيدية المقدّسة الذهبية وظهور الجرّة الكونية وبرنامجها المعلوماتي المتكامل , فالإدراك في الصورة الكونية الكبرى هو المصدر الذي نستقي منه عمق إدراكنا الحقيقي في الصورة الصغرى التي نمثلها , ففي الحالات الروحية والفكرية المتطورة يتعمق هذا الإدرراك الى أبعاد نسمو بها عن عالمنا الأرضي وحتى لا نتمكن من الإفصاح عن عمق هذا الإدراك لأن طبيعته السرمدية لا يمكن أن نختصرها بصورة أو دائرة معيّنة من التفكير أو الإستعارة اللفظية له ..

فالمجالات والهالات البيضاء التي تجمعت بطريقة تشبه إستقطاب المغناطيس للحديد وتشبه تجمعها في تيار واحد من المجال المغناطيسي تجلت بعمق عظيم في الدائرة الملكية السماوية الأولى لتشكل التجلي الأول والهالة والطوق المقدّسين الأولييّن , ومن ثم تركزت عند أحد الحواف في الدائرة لتشكل الدائرة الملكية السماوية الثانية التي تجلى فيها الرحم الكوني والمثلثين المتعاكسين في هذا الرحم أو الجرّة بعمق , كان هذا التجلي بمثابة نقطة البداية في عمق الإدراك وظهوره ليشكل الحالتين أو المزدوجين اللذين إنبلج منهما نظاماً كونياً هندسياً سرمدياً لا يمكن سبر أغواره بسهولة , وبإستمرار العملية ظهرت الدائرة الملكية السماوية الثالثة التي أنجبت وأكملت الثالوث المقدّس والجرار الكونية الثلاث التي شكلت المصدر للثالوث المقدّس عند كل الكائنات والمخلوقات في المنظومة الكونية الشاملة , وحتى نفهم هذه النقطة بالتحديد سيظهر لنا كما تثبت الكثير من السبقات في الايزيدية أن رقابة كل من البير والمربي هي التي تحدد مستوى الذهاب الى هذه المصادر , فالجسد يبقى على الأرض أو على أي تربة أخرى في الكون يتحلل وفق برمجة كونية ربما لا نتمكن من إستيعاب طبيعتها بعمق , فهذا الجسد مؤلف من معادن تذهب الى التربة أو الى أحياء دقيقة وظيفتها ترتيب هذه المهمة بشكل دقيق , هذه البرمجة الكونية تستمد برنامجها المعلوماتي في التعامل مع االجسد للكائن من أحدى الجرار الثلاث المسؤولة عن هذا الجانب , بينما تذهب الروح الى مصدرها في الجرة والتي تشكل نبض الحياة في الكائن لكي تنطلق من جديد في المستقبل في دورة الضرورة إذا ما تم برمجتها من جديد لحياة جديدة في كائن أو مخلوق , الجرة الحاوية للروح أو الطاقة أو نبض الحياة يصعب وصف وظيفتها في الصورة الكونية الكبرى , فقد يعتقد بعضنا أن طريقة رجوعها وتجسّدها من جديد خاضع لجانب سببي علينا إثبات وجوده في بادئ الأمر , وهذا الإثبات متعلق بالفعل بعبورها أبعاد معيّنة حتى تصل مصدرها , نعم الأمر بالفعل بهذا الشكل لكن هذا النبض لا يخضع الى القياس السببي ولا يخضع الى مفهوم الموت في العالم الأرضي أو حتى مفهوم الموت في الأبعاد الأخرى , ليس لشيء إلاّ لأنه منطلق من المبدأ الأصلي لأسباب تمثل نبض المنظومة الكونية في صورتها الكبرى من الأساس .

أما النفس فهي الخاضعة للجانب السببي والقياس بكل أبعادها من خلال المربي الذي يخضعها بطريقة مبطنة لمبدأ الشدة والحزم وتذهب ذاكرة هذه النفس الى ما نسميها بمكتبة الكون الرمزية لتفصيل جوانبها السببة وعزلها وتنقيتها حتى تكتمل وتحصل على طوق جديد تدخل من خلاله الى هذا البُعد أو بُعد آخر إستناداً الى حقيقتها الأصلية , وكذلك يخضع جانب الوعي في هذه النفس لنفس السبب الى ترتيب وتنقية قبل أن يتم خزنه حتى تبدأ دورة جديدة للكائن أو المخلوق بطوق مقدس جديد سيخضع أيضا للجوانب السببية في البعث , هذه الجوانب السببية في القياس أطلق عليها عند تشفير العلم الايزيدي الخفي المقدّس إسم ( يوم الحساب ) ..

هذا الكيان العقلي الخفي الذي نسميه بالنفس يشرف على أغلب العمليات البرمجية في العقل الفضائي الكامن في الجسم , وطريقة عمل هذا الكيان معقدة للغاية الى درجة نحتاج معها الى إدراك عميق لطبيعة التشابك بين المنظومة الكونية للثالوث المقدس حتى نتمكن من فهم عمل كل جزء فيه بشكل مستقل , فهو يعمل في مستويات عليا لا يمكننا ادراكها , هذه المستويات العليا هي مستويات حسّية قبل كل شيء , وتعمل بطريقة ذاتية مستقلة تحمي ثالوثنا المقدّس في بعض الأحيان من المطبات سواء الصغيرة أو الكبيرة , فهذا الإدراك الحسي العميق هو مصدر إنقاذنا في الكثير من الأحيان من مصائب تواجهنا دون أن نعلم من حرّك أجسادنا في اللحظة المناسبة لتفادي المخاطر في العالم الموضوعي , وكذلك ينظم هذا الكيان حجم الكميات التي يحتاجها الجسد من الفيتامينات والبروتينات وأكاسير المعادن اللازمة لإبقاء الجسم يعمل في أفضل حالاته , هذا الإدراك الخفي يسميه الايزيديون العقل الباطن هو الذي يجعلنا دائماً نتخلص من عثراتنا وأخطاءنا وتفادي المصائب كلما إتسع حجمه في دواخلنا , وهذا الإتساع لا يمكن لهُ أن يكون دون إدراك المرء لحقيقته , بمعنى آخر دون الدخول في بوابات العلم الهندسي الايزيدي الخفي المقدّس ..

العقل الباطن الذي يربطنا بالمنظومة الكونية في صورتها الكبرى يختلف عن وظائف الدماغ البشري التي تقوم بها مليارات الخلايا الصغيرة بطريقة الاتصال اللاسلكي فيما بينها لإتخاذ القرارات اللازمة المتعلقة بالواقع المادي الملموس الذي نعشيه في بُعدنا الأرضي , أي العقل المجردّ , فالعقل الباطن هو العقل الأرفع وهو كما ذكرت في صفحات سابقة يشكل مع الروح النفس الإنسانية ( الأنا ) , لذلك نسميه كيان وليس عضو عادي , هذه الجزئية رغم بساطتها إذا ما تم فهمها بشكل سليم فإننا سنكون قد قطعنا شوطاً كبيراً في تطوير قدراتنا على التحكم بأعظم صورة في العقل والعاطفة العامليّن في المستوى الأرضي الأدنى , وهذا التحكم هو الذي يزيد من سعة مساحة العقل الباطن وبالتالي يضاعف من قدراتنا في فهم المنظومة الكونية وطريقة عملها بشكل شامل ..

وكلما تعمقنا في فهم طبيعة عمل أي جزء من أجزاء الثالوث المقدّس الذي يشكل أساس التكوين في المنظومة الكونية الشاملة بأسرها بأجزاءها الكبرى والصغرى وصلنا الى مراحل متقدمة من القدرة على الإنتقال الى التعلم النوعي القائم على أسس سليمة تخلو من مبدأ القياسات القاصرة التي يمطرنا بها العلم الأكاديمي الكمي المنهجي , هذه المراحل المتقدمة هي التي تنقل عقلنا الباطن للعمل في مستويات عظيمة نحن فقط من يتمكن من فهم البرمجة الشاملة لوجودنا بشكل أوضح , في الدائرة الملكية السماوية الثالثة التي إكتمل فيها التجلي لهذا الثالوث شكل إنعطافاً عظيماً للوعي الأقدس ( سلطان آدي ) في عملية الخلق والتجلي , وكلما تقدمت العملية في الخلق كلما إنخفضت مستويات النور التي تصاحب عملية التجلي , فبدءاً من الدائرة الملكية السماوية الرابعة وظهور الفصول الكونية الرمزية المقدّسة والاتجاهات الأربعة والأنظمة الهندسية الكونية الأربعة أصبحت العملية تتسع حتى إنتهت عند الدائرة التاسعة والتسعين , وتكررت العملية عشرة أضعاف بينما بقيت الدائرة الملكية السماوية لسلطان آدي مستقلة في النهاية عن الأكوان التي تجلت من نوره المقدّس , لهذا أصبح لكل دائرة إسم , وبقيت خارج الدوائر الكونية الدوائر العشر الأولى التي رافقت التجلي لتكون مكاناً للأسماء والمستويات المقدّسة , لهذا لو جمعنا العملية سيظهر لنا ألف دائرة مضاف اليها دائرة سلطان آدي العظيم فيكون المجموع ألف إسم وإسم أي ألف وواحد دائرة ملكية سماوية وهو ما ذكرته السبقة الايزيدية المتعلقة بأسماء آدي العظيمة ..

( هزار نافي وناف ـ ألف إسم وأسم ) ..

فعشرة أكوان مؤلفة من 99 دائرة ملكية سماوية تعني 990 دائرة ملكية سماوية مضاف اليها عشرة 10 دوائر ملكية للأسماء والمستويات المقدّسة تصبح ألف دائرة مضاف اليها دائرة الوعي الأقدس لسلطان آديا يصبح المجموع ألف دائرة ودائرة لكل منها إسم ..

هكذا سمت الايزيدية أسماء الخالق الأقدس في كينونتنا التي نعيشها هنا في بعدنا الأرضي وكلما تقدمنا في دراسة العلم الهندسي الخفي المقدّس نصل مستويات عظيمة من الإدراك الخفي لباطن العلم النوعي لهذا الوعي الأقدس الذي شكل المبدأ المبطّن المستتر للوجود ..

وسعة الإدراك التي تعمّق من سعة ونقاء العقل الباطن لدينا تجعلنا ندرك بعمق منظومة المعلومات النوعية التي لا يمكننا بعقلنا المجرّد استيعابها , فهي بمثابة العلة الأولى التي نبحث عنها في مسيرة حياتنا القصيرة التي لا تتجاوز المائة عام على أبعد تقدير , وربما أقل من ذلك بكثير إذا ما أخذنا بنظر الإعتبار إستقطاع ساعات العمل والنوم من عمر الكائن البشري حينها لا تتجاوز معرفته الثلث من هذا الرقم على أبعد تقدير أي ثلاثون عاماً فقط هذا إذا ما توفرت الرغبة الصادقة والإندفاع النبيل في داخله للمعرفة وسبر أغوار أسرار المعرفة الخفية ..

فدخول عالم المعرفة الايزيدية الخفية المقدّسة يجعلنا قادرين على وضع تصور ذهني دقيق لكل أسرار هذا العلم , فالشيء الذي يخلو من العلة الأولى لا يمكن لنا أن نضعه في موضع الصورة الذهنية بأي شكل من الأشكال , فلهذا العلم الايزيدي سعة غير متناهية لا يمكن تصور مدياتها البعيدة وعمقها النوعي العظيم , فتصوراتنا عن سلطان آديا تبقى قاصرة وضعيفة ومشوّهة كلما كان حجم إدراكنا ضيقاً , وكذلك كانت سعة الأفق لدينا ضيقة وقصيرة , والصور الذهنية السليمة تبدو في الشاشات الفكرية الكبيرة بشكل أوضح وأدق وهذه بديهية لا يمكن نقضها , هذه التصورات تكبر وتتسع أكثر عن الوعي المقدّس كلما تفتحت معرفتنا وتجاوزنا الجانب الكمي منها الى مدى أوسع يشمل الجانب النوعي من المعرفة والتي نسميها بالعلم الايزيدي الباطن , هذا الجانب النوعي يمثل الجدار الحصين الذي يقي الكائن البشري من الوقوع في الأوهام والتجريدات الذهنية التي من شأنها إيقاعه في حالة فقدان الرشد والذهول من خلال عدم إدراكه السليم لحالة التدرّج في الصعود الى سلم المعرفة الخفية الايزيدية بشكلها السليم من خلال بوابتها الهندسية الخفية وعوالمها الغير مرئية بالنسبة لنا , وكذلك من خلال إستيعاب وإدراك أنواع المادة وأشكال الطاقة وإختلاف الإهتزاز والتردد الرنيني في كل بُعد من الأبعاد حتى يتمكن من مواصلة التعلم النوعي بشكل سليم ..

ملاحظة للقارئ الكريم ..

هذه سلسلة من المقالات مأخوذة من تسعة مؤلفات عن العلم الايزيدي الخفي المقدس ستطبع قريباً بمعدل 500 صفحة للكتاب الواحد , وسأذكر المصادر في هذه المقالة على أن تكون هي المرجع في جميع المقالات القادمة , وفي الكتب هناك صور ورسوم هندسية تعريفية بالفكرة بشكل سليم تقرّب ذهن القارئ لتصوّر الحالة بشكل أعمق .. وأشكر تفهمكم ..



المصادر ..





The Temple Of Lalish ( 2008 ISBN 978-5-91356-048-3 )






Late Antique Motifs in Yezidi Oral Tradition ..






Budapest, Hungary 2009 Gerhard Jaritz ;Istvan Perczel






Das Verschollene Buch für Anki .. Zacharia Citchin






Begegnungen mit dnr Göttern .. .. Zacharia Citchin






Der Zwölfte Planet .. Zacharia Citchen






Als es auf der Erde Riesen gab ... Zacharia Citchin






Der Hochtechnologie der Götter ... Zacharia Citchin






Apokalypse ... Zacharia Citchin




الدماغ كيف يطوّر بنيته وأداءه .. تأليف نورمان دويدج ,ترجمة رفيف غدار الدار العربية للعلوم ناشرون ..

سرّ قوة الهرم الأكبر .. تأليف بيل شول وإد بيتيت .. ترجمة أمين سلامة 1983 .. الناشر مكتبة الأنجلو مصرية ..

قصة الحضارة ــ ول ديورانت


فكر الهند ــ البيرت شويتزر


Barton, George A. The Royal Inscriptions ofSumer and Ak