المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تناسخ الأرواح في العلم الايزيدي الخفي المقدّس .. فواز فرحان



bahzani4
11-22-2016, 22:11
تناسخ الأرواح في العلم الايزيدي الخفي المقدّس ..


فواز فرحان

يعتبر مبدأ تناسخ الأرواح في العلم الايزيدي الباطن مبدأ لا يمكن التشكيك فيه بعد الهبوط الى العالم الأرضي وإقفال الكثير من الشفرات الوراثية والحسّية عند الكائن البشري , أما قبل الهبوط الى العالم الأرضي أي في الأبعاد والمستويات العليا للوعي تأخذ أشكالاً أخرى هذه الظاهرة من خلال تحرر الكائن البشري من دورات الضرورة ( تناسخ الأرواح ) , لأن الروح تتسلق مستويات عليا وتوسّع طوقها المقدّس الأبيض ( طوق ايزيد ) وتسمو في مستويات عليا للتشبع بالمبادئ الكونية العلمية النوعية العظيمة وتخرج الى عالم النور والرحمة , الى عوالم عظمى في الفضاء الخارجي فيها مليارات الشعوب المتفوّقة والحضارات التي عبرت دورات الضرورة بامتياز ..

فالشعوب والأمم الذكية هي التي ترتقي بمستوى الوعي لدى شعبها الى مستويات عليا من الممارسة الروحية والفكرية والجسدية , وكلها تصب في بناء حضارة متفوقة تقوم على عقل جمعي متفوّق فيه مستويات وعي متفوّقة للغاية , لذلك عمل العلم الهندسي الايزيدي الخفي المقدّس منذ بداية انتشاره في لالش وأور وأريدو وأربيل ونينوى وغيرها من مدن الحضارة العراقية التي كان يتسيدها العلم الهندسي الايزيدي على الارتقاء بمستويات الوعي لدى الأفراد لتأهيلها عملياً من أجل تلقيها مبادئ هذا العلم التي تنير له الطريق من أجل التحرر الفعلي من دورات الضرورة والخروج من دائرة الشدة والحزم الى دائرة الرحمة والنور ..

ولو عدنا لتقسيم العلم الايزيدي لمراحل تطور الجنس البشري سندرك أن دورة الضرورة لا تشمل البشر وحدهم بل تشمل كل الممالك النباتية والمعدنية والحيوانية والحجرية وآخرها على أقل تقدير الكائن البشري ..

فعملية التمايز والهبوط بدأت في مراحلها الأولى من الأعلى الى الأسفل على كوكبنا , لا سيما بعد أن مارس الكائن البشري أعمال وحشية لا ترتقي لمستوى الوعي الذي يؤهله للتجسّد في هيئة كائن عاقل , فعملية التناسخ ودورة الضرورة نفسها تعكس مبدأ كوني متمايز جلي يمثل الحقيقة التي تظهر وتختفي على مرّ العصور لإيقاع دوري تحكمه نواميس عليا كونية لها قوانينها النوعية الخاصة , فهي تبدأ بتمايز الحيوان البشري الى جنسين , وكما ذكرت لوعدنا للتقسيم الايزيدي لمراحل التطور البشري ( الانسان الحيوان , الانسان المجرّد , الانسان الإله , الإله الانسان , الإله ) سنرى أن عملية التناسخ أو عبور الروح والوعي دورات الضرورة الغاية منه إعادة الكائن البشري الى أعلى مراحل تفوقه وهو الإله ( الايزيدي ) أي ذلك الكائن الذي يمتلك القدرة على التحكم بالعقل والعاطفة , والذي يتمكن من التحلي بالطهارة والنقاء والاستقامة ..

فالتفتح المطرد للمبدأ العقلي أو الذهني الى مدى واسع يأخذ الكائن البشري الى أعماق الحقيقة الجوهرية التي تعلو على إدراكنا في مستويات الوعي المتدّنية التي نعيشها , فالعلم الايزيدي الخفي المقدّس شبّه هذه الحقيقة بالنور الساطع الذي لا يمكن حجبه مهما كانت قوة الظلام سائدة في النفس ( الصورة الكونية الصغرى ) وكذلك في أعماق المجرات ( المنظومة الكونية الكبرى ) , فالآنيات المتجسّدة في أجسام مادية تكرر نفسها بأشكال مختلفة حتى تصل درجة كمالها في اكتشاف حقيقتها , وهي تخضع عملياً للمبادئ الكونية في التجسيد وليست عبثية الطابع , فعملية التأهيل هنا مقصودة حتى تتمكن هذه الآنية من الوصول لمرحلة كمالها واكتشاف حقيقتها وعبورها أبواب العلم الايزيدي الخفي المقدس , والوصول الى عتبة مستوى الوعي المتفوّق ..

فالقانون الكوني الذي ينظم هذه الدورية في عملية التناسخ قانون لا يقبل الخطأ في قياساته مهما كانت الآنية تحاول الوصول الى مرحلة كمالها في كل دورة ضرورة تجسدها , فهو قانون كوني شامل له فطنته السببية , يقوم في جوهره على العدالة والحكمة المطلقين , كما أن كل دورة من دورات الضرورة تؤسس لتلك الحالة القادمة التي ستعيشها , بمقدار ما كان المرء يتحكم بعقله وعاطفته , وبمقدار ما يسعى للتمتع بالطهارة والنقاء والاستقامة في سلوكه البشري , وبقدر ما تمكن من التشبع بالمعرفة والمحبة في دورته الحالية فإنه يؤسس لمكان أفضل في دورته المقبلة ويقترب في حقيقته من نهاية دورات الضرورة والذهاب الى العوالم الأفضل ..

ومن جهة أخرى تعتبر حياته الحاضرة هي السجل القديم الذي كتبه لنفسه في حياة سابقة , يتمكن من تنقيحه وتصليحه إذا ما تمكن من الكشف عن حقيقته وعبور أبواب العلم الايزيدي الخفي المقدّس , ورغم قسوة هذا الأمر وتطبيقه على أرض الواقع إلاّ أنه شكل محور حياة الكثير من الايزيديين الذين عبروا عالمنا الى عوالم أفضل من خلال اكتشافهم لهذا القانون الكوني الشامل الذي يعمل بديمومة لا تنتهي , لهذا تمثل ظاهرة تناسخ الأرواح في الايزيدية انعكاس حقيقي لهذا المبدأ الكوني , فالكون دائماً يبرمج نفسه على ما نرسله لهُ من ترددات , ويحفظ في مكتبته الرمزية ( جرّة النفس الكونية ) شفرة هذه الترددات في كل المجالات , وأثناء ذهابها للهيكل الكوني المقدّس بجراره الثلاث يتم شحنها بترددات سبق للكائن البشري أن أرسلها لتشكل محور حياته المقبلة ..

فبقدر ما تكون المحبة عميقة ومتأصلة في نفسه , وبقدر ما تكون المعرفة واسعة ومتشبعة في تلك النفس تكون الحياة التالية مبرمجة على هذا التردد الكوني الذي ينسجم مع الطوق الجديد الذي تحصل عليه الروح في رحلة عودتها الى العالم المادي الموضوعي ..

وهكذا يتسلسل التناسخ في الممالك الكونية من الوعي الحجري الذي يمر بأكثر من سبعة دورات حتى يتمكن من التحول الى الوعي المعدني , وهو الآخر يمر بنفس هذه الدورات السبعة ومستويات وعيها حتى ينتقل الى المملكة النباتية أو الوعي النباتي , ومن ثم ينتقل الى المملكة الحيوانية ووعيها , وفي النهاية يصل الى الكائن البشري , وفي هذه المرحلة بالتحديد من الوعي تطلق الايزيدية على الكائن البشري بالإنسان الحيوان , والسبب في ذلك هو أن الكائن البشري عند ولادته في العالم المادي الموضوعي يبقى محتفظاً في جيناته الوراثية بالكثير من الأفعال والترددات التي تعود الى عالمه الحيواني السابق , في هذه المرحلة بالتحديد يمكن لهذا الكائن البشري من خلال سلوك حياته وبرمجة تردداته الخاطئة أن يعود الى العالم الحيواني في دورات الضرورة أو تناسخ الأرواح , لكنه إذا ما تمكن من العبور بسلامة فإنه ينتقل الى مستوى أعلى من الوعي يسمى الانسان المجرّد ..

والحديث هنا يدور بشكل جوهري عن البرنامج المعلوماتي المتفوق للغاية في كل من النفس والروح ( الوعي والطاقة ) ومسيرتها في منظومتنا الكونية الواسعة , فهذا المستوى الذي يصل اليه الكائن البشري من الوعي المجرّد يدخله في سبعة دورات ينبغي عليه تجاوزها , إذا ما أراد الارتقاء الى مستويات الوعي المتفوّقة , وكثيراً ما تتكرر الحالة الواحدة في الدورة الواحدة لأكثر من مرة بسبب بقاء الكائن البشري يراوح في مكانه مشبعاً بالجهل المطبق , أما إذا ما تمكن من تحسين تردده الرنيني وتعلمه من مسيرة حياته والاستفادة من التجارب الحياتية فإنه ودون أن يعلم يقوم بتطوير برنامجه المعلوماتي وتردده الرنيني في كل دورة من الدورات السبعة التي يدخلها عبر تجارب حياتية مختلفة تصل به في النهاية الى اكتشاف حقيقته وجوهره ويبدأ بفهم الصورة الصغرى له في المنظومة الكونية أو الجانب السببي من وجوده ..

وعندما يبدأ المرء بالانتقال الى هذا المستوى من الوعي الأرفع نسبياً قياساً الى المستويات السابقة , فإنه يدخل مستوى الانسان الإله , الانسان الذي يتمكن من الدخول الى حقيقته والسؤال عن أسباب الوجود والغاية منه , يبدأ بالسؤال عن الغائية والسببية التي تحكم منظومتنا الكونية , وينطلق في رحاب البحث والمعرفة , والوصول لهذه النقطة بحد ذاتها تعني عملياً دخوله المراحل الأخيرة لدورات الضرورة وتناسخ الأرواح إذا ما تمكن من التشبع بالمحبة والمعرفة , فالكثيرون من الذين ينتمون الى هذا المستوى من الوعي يتلهفون لتلقي العلم في البداية ويعتقدون أنه المفتاح الذي يقودهم الى الإجابة الحقيقية على كل الأسئلة التي تدور في مخيلتهم ويصل بهم المطاف الى مصاف علماء في أبحاث مختلفة , لكنهم يتوقفون عند مرحلة فيها انعطاف كبير , يدركون معها أن العلم الأكاديمي الكمي ما هو إلاّ مرحلة من مراحل العلوم النوعية في منظومتنا الكونية ..

يبدأ بتغيير جذري في منظومته الفكرية والروحية , فكل المسلمات التي كان يعتقد بها سابقاً تبدأ بالتهاوي والانهيار تدريجياً , ويبدأ بالشعور بالتغيير التدريجي الذي يصيب منظومته الروحية بتلقيها أشكال ورسوم هندسية يعجز عن فك طلاسمها سواء في أحلامه أم في صدمات الحياة اليومية التي تتوالى عليه لتختبر مدى قدرته على التحلي بالمعرفة والمحبة والحكمة في إدارتها , وكل ما كان يعتبره غيبياً ولا يؤمن به يظهر فجأة على شكل قوانين صارمة تختبر قدراته الروحية والفكرية ..

فهذا التغيير رغم أنه بطيء الى درجة يمكن الانتباه له والتركيز عليه لكن حياة الكائن البشري تعيش لحظات عاصفة فيها , لحظات يبدأ معها بإعادة تقييمه لكل الثوابت التي كان يعتقد أنها الحقيقة بعينها وأنها ركن أساسي من أركان شخصيته ووجوده , يبدأ بتدمير تلك العقلية التي بنت لهُ جبالاً من الأوهام لتمعن في إبقاءه مقيداً في جسد فيزيائي سجين فاقداً لرشده ووعيه حتى دون أن يعلم ..

يبدأ بفهم واقعه في السجن , ومكانته فيه , يبحث باستمرار عن مخرج لا يؤذي أحداً من خلاله , فقيم المحبة والمعرفة تفرش مساراتها في الروح والفكر الى أبعد مسار يمكن أن تصل اليه , وعملية اكتسابه للمعرفة والمحبة تواجهها تحديات نوعية هذه المرة تختبر قدرته الحقيقية على تجاوزها ويدرك من يمر بهذه المرحلة هذا الشيء فكلما عبر في مستويات الوعي الى مدى أعمق تكون التحديات كبيرة لتختبر فيه هذه الجوانب ومدى قدرته الفعلية على تجاوزها بحكمة رأسي هذه الحكمة هما المعرفة والمحبة ..

وفي هذه المرحلة بالتحديد يبدأ المرء بالشعور الفعلي بفارق مستوى الوعي الذي يعيش فيه مع بقية نظرائه البشر , محاولاً قدر الإمكان عدم الشعور بهذا الفارق وفي نفس الوقت عدم العودة الى تلك المستويات المتدّنية من الوعي , هذا الأمر بحد ذاته يشكل أحد التحديات الرئيسية التي تجعله يواصل تقدمه دون رجعة متحلياً بسعة الصدر التي تؤهله لتجاوز كل التحديات التي تريد به العودة الى مستويات الوعي المتدنية , والكثير من التجارب الأخرى التي يمر بها تشكل مصاعب حقيقية تجعله يقف أمامها طويلاً قبل تجاوزها بتلك الحكمة ..

وتكون هذه المرحلة هي الأطول عملياً عند الكثيرين في دورات الضرورة وتناسخ الأرواح لأن أي خطأ فيها يعيده الى دورة الحياة من جديد , وعندما يتمكن من التواصل في هذه المرحلة مع مستويات الوعي العليا يكون قد أنهى فعلياً موضوع العودة الى دورات الضرورة , والتواصل مع هذه المستويات يجب أن لا يقتصر على العالم الأثيري لوحده فهذا الأمر يتمكن المرء من تحقيقه ببساطة إذا ما تمكن من ممارسة التأمل وصقل الوعي والعاطفة بشكل سليم , بل يحتاج الى التواصل مع المستوى السببي ( مستوى وعي أبناء الشمس ) حتى يتأكد من عدم عودته للدائرة المغلقة الضيقة في دورة الضرورة وبذلك ينتهي من دوامة الوجود والفناء المتكرر ويعبر الى ضفة الوجود الدائم ..

وعندما يكمل مسيرته بنجاح ينتقل الى مصاف الإله الانسان , انسان يمتلك قدرات خلاقة ووعي يميّزه عن الكائنات البشرية بعمق , يظهر الى الوجود لأداء رسالة معيّنة قد تكون اختراع أو قد تكون تجربة لعلاج مرض خطير معيّن أو حتى لأداء مهمة علمية على كوكب الأرض في غاية الدقة والأهمية للجنس البشري بعدها يعود أدراجه ويختفي دون أن يعلم البشر طريقة ذلك الاختفاء ..

والكثيرون من البشر تمكنوا من العبور الى هذه الضفة بنجاح وصنعوا المعجزات قبل أن يتواروا عن الأنظار بطريقة أثارت علامات استفهام كبيرة , لكن الأمر يبقى على مستويات إدراكنا والعلوم المنهجية التي نعتمد عليها صعب التفسير والتصوير ومن يتمكن من تلقي العلوم النوعية يكون الأمر بالنسبة له سهلاً للغاية ..

وبعد عبور هذا المستوى ينتقل الى مرحلة الإله (الصانع أو المبدع الخلّاق ) ولا أقصد كما ذكرت أكثر من مرة هنا مساواة مستوى الوعي الكوني عند الكائن بالمستوى الأقدس للنور وخالق الكون , فالكثير من الفلسفات والأديان التي أخذت علومها من الايزيدية كالمثرائية والزارادشتية والمانوية والنصرانية والبوذية والهندوسية والشنتوية كلها كان تمجد أشخاص أو كائنات تطلق عليهم لقب الآلهة لكنهم في الحقيقة كانوا ينتمون الى مستوى الوعي الإلهي ككائنات لها مهمات في عوالم أسمى ولها حياتها الطبيعية التي تتناسب وذلك المستوى من الوعي وليسوا آلهة بالمعنى الدقيق للكلمة , وكذلك ينطبق الأمر على الديانات الابراهيمية الثلاث التي أخذت من العلوم النوعية الايزيدية وشفرتها في كتب وآيات وأطلقت على أشخاص صفة النبوة والقداسة في حين أن الحقيقة كانت تعكس وصولهم الى مستويات عليا من الوعي كما صورها العلم الايزيدي الخفي المقدس منذ مئات الآلاف من الأعوام بدقة مذهلة ..

وحتى نصل الى نتيجة في شرح السياق الأوسع لعملية التقمص أو دورة الضرورة أو تناسخ الأرواح أقول أنه مثلما بدأ الخلق بوجهين منير ومظلم تجري عملية التناسخ وفق هذا المبدأ الثنائي الكوني الأزلي الطابع , فالكثير من الحالات الأولى للإنسان الحيوان تعود أدراجها الى المملكة الحيوانية , وعلى الأغلب تستفز الكائنات البشرية التي تعيش في هذه المرحلة من الوعي القوانين الكونية وصرامتها وعدلها , وتحدث الحالة أيضاً عند الانسان المجرّد الذي يستفز هذه القوانين وينتقل الى زنزانة مظلمة أو حياة مظلمة أطلقت عليها الايزيدية حياة الجن , يقضي الكائن البشري فيها عقوبته التي قد تستغرق وقتاً طويلاً نتيجة استفزازه لهذه القوانين الكونية الصارمة وأسس العلم الايزيدي الخفي المقدّس ..

ولهذا البعد في تناسخ الأرواح فصول عميقة لا أرغب في التطرق اليها لأنها تشكل الحد الفاصل بين من يدخل أبواب المعرفة الايزيدية من بابها الصحيح وبين من يدخل بها من الباب الخاطئ , كما أن عملية شرحها تحتاج الى عقول وقلوب تجاوزت الكثير من مثالب العالم الأرضي حتى تتمكن من فهمها بشكل دقيق , وعملياً من يذهب بعيداً في تناول العلوم الخفية الايزيدية ويفهمها سيدرك المعنى الدقيق الذي قصدته , كما سيدرك المعاني العميقة لتلك الفصول التي لا أرغب في التطرق اليها , فالوصول الى مستوى الوعي المتفوّق كفيل بجعل المرء مطلعاً عليها بكل تفاصيلها الدقيقة ..

فالقوانين الكونية الايزيدية الثابتة والأبدية تساهم منذ بداية عملية تجلي الوعي الأقدس لسلطان آدي وحتى اللحظة في احداث التوازن الدائمي لقوى الكائنات والممالك التي حددتها العلوم النوعية الايزيدية , هذا التوازن الذي تحققه القوانين الايزيدية يتسم بالشمول والسعة ما يجعله أبدي الطابع , ولأن الايزيديون فهموا بشكل دقيق طبيعة عمل هذه القوانين تمكنوا من تحديد الطرق السليمة للتخلص من النقائص الفردية لترقية الكائن البشري في المنظومة الكونية , وجسد الكائن البشري الذي يمثل المادة الحيّة في عالمنا المادي الموضوعي وكذلك في الجرّة الكونية الكبرى هو الآخر يشكل جزءاً من هذه النقائص الفردية ..

وكقاعدة عامة عند الايزيديين وضمن الظرف الذي يعيشه المرء في العالم المادي الموضوعي تبدو عملية فهم منظومة تناسخ الأرواح ودورة الضرورة معقدة للغاية إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أنها خاضعة لمقاييس القوانين الكونية الـ 72 في الجرار الكونية الثلاث , وهذه المقاييس الأبدية والثابتة هي التي تحدد شكل ومضمون الارتقاء في سلم التطور الكوني للروح والنفس والجسد عند الكائن البشري الذي يصل الى مرحلة متقدمة من التحكم بالعقل والعاطفة , ويدخل أبواب العلم الايزيدي الخفي المقدّس , فبلوغ حدود الممكن التحقيق في تغيير القدر يقع قبل كل شيء على عاتق الكائن البشري من خلال تحكمه بعقله وعاطفته والوصول الى مراحل متقدمة في الطهارة والنقاء والاستقامة ..

فالقوة الفاعلة لهذه القوانين الكونية الأبدية الطابع سواء أكانت نسبية أو توزيعية لها الأثر الفعّال في تغيير شكل الحياة المستقبلية لهذا الكائن , لذلك تمثل عملية الدخول في دورة الضرورة المتكررة عند هذا الكائن تحدياً لهُ وجهين , وجه يمكن التحكم به , ووجه آخر يخضع للقوانين السرمدية في العين البيضاء الكونية ( القوانين الـ 72 ) ..


الوجه الأول لدورة الضرورة وتناسخ الأرواح ...

هذا الوجه عمل عليه الايزيديون منذ القدم بعد إدراكهم الأسرار الخفية لكل العصور وخاصة بعد الهبوط الى البعد الأرضي , ولأنهم أرادوا التزام التدرّج الفعلي في الصعود الى مستويات الوعي أدركوا عملياً أن هذا الصعود سيكون مقتصراً على من يتمكن من التخلص من نقائصه الفردية والذهاب بها بعيداً الى مستوى الوعي المتفوّق والذي يخضع هو الآخر بدوره لشروط يتمكن الكائن البشري من تحقيقها قبل الوصول اليه , لذلك تمثل عملية الالتزام بالعلم الايزيدي وقوانينه النوعية التي تصل بالكائن البشري الى أعلى مراحل المعرفة والمحبة شرطاً ضرورياً للتحكم بطبيعة القدر وكذلك بشكل ومضمون الحياة المستقبلية إذا لم يتمكن من انهاء دورة الضرورة في المرحلة التي يعيشها , فهو على الأقل سيبدأ بوضع خط البداية لنهايتها وينتقل تدريجياً الى مستويات عليا في الوعي تجعل منظومته الفكرية والعاطفية تختلف جذرياً عن السابق حيث يقوم بتزويد هذه المنظومة بقيم العلم النوعي وبأعلى درجات المعرفة والمحبة ..

فكلما تمسك بهذه القيم وعمل على صقلها كلما اقترب من تطبيق القوانين الكونية بأعلى درجاتها وكلما كانت نتائج تصفيته في الجرار الثلاث تخلق لهُ عالماً مستقبلياً أفضل في حياته الجديدة من دورة الضرورة , وهذه القيم بحد ذاتها تمثل معرفة نوعية تتطلب مستوى عالي من التحكم في الذبذبة الروحية للحصول على أعلى طاقة ونتيجة منها , ورغم أنها موجودة في أعماق كل كائن بشري وهي تعيش حالة سبات لكن ايقاظها يتطلب قدرة روحية وعقلية عالية , ولكن رغم سباتها عند البعض إلاّ أنها تكون متحركة عند البعض الآخر في دورة متقدمة من دورات الضرورة وتناسخ الأرواح , ولو أردنا بالفعل فهم هذه الحالة بشكل دقيق فإنها تعني عملياً امتلاكنا للقدرة الكلية على التحكم في مستوى الذبذبة في الروح التي تشكل المنصة الحقيقية لرفع مستوى الوعي والتقدم في المجالين الروحي والفكري , أي أنها بالفعل تمثل العلم الحقيقي والنوعي الذي يدرس علاقة الكائن البشري بكل ما حوله من طاقات ومجالات القوى في المنظومة الكونية التي ينتمي اليها ..


الوجه الثاني لدورة الضرورة وتناسخ الأرواح ...

الوجه الثاني لدورة تناسخ الأرواح هو الوجه السرمدي الطابع الذي يستند الى القوانين الكونية في العين البيضاء الكونية وقوانينها الـ 72 والتي تمثل القوانين الأبدية الطابع والتي يخضع لها الثالوث المقدس عند كل الكائنات والمخلوقات والأشياء , فهذه القوة الفاعلة في العلم الايزيدي الخفي المقدس لا يمكن إخضاعها إلاّ من خلال تغيير الصورة الكلية في الجزء الأول الذي يعتمد اعتماداً أساسياً على الارتقاء في مستويات الوعي الى أقصى درجة كي يتمكن المرء من الحصول على تقييم أبيض من العين البيضاء الكونية , كي يحصل على تغيير نوعي في دورة الضرورة وتناسخ الأرواح , فبمقدار ما يتحلى المرء بالمحبة والمعرفة يمكنه أن يوازي هذا التحلي بهما بروح نقية في مستوى لاحق , وبمقدار ما يتحلى بالطهارة والنقاء والاستقامة يمكنه الولوج الى منظومة كونية ومستوى للوعي أرقى وأسمى , فهذه القوانين لا يمكن تجاوزها بالقول بل بإحداث الفعل على أرض الواقع والتحلي بالشيء والتمتع به حتى يتمكن المرء من عبور سلطة هذه القوانين بشكل ينصفه ..

فالفكر المشرق في العلم الايزيدي الخفي المقدس هو الذي يدفع المرء الى حقيقته , وهو الذي يدفعه الى الارتقاء في مستويات الوعي لتحقيق التحسّن النوعي في دورات الضرورة التي يعيشها من خلال فهمه لطبيعة القوانين السرمدية في العين البيضاء الكونية والتي يتعمد على أساس احتفاظه بها وبعدم العبث بقدسيتها الأبدية ..

هذه القوانين وظيفتها تعديل التوازن المختل الذي يتسبب به الكائن نفسه من خلال عدم قدرته على فهم طبيعة عملها , وبقاء العلم الايزيدي الخفي المقدس بعيداً عن متناول الأغلبية ساهم هو الآخر في جعل هذا الأمر صعباً للغاية على الأغلبية , فكيف يمكن للمرء التأقلم مع قوانين يجهلها ؟ كيف يمكنه تعلمها حتى يتمكن من إحداث التوازن الذبذبي معها ومع ديمومتها ؟ هذا الأمر شكل تحدياً من النوع الصعب الذي لا يمكن تجاوزه لأي ايزيدي , لا سيما وأنه يعلم تمام العلم ان الايزيدية تقوم في الأساس على علوم نوعية للغاية لها قوانينها وتأثيرها , لها فعلها على احداث الترميم في البنية الروحية والنفسية والمعنوية التي تأثرت بمثالب العالم المادي الموضوعي ..

فبفضل هذه القوانين الـ 72 تسير المنظومة الكونية منذ البداية ولا يمكن الشك بقدرتها على احداث التوازن الروحي والفكري لكل الكائنات ليس في منظومتنا الكونية لوحدها بل في الدهر وكل المجرّات بأسرها , من أصغر جسيّم ذري الى أعظم المجرّات تكون هذه القوانين هي مصدر التوازن النوعي الذي لا يخطئ , وهي ليست قوانين اعتباطية , فكل الشقاء في عالمنا المادي الموضوعي , وكل النقائص الفردية ناتجة من قصور كبير في التناغم بين لا وعينا والمنظومة الكونية , لذلك يرتبط موضوع التحكم في دورة الضرورة وتناسخ الأرواح بتطوير منظومتنا الروحية والفكرية , منظومة الوعي لدينا وجعلها تسير الى المستويات العليا في التناغم وتحقيق الاتصال ما بين الوعي الأرضي بالآخر الكوني ..

لذلك نقول أن كل عمل ومجهود يرتد على صاحبه بالمثل , سواء في عالمنا المادي الموضوعي من حيث يبرمج الكون ومنظومته نفسه على أعمالنا أو في دورة الضرورة حيث يحتسب هذا العمل جزءاً من كينونة العالم الموضوعي الذي أتت منه الروح والنفس , فالكائن البشري أولاً وأخيراً هو من يخلص نفسه وهو من يقع على عاتقه الارتقاء وليس تأثيرات غيبية طارئة أو اعتباطية ..

فالعلم الايزيدي الخفي المقدس وضع منذ البداية المسئولية الفردية كعامل حاسم في الارتقاء مع دعم هذه المسئولية باستمرار بالعلوم النوعية لتنويرها بالطريق السليم الذي يتوجب عليها سلوكه , ولم يبرّر العلم الايزيدي ذات يوم إمكانية التملص من هذه المسئولية الفردية في العالم المادي لا الى الأمام ولا الى الخلف , فهي واجب الكائن الفرد قبل كل شيء , ولا يوجد التكفير بالنيابة عن الخطايا في الايزيدية فهذا الأمر يتعارض ومبادئ الهندسة الايزيدية وعلمها النوعي المقدّس ..

لهذا عندما فسّر الايزيديون نشأة الكون بشكل دقيق وحددوا الفترة التي وقع فيها كوكب الأرض تحت عمود الشدة والحزم ( المرّبي ) كانوا يدركون تمام الإدراك أن قوة الشر المستطير الذي بدأت تفرش أجنحتها على هذا الكوكب لا بد وأنها ستأخذ معها الكثيرون الى موقعها , فالشر عملياً يمثل انتهاكاً لعملية التناغم في المنظومة الكونية , وتعمل هذه القوة على بعثرة وتشتيت هذا التناغم بأي شكل من الأشكال , لذلك لا يمكن القول أن هذه القوة لا وجود لها , ولا يمكن القول أن عمليات الانتهاك بحق التناغم بين الصورتين الصغرى والكبرى لا يتم انتهاكها , كما لا يمكن القول أن هذه القوة لا تنتمي الى المنظومة الكونية بشكلها المنير والمظلم , غير أن القصاص العادل في الجرار الكونية الثلاث يجري بالفعل على مدى انتهاك حرمة هذا التناغم , ومدى ذهاب الكائن البشري في غيّه نحو العبث بالقوانين السرمدية الـ 72 في العين البيضاء الكونية ..

فتناسخ الأرواح ودورة الضرورة والبقاء في اطارها نتيجة وليس سبب , لأن القوانين السرمدية الايزيدية الخالدة هي القوانين السببية والجزائية الكونية , وسبب انتهاك هذه القوانين يقودنا للحصول على نتيجة العودة من جديد الى دورة الضرورة , هكذا يجب ان نفهم الأمر بكل بساطة , فبمقدار الأفعال والخواطر والكلمات والتصرفات الاعتباطية بمقدار ما يكون فعل هذه القوانين سارياً على الروح والنفس والجسد قبل تخطيها عتبة الجرار الكونية الثلاث ..

فنحن من صنع حياتنا الحالية في الدورة السابقة ونحن من سيصنع حياتنا المستقبلية في الدورة اللاحقة لنا من دورات الضرورة وتناسخ الأرواح , لذلك تحتم علينا المسئولية الفردية أن ندعم علمنا الكمي بعلم نوعي مستقيم يشير لنا الى الطرق السليمة في الارتقاء الروحي والفكري , هذا الارتقاء يساهم في ترحيل كل الأجزاء الأنانية والسلبية من نفوسنا وعقولنا وأفكارنا الى الخارج وإبعادها عن جوهرنا , وحتى نحصل على نتيجة عالية الدقة من القوانين الكونية السرمدية ينبغي علينا أولاً الحصول على نتائج عالية من الفعل الذي نقوم به والمجهود العالي للتخلص من المثالب التي تتشبث بنا في هذا العالم لجرنا الى موقع الخطأ , فكل تطور في مستوى الوعي يصحبه تطور روحي عميق , وكل تطور روحي يقودنا الى فهم الغائية والسببية التي تحكم منظومتنا الكونية وهكذا حتى نصل أعلى القمم الروحية الشاهقة كما هي دون رتوش ..

أما البقاء في دائرة الجبرية العمياء فيقودنا بلا أدنى شك للمراوحة دورات طويلة من تناسخ الأرواح لا تأبى المغادرة , لهذا مثلت كل الطقوس المتبعة في لالش النورانية المقدّسة ناصية التطور الروحي والفكري لتأهيل القسم الأعظم من الايزيديين لعبور دورات الضرورة بشكل أسرع مستندين الى علم ايزيدي نوعي خفي مقدّس , فهذا العلم وحده من فسّر الغموض الأبدي ببين قوتي الخير والشرّ وكيفية انتقال الكائنات والمخلوقات وكل ما في الوجود من أصغر جسيم ذري الى أكبر مجرّة كونية بين هذين العمودين اللذين سماهما العلم الايزيدي بعمودي البير والمرّبي ..

وكلما تقربنا من حقيقتنا بشكل أكبر كلما أصبح استعدادنا لتقبل هذا العلم النوعي أكبر وأعظم وننتقل معه تدريجياً عبر مراحل الوعي ومستوياته المتفوقة الى درجات أعلى من التحليل والتفسير الى التركيب والتعقيد , وعملياً لا يبدو هذا الأمر سهلاً بانتهاك حرمة التناغم المقدّس بين الصورتين وانتهاك القوانين الايزيدية الأبدية الـ 72 في العين البيضاء ( كاني سبي ) الكونية , فتصالح الانسان مع ظلم الحياة القاسية لا يبرر له هذا الانتهاك بأي شكل من الأشكال , فطالما نعيش في كوكب يقع تحت عمود الشدة والحزم ( المرّبي ) فإن كل ما يحدث من حولنا عملياً يغذي الشعور بالتمرد على هذه القوانين الكونية التي وضعتها الايزيدية كقدس أقداس الحركة والسببية في المنظومة الكونية , ودونها لا يمكن التحلي بالمحبة والمعرفة , كما لا يمكن الوصول للطهارة والنقاء والاستقامة التي تؤهلنا للتواصل مع المستويات العليا للوعي وتجاوز هذا العمود ..

هكذا فسّرت الايزيدية منظومة تناسخ الأرواح في الدورات الكونية والعادية في عوالمنا وهي تستند عملياً على العلم الايزيدي الخفي المقدس الذي فسّر نشأة الكون تفسيراً دقيقاً ووضع لكل سبب نتيجة ولكل نتيجة سبب ..

فالمعاناة المستحقة هي التي تدفعنا باستمرار لإعادة تقييم المستوى الروحي والذهني , وهذا التقييم المستمر يساعدنا في الوصول الى مستوى الوعي المتفوّق , أما العكس في حالة المعاناة الغير المستحقة ففي تقودنا الى العبث بهذه القوانين , والى انتهاك حرمة القوانين الكونية في العين البيضاء وتحولنا الى ( كاسرين للجرة هذه وقوانينها ) مستويات متدنّية من الوعي ..

وبشكل آخر يمكن القول أن القوانين الكونية في العين البيضاء تنظم النتائج لا كفعل وحسب بل كتناغم مطلق , فكل شيء في المنظومة الكونية له مقاييسه الخاصة في هذه القوانين السرمدية واستناداً اليها تعود النفس والروح الى جسد يتناسب والفعل بقوة مكافئة في دورة لاحقة من دورات الضرورة وعودة الروح , فالحماقة هي التي تسبب الضرر وليس العكس , لهذا تكون قوة هذه القوانين الأبدية سارية دون هوادة في كل ما يحكم دهرنا ومنظومتنا وأعلى أشكال الوجود , فالعلم الايزيدي الخفي المقدّس شرح أهمية ظهور هذه القوانين بالتدرّج من خلال عملية التجلي الأولى التي تلت الفكرة الما قبل الكونية وحتى الوصول الى عالمنا المادي الموضوعي , وعندما تدرّجت هذه القوانين السرمدية أخذت معها العمودين وبرمجتهما الى عالم الظواهر , وكذلك الى العوالم الخفية , هذه البرمجة العميقة الابدية يبدو مستحيلاً سبر أغوار أسرارها دون الوصول الى مستويات الوعي المتفوقة والعليا في منظومتنا الكونية ..

فمنذ الفكرة الما قبل كونية والتي يسميها العلم الايزيدي الخفي المقدس ( ايسف ) الأزل وحتى ما لا نهاية تسري قوة هذه القوانين الكونية السرمدية الأبدية الخالدة , تسري بقوة ويقين لا يقهران فهي التي تؤسس كل النظام ومنها جاء الينا القانون الأبدي , هذا القانون الذي كشف عنه العلم الايزيدي الخفي المقدّس كبداية لصعود مستويات الوعي , وكالتزام بالقدرة الفعلية على تحقيق التقدم الروحي والفكري بالعمل وحده وليس بالدعاء , فكل شيء مترابط , منذ الطفولة يصقل الوعي بمفردات هذه العلم من خلال ألعاب الأطفال وتتدرّج الى المراحل العليا التي يجتازها المرء كثمرة لتجارب حياته في العالم المادي , وعندما يصل الى عتبة الحقيقة يبدأ بالفعل , يبدأ بتعميق الوعي وتأهيل الروح الى مستويات تساعده على الفهم , على اختراق الجوانب السببية لعالمنا وعلى اختراق أسرار العلم الايزيدي الخفي المقدّس ..

فالرؤية المحدودة تتحول الى رؤية أعمق ليس الى عالمنا المادي الموضوعي فحسب بل الى المنظومة الكونية بأسرها , والسمع المحدود يتحول الى أعمق وبدخول الانسان مستوى الوعي المتفوّق يتسامح مع نفسه ويتصالح معها , ويجعل من تحقيق العدالة في داخله الى حافز قوي يدفعه للاجتهاد والتعمق الى أبعد مدى , فهنا يبدأ بفهم طبيعة عمل القوانين الكونية ويبدأ بفهم أين ينبغي عليه الوقوف والانطلاق نحو التحرر الأبدي الكامل من دورات الضرورة , وهنا يبدأ بفهم كيف يعمل النظام الكوني بأسره ويضع كل جهده من أجل الفعل وتغيير الذات لا بالدعاء بل بالتحلي بالقيم التي تتطلبها عملياً دورة القوانين في العين البيضاء الكونية , فالروح البشرية هي فيض من الالوهية على درب عودتها الى منبعها , وكذلك الفكرة التي تجعل هذه الروح في نقطة متقدمة من الدرب تتحول الى حقيقة ساطعة ..

لذلك اعتبر العلم الايزيدي الخفي المقدّس أن اقتران الروح بالمادة وتشغيلها مع النفس أمراً مؤقتاً في دورة الضرورة وفي العالم المادي الموضوعي الذي نعيش فيه , ودائمي في حالات عليا تتغيّر حسب طبيعة العالم الذي تعيش فيه , كالمستويات العليا من الوعي ..

وبالعودة الى الصورة الكونية الكبرى التي يشكلها ويسيطر عليها المبدأ الأساس المستتر المبطن للوجود يمكن القول أن الايزيديون عبر تاريخهم الطويل الممتد لآلاف من الأعوام لم يؤمنوا ذات يوم بأن هذا المبدأ عصي على الفهم إلاّ في العالم المادي الموضوعي , مبدأ غير قابل للعلم في بعدنا الأرضي والأسباب التي تناولتها في هذا الجزء من الهبوط من البعد السببي الى البعد الأرضي هي التي تبرر هذا التفسير ( غير قابل للعلم ) , فقط أصحاب الباع الطويل في عبور الأبعاد هم من يعلموا تمام العلم طبيعة نشوء هذا المبدأ وأسبابه وحينها يمكن القول أنهم رغم علمهم هذا سيبقون عاجزين عن تصوير المبدأ بالشكل الدقيق لأن العالم الذي نعيش فيه يقوم على أسس لا يمكن أن نتجاوزها أثناء التعبير عن هذا المبدأ الأساسي المبطن لوحدة الوجود ..

لذلك يمكن اعتبار تفسير العلم الايزيدي الباطن الخفي المقدّس لهذه الجزئية في الكينونة البشرية جزءاً دقيقاً وحاسماً في الانتقال الى المستويات العليا للوعي وتحسين دورة تناسخ الأرواح أو دورة الضرورة في حياة لاحقة للانتقال في مراحل متقدمة الى تحريرها كاملاً من هذه الدورة والانتقال الى العالم السببي , ذلك العالم الذي يمثل النور والرحمة والتشبع بقيم العلم النوعي الذي يقود الكائن الى التقدم في مسيرته في منظومتنا الكونية الكبرى ..