المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الصوم في العلم الايزيدي الخفي المقدّس .. فواز فرحان



bahzani4
11-25-2016, 23:38
الصوم في العلم الايزيدي الخفي المقدّس ..


فواز فرحان

ارتبط الصوم في تاريخ الايزيدية بعلمها الخفي المقدس ارتباطاً وثيقاً , ورغم أنه كان يُمارس في لالش بطرق نوعية للغاية ذكرتها في فصل سابق لارتباطه المباشر بموضوع تطوير مستوى الوعي من خلال ممارسة طرق البرّ ( البرخك ) , إلاّ أن هذه الممارسة تحولت الى تقليد أرضي ابتعد في محتواه عن جوهره الحقيقي ..

كيف ؟

عندما هبط المجتمع البشري من البعد السببي الى العالم الأرضي فإن هناك تحولاً نوعياً عميقاً نحو الأسفل حدث , هذا التحول النوعي جعل قسماً من حواسنا وملكاتنا الفكرية مقفلة بنسبة تفوق الستين في المائة , كما حدث التحول الأكبر في تقليص الأعمار بالنسبة لهذا الكائن البشري على سطح كوكبنا , وقسماً من المخطوطات السومرية تؤكد أن هذا التحول النوعي لم يحدث دفعة واحدة بل على مراحل , وهو الرأي الأقرب للمنطق عندما نعود الى بداية هبوط عظماء الايزيدية الاثنا عشر أصحاب الحياة الأبدية الطابع والتي تتطلب فقط تغيير الطوق ( طوق ايزيد ) كل ثلاثة ملايين وستمائة ألف عام بطوق جديد يعكس العلوم النوعية التي تلقوها طوال هذه الفترة من المنظومة الكونية وقوانينها التي تتجدد كل لحظة من لحظات الخلق والتجلي لسلطان آدي , وكذلك الى مرحلة الخلق الاولى للكائن البشري على سطح الكوكب حيث كان معدل عمره يتراوح بين الثلاثين والأربعين ألف عام ( في عصر نوح ) وتقلص فيما بعد الى ثلاثة آلاف وستمائة عام ( في عهد أبناء نوح وأحفادهم ) قبل أن يتقلص الى ألف عام ومن ثم الى النصف واستقر عند المائة عام التي نعيشها في عصرنا الحالي كمعدل فعلي للأعمار إذا ما استثنينا الخروج عن القاعدة عن البعض من الذين تمكنوا من الوصول الى مستويات عليا من الوعي ساهمت في تمديد أعمارهم الى أرقام مضاعفة ومنهم من تمكن من عبور العالم السبيي ونال الأبدية ..

هذا التحول النوعي تطلب العودة الى العلم الايزيدي الخفي الذي تركه عظماء الايزيديون الاثنا عشر والذي بدءوا في بداية الأمر بتعليمه في معابد أور واريدو ولالش وسيبار ونينوى وكل مناطق عدن ( آدان ) , وهذه العودة جعلتهم يبحثون عن طرق العودة الى عالمهم الحقيقي , وتمكن الايزيديون بالفعلمن تحويل هذا العلم الى أداة خيرة لتطوير منظومات الوعي عند أجيال عديدة للبشرية وجعلها تعبر الى عالم النور قبل أن يتحول هذا العلم تدريجياً الىأدوات لفعل الشر والانتقام عند البعض والذي تسبب في النهاية بتشفيرة وجعله حكراً على من يتمكن من الوصول الى أعلى درجات التحكم بالعقلوالعاطفة والتحلي بالطهارة والنقاء والاستقامة لجعله يعبر الى العالم الخيّر القائم على الرحمة والنور , العالم الذي يقوم على الأبدية في تلقي العلومالنوعية في المنظومة الكونية ..

وحتى نفهم تمام الفهم من أين أتت فكرة الصوم للبشرية جمعاء يجب أن نفهم بالفعل البعد التاريخي المتسلسل والمتداخل لمسيرة الكينونة والوجود على سطح هذا الكوكب , فحتى يكون الطريق معبداً للعودة الى حقيقتنا في العالم السببي يجب أن نفهم طبيعة الطاقات التي تم التحكم بها لإعادتنا الى المستوى الأرضي , هذه الطاقات تشكل جزء من منظومتنا الكونية وقوانينها السرمدية التي لا تقبل الخطأ , فهي السبب في جعل قياسات سلطان آديا ثابتة وأبدية , ومرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمنظومة الشمسية التي تحكم كل كون من الأكوان التي تجلى فيها الوعي الأقدس كونياً , فهذه العملية التي تحكمها قوانين كونية عليا في مستوياتها النوعية تجعلنا ندرك طبيعة تأثير طاقة الشمس التي تنتقل عبر مسارات طاقية نوعية عددها 12 الى كل كواكب المنظومة , والى كل مخلوق وكائن وجسيّم مهما كان صغره في منظومتنا الكونية هذه , وهذه المسارات الطاقية هي التي تنقل لنا فعليا التسلسل الكوني بطبقاته وأشعته من الأعلى الى الأسفل , وحتى نتمكن من تقبل هذه الطاقة نحتاج الى علم نوعي عميق يسهل علينا مهمة استيعابها بشكل سليم كي تدخلنا حقيقتنا التي تنقلنا عبر بوابات العلم الايزيدي الخفي المقدّس الى مستويات عليا من الوعي , كما أن عملية استيعابها هي الأخرى متداخلة مع تركيبتنا الجينية , وفهم النقطة الأخيرة بالتحديد يجعلنا نضع يدنا على بداية طريق الحقيقة , من أين تدخل هذه الطاقة لأجسادنا ؟ وأين تؤثر ؟ وكيف يمكن الاستفادة منها وعدم هدرها ؟

هذا ما فكر به الايزيديون الذين درسوا عملياً فكرة العودة الى عالمهم الحقيقي كأبناء للشمس , أبناء للبعد السببي , وأبناء للطهارة والنقاء والاستقامة , وجزءاً من منظومة العلوم النوعية تقوم بالأساس على التحكم في استقبال الطاقة وتوزيعها بالجسد الفيزيائي بشكل سليم , وهذا التوزيع يجب أن يعتمد على أوقات محددة تكون فيها الطاقة مكثفة الى درجة تساهم في مضاعفة الطاقة الروحية والفكرية عند الكائن البشري , هذا ما أدركه الايزيديون جيداً وعندما وضعوا الاحداثيات الدقيقة لكوكب الأرض وبنوا لالش أدركوا انها مكان استقبال الطاقة الايجابية بأعلى درجاتها , لكن ليس في كل الأوقات تكون مكثفة الى الدرجة التي تساعدهم على تحقيق الفعل في الانتقال الى مستوى الوعي المتفوّق , لذلك حددوا تلك الأوقات من خلال دراسة التحولات الفصلية التي تحدث في دوران الأرض وبالذات التحوّلين الصيفي والشتوي , واللذين تكون فيهما معدل استقطاب الطاقة الكونية الايجابية الإلهية في أعلى مستوياتها , وهي التحولات التي تجري في الحادي والعشرين من شهر حزيران عندما تبدأ أربعينية الصيف , وكذلك الحادي والعشرين من شهر كانون الأول تبعاً للتقويم الشرقي الايزيدي في الحالتين , حيث تبدأ في هذا التوقيت ( الشتوي ) أربعينية الشتاء , لكن معدل استقطاب الطاقة الالهية يكون في أعلى معدلاته في ثلاثة أيام من شهر كانون الأول ولهذا وضع الايزيديون القدماء توقيتاً فلكياً دقيقاً للغاية في تحديد هذه الأيام الثلاثة وأطلقوا عليها صوم ايزيد ..

وهذا الصوم ليس فكرة تجريدية خالية من المعاني الهادفة كما هي عليها اليوم من الامتناع عن الطعام والشراب , كلا هي فكرة جوهرية تدخل في صلب قوانين العلم الايزيدي الخفي المقدّس , وهي عملية تبدأ بتعلم مبادئ هذا العلم في الأساس لتطوير البنية الروحية والنفسية لتترك تأثيرها المباشر على البنية الجسدية , وتطوير هذا الثالوث المقدس هو من يساهم عملياً في نقل وعي الانسان الى مستويات عليا تمكنه من تجديد برنامجه المعلوماتي الفائق التعقيد في الروح والنفس , هذا التجديد يجعل منه كائناً متفوقاً بالمعنى الدقيق للكلمة , يبدأ هذا التفوق من دخول الإنسان الى حقيقته الكامنة في أعماق النفس ويبدأ بالصعود بها تدريجياً الى القمم الشاهقة للعلم النوعي الايزيدي الخفي المقدس , ودخول الكائن البشري الى أعماق الحقيقة يجعله يبدأ بتغيير موجات استقباله لصور المنظومة الكونية ومعلوماتها القادمة لنا مع الطاقة الكونية الايجابية والتي تصلنا عبر مسارات الطاقة الاثنا عشر الذين تم شرحهم في فصل سابق من هذا الكتاب ..

هذا التغيير في الموجات يعني عملياً البدء بتقبل هذا العلم من أبواب واسعة , حينها يدرك المرء طبيعة الخطوة الحاسمة الاولى وأهميتها في الانطلاق في تعلم مبادئ هذا العلم , ويحتاج هذا التغيير الى تأمل عميق وتوحيد دقيق للقدرات الذهنية والصورية في الدماغ بادئ ذي بدء , فكانت جلسات التأمل العميق تجري في لالش في أوقات طويلة من السنة من قبل شخصيات كانت تفهم طبيعة الهدف منها ..

لذلك كان البعض منهم يبدأ التأمل من خلال أربعينية الصيف أو أربعينية الشتاء لأوقات طويلة من النهار في غرف مظلمة أو حجرات صغيرة تخلو من أي تأثيرات جانبية , ولعب الشكل الهندسي في البناء القديم ذو السقف المقوّس الدائري دوراً كبيراً في التأثير الايجابي على التقدم في هذه الممارسة , فهذه الخطوة كانت تجعل المرء يتأمل لساعات طويلة دون طعام وشراب بعد أن ينفصل تماماً عن العالم الخارجي وهو يدرّب ملكاته الفكرية والذهنية لتقبل العالم الجديد وتأثيراته على منظومته الفكرية والروحية ..

والقسم الأعظم من أجدادنا الايزيديون كانوا يفضلوا هذه الطريقة من التأمل قبل الذهاب في أيام صوم ايزيد الى لالش لأخذ مكان لهم هناك لتطبيق هذا التأمل في هذه الفترة الحساسة من عمر الكون ( حيث يحدث التحول الكوني سنوياً ) ومن عمر الأرض ( حيث يحدث التحول الشتوي الأعظم ) في التأثير على القدرات الروحية والذهنية عند البشر , ففي فترة التحول الشتوي يتغير المدار الإهليلجي للأرض حول الشمس الى مدار بيضوي ( يشبه الجرّة ) الدوران خارج خط الاستواء المداري وبالتالي يبدأ تدفق الطاقة الكونية بقوة ويكون أكثر كثافة في الحادي والعشرين من ديسمبر ( كانون الأول ) في مركز سرّة الأرض ( لالش ) ويكون بلون أحمر غامق في قمة وصوله الى إحداثيات المنطقة الجبلية التي بنيت لالش عليها في الأيام الثلاثة من أيام صوم ايزيد الثلاثة التي حددها الايزيديون القدماء بدقة كي تمكن من يرغب في التواصل مع مستويات الوعي العليا وعبور دورة الضرورة الاستفادة من ذلك ..

والتواجد في لالش في هذه الفترة بالتحديد كان من أجل التزهّد والممارسة الدقيقة للتأمل , منهم من كان يمارسها ساعات طويلة ومنهم من كان يستطيع دمج الأيام الثلاثة بجلسة واحدة لا يتحرك خلالها ويتمكن من عبور مستوى الوعي الأرضي الى مستوى الوعي المتفوّق ويبدأ دورة جديدة في حياته في السنوات التالية من خلال تزوده بالعلم الايزيدي الخفي المقدس من هذا المستوى الصوفي ( الأثيري ــ ذو اللون السماوي المخفف ) في هذا المستوى من الوعي المتفوّق يتلقى المرء أشكال وعلوم هندسية مختلفة يقوم بفك رموزها والاستفادة منها للتقدم في تعلمه للعلم النوعي الايزيدي الخفي المقدّس ..

وعندما يبدأ المرء بممارسة التأمل فهو بلا أدنى شك لا يفكر بمنطق العالم المادي الذي يعيش فيه فهو تجاوز هذا المستوى من الوعي ويذهب الى الأعلى في ذهنه وخياله وروحه ووعيه الباطن , لذلك عندما يبدأ مرحلة التأمل فإنه بشكل طبيعي يبقى طوال ساعات أو أيام التأمل دون طعام أو شراب لأنه عملياً يخرج بوعيه وروحه وعقله الباطن من حيز العالم المادي الموضوعي وقوانينه الفيزيائية الى مستويات أعلى , تكون فيها الحواس والغدد وباقي الأعضاء الجسدية متناغمة مع العالم الجديد أو المستوى المتفوّق للوعي وتتشبع بعلوم أغنى كثيراً من الطعام والشراب في عالمنا الأرضي ..

لذلك شبهت الكثير من السبقات الدينية والأقوال الايزيدية جسد الانسان وهو يمر بهذه المرحلة بالمركبة , ووعيه الباطن بقائد المركبة , لأن واضعي هذه السبقات يعلمون تمام العلم شكل الانتقال في الوعي الى المراحل العليا وتشبيه الحالة بالاستعارة اللفظية الدقيقة التي تعبّر عنها ..

وهم يعلمون تمام العلم شكل هذا الانتقال , والكثيرون من ممارسي طرق البرّ ( البرخك ) يفهمون تماماً هذه الاستعارة اللفظية في تشبيه الحالة , لهذا السبب لا يمكن لمن يطلع على أبواب العلم الخفي الايزيدي المقدس أن يفصل بين صوم ايزيد وممارسة طرق البرّ ( البرخك ) لأن الأول يقود الى الثاني , والثاني يعتمد في ظهوره على الأول , هذا ما يجب أن ندركه بعمق ..

وعبر التاريخ الطويل كان لصوم ايزيد دوراً بارزاً في انتقال شخصيات ايزيدية كبيرة وكثيرة الى مصاف المستويات المتفوقة من الوعي الى درجة أن لالش أصبحت في وقت من أوقات الحضارة الآشورية مركزاً للكثير من الشخصيات القادمة من بلاد الهند والسند , وبلاد ما وراء البحار ( الأمريكتين ) وبلدان أوربا في عصور قريبة ممن درسوا أبواب العلم الايزيدي الخفي المقدّس في بابل أو نينوى أو هولير مراكز الاشعاع الحضاري لهذه العلم في العالم القديم ..

وبعد ان كانت ممارسة هذه الطرق يحتكرها أشخاص يتمتعون بذكاء عالي , كان يطلب من العامة الصوم في هذه الأيام الثلاثة للتمرس على تحمل الجوع أثناء فترة التأمل , وكان يتم انتقاء شخصيات من الجنسين وإرسالها الى لالش لممارسة التأمل في حالة ادراك القائمون على العملية أنهم أصبحوا مؤهلين لممارسة البرّ ( البرخك ) والتواصل مع المستويات العليا تحت اشرافهم وطرح الأسئلة عليهم بعد انتهاء الممارسة التأملية للتأكد من دخولهم الأبواب الصحيحة في مستويات الوعي ..

كل هذه العملية وفروع العلم الايزيدي الخفي المقدس التي يتم الاستعانة بها أثناء ممارسة طرق البرّ ( البرخك ) في لالش كان لها هدف واضح محدد , وهو إعادة أكبر عدد ممكن من الايزيديون الذين هبطوا من البعد السببي ( أبناء الشمس ) الى البُعد الأرضي الى عالمهم الحقيقي في البعد السببي كأبناء للشمس , يعيشون الأبدية ويتلقون العلم الهندسي الايزيدي الخفي المقدس ليمارسوا دورهم الطبيعي في تطوير كينونتهم وتوسيعها لتندمج بعلوم المصدر الذي يمثل الغائية والسببية لهذا المبدأ المبطن لوحدة الوجود , فالبشر العاديين في كوكبنا يجهلون ما الذي تعنيه وقوع الأرض في مدار الشدة والحزم , بعد أن كانت تدور في محور النور والرحمة ( الايزيديون اطلقوا على العملية وقوع الأرض في يد المرّبي , بعد أن كانت في يد البير ) وهو الأمر الذي يعني بشكل آخر الانتقال من مستوى كان الموت فيه يعني التطور والانتقال الى تجديد البرنامج البايومعلوماتي للروح والنفس ( تبديل طوق ايزيد ) الى مستوى أصبح المرء يحصل على طوق مؤقت يناسب أعماله وتحكمه بالعقل والعاطفة في عالمنا المادي ( أي دخوله دورة الضرورة وتناسخ الأرواح ) ..

ورغم أنهم كانوا يدركون تمام الإدراك أن الموضوع بحاجة ماسة الى عقل جمعي ( إرادة جمعية ) لتجاوز هذه المرحلة من تواجد الأرض في عمود الشدّة والحزم , إلاّ أن موضوع التواصل مع المستويات العليا للوعي وعوالمها بحاجة الى شروط لا يمكن لمن يتشبث بمثالب العالم الأرضي تحقيقها بسبب عدم قدرته على تجاوز الحالة الجيوفيزيائية لموضوع تواجد الأرض في عمود الشدة والحزم والذي يعني عملياً عدم دوام الشيء على حالته حتىبعد لحظة واحدة من الزمن , وهذا الأمر يشكل تحدياً حقيقياً للذين يرغبون بالتحكم في العقل والعاطفة , والتحلي بالطهارة والنقاء والاستقامة في عالم مادي موضوعي يشبه السجن الفيزيائي المحكم المحيط بنا دون أن نتمكن بسرعة من وضع خطة محكمة للإفلات من هذا السجن القسري الذي قيدنا دون جريمة أو سبب ..

لذلك نظر الايزيديون القدماء الى هذه التحولات الصيفية والشتوية والإعتدالين الربيعي والخريفي على أنهم عوامل دقيقة تساعدنا في اختصار الزمن للوصول في المرحلة الأولى الى مستوى الوعي المتفوّق , والى مستويات عليا من الوعي كلما تقدم المرء في تلقي قوانين المنظومة الكونية من المستويات ويعمل على تعميق علومه النوعية ورفد أخوته البشر بها وخاصة أولئك الذين يمتلكون الاندفاع الحقيقي لتلقي هذا العلم والعمل على الوصول لمرحلة تمكنهم من المعرفة والمحبة بأنقى صورهما , وقسّم الايزيديون تواريخ الصيام أو ممارسة التأمل وطرق البرّ ( البرخك ) على الشكل التالي ..

ــ صوم ايزيد .. وهو الصوم الواقع في التاريخ الفعلي للتحول الكوني الأكبر ( 21 كانون الأول ) , والتحول الشتوي الأكبر على كوكب الأرض , ثلاثة أيام تفتح فيها مسارات الطاقة الكونية على مصراعيها لسحب اصحاب العقول النقية وأصحاب الأرواح الطاهرة وتزويدها ببرامجها المعلوماتية , ومركز كثافة هذه الطاقة تتجمع في لالش والمسافة المحيطة بها بعشرة كيلومترات من كل الجهات , في هذه الثلاثة ايام كان كبار رجال الدين والشيوخ والأجلاء يمارسون التأمل وطرق البرّ ( البرخك ) لسبر أغوار أسرار المنظومة الكونية والعلم النوعي الخفي المقدس ..

أما الطبقة العامة من الشعب فقد كانت تصوم في هذه الأيام الثلاثة للتدريب على تحمل الجوع أثناء ممارسة التأمل والتواصل مع المستويات والأبعاد العليا في منظومتنا الكونية .

ــ صوم اربعينية الصيف .. هذا الصوم غير مفروض على العامة بل تقوم به طبقة معينة أو أكثر من طبقة دينية , من الذين يرون أنفسهم تقدموا في إدراك أبواب العلم الايزيدي الخفي المقدس والتأمل لتحقيق أعلى درجات التحكم في العقل والعاطفة قبل ممارسة التأمل وطرق البرّ ( البرخك ) في لالش ..

ــ صوم أربعينية الصيف الصغرى ( مدتها عشرة أيام ) .. وهي ايضا غير مفروضة على العامة وتقوم بها شخصيات شعرت أنها لم تتمكن من تحقيق تقدم فعلي في ممارسة التأمل وطرق البرّ ( طوال فترة الأربعينية الصيفية الكبرى ) لهذا تقوم بتكملة التأمل في العشرة أيام الأخيرة من الصيف وهو ما يعتقد به البعض أنها مناسبة لصقل القوى الروحية والذهنية بشكل أكبر ..

ــ الاعتدال الخريفي ( 21 أيلول ) .. في هذا الموعد لا يصوم فيه العامة بل كان سابقاً مقتصراً على التجمع في لالش لمعاينة الأشخاص الذين قطعوا شوطاً طويلاً من تحقيق التحكم بالعقل والعاطفة والتحلي بالطهارة والنقاء والاستقامة .. في هذه الفترة والتي تسمى بعيد الجماعية ( سميت بهذا الاسم لأول مرة عندما طلب أنليل من العظماء الايزيديون الاثنا عشر التجمع مع عوائلهم لرؤية لالش الجديدة على كوكب الأرض ) لتذكرهم بالبعد السببي الذي أتوا منه أو كوكب البرّ , كان القائمون على لالش يمتلكون من القدرات الخارقة ما يؤهلهم لقراءة الهالة المحيطة بجسد الانسان ( ذكر وأنثى ) ورؤية مدى اتساعها لتحقيق التقدم في التواصل مع مستويات الوعي , وكذلك قراءة عدسة العين , هاتين القرائتين كانتا تحددان من سيتمكن في صوم ايزيد من التواجد في لالش للتأمل طوال الأيام الثلاثة وتحولت الجماعية فيما بعد الى عيد للتجمع وممارسة بعض الطقوس وإلغاء الطقوس القديمة بعد تعرّض الايزيديون لحملات إبادة متكررة على يد أقوام محيطة بهم ..

ــ اربعينية الشتاء .. صوم أربعينية الشتاء غير مفروض على العامة من الشعب , فقط تمارسه بعض الفئات التي تحاول تأهيل قدراتها الروحية والذهنية عبر التأمل العميق للتواصل مع مستويات عليا من الوعي , وأغلب الذين يمارسون التأمل في فترة الشتاء يكونوا قد وضعوا لأنفسهم برنامجاً شاقاً يستغرق سنة كاملة قبل وصولهم الى حالات عليا من الوعي المتفوّق والانضمام لمن يمارس هذه الطرق في لالش في أقرب وقت ممكن ..

ــ الاعتدال الربيعي .. ( 21 آذار الشرقي ) .. هو ليس عيداً للصوم بل تجمعاً عند مزارات تمثل العظماء الاثنا عشر عند الايزيديين ( تسمى بالطوّافات ) , أي الطوفان حول المزارات المبنية بأشكال هندسية إلهية دقيقة للغاية كي يحصل الايزيديون على طاقة من تواجد العظماء في هذه الأماكن وهو ليس أمراً دائم الحدوث , لكنه تقليد لفكرة غارقة في القدم تعود الى المرحلة التي سبقت الهبوط من العالم السببي الى العالم الأرضي حيث كانت هذه المزارات بالفعل بيوت يستقر فيها العظماء للتأمل والتواصل مع المستويات الآدانية العليا والحصول على المعرفة الإلهية منها , فيتبارك الايزيديون عبر زيارة هذه الأماكن حتى يحصلوا ولو على طاقة بسيطة منها لتعميق وعيهم الروحي والنفسي والفكري واستمرت حتى يومنا هذا , حيث يمثل كل عظيم من عظماء الايزيدية ( الخاسين ) مصدراً للعلم الايزيدي يسيطر على مسار من مسارات الطاقة الاثنا عشر الموزعة عليهم , فمثلاً شيشمس هو المسئول عن الطاقة القادمة من الشمس وطيفها البايوكهرومغناطيسي الذي يزود الجسم ببرنامج معلوماتي يتجدد باستمرار , والملك شيخ سن هو المسئول عن مسار الطاقة القادمة من القمر والتي تتحكم بالبرنامج المعلوماتي المتعلق بالعلوم القادمة من القمر في جسد الأرض الفيزيائي وكذلك أجسادنا وأجساد كل الكائنات والمخلوقات على سطح كوكب الأرض ..

وناسردين هو الذي يسيطر على مسار الطاقة الكونية المعدنية التي تساهم في تطوير حاجات كوكب الأرض , وكل الكائنات والمخلوقات التي تحتاج اليها لتجديد برنامجها المعلوماتي باستمرار , وكل عظيم أو خاسين مسئول بالفعل عن مسار للطاقة يتعلق بتجديد البرنامج المعلوماتي سواء للكوكب بأكمله أو للكائنات والمخلوقات عليه وصولاً الى أصغر جسيم ذري , لذلك يمثل عيد الطوّافات عيداً للتبرّك بطاقة هؤلاء العظماء من خلال مراسيم وطقوس تساهم في تعميق الحالة الروحية والنفسية للتواصل معهم , وهذا الأمر ينطبق فقط على من يمتلك المؤهلات اللازمة للقيام به وهم أقلية , لكن هذه الطقوس تساهم سنوياً في رفد مستويات الوعي العليا بطلاب جدد ربما لا يفصحون عن أنفسهم بسبب ضعف إدراك المحيط لطبيعة التغييرات في الملكات الفكرية والحسّية أو حتى القدرة على فهمهم أو تفسير طبيعة الحالة الانتقالية التي يمرون بها لا سيما بعد ان ابتعد المجتمع اشواطاً عن فهم هذا التحول النوعي عند الاشخاص ..

ــ صوم خدر الياس .. لم يكن صوم خدر الياس صوماً مفروضاً على الكهنة أو العامة , بل أن هذا الرجل العظيم أضيف اسمه الى عظماء الايزيدية بعد أن تمكن من العبور الى العالم السببي بنجاح , وقبل دخول المرء العالم السببي تظهر لهُ تحديات عظيمة من عمود المرّبي عليه تجاوزها قبل الدخول الى العالم السببي , وهو ما حدث مع العظيم خدر الياس عندما واجه كل طاقة المربي المتمثلة بزاحف يمتلك قوة عظيمة أرادت العودة بخدر الياس الى العالم الأرضي المادي الموضوعي , لكنه تمكن في النهاية من القضاء عليه وتجاوزه والانتقال الى مصاف العظماء في المنظومة الكونية وهو لا يعتبر قديساً عظيماً فحسب بعد أن نال الأبدية عند الايزيديون وحدهم بل عند كل شعوب كوكب الأرض بتسميات مختلفة , لهذا يحاول البعض التبرّك به في فترة تنوّره وانتقاله الى عالم الأبدية لتحقيق مراده في تحقيق هذه الأمنية ..

لهذا يصوم البعض في هذه الفترة بالتحديد تيمناً بذكراه ويقيمون الاحتفال بهذه المناسبة السنوية كي لا يفقدوا الأمل في الوصول الى المستوى السببي أو عالم الأبدية .

لهذا تعتبر فكرة الصيام في العلم الايزيدي الخفي المقدّس محاولة جادة لتطوير الحالة الروحية والنفسية للكائن البشري من أجل التواصل مع مستويات وعي عليا والوصول بها الى أبعد نقطة في تحقيق هذا الأمر , وقد صاحبت فكرة تعويض الطعام والشراب بزيوت مستخلصة من المعادن هذه الطقوس كي تساعد في دفع العملية خطوات جبارة الى الأمام عند الشخصيات التي كانت تحقق هذا التقدم وتنتقل في مراحلها الأخيرة الى لالش لممارسة طرق البرّ ( البرخك ) هناك قبل تحقيق الانتقال النوعي ..

وهذا الأمر دفع بالعديد من الشخصيات التي كانت تصل الى حقيقتها الروحية حتى من غير الايزيديين في الذهاب الى لالش ومحاولة التأمل هناك كما حدث مع المتصوّف الدرزي عدي بن مسافر الأموي والمتصوّف عبد القادر الكيلاني ..

ويخلط الكثير من الباحثين في هذا المجال بين تسميتي عدي و( آدي ) فالأول كان من الشيوخ المتصوفين في الشرق الأوسط أثناء انتشار هذه الطرق لممارسة تطوير الوعي , وظهوره لا يتجاوز الأربعمائة عام الماضية , أما اسم ( آدي ) في الايزيدية فهو الخالق الأعظم والمبدأ المستتر المبطن للوجود ومن خلال دراستنا في الفصول القادمة سيتمكن القارئ من فهم هذه الجزئية بشكل دقيق , لا سيما بعد أن وقع حتى الايزيدون أنفسهم ضحايا لهذا الخلط الغير مقبول في التسمية وإعادة قلب الحقائق وتهميش تاريخ قدره نصف مليون عام وربطه بشخصية متصوّفة كل أملها كان الوصول لحالة الوعي المتفوّقة كباقي أبناء الايزيدية ..

فلالش بالفعل كانت مركزاً عظيماً يقصده كل من دخل حقيقته , فمن يتمكن من الوصول الى الحقيقة سيعلم أهمية لالش على كوكب الأرض وبالتالي سيكون أول ما يفكر به بعد عبوره أبواب العلم الايزيدي الخفي المقدس هو زيارة المكان والتشبع بالنور والطاقة الإلهيين فيه , وهذا الأمر حدث للكثير من الشخصيات العالمية في الأزمنة القديمة عظماء اعتبرتهم البشرية زاروا هذا المكان من زوايا الأرض الأربعة , ليس لشيء سوى لمعرفتهم بأنها تمثل مركز سرّة الأرض , ومركز استقطاب الطاقة الإلهية , ومركز بني أصلاً عندما كانت الأرض واقعة تحت عمود البير ( الرحمة والنور ) قبل أن تقع الأرض تحت رحمة عمود المرّبي , طبعاً سيكون هذا الأمر صعب التصوّر على من لم يتمكن من الوصول الى حقيقته وتلقي العلم النوعي , لكن قول الحقيقة هذه يمكن أن يساهم في فهم طبيعة الأسباب التي تدفع الكثير من الشخصيات العالمية لزيارة لالش في كل الأزمنة ..

وفكرة الصيام كما قلت لم تكن ذات يوم فكرة مجرّدة من المعنى , بل كانت ناتجة من فهم الايزيديون القدماء للصورتين الصغرى والكبرى في الكون وما الذي يمكن أن تمثله هاتين الصورتين , والعودة الى توحيدهما يتطلب الخوض في هذا العلم النوعي الذي يشرح تفسير نشأة الكون بشكل دقيق ومتدرّج من الأعلى الى الأسفل , هذا الأمر فهمه عظماء الايزيدية ووضعوا مخططاً كاملاً متكاملاً للعودة بالأغلبية الى البعد السببي كأبناء للشمس يسطرون أروع الملاحم العلمية النوعية في أي كوكب يعيشون عليه وليس في كوكبنا الأرضي لوحده , لقد تعرّض الايزيديون عبر تاريخهم الطويل الضارب جذوره في التاريخ الى حملات استهدفت بالدرجة الأساس علومهم النوعية وقدراتهم العظيمة في تجسيد الهندسة الكونية على أرض الواقع , ورغم الغبار المتراكم الكثيف الذي غطى هذه الحقيقة لكن الواقع يقول أنها مكتوبة بأحرف من ذهب على ألواح من اللازورد والألماس ولا يمكن لغربال الشر حجب أشعة الشمس عنها وعن حقيقتها الساطعة ..

ما قل ودل هو أفضل تعبير عن شرح طبيعة الصوم عند الايزيدية وجذوره , صحيح أن الأجيال الحالية مرغت ذاكرتها العميقة مثالب عالمنا الأرضي ومغرياته الى تلك الدرجة التي أصبحت فيها عاجزة عن العودة الى الطهارة والنقاء والاستقامة وممارسة طرق البرّ ( البرخك ) ورسم طريق للحياة الجديدة الأبدية الطابع , لكن أجيالاً قادمة ستشق الطريق بعزيمة من فولاذ لإعادة الهيبة والكرامة لهذا العلم الرصين الذي تم تغليفه بغلاف مبطن سميك خوفاً من وصوله الى أيادي شريرة تعبث به في كل زمان ومكان ..

فكل ما حدث في حياتنا منذ القدم ما هو إلاّ تغيير في حالات الوعي وهبوطها الى أدنى المستويات كلما تمسك الانسان بثوابت العالم المادي الموضوعي , فنحن في النهاية من يقرر طبيعة مستوى هذا الوعي , ونحن من يقرر طبيعة الأفكار التي ينبغي علينا البناء على أساسها خطوات وعينا وتوجهاته الواسعة , وكلما تعمق هذا الوعي توسعت بصيرتنا الروحية لتصل شواطئ المعرفة النوعية بسلامة , وهذه المعرفة هي من يرفع هذا الوعي وهي من تنير تلك البصيرة الروحية نحو شاطئ أمانها , لذلك عندما وضع الايزيديون مناهج علمهم اعتمدوا بالدرجة الأساس على مسألتين شكلتا العامل الحاسم في تقدم المرء روحياً وفكرياً وهاتان المسألتان جاءتا من تفسير نشأة الكون تفسيراً دقيقاً للغاية , وهما الوعي والروح , صحيح أن تجارب حياتنا قادرة الى حد معيّن على تطوير هذا الوعي , لكن العلم النوعي الايزيدي الخفي المقدس شرح كيفية تأثير الوعي الكوني في الصورة الكبرى على وعينا البشري في الصورة الصغرى , فتواصلنا مع الوعي الكوني يبدو مستحيلاً دون تدريب حواسنا على البرمجة الصحيحة المتلائمة مع البرمجة الكونية , هذه النقطة تبدو منصّة انطلاق بالنسبة لنا نحو العلوم النوعية , فكان التأمل وتوسيع الوعي وتطوير البصيرة الروحية عاملان حاسمان بالنسبة للكثير من الشخصيات التي تعلمت اصول العلم الايزيدي الخفي المقدّس وانتقلت الى عوالم أفضل من عالمنا الأرضي .

وحتى نفهم علاقة الصوم عند الايزيديون وعلاقتها بتطوير المنظومة الفكرية والروحية لا بد من العودة الى الأسس التي دفعتهم لفرض هذا النوع من التأمل والصيام عن الطعام من أجل تطوير هذه القدرات والحصول على نتائج جيدة ترفع من مستويات الوعي وتعمل على تطوير البصيرة الروحية عند الفرد , فمثلما يمثل الكون بكل أبعاده الصورة الكبرى في الوجود فإن القانون الكوني التماثل يفرض نفسه بقوة على طبيعة فعل هذا القانون في كل المستويات بما فيها مستوى الوعي والمنظومة الصغرى التي نمثلها , لذلك مثلما هناك في دائرة العرش السماوي عين بيضاء كونية ( كاني سبي ) هناك داخل كل منظومة جسدية لكل المخلوقات والكائنات عين بيضاء في داخله , ويسميها العلم الأكاديمي المنهجي بالعين الثالثة , هذه العين كانت قبل تدمير برج بابل مفتوحة عند البشر الذين عاشوا في تلك المرحلة , ولكن بسبب تحويل العلوم النوعية التي كان البشر يتلقونها من المنظومة الكونية الى أدوات للشر تم اقفال هذه العين في الأجيال التي بقيت على قيد الحياة والتي تم تشتيت قواها الروحية والفكرية والذهنية ( بفعل فاعل ) , ليس ذلك فحسب بل تم اقفال الكثير من الحواس التي كانوا يستخدمونها استخداماً شريراً بدلاً من استخدامها للخير وعبور العوالم ومستويات الوعي نحو الأعلى ..

لذلك كانت أولى خطوات علماء الايزيدية في اعادة البرمجة الصحيحة للوعي والروح البشريين هو إعادة الروح والعمل لهذه العين المقفلة التي وظيفتها الأساسية التواصل مع العوالم والمستويات الروحية العليا , فهي مركز الحواس وهي الطريق الوحيد الذي يصلنا بالمنظومة الكونية وصورتها الكبرى , ودون التمرّس على اعادة العمل بفتح هذه العين تبقى الاجراءات الأخرى في الوصول الى التحكم بأعلى درجة بوعينا وعاطفتنا أمراً عبثياً , فهي مركز تواصلنا وحصولنا على العلوم النوعية المتفوّقة للغاية , لذلك اعتبر التأمل في لالش والدخول في حالات الوعي الغيبي أمراً حاسماً للوصول الى إعادة بث الروح فيها والعمل من خلالها على الحصول على تلك العلوم النوعية , من هذه النقطة انطلق الايزيديون القدماء في تطوير البنية الروحية عند الفرد للوصول بها الى أعلى المستويات , وهذه المستويات العليا هي التمكن من ممارسة طرق البرّ ( البرخك ) كمفتاح للحصول على العلوم النوعية بشكل متدرّج لا يفقد المرء وعيه ورشده وتجعله يتقبلها باستمرار لتساهم في تطوير وعيه وبصيرته الروحية ..

هذا الأساس ( العين البيضاء الموجودة داخل كل كائن ) هو الذي لعب دوراً في نشوء أول فكرة عن الامتناع عن الطعام والبقاء في حالة تأمل لساعات طويلة أو أيام طويلة تبعاً لتطور القدرات الروحية والفكرية عند المرء , وهي في الأساس ( أي فكرة الامتناع عن الطعام ) كانت موجودة في العوالم والمستويات الروحية المتفوّقة لكن طبيعة الطعام والشراب في تلك العوالم كان ولا يزال يختلف جذرياً عما هو موجود في عالمنا , فجرعة صغيرة من زيت الذهب كانت تكفي المرء أسابيع وأشهر دون طعام , وكذلك بعض الأكاسير المستخلصة من المعادن الثمينة التي كانت تمثل الطعام والشراب في مستويات الوعي العليا , وكذلك تعريض الجسم لأشعة مستخلصة من الأحجار الكريمة كان هو الآخر يكفي المرء لأشهر دون الحاجة للتفكير بالطعام والشراب ..

فالايزيديون الأوائل عندما فسّروا نشأة الكون اعتبروا الكائن البشري بمثابة آلة كونية صغيرة لها برنامج معلوماتي متكامل يعتمد على أسس في التطور والبقاء وعند دراستهم لهذا الأمر وضعوا العلاج لكل حالة من حالات تدني مستوى الوعي أو الهبوط الى عوالم تختلف عن تلك التي أتوا منها ..

العين البيضاء هذه موجودة عند كل كائن وهي تربطنا فعليا بالتطور الروحي والفكري , ومن خلالها فقط يمكننا ممارسة طرق البرّ ( البرخك ) والتواصل مع المستويات العليا من الوعي وعوالمها السبعة , وهي تصلنا بهذه الأبعاد عبر صقل منظومة وعينا على تردد رنيني يتناغم والصورة الكونية الكبرى , فهي مركز الحاسة السادسة , وهي مركز التنور الروحي والفكري عند الكائن البشري , وهي التي تمكننا من الانتقال والتواصل بين العوالم , والأهم من كل ذلك أنها مركز نتمكن من خلاله من تلقي العلوم النوعي من المنظومة الكبرى , فهي التي تفتح بصيرتنا الروحية الى أقصى مدى يمكن أن يصل اليه المرء , وتجعلنا قادرين على اكتساب حالة من الرقي في مستوى الوعي يؤهلنا للتحكم بأقصى درجة بالعقل والعاطفة وتنقلنا الى مصاف الطهارة والنقاء والاستقامة ..

هذه العين البيضاء التي تسمى بمركز الحاسة السادسة أصبحت مقفلة تماماً في العصور التي تلت سقوط برج بابل وتدميره , لكن الايزيديون تمكنوا من فهم طبيعة عمل هذا العضو الحيوي في الجسد البشري , وأدركوا أنه جهاز عظيم يعمل على الكهربائية اللاسلكية وحددوا شكل الأكسير المستخلص من معدن نفيس لإيقاظه من سباته , هذا الأكسير يفعّل الأوكسجين الأحادي الذرة في الدماغ والذي يسيطر بدوره على عملية انتقال وحفظ وتواصل الأفكار في الدماغ البشري من جهة وفي بحر العقل الفضائي الباطن الذي يمثل برنامج معلوماتي متكامل يمكن أن يستيقظ للعمل من خلال هذه الطريقة فقط من جهة أخرى ..

لذلك شكلت وجبة الطعام المقدّسة ( السماط ) قديماً في لالش المحور الذي كان يلجأ اليه المتأملون بعد انتهاء فترة تأملهم , وشرحت بالتفصيل كيف كان رجال لالش يستخدمون الجرار الثلاثة في جمع المياه من عيون لالش الثلاثة ووضعها في الجزء العلوي من القباب المخروطية لفترات فلكية يتم تحديدها وفقاً لمناسبة التأمل والفصل الذي يقع فيه , هذه المياه كانت تحوي القليل من مادة الألماس وعندما توضع تحت القباب المخروطية الثلاث في لالش فإنها كانت تزود بالطاقة الإلهية أو طاقة الآراغون والتي تمثل لالش مركز استقطاب عالي الدقة لها على كوكب الأرض , وكانت تخضع بالفعل لتأثير الأشكال الهندسية للقباب المخروطية على تركيبة المياه الكيميائية حيث تصبح مياه عالية الجودة والتنقية , بعدها يتم طبخ الوجبة المقدّسة في هذه المياه على نار هادئة قد تستغرق يوماً أو أكثر , يضاف اليها في النهاية القليل من زيت الذهب لتحفيز القدرات الروحية عند المتأملين للوصول الى مديات أوسع في التواصل مع مستويات الوعي العليا والعوالم السبعة ..

وهنا يجب أن ندرك أن الصوم وممارسة البرّ ( البرخك ) ووجبة الطعام المقدّسة كلها تنتهي في مرحلة واحدة هي مرحلة التأهيل القصوى للروح في طقس القاباخ , والذي كان يجري لتحرير روح الشخصيات العظيمة الى العالم السببي حيث كانت تجري طقوس السماع لأيام سبعة من أجل اتحاد القا والبا لتحرير الأخ من العالم المادي الموضوعي ( عند الشخص المؤهل والذي عبر جميع المراحل ) ونقله الى العالم السببي , ولذلك توجد في لالش اليوم الكثير من النواشين للقديسين والقديسات الذين تمكنوا من عبور عالمنا الأرضي وعادوا الى عالمهم الحقيقي الأبدي كأبناء للشمس , عالم الأرواح الطاهرة والنقية والمستقيمة ..

وحتى نفهم جيداً فكرة الصوم عند الايزيديين لا يمكننا تجاهل مراحل تطور منظومة الوعي بالنسبة للذين يمارسون طرق البرّ ( البرخك ) ويعملون على تطوير البرنامج المعلوماتي للقا وكذلك للبا حتى يتمكنوا من تحرير الأخ نهائياً والعودة به الى العالم السببي ..

هذه العين البيضاء أو مركز الحاسة السادسة هي التي تلعب الدور الأساسي في نهضتنا الروحية الكبرى بحاجة الى إسناد مستمر من أجزاء أخرى قبل أن تصل المرحلة تفتحها القصوى عند الكائن البشري , فهناك الى أسفل العين البيضاء عند الكائن البشري عضو آخر مسئول عن طبيعة عمل الغدد الصماء , مسئول عن الذكاء المتقد وحدّة الذهن , وقوة ضبط العقل والعاطفة والتحكم بهما الى أعلى درجة , فهي تتحكم بالقوة الجسدية والتناسلية عند الكائن البشري ومضاعفة قدراتها يصل بالإنسان الى مراحل متقدمة من التطور الروحي والفكري وتعمل بمثابة اليد اليمنى للعين البيضاء في التواصل مع العوالم والمستويات العليا للوعي ..

وهناك أيضاً الغدتان الدرقية وجارتها الأولى تعمل على تنظيم التوازن العقلي والتحلي بالحكمة , وتساهم في تطوير البنية الفردية للوعي , وعند دخول أبواب العلم الايزيدي الباطن يدرك المرء أهمية هذا الجزء الحيوي في جسده , فهي التي تنظم الحماس والنشاط في الجسد البشري وحيويتها تجعل هذا الكائن يمتلك مواهب متعددة وشخصية متفوّقة للغاية , أما الغدة الجار درقية فهي تقوم بتنظيم الطبيعة النفسية للكائن ومدى قدرته على محاربة الظلم والبحث عن العدالة , فهي مصدر الجسم للحيوية والنشاط والمثابرة ..

وهكذا ينطبق الأمر على الغدة الصعترية التي تنظم العاطفة ومستوياتها في النفس البشرية ,كذلك تلعب دوراً حيوياً في التحكم بالعاطفة لتجعل العين البيضاء تحصل على المستوى الذي يؤهلها للتفتح , وهو الأمر الذي ينطبق على البنكرياس والطحال والغدة الكظرية التي لها وظائف لا تقل أهمية عن تلك الأجراء العليا , فكلها تعمل بوحدة متجانسة للوصول الى أقصى درجات التحكم بالعقل والعاطفة للوصول بالطاقة الروحية والفكرية الى أعلى مستوياتها إن توفرت الإرادة لدى الكائن البشري لبلوغ هذه المستويات والبحث عن الطهارة والنقاء والاستقامة , فالتطور الروحي والفكري لا يمكن أن يحدث دون تطور مستوى وعينا , ومستوى الوعي هذا متوقف على طبيعة برمجتنا لهذا الوعي , وكلما تمكنا من اعلائه على مفردات العالم الأرضي ارتقينا بهذا الوعي درجة الى الأعلى , فرفع مستوى الوعي يتوقف على قدرتنا في التحكم بالعقل والعاطفة , يتوقف على قدرتنا في التأمل العميق بمنظومتنا الجسدية , وكذلك بالمنظومة الكونية الكبرى ..

فالتحولات التي تحدث سواء في الكون أو في المدار الإهليلجي للأرض ليست عبثية بل فعل لهُ غائية وسببية يجب علينا فهمه حتى نتمكن من تطوير مستويات وعينا الى المدى الذي يؤهلنا لجعلها تتحد مع المصدر الأساس لها , وحتى يستطيع القارئ ترتيب كل الطقوس والعادات الايزيدية المأخوذة من العلم الايزيدي الخفي المقدس أقول أنها مرتبطة بعضها البعض ومتداخلة الى حد بعيد , فالصوم والتأمل وممارسة طرق البرّ ( البرخك ) وتطوير حالات الوعي عبر تحفيز الغدد الى أن تساهم هذه العملية كلها في توسيع الطوق الأبيض المحيط بأجسادنا ( طوق ايزيد ) الى الانتقال الى العالم السببي عبر طقس القاباخ كلها مترابطة متداخلة الهدف منها تحرر الكائن البشري من سجنه الفيزيائي , تحرره فكرياً وروحياً يساهم في تخطيه عتبة دورات الضرورة وينتقل الى العالم الذي يحكمه عمود البير في المنظومة الكونية ..

فتغيير حالة الوعي والارتقاء بها الى مستويات عليا يعني عملياً تغيير في حقل الطاقة وتوسيعه الى مدى يتناسب ودرجة تطور الوعي , والتغيير في حقل الطاقة واتساعه يعني عملياً تغييرات فيزيولوجية كبيرة في الأعضاء الحيوية والحواس والغدد عند الكائن البشري , فينتقل في بداية الأمر من الطعام والشراب العاديين في عالمنا الأرضي الى الطعام النباتي وثمار الأشجار في مرحلة ثانية الى الاعتماد على زيوت مستخلصة من المعادن بطرق علمية نوعية في مراحل عليا تسبق عملية التحرر ..

لهذا يرتبط صوم ايزيد عملياً بجملة من العوامل الكونية ( التحوّلات ) والأخرى الأرضية , ونظام متكامل لتطوير البنية الروحية والفكرية والجسدية من أجل الوصول الى مستوى الوعي المتفوّق والصعود تدريجياً الى مستويات عليا من الوعي تساهم الطقوس الايزيدية في لالش في بلورتها جيداً قبل حدوث التحرر الروحي والفكري والتخلص من دورات الضرورة والانتقال الى عوالم ومستويات عليا , تعلو في جوهرها على ادراكنا البسيط , تعلو على ملكاتنا الفكرية المحدودة , مستويات تبقى عصية على الكائن البشري طالما بقي بعيداً عن المحبة والمعرفة الايزيديين , بعيداً عن مبادئ العلم الباطن الايزيدي الخفي المقدس فهي تستند الى التناغم الحاصل بين ايقاع طاقة الكائن البشري والتأثيرات الايقاعية للطاقة الكونية التي تعكسها التحولات الشمسية والقمرية , فكل كثافة التحولات الحاصلة في الكون وحركتها المستمرة ما هي إلاّ تفاعلات طاقة متداخلة , وهذه التفاعلات لها طبيعة دورية سواء أكانت شمسية أم قمرية , وتحصل في مواعيد محددة ومتسلسلة وفقاً للقوانين الكونية في الجرار الثلاث والهيكل الكوني المقدس , وهذه النقطة لا يمكن إغفالها بأي شكل من الأشكال , والايزيديون أدركوا أهمية هذا الأمر وضرورة إحداث التناغم بين الايقاعين , فقسموا الشهور الى شمسية وأخرى قمرية ووضعوا أسس صلبة للدخول الى أعماق معرفة هذا العلم , فالروح التي تتخلل الكائن البشري كما جاء في الشرح الوافي لها والتي نسميها بطوق ايزيد المقدّس ما هي إلاّ كيان طاقي حركي تخضع للإيقاع الدوري للطاقة الكونية عبر التأثيرات الايقاعية للشمس والقمر , ومن خلال الشرح السابق ربما أدرك القارئ طبيعة هذا التأثير من خلال الشاكرات والغدد التي يحتويها جسد الكائن البشري الفيزيائي , وتنتقل هذه التأثيرات الايقاعية من خلال هذا البرنامج الذي تمثله الغدد والشاكرات , وكذلك الذبذبات الجيومغناطيسية التي تنقل هذا التأثير الدوري باستمرار ..

وحتى نفهم الأمر بشكله الواسع من منظور العلم الايزيدي الخفي المقدس فإن هذه التأثيرات تتجلى في تحفيز طاقاتنا الداخلية للولوج الى النور ونيل المعرفة النوعية بأوسع مدى يمكن أن يتخيله المرء , فالحديث هنا يدور على تبادل بين طبيعة المكونات الطاقية وأشكالها في الصورة الكونية الكبرى , والصورة الكونية الصغرى التي تمثلها أجسادنا في هذا العالم المادي الموضوعي , فالتحولات الحاصلة في طبيعة التأثيرات التي يشكلها القمر وتشكلها الشمس بشكل دوري تترك تأثيرها في جوانب الوعي عند الكائن البشري سلبياً و ايجابياً , وطبيعة هذه التحولات تكون نابعة من المواقع التي تتحرك فيها الشمس والقمر , وعند الحديث هنا عن طبيعة التأثيرات الدورية التي يتركها كل من الشمس والقمر لا بد وأن نتذكر أن المستوى الروحي للفرد هو الذي يتحكم في النهاية في طبيعة الاستفادة منها وتوظيفها بالشكل السليم في منظومتنا الطاقية العاملة في أجسادنا ..

ومن هذا الأساس قامت فكرة توظيف هذه التأثيرات توظيفاً سليماً من خلال فهم حركة المنظومة الكونية وتسخيرها لتطوير البنية الروحية عند الكائن البشري لإعادة تفعيل الغدد والحواس المعطلة والتي جسّد صوم ايزيد والتأمل هذه الخاصية بشكل دقيق للغاية , وكذلك جسدتها الطقوس المتبعة في لالش المقدّسة , والتي ساهمت من خلال العلم الايزيدي الخفي المقدس وفهم العلوم النوعية بشكل دقيق الى رفع المستويات الروحية والذهنية عند أجيال عديدة مضت من كوكبنا الى عوالم أسمى وأطهر وأنقى , فهي بالفعل قادت أجدادنا الى العبور الى مستويات الوعي المتفوّقة حتى قبل أن تنتشر الجامعات والعلوم الحديثة والتي تفتقر الى تشخيص دقيق لهذه المنظومة التي تحكمنا ..

فالحفاظ على المستوى الروحي النقي المشع بالمحبة والمعرفة أمر في غاية الصعوبة في ظل تحديات الحياة اليومية التي تفرزها لنا مثالب هذا العالم الأرضي ومغرياته , ولو أردنا الدقة في التعبير عن هذه التأثيرات لا يمكن لنا تجاهل أن المستويات الروحية المتدّنية للغاية تقع ضحية هذا التأثير الايقاعي لكل من الشمس والقمر من خلال زاويتين , أحداهما أن هذه التأثيرات الايقاعية تجعله عاجزاً عن تفسير المشاكل التي تواجهه في حياته اليومية فتخلق له مجالاً واسعاً للتعاسة في حياته , والثانية تخلق لهُ الكثير من الأمراض , عدم القدرة على الاستفادة من هذا التناغم يولّد العصبية والعنف والتطرف عند الكائن البشري , وبالعكس الاستفادة منها تجعله حكيماً يواصل طريقه الى مستويات الوعي المتفوّقة , لذلك تعتبر عدم الاستفادة من هذه الايقاعات مصدراً مهماً للأمراض العصبية والجلطات الدماغية والقلبية التي تصيب الكائن البشري , وخلال حركة الأرض حول الشمس والتي تتجسد في مدة زمنية قدرها 12 شهراً تأخذ الأرض من هذه الحركة بحكم التناغم المتبادل كميات هائلة من الطاقة النشطة تترك تأثيرها الفعلي على وعينا الأرضي وباستمرار الاستفادة من هذه الطاقة النشطة وتوظيفها بالشكل السليم تتطور منظومة وعينا تدريجياً حتى العبور الى أعماق حقيقتنا والدخول في أبواب العلم الايزيدي الخفي المقدس والانتقال الى مستويات الوعي المتفوّقة ..

ومن خلال ظهور حالة البدر القمرية تظهر الحالة المستجدة لانبعاث الطاقة من القمر والتي تترك تأثيراتها على مستوى الوعي عندنا وعلى مجمل الظواهر البيئية في الكوكب , فكل تحول في القمر يترك تأثيره على أصغر جسيم ذري في كوكبنا وربما تشكل حالة المد والجزر الظاهرة الأشد وضوحاً أمام أنظارنا والتي تنتج عن تحولات نسبة الطاقة القادمة من القمر , والذين يمارسون طرق البرّ ( البرخك ) والتأمل هم الوحيدون القادرون على الشعور العميق بالطاقة القادمة من القمر , كما يشعرون بالفارق الكبير بين قوتها وضعفها , هذا الأمر أدركه الكثيرون من الذين مارسوا طرق التأمل والبرّ ( البرخك ) في لالش المقدّسة , هذا التأثير الايقاعي لكل من طاقتي الشمس والقمر تنتقل الينا عبر مسارات الطاقة الاثنا عشر والتي حددها العلم الايزيدي الخفي المقدّس بدقة مذهلة , والقسم الأعظم منا لا يشعر بهذه التأثيرات إلاّ عبر التأثر بها من خلال الأمراض والمشاكل التي تصيبه أو من خلال حالات العنف والتطرف والكراهية التي تسيطر عليه فهذه التأثيرات في الحالة تعني السلبية في الاستفادة منها وتعني عدم قدرتنا على الشعور بها والتحكم في مستوياتها وتوظيفها بشكل سليم على منظومتنا الروحية والنفسية ..

وأعطى العلم الايزيدي الخفي المقدس أكثر من طريقة للتحكم في انسيابية هذه الطاقة بطريقة تخدم حالتنا الروحية والنفسية , فالذين لا يمتلكون القدرة على هذا التوظيف السليم كانوا يمارسوا لساعات طويلة من اليوم التأمل في الطبيعة كي يغلقوا منافذ الطاقة السلبية ويعملوا على تحديد تأثيرها الفعلي في منظومتهم الروحية والنفسية , متحكمين من خلال هذا التأمل بمسارات الطاقة ومدى انسيابية كمياتها في منظومتنا , وكما ذكرت في سطور سابقة .. حدد الايزيديون مواعيد دقيقة للتحولات الكونية التي تترك بدورها تأثيرات ايقاعية على المنظومة الكونية بأسرها تنتقل هذه التأثيرات عن طريق المنظومات الشمسية في كل كون وهذه المنظومات الشمسية تنقل طاقاتها بطريقتين قوية فعالة , وخفيفة محدودة الفاعلية , لذلك حددوا مواعيد الانقلابات بشكل دقيق للاستفادة القصوى من هذه الطاقة وجعلها عملياً تخدم منظومتنا في الارتقاء والتطور , ومن يمارس التأمل وطرق البرّ ( البرخك ) هو الوحيد الذي يتمكن كما ذكرت من توظيف هذه الطاقات توظيفاً سليماً ..

وتختلف حالات الاستفادة من هذا التناغم الايقاعي والتفاعل بين المنظومة الكونية ومنظومتنا البشرية تبعاً لمستويات الوعي التي نمتلكها , وطريقة توظيف هذه الطاقة لتطوير منظومتنا الروحية والنفسية , فكلما كان مستوى الوعي متقدماً كانت الايجابية هي التي تسيطر على طبيعة تلقينا لهذه الطاقة وسيطرتنا على التناغم الايقاعي له , وكلما كان مستوى الوعي متدنياً كلما تعمقت هذه الطاقة في تأثيراتها السلبية على منظومتنا البيولوجية لتساهم في افراز الكثير من الهرمونات المتعلقة بالشذوذ والتعصب والعنف والكراهية والتطرف واستخدام الألفاظ السلبية في منظومتنا ..

ولهذا السبب بالتحديد قسّمت الايزيدية مستويات الوعي الى خمس ( حيواني , انساني مجرّد , انساني اله , إله انساني , إله ) هذا التقسيم وقف خلفه فهم سليم لتدفق مستويات الطاقة القادمة من كل من الشمس والقمر الينا وتأثيراتها في مستويات الوعي عندنا ..

وبالعودة للتردد الرنيني للروح ومعدل الاهتزاز والتحكم في ذبذبة هذا المعدل لا بد من القول أن انخفاض وتيرة الذبذبة التي يتطلبها معدل الاهتزاز للروح يقودنا الى الجانب الحيواني من تشكيلتنا الجينية , وارتفاع وتيرة الذبذبة تحسّن من جودة الوعي الذي يتطلبه التوظيف السليم للطاقة القادمة من الشمس والقمر , وبذلك تتناغم هذه الوتيرة مع ايقاعات التأثيرات القادمة من الشمس والقمر , هذا التناغم يعمل بالفعل على تطوير ثالوثنا المقدس , والمنظومة الروحية والنفسية لنا بما في ذلك مستوى الوعي لدينا , وكما ذكرت فإن هذا الأمر يحدث في الانقلابات التي حددها العلم الايزيدي الخفي المقدس على سطح كوكبنا قبل عشرات الآلاف من الأعوام ..

هذا التوظيف السليم للطاقة بحاجة الى تحضير روحي ونفسي كان كل من يمارس طرق البرّ ( البرخك ) ويدخل أبواب المعرفة الخفية يستعد تدريجياً لاستقبال مختلف مستويات الطاقة القادمة من المنظومة الكونية , وطوّروا حالات معيّنة من التمارين الروحية والنفسية كي يتم اختصار تلك الممارسات والدخول الى أبواب المعرفة النوعية وتوزيع وتوظيف الطاقة بما يلائم حالة التطورين الروحي والفكري عندهم , وعملية الاستفادة من التناغم و الايقاع الأثيري لهذه الطاقة كان بحاجة لمعرفة نوعية باصطفاف الكواكب والأبراج وموقعي كل من الشمس والقمر في كل دورة من دورات التحول الكوني والانقلابات المسئولة عن ارسال هذه الطاقة , فالعملية لم تكن سهلة للغاية بل كانت عبارة عن علم عظيم نوعي الطابع يتم تسخيره لتطوير القدرات الروحية والنفسية لتحقيق الانتقال الى مستويات الوعي العليا ..

فتقسيم هذه الحالة من التأمل يبدأ من فهم سليم لهذا العلم النوعي وأهمية الطقوس التي كانوا يؤدونها في لالش النوراني ,ففيمطلعالسنةكانت عملية التأمل تتطلب القدر القليل من الطعام والاعتماد على الفاكهة وبذور الأشجار كمرحلة أولى وخاصة في الأيام التي تكون فيها وتيرة التأمل عالية , وعند اقتراب موعد الاعتدال الربيعي يتطور هذا التأمل الى مرحلة أعلى تأخذ في نظر الاعتبار التحولات الحاصلة في مواقع الكواكب فيتم التركيز على خلقحالة من السلام الداخلي تؤدي الى تفعيل مبدأ أخلاقي في التأمل على موضوع يدخل في صلب العلم النوعي الايزيدي الخفي المقدّس , ويعمل على تفعيلتجنب الحالات السلبية التي تسيطر على العاطفة والإحساس من خلال هذا التأمل , وفي نيسان الشرقي كان يتم التركيز على مبدأين عظيمين من مبادئالعلوم الايزيدية الخفية المقدسة لتحقيق قفزة كبيرة في منظومة الوعي مستفيدين من الطبيعة في تعميق كل من الاحساس والشعور بالطبيعة الحية لتحقيقهذا التقدم ( سري سالي ) , فكما أسلفت في سطور سابقة أن العملية كلها تجري في مستويات حسّية وحدسيّة عليا تفوق استيعاب عقول وقلوب البسطاءوكان المتعمقون في هذا العلم وحدهم من يدركون طبيعة الأشواط التي يقطعونها في التزوّد بالمعرفة النوعية ..

أما في التأمل الذي كان يجري في أربعينية الصيف وموعد الانقلاب الصيفي فقد كان يتركز على تفعيل الغدد المتعلقة بالتواصل مع مستوى شيشمس (المستوى السببي للوعي ) هذا المستوى كان يمثل أملاً كبيراً عند المتأملين لعبور مستوى الوعي المتفوق الى اللاوعي الخفي المدرك , والدخول الى هذاالفضاء الباطني في حالة النجاح كان يعني عملياً الانتقال الى أعلى درجات التركيب والتعقيد في العلم الايزيدي الباطن , وربما يجهل البعض محتوىعملية التركيب والتعقيد في علمنا الايزيدي لكنني سأتوقف في فصول قادمة عند شرحها بالتفصيل لأنها تشكل جسراً نعبر عليه للمعبد المعرفي الكونيالعظيم ..

وتستمر حالة التأمل اليومية عند الكهنة أو الذين كانوا يخدمون في لالش المقدس كل يوم لساعات معيّنة تختلف باختلاف مستويات الوعي بين الجميع , وتستمر حالة التأمل اليومية حتى الوصول الى التحول الكوني الأعظم والذي يترافق مع الانقلاب الشتوي في 21 ديسمبر من كل عام , حيث تفتح أبوابالكون مساراتها لتلقي الذبذبات والترددات الرنينية القادمة من الأرض لأخذها الى مستويات الوعي المتفوّقة وتزودها ببرمجة معلوماتية كاملة متكاملة ,كل شيء ينبض بالحياة الجديدة في هذا التوقيت الذي حدده الايزيديون في علمهم الخفي المقدس بدقة فلكية ثابتة وأبدية لا تمحى , فالأرض تكون خصبة, ورحم الانثى في كل الكائنات يكون خصباً لتلقيح البيضة , والأرض ومساراتها الحيوية تنبض بالتعديلات واستقبال السلوك السليم والعادات المفيدة ,كل شيء قابل للتغيير والتحسين إذا ما تمكن الكائن البشري من تفهّم عمق هذا التغيير النوعي الذي حدد فيه الايزيديون مسارات الطاقة العليا المتوّهجةفي الأيام الثلاثة من صوم ايزيد ..

هذه الفترة التي أطلق عليها العلم الايزيدي الخفي المقدّس في أكثر من سبقة دينية ..


„Padşê min merkeb dibest û nav geriya“- „My King got into his „ship“ and went around“


To make order, he created the directions……


Qewlê afirandina dinyayê


„Xwedawendê me gemî ajot“ – „Our Lord went on…“


„Ji kinar ço ber kinar e“- „from direction to direction..“


Qewlê afirandina kinyatê, S.22, Z.4:


اسم المركبة وهي الحالة الروحية والنفسية التي يقف فيها ممارس طرق البرّ ( البرخك ) أمام محاكمة ذهنية عميقة تسمى بمحاكمة الوعي ليتم الحكم على ممارس طرق البرّ ( البرخك ) بنجاحه أو فشله في الحصول على الخرقة المقدّسة البيضاء التي تؤهله للعبور الى مستوى للوعي أرقى من السابق وكذلك للحكم على مدى إمكانية حصوله على لقب ( الصادق ) ذلك الكائن الذي لا تنبعث منه أي لفظة كاذبة أو لا تعبّر عن الحقيقة بدقة , لهذا يصمت أغلب الذين يعبرون هذه المرحلة خوفاً من عدم قدرتهم على استخدام الاستعارة اللفظية والصوتية والصورية بشكل دقيق , كما أنهم في هذا المستوى من الوعي يدركون أن اللغات الأرضية لا يمكنها التعبير عن حالات معيّنة في مستويات حسّية وحدسية عُليا أرقى بسبب قصورها وكذلك بسبب اختلاف أشكال المادة وأنواع الطاقة والمجال المغناطيسي والنغمة الموسيقية واللغة السائدة في ذلك البُعد ..

وتستغرق هذه العملية من نهاية صوم ايزيد حتى السادس من كانون الثاني الشرقي في التقويم الايزيدي , حيث يحدث تحوّل نوعي في تلقيه العلوم الايزيدية الخفية المقدسة بشكل واسع , تجعله يقدم على الحياة من بوابات تختلف اختلافاً نوعياً عن تلك التي كانت تعيش فيه في السابق ويعيش فيها ..

في هذه الفترة تصبح روحه وبرمجتها مكشوفة تماماً لهُ يصبح بإمكانه شحنها بالطرق السليمة النافعة التي تقوده الى أعلى القمم الروحية الشاهقة , ودخول معبد المعرفة الإلهي الايزيدي من أوسع أبوابه , تكبر معها قدراته التجاوزية على عبور بوابات المعرفة الايزيدية والانتقال من التحليل والتفسير الى التركيب والتعقيد ( ممارسة يقوم بها من يزور لالش في فك العقد وربطها تمثل استعارة رمزية لهذه الحالة في العلم الايزيدي الخفي المقدّس ) , هذه الحالة تجعله يتحول تدريجياً الى كائن يعبر مستوى الانسان المجرد الى الانسان الإله , كما تمكنه ارادته الحيّة الصلبة من الابتعاد عن التأثر بمثالب عالمنا الأرضي ومغرياته المادية والمعنوية وتجعل منه متزهداً مقبلاً على عالم الحقيقة الأبدية بعمق ..

ولو عدنا لنقطة البداية سندرك أن العملية من الأساس قامت من أجل تهذيب الجانب أو الثلث الإلهي فينا وتفعيله الى أقصى درجة تمكنه في توقيتات تتناسب ودورته الفلكية وخارطته الجينية من سبر أغوار أسرار العلوم الخفية الايزيدية المقدسة واستقبال كل الأشكال الهندسية التي من شأنها تعميق علمه النوعي وقدراته الحية , ونفس الأمر ينطبق على التأثيرات القادمة من الايقاع الدوري للقمر والذي له مكانة بارزة في توظيف الطاقات القادمة منه لتطوير البنية الروحية والنفسية عند الكائن البشري ..


Qewlê afirandina kinyate, P.21, Z 3.:


„Padşê min merkeb dibest û nav geriya“


Qewlê afirandina dinyayê P. 14, Z. 1,2:


„Xwedawendê me gemî ajot“


„Ji kinar ço ber kinar e“


Qewlê afirandina kinyatê, P.22, Z.4:


„li lalişê sekinî, got: eve heq war e!”


Qewlê afirandina kinyate, S. 28, Z. 1,2,3:


„piştî çil salî bi hijmar e”


„Ardî bi xwe re negirtbû heşar e“


„Heta Lalişbi nav de nehat xwar e“


Qewlê afirandina kinyatê, S. 23, Z. 1,2,3:


„Heq ware û sekinîn“


„Padşê min hêvên avêt behrê,behir meyînîn”


Duxanek jê duxnî, her heft asiman pê nijinîn”


هذه السبقات الدينية التي شبهت حالة الانتقال في مستوى الوعي بالمركبة عكست حقيقة علمية نوعية تعود لآلاف من السنين مرّت على أجيالنا من الذين لم يتمكنوا من وضعها في المكان السليم من خلال الاستعارات اللفظية التي استخدمها عظماء مرّوا على تاريخنا للتعبير الدقيق عن حالة انتقال الوعي الى المستويات العليا المتفوّقة , كما عكست السبقه الدينية في موضوع بقاء كوكب الأرض لأربعين عاماً في الرقم وهنا قصد التاريخ الايزيدي السرّيالذي كان يستخدم الشار أو السار ( 3600 عام للسنة الواحدة ) حتى تكتمل وتصبح جاهزة للحياة , وكذلك عمق المعنى الذي عبرت عنه حقيقة أنالأرض لم تهدأ براكينها وثوراتها الجيولوجية في قشرتها قبل أن يحدد الايزيديون مركز سرّتها في لالش ..