المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصة الولد الذئبي د. ناهدة محمد علي



bahzani-3
01-29-2017, 07:32
الولد الذئبي



د. ناهدة محمد علي


في إحدى القرى العربية المعزولة كان هناك الكثير من العوائل الفقيرة والتي تمتهن الزراعة بالرغم من شحة المياه وقلة المطر ، وتكسب قوتها اليومي مع كثير من الجهد الصيفي والشتوي . كان بعض العوائل تتميز بكثرة ذكورها وهي أكثر رفاهاً من غيرها ، وكانت عائلة أبو طارق تعيش على ما تزرعه ، وللعائلة إبنتان تساعدان في موسم الحصاد . بعد الحرب التي لم يعلم أهل القرية مصدرها ولا سببها والتي حرقت الكثير من مزارعهم جاء رجال يضعون على رؤوسهم عمائم أحياناً ومناديل أحياناً أخرى قاموا بإحتلال الجامع فخاف أهل القرية منهم وخافوا أن يدخلوا الجامع ، وصبغ هؤلاء الرجال شبابيك الجامع وضببو زجاجه باللون الأسود ، ولم يعد يرى المزارعون ما يحصل في الداخل .
ذات ليلة بدأ قصف مكثف فوق البيوت ، البيوت الطينية والحجرية ، وفزع الصغار والكبار وإعتكفو في بيوتهم . إحترقت بعض البيوت وإحترق من في داخلها ، وقد وقعت إحدى القذائف على بيت أبو طارق الطيني ، وكان طارق بالصدفة يطعم الكلب الذي في الخارج فنجى من الموت بإعجوبة . كان يوماً مظلماً لم ينسه هذا الولد لسنوات حيث هرول يميناً ويساراً فلم يجد من يأويه وبات في العراء مرتجفاً ومحتضناً كلبه ثم هرول في الصباح إلى الجامع فوجد الرجال الملثمين هناك ، رحبوا به وأطعموه ، إستأنس بهم طارق وحسبهم عائلته الجديدة وكان وقتها في السادسة عشر من عمره . لازمه أحد الرجال وبدأ بإطعامه لمدة إسبوع ولم يثق طارق بغيره .
ذات يوم طلب الرجل من طارق أن يرافقهم في طلعاتهم الليلية ، وكان الولد يعود بعدها في كل مرة مرعوباً باكياً لكنه كان يخفي دموعه خوفاً من العقاب . ذات يوم عاد الولد والدماء تملأ كفيه وقميصه ، بقي منزوياً ومرتعباً طوال الليل ولا يستطيع الكلام مع أحد حتى غلبه النعاس ، فحلُم ببيتهم القديم وكيف كانت توكل له مهمة إطعام الدجاج والكلب ، وكانت أمه تحذره من أن يتأخر عن إطعامهم ، كان يتذكر كلامها جيداً وكانت تقول له حاذر من أن تتأخر لأنهم سيموتون جوعاً وتصبح آثماً بحقهم وحينما إستهزأ بكلامها عنفته وقالت لا تضحك فللإنسان والحيوان روح لا يصح قتلها ، وداعبت شعره الأسود وأعطته رغيفاً ساخناً . إستيقظ من النوم وهو يشم رائحة خبز أمه . حينها قرر أن لا يخرج مع القوم أبداً .
تقدم إليه صاحبه قائلاً لماذا ترفض الذهاب معنا ، هل تريد أن أحز رأسك أنت أيضاً ، إسمع واسكت ثم دفعه من كتفه دفعاً إلى الخارج .
بقي طارق على هذا الحال شهوراً ثم لاحظ القوم تغيراً في ملامحه وزوغاناً في عينه ثم أخذ يهذي ليلاً أثناء نومه ، ثم بدأ يصرخ بين الآونة والأخرى أثناء الليل وأحياناً أثناء النهار . تخيل البعض منهم أن الشيطان قد دخل إلى عقله وأنه يجب أن يُضرب حتى يخرج الشيطان من جسده ، فرُبط على سطح الجامع بلا طعام أو ماء حتى يفيق من هذيانه . كان الجوع يعصر بطنه وقلبه وعقله ويبتعد عنه عقله إلى البعيد .
تُرك طارق على هذه الحال لمدة أربعة أيام ، ولاحظ الرجل المناوب بأن الحبل الذي يلف الولد قد قُضم بقوة فتركه ساعات وعاد إليه فوجد أن أكمام قميصه قد قُضمت أيضاً .
وفي الصباح التالي خرج الجميع إلى غزوهم وبقي الرجل المسؤول عن طارق ، فبقي يراقبه وهو محتار بأمره وغير مصدق لما يجري له . قرر الرجل أن يطعمه وإقترب منه رويداً رويداً حاملاً بعض الطعام ، إنتابه بعض الخوف وهو يراقب وجه الولد المزمجر وقد جحظت عيناه وأصبح صوته مختلفاً لم يكن صوتاً بشرياً ، كان يصرخ وكأنه يعوي كذئب جائع ، إقترب الرجل منه أكثر محاولاً تخويفه وإسكاته لكن الولد بادره وإستل منه سكينه وحدثت معركة ضارية بين الإثنين .
في الصباح عاد القوم وصعدوا مهرولين إلى سطح الجامع فوجدوا صاحبهم غارقاً بدمه وقد تقطع جسده وفُتح صدره وقد نُزع القلب من صدره وتبخر الولد ولم يكن له أثر .
لاحظ أهل القرية أن شبحاً لشاب أشعث يتجول في المقبرة ليلاً وقد سمع البعض عواءه وكان ما بين الصراخ والبكاء . حسب البعض أنه حيوان جائع يبحث عن فريسته لكن شاباً إسمه أحمد قد تعرف على صديقه القديم ( طارق ) رغم تغير سحنته وقد أقسم أمام رجال القرية بأنه قد رآه ذات ليلة ولكن لم يصدقه أحد ، قال أحمد: كان طارق يهرول وراء إحدى النعاج بسرعة مذهلة ، وكان أشعث الشعر طويل الأنياب أحمر العينين ، وقد تغطى فمه بالدماء ، لكنه كان ينام ليلاً وقد يستيقظ أحياناً فجأة فيعوي قليلاً ثم ينام .


خاف أهل القرية على أولادهم من الغرباء وقرروا مغادرة القرية ، وقبل أن يفعلوا ذلك فاجأهم الأطفال بقولهم بأن القوم الغرباء قد إلتقوا بهم ووزعوا عليهم الكثير من الحلوى والسكاكين الصغيرة الملفوفة بقماش أسود .