المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصة سَعدان على الخط سعيد غازي الاميري



bahzani-3
02-13-2017, 20:54
سَعدان على الخط




سعيد غازي الاميري





ماء الورد مشغولة هذه الأيام وعلامات الانفعال بائنة على محياها بتزايد ملحوظ يدركه حمدان بالرغم من انشغالاته الذهنية والتي لا تنقطع فهو ما زالَ يفكر بأسطورة قرن الثور الحامل لهذه الدنيا وكيف إذا انكسر من هولِ اضطرابِ العالم والناجم عن صراعه على المال واللذة والجاه بكل ما متاح ...


تلتمسُ له العذر إذ يكفي أنه وريث كوارث متوالية منذ مقتل والده وهو صَبيٌّ في الثامنةِ ضحية خراب حرب فائضة السبب ومبرر إدامته!!





الحياةُ جميلةٌ هنا في شمال السويد، أهلها طيبون هادئو الطباع... لكن شتاءها الطويل قارص البرد بإفراط ... كل شيء ثلج أو الثلج منغمس به، فالبحر بِقدرِه ومقداره مُتَجمّد إذ لا غرابة أن تشاهد السيارات تنتقلُ مسرعة ما بين البحيرات المتناثرة في عرضَه، الأعلام المرفرفة تتجمد مع آخر هزة ريح فتأخذ قوالب الرايات، نُصْب الثلج وتماثيله تزخرُ بها الساحات وحدائق البيوت.





ذاتَ مساءٍ متجمدٍ أَتمَّت ماء الورد فجمعت لوازمها بهدوء بعد أن استرّخت بحمام فاتر...


جلست قبالة الشباك الكبير للشقة في الطابق السابع والمفتوح على طبيعةٍ غريبةٍ بدؤوا يألفونها رويداً


رويدا؛ حَطَّت نظراتها صوب صف أشجار (البيورك) المرهفة الاغصان والمظللة بوفر الثلج الناعم وهي تضغط على أسفلِ خاصرتها من المٍ بدأ بالتزايد تذكرت مبتسمة استنتاجات حمدان


لقياس البرد فحمدان لا يلزمه مراقبة مقياس أو سماع نشرات الأخبار فقد خَبَرَ عبر حواسّه كم هي قرصة البرد بالخارج فحين تبرد اذناه وهو حاسر الرأس يعني البرودة تقارب الخامسة تحت الصفر وإذا تيبس شاربه نافراً الى الامامِ كما القنفذ المسّتَفَز فدرجة البرودة ليست اقل من التاسعةِ تحت الصفر وحين يتجمد بخار الماء الخارج مع زفيره وتكوره حبيباتِ ثلجٍ صغيرةٍ على شاربه فان البرودةَ عند الخامسة عشرة تحت الصفر وعندما تسيلُ عيناه دمعاً ويجفُ على الرموشِ ثلجا فإن البرودة قد هبطت دون العشرين تحت الصفر وعند الثلاثين تحت الصفر وما دون تبدو الدنيا صفراء و (تَصفِّر) من قسوة البرد...








يهمسُ سَعدان فتجيبه بأريحية وهي تَربتُ عليه بخفة


ــ لماذا اسميتموني سَعدان؟


ــ والدك يدقق كثيراُ باختيار الأسماء فسعدان مثنى السعد ويقصدنا نحن الاثنين أنا وهو وأنتَ الجامعُ لنتاجنا فأنت ولدنا البكر الغالي؛ ولا أخفيك فالاسم به موسيقا أثناء نطقه ومن الطريف أيضا وبلسان العرب يطلقون اسم سَعدان على الكثير من فصائل القرود وبالتالي فيه مشتركات منسجمة مع قوانين حقوق الحياة.


ــ لماذا تكثرين "الشطة" بالطعام؟


ــ" مع القهقهة" أكل الطعام الحار متوارث من أهلي وستتعلم رغماً عنك





ــ اختيارك للموسيقا هادئة ومرحة تنقلب فجأة عالية الصوت ومشوبة بحزنٍ غامض وهل هذه وراثة من ذويك أيضا؟





ــ انها التراكمات يا سَعدان وحصتي منها الآتي:


ولدّتُ في قصبةِ صغيرةِ عبارة عن غابة من الماء والنخيل قربَ الحدود مع إيران، كنتُ حرة طليقة امرحُ ببهجة مع تلك الطبيعة الرائقة والمتسامحة؛ لكنها الحرب يا ولدي شظايا المدافع وأزيز الرصاص قد طالنا فهربنا إلى بغداد؛ ولضيق الحال سكَنّا بشقة فقيرة طابق ثان في حي صناعي والطابق الأرضي محل مكائن خراطة لِحَزّ الحديد القاسي؛ في تلك الشقة البائسة أكملت وطرا طفولتي وصباي.... ومن ثم دارت بنا الدوائر فَرسيّنا أنا وحمدان محظوظين هنا؛ حين يهيم المرء طلباً للغوثِ ويجد من يأويهِ بكرم غير مشروط فهو محظوظ!


موسيقا الجاز ذائقتي الجديدة والتي أبدع بها الأفارقة السمر بأمريكا فهم أمرُّ حالاً منا هجّروا قسراً من اوطانهم واستعبدوهم لأجيال متعاقبة، ابتدعوها ووجدوا فيها ضالّتهم بين الفرح والتعبير عما بدواخلهم من شعور للأسى والاضطهاد والتَمّييز؛ أحبها كثيراُ بها شَجَن وسعادة ولها ما يشبه الصراخ أحياناً... والصراخ به ترويح للنفس؛ بابا حمدان يصرخ هو الآخر بعلو صوته فوجد ملاذاً جديداً فهو اليوم مشجع كرة قدم مدمن على الصراخ ضد الحكم والفريق الخصم!!





صمتت بُرهةً ثم صاحت بصوت مختلج...


اليوم يتملكني فرح غامر يلازمه خوف حد الرعب لا يمكنني الفصل بينهما؛ تمنيت أمي بقربي... لكنها بعيدةٌ جدا...





حمدان متوثب:


رَنَّ الهاتف...


سائق التكسي ينتظر...


نظرة فاحصة من ماء الورد جالت بها الصور المعلقة على جدران الصالة...


توقف أمام صورة أمها... كادت تنفجر باكية... يسحبها حمدان بهدوء مشوب بعصبية... يهبطان على مَهَلٍ...


أَلم مفاجئ حاد أسفل الظهر احسّت به؛ تَعرَّقَ جبينُها ...


لفحة بردٍ تلامس وجهها المتعب ينعشها قليلاً ...


انطلقت السيارة مسرعة... المسافة خمسة عشر كيلومتراُ خارج المدينة...


كل شيء أبيض ...الثلج يلاحق العيون... صاحَ حمدان ... البياضُ فالُ السَعد يا ماء الورد








في أروقة البناء الفخم* النظافة والهدوء توءمان؛ اللوحات والتماثيل تشكل فضاءات ممتدة للفرح والتأمل والمرح...


لحظات وهم في الطابق المخصص للوافدين الجدد؛ أنوار مدينة لولّيُّو* تًشعّ مع الثلج


كان يسمح لحمدان التواجد طوال الوقت لكنه لم يرغبْ لاعتبارات شرقية خالصة، وَجدَ ضالّته بالقاعة المجاورة...





الموسيقا هادئة


الإضاءة متسربة من مجموعة فوانيس معلقة على الجدران؛ زجاج فوانيسها اختيرَ بعناية تقارب لون الجدران ترشدُ لشعور يبدد الحيرة ويفضُ كثيراً من منسوبِ القلق والترقب...


ماء الورد لازالت خائفة، لغتها السويدية ركيكة لا تكفي لتفضفض عما يغوص بداخلها...


حوريتان بالقرب منها... يلاطّفَنّها بكلمات رقيقة نابعةٌ من القلبِ... الأمور سهلة ولا تخافي ثُمّ هنالك مترجمُ على الخط... وانت من تقررين ... فقط أظهري شجاعة أكثر!





ماء الورد تجمعُ قواها...


جالت بنظرها أرجاء المكان فلم تجدها... صاحت أمي الغالية...


العرق يتصبب من جبينها ...


تدفعُ بجسمها نحو الأمام... الألم يتفاقم...


فقدت القدرة على الكلام ... الصراخ حلَّ بديلاً...


صرخةٌ مدوية...


صمتُ لثوان ...دقيقة ... أو ربما دقيقتين ... ترفع رأسها قليلاً... تَلتفتْ نحو اليمين


لاحت أمام عينيها حورية شقراء تُنَظّفُ أنفه وفمه من بقايا عوالقِ بيته القديم عند ماء الورد...


صرخَ سَعدان...


سَعدان بملبس أبيض مطرّز بالثمار جوار أمه يقلب رأسه المملوء بكثافةٍ بالشعر الأسود الفاحم...


صرخَ عاليا هذه المرّة... أنفه الأسمر المفَلطح بمنخريه الكبيرين قد غاصَ مبتعداً عن فمه الواسع حدَّ اذُنيّه


كلتا يديه وقدماه ترفسان إلى الأعلى...


سعدان بن حمدان حرٌّ طليق.





سعيد غازي الاميري


كرستيان ستاد / السويد


شباط/2017








*مستشفى المدينة الكبير اكتملت به الحداثة تأثيثا وتأهيلا اسمه مستشفى "سندربين" نسبة للقرية والتي بُنِيَّ على أرضها؛ افتتح َعام ألفين؛ كأحد شواهد الرعاية الناصحة في مملكة السويد!




*لولّيُّو مدينةٌ عامرةٌ ساحرةً الجمال بحلةِ الثلج شتاءً وبحيرات ربيعها القطبي صيفاً تقع شمال شرق السويد عند أعالي بحر البلطيق.