المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الفنان التشـكيلي مالفا في حديث خاص للـ”الأنباء”: أنا لست سوى لوحة..عن الانباء



سلام قوال
02-27-2017, 20:36
https://anbaa.s3.amazonaws.com/uploads/2014/12/malva23.jpghttps://anbaa.s3.amazonaws.com/uploads/2014/12/malva-1.jpgنضال داوود – الأنباء من خلف الوجوه، بتعابيرها القاسية تارة، والمتأملة تارة أخرى، يطل الفنان التشكيلي الكردي السوري العالمي عمر حمدي مالفا في كاليري “Sv” – الصيفي – بمعرضه البيروتي الثاني بعنوان “الشاهد الأخير”، الذي افتتحه في الأول من كانون الأول الجاري، ومستمر حتى العشرين منه، من تنظيم رزان شطي – آفاق – وسوليدير. ما يزيد عن 30 لوحة تروي بتفاصيل الوجه الدقيقة، وبالشجر والأجساد ببعض من التجريد الحديث طقوس الحرية، والحق بالحياة، والوجع السوري الذي يعتري القلوب، وبألوان تشبه الطبيعة السورية، لا سيما الصحراوية منها، وكأن الفنان اختارها بلا وعي لما تشهده سوريا اليوم. وسط هذه اللوحات، لا سيما ذلك الوجه “الختياري” المعبر عن ألم بلده، يقف الفنان مالفا على مسيرته الطويلة، الحافلة بالمحطات المأساوية، وما عرفه من فرص وصدف جعلت من هذا الشاب الكردي الذي كان يرسم له والده مستقبله “حمالاً بسوق الخضار”، فيما كان هو يرسم على الورق، لتحقيق حلمه في ان يكون فناناً بالهروب من قدره ، وليصبح على ما هو عليه اليوم من فنان عالمي، تفاخر النمسا به، وتعرض له لوحاته في متاحف أوروبية وأميركية، أدخلت اسمه في العديد من قواميس الفنون. من وجوه معرضه بلغته الفنية بالتجربة والبحث التعبيري، يخرج “مالفا” الاسم الذي اختاره لمسيرته الفنية، ويقول لـ”الأنباء”: “الشاهد الأخير” هو انا، لأني اسقط نفسي في الجغرافيا بوجه إنسان، غالباً ما يكون مسناً لما يحمل من تفاصيل أكثر. هذا الشاهد صامت، يتأمل ما يحوطه من حركة. الملامح الكردية مثبتة بوجهه، وبتفاصيل شواربه. ففي النهاية أتحدر من منطقة كردية. وشاهدي الأخير، هو شاهد على عصر. فالوجه بالنسبة لي وطن، وكل إنسان وطن، والمخزون هو وطن. لذا، شاهدي شاهد على عصر، وحياة، وتجربة، وعمر، وقصة لأن لكل إنسان قصة. malva-1 الفنان التشكيلي الذي غادر سوريا خلسة قبل 36 عاماً، عبر بيروت إلى النمسا، وعاد إلى بيروت “الشاهد الأخير” اليوم بمعرضه، له قصته مع الفن واسمه الفني. كنت بالسادسة عشرة أطالع الكتب والرويات الروسية المترجمة إلى العربية، والتي كانت تصل لوالدي مجاناً. استوقفتني رواية أنطوان تشيخوف “أرض الأم” الحوارية بين عجوز والتربة، وزهرة الخاتمية المعروفة بالروسية باسم “مالفا”. استوحيت منها مجموعة لوحات بهذا الاسم، وسرعان ما رميتها في بئر مياه البيت خوفاً من والدي الذي كان حلمه ان أصبح حمالاً في سوق الخضار. وبعدما التحقت بالجيش فترة سبعة أعوام و3 أشهر، كنت خلالها مغرماً بشابة كنت أناديها “مالفا”، هربنا سوية إلى بيروت ، ومنها إلى النمسا حيث عملت لسنوات أرسم باسمي عمر حمدي، لصالح كاليري “اوتو” التي كانت ترسل أعمالي إلى أوروبا وأميركا. ولأن اسمي العربي لم يروج لأعمالي والكلام “لمالفا”، طب مني صاحب الكاليري استبداله باسم آخر، فاخترت “مالفا” الذي ثبت على اللوحة، وكفنان تعرض أعماله في أهم الصالات العالمية في نيويورك، وبالم بيتش، وواشنطن، وشيكاغو، ومونتريال، وبرلين، بولونيا، وفيينا، كما ثبت مالفا منذ 24 عاماً في القواميس الفنية، والصحف، والكتب والمجلات المتخصصة. وبابتسامة يقول: لأني أتقدم بالسن، أريد العودة إلى اسمي الحقيقي عمر حمدي. وهل تكون العودة مع “الشاهد الأخير” معرضك البيروتي؟ يعلق مالفا: هذا الشاهد أخذ حيّزاً كبيراً من حياتي، كردة فعل على الغربة التي عشتها، والصدف، وإنقطاعي عن أولادي. قد يكون هذا الوجه هو الذي أريد العودة به إلى عمر حمدي، بكل صمته، وتأمله لنا، وللحياة، عدا عن طريقة العمل والتعامل معه على طريقة الغرافيتي، وكأني به أرسم البورتريه الخاص بي من خلال وجه أخر. malva23 قساوة ملامح وجوهه وبعض من لينها، ليست بالضرورة تعبير عن قساوة الحياة، يقول مالفا، مبرراً ذلك بإشارته إلى انه “عندما يعمل الفنان لا يفكر بالطريقة الواضحة. للكلمة اسقاطات مختلفة بلحظة العمل. أفلش القماش على مادة مشدودة، وعلى مساحة كبيرة من الأرض. يحوطني ويحميني طقس، ومجموعة ألوان وفراشي. جو مرسمي جميل بالموسيقى الكلاسيكية والسمفونيات الحديثة، وبعض من ذكريات طفولتي مع السيدة فيروز صباحاً، ونص لنزار قباني. وعندما أرسم ، أشعر بمخاض، وكطفل فاقد لأمه، ويشعر بالبكاء. وهذا البكاء هو رسم. انها حالة نفسية، وصخب داخلي وتوتر. أجرح المساحة البيضاء الفارغة بخط فحم أو فرشاة لون، فتفتح اللوحة أبوابها لذاكرتي وعاطفتي، وحميميتي وغربتي، والعمر الذي أنا فيه، وللأسئلة التي تخنقني: “لما أرسم، ولمن، ومن أنا؟”. مالفا الذي لم يجد للآن الأجوبة على تساؤلاته خارج إطار لوحته، وبمعناها الحقيقي، لاعتباره ان الإبداع “عملية بحث لا نهاية لها، كما البحر والسماء”، يعلق: هناك دائماً أفق آخر، وكلما بلغت أفقاً، يظهر آخر وأكبر. لكن هناك دائماً إرضاء للحظة، ولفترة وحالة على اني فعلت شيئاً. عندما أرسم، أشعر بالغاء ذاتي كوعي، فترسم اللوحة نفسها. عندها أجلس وأتأمل ما يحصل. كل تلك الحالات تلغى، بما في ذلك الألوان لأصل إلى اللون. أفاجئ نفسي لأن اللوحة ترسم نفسها. وهل فاجأت لوحاتك بيروت؟ يسارع مالفا للقول: لم أقرر فكرة المعرض، إنما صديقي الفنان غياث مشنوق الذي اختار من مرسمي ما يرضي الذوق البيروتي. معرض مالفا الذي أريده لبيروت يجسد مسيرتي الكاملة، وهذا يتطلب تجميع مقتنيات 12 متحف، ومجموعات خاصة، ولوحات من صالات عرض أميركية وأوروبية، لتقديم تجربة 60 عاماً. هذا الأمر قد يحصل ذات يوم، لا سيما وان بيروت تعني لي، لأني كبرت مع جبران ورسومه، ومع بول غيراغوسيان ورسومه. تحضر المأساة السورية بشكل غير مباشر في لوحتك، لا سيما وان سوريا تعاني ما تعانيه، كما شعبك الكردي، لماذا؟ وأين انت من التجسيد المباشر لكل ما يحصل؟ يجيب مالفا: لدي لوحات لا أستطيع عرضها في لبنان. اما بما خصّ موقفي مما يحصل، فبرغم كرديتي وسوريتي، لا يأتي موقفي ضمن هذه الجغرافيا الصغيرة للمنطقة الكردية، لأني شاهد على الخلفيات الزمنية، والتراثية والتاريخية التي أوصلتنا إلى هذه المرحلة. أسافر كثيراً، للعرض والسياحة، وأتأمل كل شيء، وأعرف ما يحصل بالتفاصيل الدقيقة. احتفظ بها بذاكرة أكبر وأوضح من ذاكرة الموجودين هنا. وكلما ابتعد عن الوطن، كلما اقترب منه أكثر. تحول مخزوني إلى عمل فني له لغة ثانية على علاقة بالخلاصات الموجودة بداخلي، وتظهر بحالة تعبيرية. في محترفي اليوم، يقول مالفا: هناك حالات إرهاب بالعمل الفني. ويضيف: بقدر ما الفنان عاطفي ورومنسي، بقدر ما هو عنيف. وهذا العنف يتوضح أكثر كردة فعل على المأساة. بكائي لا يكفي عندما أرى الأطفال، والدمار. جميعها مخزون لمبدأ كامل للأحداث والحروب الضخمة والمخيفة والمرعبة. لذا، لا أتصور ان هناك مساحة تستوعب ألمي، حتى لو ضمن حدود وإمكانيات معينة. سوريا موجودة في الشجرة التي أرسم. تتحول الحالة السورية ومنطقة الشرق الأوسط إلى رموز. انهما اللون، واللوحة والفكرة، والقماشة. أعمل على تجريد بكتلة سوداء كبيرة، على مساحات كبيرة بيضاء فارغة، بداخلهل كتل وقوى وأشكال تجريدية، وكأنها مقطع من دمار، وكتل بصرية تتصارع. فالتجريد عالم مفتوح على كل الاحتمالات… مالفا الذي يلملم أوراق عمره بابتسامة ساحرة، وعينان تتأملان المحيط، فيما كان يتمنى لو أن لبنان الذي يزوره للمرة الرابعة، وبيروت التي كانت بوابة خروجه إلى عالم الفن ان يكون “محمية طيور وليس موطئاً للأبراج الشاهقة التي غطت جمال طبيعة لبنان”، يختم كلامه بقوله: انا في النهاية لست سوى لوحة، والعالم العربي لم يصل إلى هذا النضوج، ويأخذني كلوحة، أو كمقطع سينمائي أو مسرح أو موسيقى للخلفيات والعنصريات المزيفة