المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مقدمة كتاب الطفولة المفقودة عيدان برير



bahzani4
04-22-2017, 17:31
مقدمة كتاب الطفولة المفقودة

عيدان برير*
https://scontent-bru2-1.xx.fbcdn.net/v/t1.0-9/18011032_1640634212618164_7668864832132616842_n.jp g?oh=a56383c9983dc2b2d0d09df2624f1172&oe=598FFD65

ليس في متناول الأطفال البدء في خوض الحروب إلا أنهم الفئة الأكثر عرضةً لتأثيراتها المميتة, وقد يؤدي الصراع المسلح الى قتل وعوق الأطفال وتعطيل تعليمهم والوصول إلى الخدمات الصحية الأساسية ما يؤدي الى زيادة الفقر وسوء التغذية واصابتهم بالأمراض. كما قد يؤدي هذا الصراع الى فصل الأطفال عن والديهم، أو قد يجبرهم على الفرار والهروب من منازلهم ما يمكن أن يؤدي الى مشاهدة ابشع الجرائم مما يتسبب كنتيجة حتمية الىٍ ارتكاب جرائم في حق أنفسهم وحق الأخرين. - مقتبس من تقرير منظمة اليونيسف المعنونة «الأطفال يقعون في مرمى الصراع» من العام 2005

والحجّة الأساسية الواردة أعلاه في تقرير منظمة اليونيسف بديهية صرفة وغنية عن التعريف اذا قلنا: بأن أطفال شنكال وبعشيقة وبحزاني وغيرها من المناطق الايزيدية لم يبدؤا أي حرب ولم يكن لهم مشاركة فيها. وإن كان الايزيديين ضحية حروب جرت غصباً عنهم وفوق قدراتهم. أذن فالأطفال هم الضحايا الاكثر ضرراً من الحروب التي لا حول لهم ولا قوة فيها, وهم يتضررون بها بالرغم من انهم لم يتسببوا في أي أذى لأحد وهم بحاجة لرعاية ومساعدة مستمرة ذلك لكونهم ليست لديهم القدرة على ادارة شؤونهم وحماية أنفسهم.

*طالب دكتوراه ويحمل ماجستير عن الايزيدية – جامعة تل ابيب
الكتاب الذي بين ايديكم للباحث والكاتب الايزيدي الغني عن التعريف حسو هورمي هو عبارة عن محاولة أولى من نوعها لتسليط الضوء على إحدى القضايا الساخنة والحسّاسة التي تشغل فكر الخبراء والمختصين في شؤون النزوح والتشرد وبطبيعة حال النازحين واللاجئين أنفسهم. ويتمحور هدف الكتاب الرئيسي عن انتهاك حقوق الأطفال الايزيديين وغيرهم من الأطفال ضحايا الحروب والنزوح الذي هو أمرٌ مهم وذو أبعاد كثيرة وتداعيات خطيرة لا تنحصر على الأطفال وحدهم بل تنعكس على المجتمع بأسره. ان ما يسمى بفقدان الطفولة أو بالأحرى سلب الطفولة نتيجة لا مفرّ منها تقريباً عندما تصبح المناطق السكنية ساحة للقتال والحروب والإبادات والنزوح وما إلى ذلك من كوارث لها تداعيات لا تحصى ذات اثر سلبي على الطفل جسديآ ونفسياً.

أولاً: يجب التطرق إلى النتيجة الحتمية الأولى للنزوح وهي السكن أي الحياة في المخيمات التي لها هي الأخرى انعكاسات قاسية جداً على المجتمع عامةً والأطفال خاصةً. وعلى رأس هذه الانعكاسات فقدان الخصوصية التي هي من حق أي طفل أينما كان على النحو المنصوص عليه في المادة 16 من الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل الواردة ملحقاً لهذا الكتاب.
وإلى جانب فقدان الخصوصية تُقَوَّض أيضاً الوحدة الأسرية حيث تضعف سلطة الوالدين إلى حد فقدانها الكامل في حالة فقدان مساحة الخصوصية الأولى وهي المنزل الذي بين جدرانه الأربع تدار العائلة بالشكل الطبيعي.

ثانيا: علاوة على ذلك فان العيش في المخيمات وتعطيل مؤسسة الأسرة وهيكلها التقليدي يحفّز على حدوث ما يسمى في علم النفس «تبادل الأدوار» بين الطفل والوالدين او بالمصطلح الانكليزي Parentification. الأبوين الذين فقدوا سلطتهم على أسرتهم وأطفالهم كنتيجة في اغلب الاحيان بسبب فقدهم لمصادر رزقهم والضمان المالي الذي يقدمونه لأسرتهم ما يؤدي بشكل متعمد أو غير متعمد الى نقل لأطفالهم العديد من المسؤوليات الأبوية والأدوار المتوقعة معيارياً من الوالدين. هذه الظاهرة تُعرف في علم النفس بمصطلح "الطفل الأبوي"، وهي من السمات المميزة لفقدان الطفولة التي تتسارع في حالات النزوح والهجرة. والمشاكل لا تتوقف عند الخلية الأسرية فقط بل وتمتدّ إلى جميع مجالات الحياة. وفي دراستها المعنونة «هل مخيمات اللاجئين جيدة للأطفال؟» قالت البروفسورة بربرا هارل- بوند من الجامعة الأمريكية في القاهرة ما هو واضح ان «مخيمات اللاجئين ليست جيدة لأي شخص ولا يوجد انسان يختار طوعياً الانتقال إلى مخيم للاجئين والسكن فيه. وبالفعل كل من يستطيع الخروج من المخيم يعمل على ذلك في أسرع وقت ممكن». وإن كان العيش في المخيمات ليس جيداً لأي شخص فذلك أولاً وأخيراً لأنه يعرض الأفراد والأطفال على وجه الخصوص لأضرار ومخاطر عدّة وعلى رأسها التهديد لأمنهم ورفاهيتهم الشخصية. حيث يتعرض الأطفال في المخيمات إلى ظروف صحية متدنية مما يؤدي إلى ارتفاع ملموس في معدلات اعتلال الاطفال واصابتهم بالأمراض, والمخاطر الناتجة عن البنى التحتية الرديئة والمؤقتة في المخيم لسلامة الأطفال تتسبب في العديد من الإصابات والوفيات بين الأطفال الذين هم الأكثر تعرضاً للخطر من غيرهم والأقلّ تمتعاً بالحماية في بيئة المخيم.

وفي ظل المخاطر الموجودة في تلك البيئة والتقويض في سلطة الوالدين في واقع النزوح والتشرد يُعرض الأطفال إلى تهديدات أخرى من بينها انعدام الأمن الغذائي والصحي الذي يشكل انتهاكاً للمادة 24 من الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل. وإلى جانب ذلك تدفع الأوضاع في المخيم العديد من الأطفال الى التسوّل بين عوائل المخيم, كذلك وجود العديد من حالات بيع بعض الأغراض الشخصية القليلة التي بقيت في حوزة العائلة. في حالات كثيرة أفاد سكان المخيمات بوجود حالات مختلفة لأطفال يعملون في أطراف المخيم أو القيام ببيع بضائع رخيصة بغية إعالة عوائلهم ومساعدة والديهم. وحيث أن تجارب الماضي من بقاع أخرى في العالم وعلى مختلف الأزمنة في التاريخ تعلمنا أن مثل هذه التصرفات قد تتدهور لتؤدي بالتالي إلى حالات من استعباد الأطفال وفي الحالات القصوى حتى إلى دعارة الأطفال. ويجب الإشارة إلى أن الاستغلال الجنسي والاعتداء الجنسي من قبل البالغين خطر مستمرّ على جميع الأطفال يتم تحفيزه بشكل حادّ من جراء الحياة في مخيمات اللاجئين والنازحين.
من بين كل هذه المخاطر على الأطفال النازحين الذين يسكنون المخيمات، حيث يجب الانتباه إلى الخطر المضاعف على أكثر الفئات ضعفاً وحساسيةً من بين الأطفال وهم الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة ويخصص هذا الكتاب فصلاً خاصاً ومهماً لهذه الفئة. وفي هذا السياق لا ننسى بالذكر ان بعض الأطفال الايزيديين وخاصّة الفتيات الايزيديات النازحات أصيبت بأسوأ أشكال الاعتداء الجنسي والاغتصاب والإساءات النفسية بعد تحريرهن من قبضة داعش. ومثل ذوي الأحتياجات الخاصة تماماً فان هذه المجموعة من الفتيات المحرّرات المقدر عددهن ببضعة مئات او آلاف هي الأكثر حسّاسية للمخاطر والاعتداءات الجنسية في المخيم في حين هي الأكثر عرضةً لها. وكما في حالة ذوي الأحتياجات الخاصة تماماً يجب إيجاد حلولاً جذرية جادة وشاملة تضمن الحماية المناسبة لهذه الفئة. ولكن ليست ظروف النزوح القسري وانعكاساته فقط هي التي تؤثر على ضحايا الإبادات الجماعية وتضرهم بل ما يرافقها من العقد النفسية والفسيولوجية المتبقية. وعلى الرغم من اننا في مرحلة مبكرة جداً لتحليل آثار الإبادات الجماعية على الأطفال الايزيدين ولتقييمها الدقيق فليس من المستبعد الاستفادة من أبحاث علمية في مجالات العلوم الاجتماعية والنفسية التي تم إجراؤها سابقاً طبقاً لحالات وأحداث من الإبادة الجماعية حصلت في أماكن مختلفة في العالم ومن بينها دراسات ميدانية تجريبية مع ضحايا الإبادة الجماعية في سربرنيتسا في البوسنة والهرسك وفي رواندا وفي كمبوديا على سبيل المثال لا الحصر. تركزت هذه الأبحاث على التأثير المتبقي للصدمة وللخسارة بين الضحايا بعد الصدمة مباشرةً وبعد مرور أعوام عدة من وقوعها. وأظهرت هذه الدراسات بوضوح وجود متلازمات متبقية وفي مقدمتها اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD – Post-traumatic Stress Disorder) وكذلك حالات الاكتئاب ونوبات القلق.

وإلى جانب هذه الظواهر والمتلازمات النفسية والفسيولوجية ثمة انعكاسات اجتماعية بعيدة المدى تترتب على سلوكيات الضحايا في مرحلة ما بعد الصدمة. الميزة الأبرز قد تكون الانخفاض في الأداء الاجتماعي لدى الجيل الناشئ مما قد يؤدي مستقبلاً إلى إشكاليات يتجاوز تأثيرها على مستوى الفرد ليشمل المجتمع برمته. وكما يتضح من الدراسات التي تبعت ضحايا الإبادة الجماعية حتى بلوغهم فانهم يأخذون معهم ليس فقط متلازمات وعقد نفسية بل أنماطاً مختلفة من السلوك الذي يؤثر سلبياً على المجتمع. وبين هذه السلوكيات تذكر نشوء جيلاً كاملاً مصاباً باضطراب ما بعد الصدمة ما قد يصبح جيلاً غير منتج وبالتالي يصعب عليه قيادة المجتمع الايزيدي ودعم أسره وممارسة علاقات اجتماعية وزوجية سليمة في المستقبل. وبالإضافة إلى ذلك لا ننسى الإساءات الجنسية والنفسية الفريدة للفتيات الايزيديات التي قد تؤدي من دون علاج مناسب إلى مشاكل محتملة في الإنجاب وإلى جانب ذلك فقدان ثقة نساء الجيل الناشئ في البيئة الاجتماعية وخاصةً في الرجال ما يؤدي إلى ازدياد المشاكل والعراقيل في ممارسة العلاقات الزوجية والجنسية.

هذا الكتاب انجازٌ مهم ومساهمة قيمة للنقاش الدائر منذ فرمان أغسطس 2014 في المجتمع الايزيدي وفي المحافل الدولية وذلك لعدة أسباب:
أولاً- يشخص هذا الكتاب بدقة مشكلة تعرض الأطفال الى مخاطر فريدة في واقعهم العنيف والقاسي وهي احدى أكبر التداعيات مأسوية بعد الفرمان ومع ذلك فأن اكثرها نسياناً وإهمالاً.

ثانياً- بالرغم من الواقع المأسوي للمجتمع الايزيدي ووضعه الحساس حيث يسترعي هذا الكتاب الانتباه الايزيدي الى احدى التحديات الكبرى التي تقف أمام الايزيديين في هذه المرحلة والتي يجب عليهم مواجهتها.
ثالثاً - يوسع هذا الكتاب المجال ويخرج هذا التحدي من أن يكون مسألة ايزيدية ليحيلها الى المجتمع الدولي ويجعلها قضية إنسانية منادياً للتدخّل الدولي في تحقيق أوضاع الأطفال والتوقف عند نطاق المشكلة واقتراح الحلول الممكنة لها.

رابعا- ينبعي أن يكون هذا الكتاب بمثابة علامة تحذير للسلطات في أربيل وفي بغداد وفي باقي العواصم الدولية والتي تشير إلى ان إهمال الأطفال ومعالجتهم في ظل هذه المأساة ليس إلا خيانة للمستقبل والأجيال القادمة وفي الصالح العام للايزيدية والأكراد والعراقيين.

ولا اكمل كلامي دون تحفظ صغير يجب ان يمضي أمامنا طول الوقت: كما اقترحتها الباحثتان جورجيا دونا وأنجيلا فيل فأن التركيز على نماذج متميزة من الضحايا الأطفال كالأيتام والناجين من الإبادة والمصابين بصدمة ذات تأثيرات نفسية قاسية والذين يجذبون بطبيعة الحال المزيد من الاهتمام الاغاثي والإعلامي يعبر عن نزع الطابع السياسي للإبادة وحصرها في أبعادها السيكولوجية والعلاجية فقط بغية الحفاظ على إعادة حق الأطفال في الطفولة الطبيعية والطمأنينة. ذلك الميل إلى ( نفسنة ) الإبادة قد يغيب عنّا الخلفية السياسية للإبادة. والحقيقة ان الإبادة الجماعية والحروب والصراعات جميعها أفعال إنسانية واختيارات سياسية بامتياز وفي قدرة البشرية ايقافها والحد منها. فالحلول لواقع الأطفال الايزيدية مطرزة بين سطور هذا الكتاب طولاً وعرضاً وفي حقيقة الامر كلها معروفة للمجتمع الدولي والوكالات الإغاثية وحكومات الدول منذ فترة طويلة. ويبدو أن المشكلة ليست في تحديد المشاكل وتشخيصها او في اقتراح الحلول المحتملة لها بل بالانتقال السريع إلى مرحلة التطبيق والتنفيذ.
أتمنى ان يكون هذا الكتاب المهم قد ساهم في تحفيز هذا الانتقال وإيجاد الحلول لأزمة الأطفال التي قد تصبح قنبلة اجتماعية واقتصادية مؤقتة ستنفجر في المستقبل القريب أمام الجميع بعيداً عن الانتماءات السياسية والدينية والمذهبية.

ملاحظة: من مقدمة كتاب الطفولة المفقودة

"داعش والابادة الجماعية للايزيديين " للكاتب حسو هورمي , طبع في اربيل عام 2017

مراد سليمان علو
04-23-2017, 10:16
لا شك أن مقدمتك أضافة مميزة لكتاب قيم يستحق القراءة ..