المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سعيد غازي الأميري : عِقْدُ الماس



bahzani4
05-05-2017, 10:42
عِقْدُ الماس




سَرحان هجر بلاده منذ سنوات، يسكن في شقة بمركز المدينة؛ آثرَ ضغطاً للنفقات ان يترك سيارته بمَرَآب مجاني يبعد قرابة المائة متر.

في كل مرةٍ وخاصة بالصباحِ الباكر حين ذهابه إلى العمل يتوارد له بأنه سوف يعثر في هذا المرآب على حقيبة لسيدة وفيها عقد مرصع بالماس والجواهر... عيناه تمسحان الأرض ذات اليمين وذات الشمال وبتركيز ملفت لعله يجد ما يحلم به...

ذات صباحٍ بارد ... أنوار المصابيح تبدد الظلمة لليلٍ طويل؛ دَقَّقتْ عيناه النظر بخطفةٍ أرشدهُ قلبهُ نَحوّها... لُقْيَة سوداء بالقربِ من باب خلفي لسيارةٍ حديثةٍ سوداء هي الأخرى...

حَمَلتّه قدَماه بعزمٍ غير مسبوق بخطوات واثقة نحو سهْمِه المنتظر لما تبقى من وطرِ عمره...

الأمتار المتبقية تخْتَزل... رفعَ الحقيبة وبخطفة بصر دَسَّها تحت إبطِه الأيسر فمعطفه الشتوي يتّسع لأكثر من حقيبة ...

زادَ من سرعةِ خطاه نحو سيارته... رَفْسُ قَلبه اختلط مع هَزهزة الحقيبة...

لم يلتفتْ إلى الخلفِ ...وصل السيارة دخل خلف المقود ... أدار وجهه بكل اتجاه فلم يشاهد أحدا... دَسَّ الحقيبة تحت مقعده.

ابتهالات الشكر مَطَرت مدراراً على لسانِه مثل "درويش في نوبة عبادة"

أدار مِقْوَد السيارة...

احتارَ... أينعطف يميناً نحو عمله اليومي أم يرجع إلى البيت؟

استدرك بأن عياله جميعا بالبيت فهو أول الخارجين للعمل ورجوعه كُله ضرر!!

قرر السير نحو عمله... خمس عشرة دقيقة تلزمه للوصول...



" حَدْسي لا يخيب... تيقنت اليوم بالملموس بأن برجك في صحيح مساره لا تأثير للنحس عليه

انتظرت وظفرت... حقيبة العمر بجوار قلبك يا سَرحان... أجزم بأنها مليئة بالماس ...

لقد عدّت من جديد، لا تقلق ... الأغنياء لا يسألون! ".



توقفت السيارة عند علامة مرور، مد يده نحو الحقيبة...

فتحها... وجد في داخلها علبة صغيرة انيقة زهرية اللون فتحها هي الأخرى لاحَ لعينيه عِقْدُ الجواهر المتلألئة...

ماسته الكبرى خلابة، تُعشي البصر، "برلنت" هندسة قطعها... وزنها يقارب القراطين ...أيَّ هولٍ هذا

تراءى له محبس بحجرة كبيرة هو الآخر وبجانبه زوج أقراط مدَّ يدهُ ليُقلب الأقراط...

سمعَ مزمار السيارة التي خلفه. السويديون بالنادر يزمرون ... اللون الأخضر مفتوح... وسَرحانٌ سارحٌ بالحقيبةِ

...

بخفة أعاد الحقيبة تحت المقعد... كادَ يطيرُ من الفرح جسمه يهتزُّ ويتمايل...



بحرقة يناجي نفسه...

"أربع ماسات كبرى؛ العِقْدُ بثلاثة صفوف من الماس المُكَحّل بالزمرد الفاخر، ثروة هانئة بحق، اللعنة على قوانين المرور... لم تمهلني أن أتفحصَ " هِبَةَ الله"... لا عليك ستسرح بالمال...

سرحان هائم؛ ضوء الفجر النافذ عنوة من بين فتحات الغيوم أعاد له شيئا من التركيز بقيادة السيارة



أخذَ يهذي بصوت مرتفع هذه المرة: ـ

اخرس ولا تسرح بأفكارك التعبانة ... تسلمها للبوليس ... ستحصل على مكافأة!! ... ستعلن بالصحف بعنوان عملاق؛ المهاجر الشريف يعيد سلّة الماس لأهلها بوازع شخصي!! ... احسمْ اللحظة... وإلى الأبد... بأن لُقْيَتكَ لك وحدك؛ الله المعين قد هداكَ إليها ... دع التفاصيل جانباً جميعها لا تنتج! ... الباري العطوف وسَرحان المظلوم مع الحقيبة الماسية ثلاثي لا يخذل



وهو يقترب من موقع عمله...

لمعت له فكرة ... يوجد بالقرب من عمله ساحة وقوف سيارات لسوق تَبضّع... وما في الدنيا! وإذا تأخرت قليلا! عليَّ أن أدقق بحظي وأقيّمه...



أوقف سيارته بجهة مناسبة ...

أخرج عِقْدَ الماس... قلادة مع محبس وقرطين...



مَسَكَ العِقْدَ بأصابعه الأربعة وإبهامه نحو حجرة " البرلنت" المتدلية... ارتدَ إلى الخلف مَذْعوراً

أخرجَ نظاراته... قلّبَ المعدن "الحاضن" ... ساوره شك بأنه معدن رخيص مَطلِيّ بالذهب... مَلْمَسه وثقله النوعي لا يوحي كونه ذهباً فسَرحان له خبرة الصاغة...

قلّبَ الِعقْدُ ثانية ...وجَمَ لسانه ...تسمّرت عيناه... قَطَبَ حاجبيه... ذبلت يداه ... لمعان العِقْدُ صارخ فائض عن الذوق لا حاجة كي يقلبه كثيراَ...

رفع الخاتم وجد عليه ماركة مشهورة للحلي الكاذبة....

زفر طويلاً... فَرَكَ العِقْدُ بقوة جاعله إرباً...



الوقت تأخر عن العمل...

خرج من السوق حاملاً معه كيسا يحوي فطائر الصباح لزملائه كفارة لتأخره...

ظَلًّ مضطربا طوال اليوم... يُفَكّر... عليه أن يرضى بالمقسوم ويُسَرِّحَ فِطرة الحلم من عقله...

تَيقّنَ سَرحان بأن لديه نقص قَناعة وعليه لزوم البحث عن المعرفة ليزداد مَناعة.



سعيد غازي الأميري

السويد/ أيار 2017