المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تقنيات سردية في رواية عذراء سنجار د. إيمان التهامي



bahzani4
05-06-2017, 10:56
تقنيات سردية في رواية عذراء سنجار



د. إيمان التهامي- باحثة مصرية
تدور رواية عذراء سنجار حول سرْبَست، وهو مهندس زراعي من مدينة سنجار في الأربعين من عمره، من الطّائفة الأيزيدية، فرَّ سرْبَست مع مَن فرُّوا في أثناء احتلال داعش لسنجار في أغسطس عام 2014، وقضى ثمانية أشهر في الجبل وفي مخيم إيسيان للاجئين حتّى بعث الله إليه حمامة زاجل أسقطت عليه وثيقة تسمح له بعبور الحدود بين ولايات دولة الخلافة دون مساءلات وشكوك، فعاد مدفوعًا بعاطفة الأبوة إلى سنجار بحثًا عن ابنته نُشْتُمان (عذراء سنجار) ذات الأربعة عشر ربيعًا التي حال الرّصاص بينه وبينها في أثناء الغزو.
يرافق سرْبَست في عودته فتى مسلم في الثّامنة عشر من عمره كان زميلًا لنُشْتُمان في المدرسة، فرّ هو الآخر بعد أن ذُبح أهله، فوجيء سرْبَست بالواقع المأساوي للمدينة، وحال أهلها الذين "إمّا قُتلوا في مقابر جماعية أو هجروا المدينة، ومن بقى منهم صار مع داعش أو تحايل بشكلٍ ما وصار نصفين"(الرواية ص71).
جاب سرْبَست وفتاه سنجار وشاهدا الجرائم اليومية لداعش، وفي هذه الأجواء المأساوية التحم الوجع الفردي لسرْبَست بالوجع الجماعي فبعد أن صرخ في بداية الرّواية قائلًا: "أعيدوا لي نُشْتُمان وخذوا المدينة بما فيها"(ص73)، عاد ليقول: "كلّ الأيزيديات المسبيات والمغتصبات هنَّ بناتي وصغيراتي على طول التّاريخ وعرضه.. اليوم أحمل هذا العبء الثّقيل بعدما وصلت النّار إلى بيتي وابنتي.. نعم المصيبة فردية والرّعب جماعي"(ص332)
ومع تقدم السّرد ندرك أن غياب نُشْتُمان ربّما كان رمزًا لغياب العذرية وما تمثله من طهارة وقداسة ونقاء وهو أيضًا رمزٌ لغياب سنجار والوطن كلّه (نُشْتُمان في الكردية: الوطنُ)، ومن ثمّ تتحول هذه الـ (نُشتُمان) إلى فكرة وأمل.(ص506).
...
الحيّز:
يشيرُ العنوان صراحة إلى الحيّز الذي دارت فيه، وهو المدينة العراقية سنجار أو شنكال في الكردية، ولكنّ سنجار لم تعد مدينة طيبة عامرة كما وُصِفَت عند ياقوت ، بل أضحت، في الرّواية، كابوسًا يحاصر من بقي فيها. تبدأ الرّواية في بيت المرأة الحامل وتنطلق مترافقة مع البحث عن نُشتُمان إلى أحياز مفتوحة حيث شوارع سنجار وأزقتها وأسواقها ومقاهيها وساحة مسجدها وجبلها ومقابرها وقراها...إلخ ثمّ حيّز مدينة الموصل ويرافق ظهوره انتقال الفتى للعمل فيها حيث الأحياز المغلقة كغرفة الفندق ومحل الإنترنت والمفتوحة كالأحياء وسوق الرّقيق، ويتراوح السّرد في أحياز مغلقة كبيتي الحامل ودلشاد وبيت سالار والقبو الذي يخفي فيه أبناءه، وأحياز مفتوحة كالمذكورة آنفًا.
زمن الحكاية والتّرتيب الزّمني:

تقدِّم عذراء سنجار: حكاية مركزية (عودة سرْبَست إلى سنجار للبحث عن ابنته الأسيرة)، ثمّ أكثر من حكاية ثانوية تضيء المركزية وتكملها، وتتوزع هذه الحكايات على 506 من الصّفحات.
تتعدد الحكايات وتتداخل في الرّواية فيختلف التّرتيب الزّمني والتّرتيب السّردي للأحداث بانتقال السّارد من شخصية إلى أخرى ومن زمن إلى زمن، فيبدأ في بيت الحامل، وينتقل إلى وصول سَرْبَست وفتاه إلى سنجار ثمّ مشهد جلد الفتيات العاريات الذي ذكّرَهُ بالصّبايا الحوامل اللواتي أطلق داعش سراحهن بلا فدية في نهاية أشهر الحمل، فذهب من المخيم ليبحث عن نُشْتُمان بين الأسماء الحبلى، ثمَّ يعودُ إلى تعليق النَّاس على جَلد العاريات، وينتقل إلى عيدو مجنون المدينة وحكيمها ..إلخ .
نقطة الانطلاق (درجة الصّفر) غير محددة زمنيًا سوى أنّها في فصل الشتاء فقد سارعت الحامل في تجميع الثّياب المنشورة على حبل الغسيل خوفًا من المطر، ويمكن تخمين حدوث ذلك قبيل عودة سرْبَست، ويدخل القاريء منذ تلك اللّحظة إلى عالم الرّواية دون أن يعلم شيئًا حتّى عن الخلفية الخاصة لشخصية الحامل الغرائبية لكنّ تقدَّم السّرد يمكنه من ربط الخيوط والأحداث.
لا تستغرق الافتتاحية حيّزًا زمنيًا كبيرًا، وتبدأ بالحديث عن الحاضر(الحاضر الروائي) بصيغة الماضي "انغلقت السّماء" في إشارة إلى غياب القيم السّماوية، وللحاضر حضورٌ قويٌّ في سيرورة سرد أحداث الرّواية لأنّ بنيتها تعتمد كثيرًا على الحوار، و"الحوار من المميزات الأساسية للحضور، حيث أن الشّخصيات تظهر وتتحرك بنفسها أمام القاريء وتتبادل الكلمات الحية" وكلّما تقدم النّص تتزايد مساحة الماضي من خلال الاسترجاعات فيتداخل الماضي والحاضر، وينتج عن ذلك المفارقات الزّمنية، وهي: "مختلف أشكال التّنافر بين ترتيب القصة وترتيب الحكاية" ، كالاسترجاعات والاستباقات.
أ‌-الاسترجاعات:
والاسترجاع "كلّ ذِكر لاحق لحدث سابق للنقطة التي نحن فيها من القصة" .
أهم ما يميز البنية الزّمنية في عذراء سنجار تركيزها على الاسترجاعات التي يحتاجها الكاتب "كلّما قدّم شخصية جديدة على مسرح الأحداث ليقدم ماضيها وخلفيتها" ، وأغلب استرجاعات عذراء سنجار شهادات للشخصيات على الأحداث، وهنا تتداخل الرّواية مع التّقارير الصّحفية التي تسجل شهادات النّاس حول حدثٍ ما.
بعض استرجاعات الرّواية داخلية (لا تتعدى الحقل الزّمني للحكاية الأولى) داخل حكائية (مرتبطة بمحتوى الحكاية الأولى)، كاسترجاع الحامل للأحداث، واسترجاع سرْبَست لفراره وقت الغزو، واسترجاعه التّكراري لقصة حمامة الزّاجل والوثيقة السّماوية، وأكثر استرجاعات الرّواية داخلية خارج حكائية(لا تتعدى الحقل الزّمني للحكاية الأولى لكنّها غير مرتبطة بمحتواها)، كاسترجاع الحامل لمقتل زوجها ومقتل عفدال، واسترجاع الصّبيان لقتل عيدو للأفغاني.
في الرّواية أيضًا استرجاعات خارجية خارج حكائية (تتعدى الحقل الزّمني للحكاية الأولى وغير مرتبطة بمحتواها) كـاسترجاع واقعة تعرف سرْبَست إلى أمِّ نُشْتُمان في الجامعة، وهو تكميلي سد فجوة معرفتنا بزوجه التي حجب الرّاوي وجودَها عند ذكر فرارَه وترك نُشْتُمان مع أخته شيرين وليس مع أمها، واسترجاع حادثة نهر جاسم في البصرة التي حدثت في ثمانينيات القرن الماضي بين الجيشين العراقي والإيراني، وهو تكراري أضاء به ماضي شخصية عيدو، واسترجاع قصة الحية التي أنقذت سفينة نوح مستلهمًا الموروث الشّعبي للأيزيدية.
تؤكد استرجاعات الرّواية أنّ الماضي حاضر بقوة في ذاكرة شخصياتها، وأفاد الكاتب في استحضاره من تّقنيات تّكنولوجية، فسجّل سَرْبَست وفتاه وصوَّرا بالهاتف بعض الأحداث، أذاعها الفتى فيما بعد عبر الإنترنت، ولأنّ كثيرًا من الاسترجاعات داخل حكائية فقد استخدمت الماضي القريب الذي يعود لساعةٍ أو أسبوعٍ أو ثمانية شهور أو عام.
ب- الاستباقات:
والاستباق: "كلّ حركة سردية تقوم على أن يُروى حدث لاحق أو يُذْكَر مقدمًا" ويأتي هذا الحكي المسبق في شكل استشراف أو تنبؤات أو توقعات أو وعود..إلخ، والاستباقات أقل تواترًا من الاسترجاعات في عذراء سنجار ربّما لأنّها تدور في أجواء الحرب وفي الحروب لا يستطيع الإنسان التّنبؤ بالمستقبل أواستشرافه أو توقع ما قد يحدث أو إعطاء وعود مستقبلية، وبشكل عام، وحسب جينيت، فإنّ الاستباق أقل تواترًا من الاسترجاع في السّرديات المعاصرة، والسّرديات التي تستعمل الضّمير المتكلم أكثر ملاءمة للاستباق .
ومن استباقات الرّواية حديث الحامل عمّا سيواجه سرْبَست: "أعتقد لن تتعرف على أحد في المدينة.. ربّما قلة ستصادفهم ممّن لم يستطيعوا الهرب"(ص33) وهو استباق داخلي داخل حكائي، وله طابع توقعي مبني على مشاهدات الواقع، وقد حدث، ومنها قول عيدو مخاطبًا الأفغاني وملوّحًا بعصاه مشيرًا إلى مقتل داعشي سقطت عليه سلحفاة يحملها نسر: "ذاك النّسر أنا..وستفلت السلحفاة الأخرى على رأسك في المرة القادمة.."(ص153) وهو داخلي خارج حكائي، يثير حالة انتظار لدى القاريء لأنّه يتضمّن تهديدًا وقع بالفعل إذ قتل عيدو الأفغاني، ومنها قول سَرْبَست للفتى: "لعلك لا تدرك الفجيعة التي حلّت بك الآن، لكنك ستدرك ذلك في المستقبل، فحينما تكبر وتتوهج ذاكرتك ستجد حالك وحيدًا بلا أهل، سيكون الماضي كابوسًا مضى، لكنك ستعيش كابوس المستقبل وحيدًا..."(ص158) ولهذا الاستباق طابع تنبؤي، ولكن وقوعه ليس حتميًّا فقد يتجاوز الفتى مصيبته، وهو ما تنبّه له عيدو.(ص68).
الصّوت:
في رواية عذراء سنجار يتكفّل السّارد بالحكي ولا ينفرد به بل تشاركه فيه الشّخصياتُ، فتتعدد الأصوات السّاردة، ويصطنع السّردُ ضمير الغائب، وهو وسيلة "يتوارى وراءها السّارد فيمرر ما يشاء من أفكار، وأيديولوجيات وتعليمات وتوجيهات وآراء، دون أن يبدُو تدخُلُه صارخًا ولا مباشرًا" لكنّ سارد وارد السّالم كان تدخله مباشرًا ولم يكن مجرد راوٍ أجنبيٍّ عن العمل السّردي، بل كان متفاعلًا مع الأحداث متعاطفًا مع الشّخصيات وربّما أقل تسامحٍ منها، يعلم ما تفكرُ به ويعرفُ عنها أكثر ممّا تعرف عن نفسها، يتدخل بالتّعقيب والتّعليق، بل إنّ الرّاوي نفسه تدخل بالتّعليق فكان جزءًا من نقاشِ "دردشة الإنترنت"، وسارد السّالم حكاءٌ ماهرٌ يتقنُ لعبةَ السّرد ويبرعُ في توظيف تقنياته، تتعدد وظائفه فيسرد ويصف وينسق ويستشهد ويقدم الفصول والمقاطع ويهمش ليضيء النّص، وأحيانًا يفرض ثقافته على الشّخصيات ويخضعها لأيدلوجيته، التي جاء خطابها طورًا مستترًا بالرّمز كاختيار اسم(أبوعائشة) للذّباح السّعودي، والحديث عن الأماكن التي فجّرها داعش، وطورًا فجًّا مشبعًا بطائفية ، لم يتمكن الوعي الرّوائي من الإفلات من قبضتها.
يدين هذا النّص واقعًا قبيحًا، وينحاز للمهمشين والمظلومين، وبدا واضحًا فيه من خلال شخصية سرْبَست وانتقاداته لجمود طائفته وانغلاقها على الذّات وانتقاد نظمها الفكرية والدّينية ورجال دينها أنّه يسعى إلى تأسيس حالة وعي جديدة تنسجمُ مع الرّاهن المعيش وتؤدي إلى الانفتاح على الآخر ونبذ التّقوقع والعزلة التي تحيا فيها طائفته، وبدا ذلك أيضًا في تقبُّلِه حبّ الفتى المسلم لابنته وعدم رفض زواجهما حال العثور عليها رغم أنّ الأيزيدية تؤمن بنقاء الدّم وتحرِّم زواج بناتها من أشخاصٍ ينتمون لدياناتٍ أخرى بل من أشخاصٍ ينتمون إلى طبقات أخرى داخل الطّائفة نفسها، وعلى الرّغم من ذلك فإنّ النّص لم يسع لتأسيس حالة وعي جماعي تنسجمُ مع تطلعات شعوبنا في بناءِ دولٍ حديثةٍ تقومُ على أساسٍ وطني تسودها ثقافة المواطنة والتّسامح والتّعايش وقبول التّنوع والتّعددية وتحويلهما من عامل تناحر إلى عامل ثراء، فقد انتقد بعض الأنساق الثّقافية المعيبة السّائدة وإن قدّم لها تفسيرًا دينيًا وتاريخيًا محدود الأفق، لكنّه لم يعمل على بناءِ أنساقٍ ثقافيةٍ مغايرةٍ لها بل عمل، في رأيي، على ترسيخ ما انتقد، فسرْبَست عاد، في سعيه لإقامه دينه الخاص به، إلى بناء معبد يرسخ عزلته، ولم تُسْتَثمَر علاقته بالفتى في مدِّ الجسور بين ثقافة الأقليات (الأيزيدية مثالًا) ومحيطها العربي الإسلامي.
.....








- عبد الملك مرتاض،في نظرية الرواية بحث في تقنيات السرد،ط عالم المعرفة،1998،ص177.
يبدأ زمن القصة (الأحداث المحكية) في الرّواية في الثّالث من أغسطس عام 2014، وهو تاريخ غزو سنجار ومن ثمَّ أسر نُشتُمان، ويستمر لأكثر من عام، أمَّا زمن الحكاية فيبدأ بعودة سرْبَست بعد ثمانية أشهر من الغزو. - نعتمد ط2 التي صدرت في العام نفسه عن دار شنكال، دهوك، العراق. - معجم البلدان،ط دارصادر3/262. - د.سيزا قاسم،بناء الرواية،ط الهيئة المصرية العامة للكتاب،2004،ص48. - جيرار جينيت، خطاب الحكاية بحث في المنهج،ط2،المجلس الأعلى للثقافة،1997،ص47. - خطاب الحكاية،51. - بناء الرواية،45. - خطاب الحكاية،51. - خطاب الحكاية،76. -ص: 84،168،172،173،174،240،262