المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : معركة كرزرك الاولى (بمناسبة تحريرها اليوم). الباحث التاريخي / داود مراد ختاري



bahzani-3
05-29-2017, 03:25
معركة كرزرك الاولى (بمناسبة تحريرها اليوم).



الباحث التاريخي / داود مراد ختاري.


شنكال هذا هو حزنك الجميل، الحزن المفضي إلى التضحية وإلى بقاء الروح، وحزنك الجميل المفضي إلى اكتمال الذات. كم أنت نقية يا شنكال مثل طفلة رقيقة، لها عيون قبج جميل يشدو من علو صخرة في جبلك الاشم، جامعاً بين بين الرقة والجمال وصلابة الجبل وقوة الايمان، رغم فاجعتك مثقَلة بالحرمان والبكاء، تفوح برائحة صدأ تشيع الألم وتطبع آثاراً من الخراب والدمار على بشرتك السمراء، لكن وشم القهر، ورسالتك وشاح الأسرار على لوي عنق الاستبداد والعنجهية، لأن الألم والحرقة يضغطان على خاصرتك المتعبة بهموم الانسانية جميعاً على فعلهم المنكر، والعار على وجوههم يرسم لهم التاريخ الأسود وترافقه الهزيمة والاندحار، في جبلك الأشم نثر ينضح ضوءاً براقاً لوجود الأبطال بسواعدهم السمر، في موج متلاثم الأمواج والسفينة ماضية إلى بر الأمان، لن ترف لنا الاجفان فمازلنا برعاية هكذا ربان، نتأمل أكثر من قيمة خيرة لمدى الدهور وتعاقب الاجيال، الشمس ماثلة حتى توَهجت السماء بأرواح شهدائك الأبرار، تلامعت كالنجوم فوق حديقة الأجساد السماوية، شنكال جمالك وتراثك وتاريخك وامجادك قناديل تضيء إحساسي ويروي ظمئي لان الغيمة فوق سمائك بدأت أرجوانية وذهبية وارتفعت عالياً إلى الضياء الأحمر.
تحدث المقاتل شفان محمي سليمان 1975 عن معركة كرزرك في ليلة 2-3/ 8/ 2014 قائلاً: قرية كرزرك/ ناحية كرعزير/ قضاء البعاج، تبعد (8) كلم شمال غربي كرعزير و(20) كلم عن جنوب قضاء شنكال، من عشائرها (خالتا، جيلكا، جوانة، جه لكا، سموقي، زينديني، قيراني)، تعدادها 500- 600 عائلة .. قرية تفتقر إلى أبسط الخدمات.هجم الدواعش على الخطوط الأمامية في شرق القرية .. وبدأت المعركة في الساعة الثانية بعد منتصف الليل واستمرت الى السابعة صباحاً من يوم 3-8-2014، دافعنا عن مواضعنا الأمامية وصد الهجوم بتعاون (أهالي القرية مع البيشمركة)، لكن لم تأتي قوة للمساندة، بالرغم من إلحاح قوة البيشمركة على مسئوليهم بطلب قوة اضافية لصد الهجوم، ونتيجة لمقاومتنا استطاعت العوائل الخروج من القرية لتصبح في مأمن من فريسة الدواعش.
استهدفنا هؤلاء الذين لا دين لهم بكافة أنواع الأسلحة، وبقوة هائلة من حيث العدة والعدد، دافعنا عن حدودنا وقاتل جميع أهالي القرية بالتعاون مع البيشمركة وكأنها حرب عالمية وأقولها للتاريخ بان البيشمركة قاتلوا معنا ببسالة.
واستشهد في المعركة أولاد أعمامي في الموضع الأمامي كل من ( تمو رشك، ماهر مرزا دومو، ولاتي كارس) وسقطوا بجانبي ولم نستطيع نقل جثثهم مع جثث بقية الشهداء للقرية والبالغ عددهم (27) شهيداً سقطوا خلال ساعات معدودة.
دافعنا عن أنفسنا وقاتلناهم قتال الأبطال، لكنهم زادوا من هجماتهم واستعملوا أسلحة أكثر فتاكة ولم يكن باستطاعتنا إيقاف زحف مدرعاتهم، لكون أسلحتنا كانت خفيفة.واتصل بنا الأهل مؤكدين بان القرية فرغت من الأهالي واتجهوا نحو الجبل، وبعدها دخل العدو إلى القرية، حينها قررنا الانسحاب وصعدنا بالسيارات، عند الوصول لاحظنا أنهم يملؤون الطرق داخل القرية فاستهدفونا، فقال لنا المقاتل خديدة حسن 1950، أنقذوا أنفسكم وترجلوا من السيارات أنهم قدموا إلينا من الجهة الثانية، بدأ بيننا الرمي وتركنا السيارات وقاتلناهم ببسالة عند الفروع، ثم توجهنا إلى جهة السيطرة استهدفونا ونحن من جانبنا رميناهم أيضاً، وكنا ثمانية مقاتلين فعدنا إلى الخلف وخرجنا من القرية وعند المخفر قطعوا الطريق من قبل مفرزة فرميناهم وبعد ساعة كاملة من الرمي المتبادل، انسحبت مفرزتهم، فتوجهنا نحو الجبل، كنا في حراسة مستمرة ولم ننام خلال يومين بسبب الواجبات المكثفة والحرب، لذا هلكت وفقدت قواي عند وصولي الى بداية الجبل وصعدنا في السيارات الى قمة الجبل.
اسماء شهداء كرزرك:
1- الشهيد شمو كولوس ميرزا 1943 حارب في الساتر ببسالة واستشهد في معركة أخرى بالقرب من مركز مدينة شنكال في نفس اليوم 3-8.
2- الشهيد بابير حجي كولوس 19703- الشهيد يوسف حجي كولوس 19454- الشهيد الياس حجي كولوس 19475- الشهيد كمال تيلي مهمد 19506- الشهيد خلف سيدو علي العلاج 1956 ، خرج من القرية بعد قتله تسعة من الدواعش فاستشهد في اصطدام معهم في موقع آخر بالقرب من القرية جنوباً.7- الشهيد مندو حجي شيبو 19728- الشهيد سعيد هبو خلف جوانبي 19689- الشهيد ناصر عرب مردوس 198710- الشهيد عبدو خلف لوي 195511- الشهيد الياس خلف ايزدو 195312- الشهيد ولاتي كارص خلف 196513- الشهيد ماهر ميرزا سلي 199514- الشهيد تمو رشو دومو 198015- الشهيد محمود الياس جتو 198216- الشهيد صالح حيتو حسين 193017- الشهيد عطو صالح حتو 198518- الشهيد ريحان درويش جردو 198819- الشهيد خلف عساف عيسى 195520- الشهيد خضر درويش شمالي (خدر كوجرى) 197021- الشهيد حسن شمو خضر 195022- الشهيد أحمد حسن شمو 198023- الشهيدة سيفي حيدر سيدو 194524- الشهيد ريناس رزكو بدل 201225- الشهيدة كاملة درويش لالي 1990 26- الشهيدة باران خلف خاتا 199727- الشهيدة بيزو خلف قاسم 1930
وتحدث الينا المواطن فاضل شمو كولوس 1977من كرزك. عن معركة كرزرك قائلاً: قريتنا محايدة مع قرية عربية والمسافة بيننا قريبة جداً وقبلها بشهرين وضع الدواعش نقطة حراسة مقابل فرعنا. رأيت سقوط أكثر من عشرون قذيفة هاون في الفرع وذلك في الساعة الثانية بعد منتصف الليل من يوم 3-8، حينما كانوا يطلقون عياراتهم بالرباعية، توزعنا بين الغرف، وخرجنا من البيت بسرعة البرق بالسيارة في الساعة السادسة صباحاً وتركنا كل شيء وحتى الملابس وأنقذنا أنفسنا بالملابس التي نرتديها. اتصلنا بالوالد وأكد لنا لن اترك الحجابات الأمامية. كان الآلاف من الأشخاص خلف القرية يهربون.وصلنا إلى مركز المدينة حيث بيت أخي في حي روز هلات، بعض الناس نصحونا بالبقاء في مدينة شنكال لان الوضع الأمني كان هادئاً نسبياً، وقد حضّر إخوتي أربع سيارات للخروج من المدينة، لكن الذين سيطروا على مركز المدينة فيما بعد كانوا من الخلايا النائمة للدواعش.
وصل الينا الوالد مع ابن عمه بكر بيسو ميرزاكو في هذه الإثناء بملابس عسكرية يكسوها التراب أردنا الخروج من مركز المدينة والتوجه نحو الجبل، لكن الوالد مع ابن عمه رفضوا المجيء معنا وقالوا سوف نحمي الدور العائدة لنا في مركز المدينة، توسلنا بهما لكن دون جدوى.
قطعوا عنا الطريق قبل الوصول إلى الالتواءات، أجبرنا أن نتجه نحو منطقة القوة الجوية ثم إلى قرية الصولاغ وبعدها إلى رشكا بعد بقاءنا يومين هناك هاجمتنا قوة داعشية بالرباعيات فصعدنا الجبل وفي منتصف الجبل لم تستطع الوالدة التسلق وتم رمينا بالعيارات النارية، بقى شقيقي بمعية والدتي هناك، اما نحن تسلقنا نحو القمة، حيث المنطقة الآمنة في (جل ميرا). ثم تم جلب الوالدة الينا بواسطة حمار نجح في نقلها الينا.
بعد ثلاثة أيام خرج والدي مع ابن عمه من مركز شنكال، واتصلا بشقيقي عند المغادرة على أمل الوصول إلينا في منطقة رشكا، لكن بعد ساعتين أتصل به شقيقي فرد عليه أحد الدواعش مؤكداً: انهما القي القبض عليهما وتم تحويلهما إلى تلعفر.
حاول الوالد مراراً وتكراراَ الهروب من أيدي الدواعش في سجن تلعفر، كان يتصل بنا ويقول بأنه سيهرب لأن حالته كانت في غاية الصعوبة وكنا نؤكد له بعدم تعريض نفسه للخطر وان الله سيفرج عنه، وفي أحد الأيام اتفق مع خمسة آخرين للهروب وعندما وصلوا إلى معمل السمنت في شنكال القي القبض عليهم، وأعادوهم إلى مكانهم وقتلوهم جميعاً أمام أنظار السجناء لردع الباقين من الهرب.أعلى النموذج
أسفل النموذجوتحدث بعده المقاتل احمد يوسف سليمان 1980 قائلاً :
بدأت قوة الدواعش بالهجوم على هذه القرية البسيطة في الساعة الثانية بعد منتصف الليل من يوم 3-8، قاومنا هجومهم العنيف في الحجابات الأمامية على كرزرك، وكان يحارب شخص او شخصين من كل بيت وحارب معنا البيشمركة إلى اللحظات الأخيرة. كانت المعركة مستمرة من اجل الدفاع ثم لإنقاذ العوائل، جاءت الهمرات والمدرعات بالدواعش، فانهزم الناس خوفاً من المجرمين.
بعد مقاومة لخمس ساعات دخلت الهمرات الى حجاباتنا وانسحبنا منها نحو القرية، ثم وصلنا إلى شنكال بعد ساعة رأينا الناس يهربون، كانت السيارات كثيرة فتوقف الرتل، فهجم علينا الدواعش وصعدت في بودي سيارة تحمل عائلة مسلمة من المذهب الشيعي، وقلت للمرأة المسنة انا دخيلك، وحينما جاء الدواعش إلى السيارة سألوني من أنت؟ قبل أن أنطق قالت هذه المرأة المسنة نحن مسلمين وهذا ابني، لذلك تركني، وبعدها بدقائق ترجلت من السيارة واختفيت بين الناس والسيارات، عائلتي قد سبقتني بالصعود وكان معي عائلة شقيقي.
توقفت سيارتنا وترجلنا منها حملنا الأطفال على صدورنا وتركنا السيارة مركونة بجانب الطريق، بعد مسافة من المشي رأيت عائلة شقيقي في سيارتهم المتوقفة في الطريق نتيجة الازدحام، طلبت منهم الترجل من السيارة، فقال: لا أستطيع المشي لأني أجريت عملية جراحية قبل أيام وزوجتي في الشهر الأخير من الحمل وأطفالي سبعة وواحدة منهن مصابة بالشلل وثقيلة الوزن، سيفتح الطريق انشاء الله ونصل إلى الجبل.
تسلقنا أنا وعائلتي الجبل .. بعدها بقليل قدمت قوة من الدواعش ألقت القبض على جميع العوائل في السيارات المركونة هناك من ضمنهم عائلة شقيقي. اخذوا شقيقي إلى شنكال، هناك عزلوا الرجال عن النساء، طلبوا من الرجال الدخول إلى الإسلام وكذلك النساء، لاحظوا ان زوجة شقيقي تبكي مع الأطفال كالمجانين وواحدة مجنونة فعلاً فجلبوهم إلى بيت في مركز شنكال ومعها زوجتين لاثنين من اخوالي، ووصلوا إلى كركوك بعد دفعنا مبلغ (30) ورقة ـ 3000 دولار- إلى شخص من شنكال، بعد بقائهم أكثر من شهر.ومازال شقيقي مخطوفاً، وانا بقيت في الجبل مدة سبعة أيام مع متحملا الجوع والعطش وحرارة الشمس الملتهبة، وأحد أطفالي كان في السكرات الأخيرة نتيجة الظمأ، رواه أحد أقربائنا بقليل من الماء، وأنقذ حياته في تلك اللحظات الرهيبة.
بينما قال المقاتل بركات صالح عن ليلة 3-8-2014 :
بقينا في الحجابات الامامية مدة 53 يوماً المسافة التي بيننا وبين الدواعش كانت لا تتجاوز الـ (350) متراً تقريباً، كانوا قد وضعوا نقطة حراسة لهم في مزرعة (سيبا حجكو).. والخط الفاصل بيننا كان حاجبا لنا بجانب القرية..
اجتمع الدواعش عصر يوم 2-8-2014 بهدف احتلال كرزركو بعد ورود معلومات مؤكدة من بعض الناس في القرية العربية، وكانت بجنبنا نقطة حراسة لأهل كرزرك أيضاً بقيادة (خدر حنجو) .. واثناء زيارة عقيد عسكري من البيشمركة اسمه (عقيد محمد) بمرافقة مدرعتين.. سأله شيخ حسين شيخو الآداني المسؤول علينا عن الموقف والتقدير العسكري للوضع..
قال له العقيد : لا تهربوا.. سنساعدكم .. وفي حالة تعرضكم لأي هجوم ستأتي قوة لنجدتكم.. فطلبنا منه ابقاء المدرعتين عندنا لكنه رفض قائلا: هناك قوة كبيرة في شنكال حينما تنطلق طلقة واحدة عليكم ستأتي قوة لمساعدتكم .. ما عليكم الا مقاتلة العدو لحين وصول القوات المساندة من مدينة شنكال.. فرد عليه شيخ حسين :
ـ هذا الحجاب سيكون مقبرة لشبابنا للدفاع عن أرضنا.كنا نمتلك قذيفتي هاون، بي كي سي، برنو مع رشاشات كلاشنكوف كلها اسلحة شخصية خفيفة علماً ان مجموع المقاتلين حوالي (400) مقاتل عدا البيشمركة.
بدأت المعركة في الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل.. عند الساعة الثالثة دحرنا قوتهم المهاجمة لنا في محورنا ..اتصل الدواعش المدحورين بقوة (شلو) العائدة لهم مؤكدين هزيمتهم فجاءت قوة كبيرة لمساندتهم مدعومة بالمدرعات والهمرات واصلنا المعركة معهم وتصدينا لهم ببسالة .. أقولها للتاريخ .. أن قوات البيشمركة كانت تقاتل معنا ببسالة وشجاعة نادرة.. واتصلنا بالمراجع لتزويدنا بالأسلحة والعتاد ومسؤولي البيشمركة أيضا اتصلوا بمراجعهم في شنكال.. لكن دون جدوى، وكاد العتاد لدينا أن ينفذ، في الساعة السادسة وعشرين دقيقة عبرت إحدى المدرعات الحجاب الأمامي.. فرمى عليها جميع المقاتلين بأسلحتهم دون أن تصاب بأذى على أثرها انسحبنا الى الداخل. حاولت إنقاذ عائلتي التي كانت محصورة في منطقة (كانيا عيدو) القريبة من مدينة شنكال، بعد ان وصلت اليهم توجهنا الى مركز قضاء شنكال / حي الشهداء عند خالي (بوكو رشو قشما).. الذي استشهد لاحقاً على يد الدواعش. ثم توجهنا الى الجبل سيراً على الأقدام .
وقال المقاتل حسين شيخو سلو الآداني الخالتي .. مواليد 1933 كرزرك.. المسؤول عن المقاتلين:
ـ كنا نقوم بالحراسات بأسلحتنا البسيطة لمدة 53 يوماً، وكانت حجاباتهم قريبة منا، واخبرنا البيشمركة والجيش الكردستاني بالموقف.. قالوا هناك قوة كبيرة في شنكال ستأتي في ساعة تعرضكم للخطر.. حاربناهم في البداية وأخر إحصائية قتلنا منهم 184 داعشياً حسب معلومات نقلت لنا من خلال ابناء القرية المقابلة لنا فيما بعد، وجاءت مجموعة كبيرة من المقاتلين من أهالي رمبوسي وقاتلوا معنا في الحجابات الامامية أيضاً، فالمقاتل (خلف سيدو) كان مقاتلاً ماهراً قتل العديد من الدواعش.
بعد نفاد عتادنا وعتاد البيشمركة ايضاً دخلت سيارة مدرعة للدواعش علينا. ضربنا المدرعة انا ومجموعة كبيرة من المقاتلين لكن دون جدوى .. إذ لم تصاب بأذى.وعندما دخلوا القرية استشهد ثلاثة من عشيرة الخالتا واسروا العديد من العوائل.ومع بدء القتال اخذت العوائل بالهروب من القرية، وحينما دخلتها كانت شبه خالية من البشر، وسيارتي كانت في رمبوسي وكنا نمتلك سيارة حمل نوع (لوري) أخذت حوالي (60 ) شخصاً الى الجبل، وظن ابني المتواجد في قرية (رمبوسي) باني ذهبت بالسيارة الكبيرة..
جاءت ثلاثة سيارات للدواعش ورموا علينا بشكل عشوائي.. كنت أحمل سلاح (بي كي سي) فعبرت ساتر القرية كي أصل الى سيارتي لان ابني لا يستطيع عبور الساتر ورموا علي بكثافة لكني لم أصب بأذى وحملت مقاتلين معي.
استشهد 19 شخصاً .. وكان المقاتل (سعيد هبو) مصاباً وتم انقاذه وارساله للمستشفى، لكن الدواعش وصلوا اليه من جديد ..قتلوه على سرير المستشفى.
تحدث الينا المقاتل زيدو بير سلو 1986، من بيرانية أومر خالا من قرية رمبوسي عن الحالات المآساوية في الجبل:
ـ بعد ان أدركنا ان الدواعش هجموا على قرية كرزرك القريبة منا، ذهب العديد من أهل رمبوسي لنجدتهم وحاربوا معهم.. البعض الآخر حملوا عوائلهم بسيارات حمل كبيرة والبيكبات، لان أهل رمبوسي كانوا أثرياء وكل عائلة تمتلك أكثر من سيارة بينما أهل كرزرك كانوا من ذوي الدخل المحدود من العمال والعاطلين الذين لا يملكون السيارات او اية واسطة نقل.
في البداية لم نستطع الوصول اليهم بسبب الهجوم علينا في الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل من يوم 3-8-2014 لشدة القصف.. واحتمال ان ألا يفرق مقاتلي كرزرك بيننا وبين الدواعش، ومرة أخرى اتصلنا بهم في الساعة الرابعة فجراً.. قلنا لهم نحن قادمون لمساعدتكم .. انتبهوا وافسحوا لنا المجال كي نصل إليكم ونقاتل معكم، ولولا دفاع أهل كرزرك لاستطاع الدواعش احتلال كافة مناطق شنكال، وخلال معركتهم أدرك كافة أهالي مناطق شنكال بان الدواعش هجموا على شنكال فأنقذوا أنفسهم.وأضاف المقاتل زيدو قائلاً:
ـ بقيت أقاتل في الجبل خمسة أشهر مع جماعة (تمر ابو قاسم الخالتي) وشاركت في العديد من المعارك منها كابارا ثلاث مرات وصولاغ وشرف الدين وجماعتنا شاركوا في معركة جدالة..
وأهم الحالات المآسوية التي رأيتها في الجبل :
1ـ رأيت العجزة تائهين في الجبل فساعدناهم للوصول إلى المناطق الآمنة.
2ـ دفنت بيدي مع زميل لي سبعة أطفال من (6 أشهر ـ عمر سنة) في مناطق متفرقة من الجبل توفوا وتركت جثثهم من قبل ذويهم .
3ـ رأيت أحد المعاقين متوفي على كرسيه والكلاب تنهش بجثته في منطقة كابارا وتعرفت عليه وأسمه (نايف حجي دنايي) من أهل كرزك ويسكن قرية رمبوسي ولم نستطع دفنه لأننا كنا في معركة مع الدواعش.
4ـ رأيت أشخاصا متوفين او مقتولين داخل سياراتهم عند الالتواءات الجبلية فدفناهم.5- تم دفن رجلً عجوز مع ابنه من قرية نسيرية في كهف في منطقة كلي سيسارك )، سبق وأن لجأوا اليه، وتوفوا فيه من جراء العطش وانعدام الماء، وكانوا حاملين كمية من النقود والذهب معهم وموبايل وبواسطته استطعنا الاتصال بأهلهم وخلال فترة زمنية قصيرة وصل الينا ابنه الثاني وكان متواجداً في الجبل ولم يكن يمتلك معلومات عن مصير ذويه، وشارك معنا في دفنهما وسلمنا الأمانات إليه .
6ـ استقبِلنا العديد من الناجين والناجيات في مناطق محظورة وخطرة، وتتقدمنا عشيرة الجوانبية دائماً، وهؤلاء الناجين كانوا في حالة يرثى لها من التعب .. كانوا حفاة الأقدام وفي أكثر الأحيان كنا نحملهم على أكتافنا ثم ننقلهم بواسطة حيوانات الحمل إلى المناطق الآمنة..7- وعن وضع العوائل في الجبل، كان وضعهم في حالة يرثى لها حيث كانوا يأكلون المعجون والمعكرونة فقط لمدة شهرين، وحينما كنت أرى هذا الأكل تنسد شهيتي ولا أستطيع أن أتناوله .
8- في أحد الأيام عثرنا على امرأتين في منطقة كابارا، هلكتا من التعب والخوف ولم يكن بمقدورهن مواصلة السير، إحداهما عجوز والأخرى في الأربعين من عمرها، حملنا العجوز على دابة لكنها لم تستطع أن تثبت نفسها على ظهرها، فمددناها كالجنازة وربطناها بواسطة الحبل وجئنا بها إلى عين (بيرا خاي) المكتظ بالعوائل، ولم تستطع أن تأكل شيئاً، وفي اليوم الثاني عصراً نادت فجأة : (أريد كيس جبس ـ بطاطا مقلية) فضحك الجميع ورد عليها أبو قاسم الخالتي ضاحكاً: يا أماه نحن في الفرمان من أين أجلب لك كيس جبس، وبعدها جاء شيخ حسين شيخو ونقلهن إلى الإقليم .
9ـ في اليوم الثالث من الكارثة المصادف 6-8-2014، جاءنا شخص من شيعة تلعفر وجلب معه قطيع من الغنم (1500) رأس غنم وبناء على طلبه قمنا بتوزيعه على العوائل، ورأيت أحد الأشخاص يشوي اللحم على قطعة من صفيحة معدنية ومن ثم يضعها على قطعة من الكارتون، لا يمتلك الملح ولا الدهن ولا قدر ولا ماعون يضع فيه اللحم المشوي، عائلته مكونة من اثنا عشر فرداً، وأطفاله جائعين يحومون حوله ويأكلون هذا اللحم بدون ملح وعلى الكارتون فبكيت لحاله.
10- أصيب معنا شخص من شيعة تلعفر في الجبل .. وكان قد حارب معنا العديد من شيعة شنكال وكانت معنا ايضا العديد من عوائل المسيحيين .
11ـ في أحد الايام طلب منا تمر سليمان الخالتي (أبو قاسم) النزول إلى ناحية (سنوني) وجلب أكياساً من الطحين، ذهبنا عشر رجال مسلحين بسيارة نوع كيا حمل بالرغم من المخاطر الكثيرة لتواجد الدواعش في الناحية في الساعة الثامنة صباحاً، وجلبنا عشرة أكياس طحين (500) كيلو غرام، من أحد الدور، ولكثرة العوائل في الجبل وزعنا لكل عائلة حفنة واحدة فقط .
12- كانت هناك فتاة معوقة تبلغ من العمر (12) سنة من أهل سيبا شيخدر اسمها نسرين.. من شيوخ ملك فخر الدين، لم يستطع أهلها إنقاذها فتركت في منطقة سكينية.. فوق الجبل.. وبعد ثلاثة أيام عثرنا عليها وقالت :
ـ منذ ثلاثة أيام أنا هنا دون أكل أو شرب والخوف يتملكني. ومع عوقها أصيبت بحالة نفسية نتيجة الخوف والرعب .. جلبناها إلى منطقة (كرسي) لمنزل ( درويش قولوا)، ونتيجة لحالتها النفسية كانت تضحك دائماً وبعد أن فتح الطريق ارسلناها إلى أهلها المتواجدين في باعذرة.
13ـ رأيت أكثر من (50) حالة لأناس قد ماتوا من العطش، منهم رجل كاهل قد كتب على القبعة أسمه شيخ الياس من شيوخ أمادين من اهل صولاغ، ويبدو حينما توفي في الطريق لم يستطع ذويه دفنه فكتب اسمه على قبعته كي يتم التعرف عليه بعدما يستطيعون العودة إليه ودفنه.
14- ولدت السيدة (زيتون - من تل قصب) توأمين ذكرين في الساعة الرابعة فجراً من يوم 3-8-2014، وفي الساعة السابعة صباحاً هربوا واتجهوا نحو الجبل، وحينما وصلت العائلة إلى حافة الجبل هجم عليهم الدواعش فتسلقوا الجبل بالسرعة الممكنة وهي كانت في حالة الولادة قبل ساعات فحاولت إنقاذ التوأمين بأي شكل من الإشكال، لكنها عندما وصلت إلى وادي (كلي حجي) عند الصولاغ وهو وادي معقد التضاريس والتسلق إلى الجبل فيه صعوبة.. فوقعت الوالدة مع الرضيعين وخافت أن يلحقها الدواعش ويلقي القبض عليها.. فبكت ورمت احدهم في الوادي.. وحملت الآخر وفي كل خطوة تلتفت اليه باكية وتصرخ لأن الشرف اغلى من الحياة والذرية، وسارت إلى أن وصلت بالقرب من جلميرا أصابها نزيف والعطش قد أهلكها فرمت رضيعها الثاني.
15- تمر سليمان الخالتي رئيس عشيرة الخالتية في رمبوسي وهو صديقي فكنت معه في اليوم الاول للكارثة في الجبل، قال لي : هذه علبة السكائر لك قررت من الآن التوقف عن التدخين ..لن أدخن أبداً .. سأتركه، فقلت له: حسناً ما فعلت .
بعد ساعة جاء أحد من أقربائه.. (خلف رشو اونس الخالتي 1955 من رمبوسي مع والدته وزوجة ابنه ويحمل والده على ظهره) وقال لتمر باكياً: لقد فقدت من عائلتي وعوائل إخوتي (18) شخصاً وبقينا نحن الأربعة فقط، وتبين ان والدته وقعت عند تسلقها الجبل وكسرت يديها وهي تتألم كثيراً وزوجة ابنه انجبت في الطريق وملابسها ملطخة بالدماء ورثة وغطت مولودها بمنديلها لعدم توفر الملابس وهي في حالة محزنة، ووالده عمره أكثر من 90 سنة حمله على ظهره، فلما رأى (تمر سليمان) حاله ، قال لي اعطيني علبة السكائر ودخن (40) سيكارة واحدة تلو الأخرى وبكى ساعتين على مصيبتهم.
تحدثنا المقاتل المسن والمشارك في معركة كر زرك عن بداية هجوم الدواعش على كرزرك (حاجم كارص خلف الخالتي) من عائلة الـ دومو ورئيس عشيرة الخالتا .. الذي ناهز (68) سنة من العمر/ مواليد 1947، ورغم ذلك شارك في الحراسة بسلاحهِ التقليدي على السواتر الترابية حول كر زرك من جهة بعاج التي سيطر عليها الدواعش .
كان الجميع في حالة تأهب متناسين العيد ومراسيمه وكل من يستطيع حمل السلاح ذهب الى السواتر في تلك الليلة ـ ليلة الثالث من آب 2014 .
دق ناقوس المعركة .. بدأ الهجوم بصيحات التكبير " الله أكبر " .. عند الساعة الثانية بعد منتصف الليل حيث تقابل نعيق اسلحتهم الثقيلة بهلاهل اسلحتنا الخفيفة.. كان معي عدد كبير من شجعان كر زرك .. من بينهم اقربائي واولادي وإخوتي ( ولاتي كارص.. ماهر ميرزا .. الياس حاجم .. تمو رش.. حيدر عمر .. حسو خلف لاوي ) .
بدأ الهجوم الشرس.. نزلت علينا قذائف الهاون والقذائف من شتى انواع الاسلحة " اضاءت السماء من كثرت تبادل النار " ولم تهدئ بندقيات رجال كر زرك خلف السواتر الترابية المدافعين عن المجمع.. قاومنا بأسلحتنا التقليدية الخفيفة (الكلاشنكوف) الدواعش الذين يستخدمون ( الهاونات و الاسلحة الثقيلة .. وهمرات رباعية الدفع) واستمرت المعركة اربع ساعات حتى السادسة صباحا .
"بزوغ الشمس على نزيف السواتر "
عند شروق الشمس اتضحت الرؤية .. رأيناهم " كانوا بأعداد هائلة مثل قطيع من اذئاب جائعة خلف المدرعات والاليات العسكرية.. كان استهدافهم صعباً لكن استطعنا احراق اربع او خمس سيارات رباعية الدفع اشتعلت فيها النيران ..
كانت المعركة دامية ..هجومهم البربري تواصل، استشهد الكثيرين منا على السواتر لكننا دافعنا ببسالة " رأيتهم يتساقطون واحدا تلو الآخر وحسب ما علمنا فقد قتلنا منهم اكثر من (200) إرهابي ورغم ذلك كان تقدمهم يتسارع لكثرة العدة والعدد..
" كنت وحيدا في الربية امام المدرعة "
كان العم حاجم لازال يدافع بسلاحه جحافل قوة الظلام منذ اربعة ساعات لحين وصول المدرعات والهمرات الى حد دهسه "واضاف : كنت وحيداً في نقطتي على الساتر.. اقتربت مني مدرعة حاولت ان تدهسني .. كنت اطلق النار عليها دون جدوى " . واضاف المقاتل حاجم متذكر بمرارة " لقد ادركنا اننا لا يمكننا الانتصار بهذه الاسلحة فقررنا ان نترك موقعنا .. كانوا قريبين منا .. نجوت بأعجوبة من بين الدخان والتراب المتطاير .. اعتقد اصدقائي أني استشهدت.. لكن كانت مشيئة القدر ان انجو" لأكون شاهدا على جرائمهم اقص عليكم هذه التفاصيل المرعبة..
نجا العم حاجم.. ما فعله لم يفعل الا القليلون في التاريخ .. يقول بتواضع البطل .. " لقد نجوت .. لكن العديد من اصدقائي اثناء انسحابهم اصبحوا هدفاً سهلا ومشوفاً للمهاجمين المجرمين ..استشهدوا .. شاهدت اخي (ولاتي كارص) واولاد اخي (ماهر ميرزا وتمو رشك) تحت وابل من النيران الفتاكة .. اخبرني اصدقائي أنهم قد اصيبوا.. انا متأكد أن الدواعش اجهزوا عليهم لدى وصولهم اليهم بعد ان نفذ عتادهم " .
" حلول الظلام على كر زرك "
بعد أن انتهت المعركة باحتلال داعش لكر زرك .. خلفت المعركة اثار جسيمة كلفت حياة الكثيرين ..وبقيت جثثهم على السواتر الترابية دون ان يتم دفنها "داعش ايضا كان يجمع اشلاء وجثث مقاتليه من ساحة المعركة "
الهروب من براثن داعش لم يكن سهلا حيث.. كان على العم حاجم ان يقطع مسافة عدة كيلومترات مشياً مسرعاً على الاقدام للوصول الى الجبل المحصن كي ينجو من خطر الموت واحتمال الالتفاف عليه وقطع طريق النجاة .
واضاف:
اثناء محاولتي للوصول للجبل، رأيت مدرعاتهم تسيطر على نقطة تفتيش تابعة للبيشمركة خالية من المقاتلين في بداية مجمع كرزرك .. كانت تفصل بين كرزرك وتل عزير .. حينها فقط أدركت قرب نهايتنا وخطورة الموقف وتحسبت لاحتمال الالتفاف علينا بعد ان خلا لهم الجو" .
كان للعم حاجم سيارة مركونة في المنزل .. وصلها ابنه خلسة وتمكن من قيادتها مسرعاً نحو ابيه لينقذه في اصعب اللحظات من شبح الموت .. لم نكن نعلم شيئاً عن عوائلنا لكن اهل رمبوسي قد قاموا بالواجب وساعدوا اهالي مجمعنا ونقلوهم لبر الامان " .
بقى العم حاجم عدة أيام مع عائلته ..قاتل الدواعش.. تحمل الظمأ والجوع لحين فتح الطريق ووصولهم الى كوردستان حيث مصائب الخيم وبرد الشتاء وحر الصيف .
بعد ان انهى الحديث عن واقعة كرزرك ..
"تذكر مأساة اخرى حدثت لبيت اخيه جراء عمل ارهابي "
تذكر (حاجم كارص خلف ) بعيون مليئة بالحزن .. الوقائع التي اودت بحياة اخيه ( حجي كارص خلف ) مع (7) آخرين جراء عمل ارهابي استهدفهم مساء العيد سنة 2008 . حجي كارص والمعروف بـ (حجكو) كان لديه منزلا كبيراً ما بين كرزرك وبعاج قرب الشارع الرئيسي يبعد عن كرزرك حوالي (3) كيلومترات .. كان متزوجاً من (8) نساء جمعهن تحت سقف واحد.. عدا اثنتين احداهن كانت تعيش في منزل خاص بها واخرى لجئت الى المانيا .. وأفراد اسرته من الاطفال (30) طفلاً .
اخبروني بأن جماعة مسلحة هاجمت منزل حجي .. هرعت مسرعا اليه .. في طريقي اليهم اطلقوا علي الرصاص من بعيد وعندما وصلنا كان المنظر مريعا.. الغرفة التي كان بها حجي مع ابنيه المتزوجين واخيه وابن اخيه و طفلين صغيرين .. التي لا تبعد عن المنزل مليئة بالدماء.. كان عددهم ثمانية قد غرقوا بدمائهم من جراء قنابل يدوية "..
كان (حجي) وعائلته بهذا الحجم في منطقة وصفها العم حاجم بأنها " حواضن للإرهابين " وقد فتح مدرسة كوردية خاصة لعائلته والعلم الكُردستاني كان يرفرف فوق منزله واعتقد العم حاجم بأن هذا كانت تثير سخط الإرهابين وربما كانت السبب وراء هجوم الارهابين البشع عليه وعلى اسرته .
.................................................. .....................................