المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأربعاء المقدّسة في المعرفة الايزيدية .. فواز فرحان



bahzani-3
07-03-2017, 03:17
الأربعاء المقدّسة في المعرفة الايزيدية ..



فواز فرحان


عند دراسة النصوص المقدسة في العلم الايزيدي لا يمكن تجاهل قدسية الأربعاء المهمة والتي تشكل محور عملية الخلق حيث تشكل بالنسبة للايزيدية يوم الخلق الأول في الكينونة والوجود , هذا العلم الايزيدي أشار في أكثر من نص مقدس وسبقة الى تلك الأساسية في المعرفة الايزيدية وهي الأربعاء المقدسة , ولو تعمقنا في هذه القدسية والمصدر الذي أضفى عليها هذه الهالة العظيمة من القدسية لا بد لنا من العودة لبداية الخلق والنشوء في الايزيدية ..

ومن خلال تتبعنا لعملية الخلق والنشوء نرى أن العلم الايزيدي يشكل أول مصدر بشري في الإشارة الى قدسية اليوم الذي تجمعت فيه المستويات الأربعة للخلق وعناصره ( الماء والهواء والتراب والنار ) ليشكل أول يوماً دهرياً رمزياً أشار له العلم الايزيدي على أنه شرارة الانطلاق لخلق العوالم والأكوان والمجرّات والدهور والأنظمة الشمسية والقمرية بكل تشعباتها , والخليقة تعني تقسيم هذا العلم مستويات الوعي الى أربعة وتسيطر عليها أربعة عناصر مقدّسة ( الهواء , والتراب , والنار , والماء ) وتشرح عملية تجلي سلطان آدي في عرشه السماوي طريقة تحكم المبدأ المستتر المبطن للوجود بكل المخلوقات والكائنات في مستويات الوعي الأربعة وعوالمها , تعتبر القا ( البير ) والأخ ( المربي ) القوتان الأساسيتان في جوهر المنظومة الكونية وفق العلم الايزيدي الخفي المقدّس , فهما يعكسان القوة الجبارة للمبدأ الأساسي المستتر المبطن للوجود ووحدته الفعلية , وهاتان القوتان حتى يتمكن المرء من سبر أغوارهما وفهم السببية والغائية من مبدأهما المتأصل في حكم الوجود يحتاج الى عبور إثنا عشر بوابة من أبواب المعرفة الايزيدية الاثنا عشر , وعندما يتمكن من الوصول الى حقيقته والجانب السببي فيها فإنه سيعمل بلا أدنى شك على تطوير المنظومة المعلوماتية للروح والنفس والجسد , وتطوير هذه المنظومة المعلوماتية يجعله يصل مستوى الوعي المتفوّق وعبور العوالم السبعة ( عن طريق ممارسة البرّ ـ البرخك ) وفهم طبيعتها السببية في الجانبين المظلم والمضيء , ويتم ذلك من خلال توحيد الصورتين الكونيتين الصغرى ( وعينا ) والكبرى ( الوعي الكوني المقدّس ) وكل ذلك يتم من خلال إثنا عشر مسار للطاقة كلها تعمل عمل تدفق النور الإلهي من المصدر الى الكائن وفهم الجانب السببي للمنظومة الكونية ..

وهذه العملية من مصدرها بالدرجة الأساس تشير لنا بوضوح الى الأربعاء المقدّسة أو الأربعة المقدسة في المعرفة السرية الايزيدية والتي شكلت حجر الأساس في ظهور الكينونة وتدرجها من المستوى الآداني الأعلى مروراً بالمستوى السببي الشمساني والنجمي القاتاني وانتهاءاً بالمستوى المادي الذي نعيش فيه , فقد ذكرت في سطور سابقة ذلك النص الذي يشير لنا بوضوح الى أبواب الغيب السبعة ومفاتيح المعرفة الأربعة ( يا رب .. بحق أبواب الغيب السبعة ومفاتيح المعرفة الأربعة احمينا ــ السبقة الثانية من دعاء نجمة الصبح ) وهي اشارة نوعية الى هذه المستويات التي تجمعت في دائرة العرش الكوني الأقدس لسلطان آدي والتي إنطلقت منها شرارة الخلق المادية في الكينونة والوجود , كما يرمز اللون الأحمر الى ذلك المستوى الآداني العظيم في العرش المقدس , لهذا نرى رجال العلم الايزيدي وهم يؤدون طقس السماع في لالش يشيرون الى هذا اللون من خلال القطعة المقدسة التي يرتدونها باللون الأحمر لتشير الى الوهية الطقس ومستواه الآداني ..

لذلك يمثل الحديث عن قدسية الأربعاء في العلم الايزيدي الخفي المقدس موضوعاً متداخلاً متشعباً لهُ أكثر من وصف دقيق تقف الحقائق شامخة فيه لا تقبل النقض والجدل , فهي من جهة مثلت لحظة الخلق الأولى في التجلي لعرش الهيكل الكوني المقدس ( في أول أربعاء نيسان الشرقي وضع الخالق اللوح والكرسي والقلم ) وهي اشارة واضحة للكينونة والوجود وسلطان العلم والنور , ومن جهة أخرى تمثل تكامل عملية الخلق في المستويات الأربعة للوعي وقدسيتها , والبعض يعتبر الأربعاء هي اليوم الأول في عملية الخلق وهذا التبرير نسبي بالتأكيد قياساً للحقيقة المطلقة , فالخلق بدأ قبل ظهور الأيام الدهرية الرمزية في كل العوالم والأبعاد , لكن تسامي المستويات الأربعة وكمالها أعطى لهذه الجزئية في المعرفة الايزيدية قدسية لها مكانتها العظيمة في الأدب الايزيدي القائم على تفسير العلوم النوعية للسبقات والنصوص المقدّسة ..

في الدائرة الملكية السماوية المتنوّرة والتي تجلى فيها الوعي الأقدس كونيا ولدت أربعة مستويات من الوعي , وفي الدائرة الملكية المظلمة ولدت مستويات أربعة من الوعي تخص هذا الجزء , ومن الدائرة الأولى للخلق أخذ التسلسل التصنيفي للوعي , وكذلك حدث في الدائرة الملكية السماوية المظلمة , من هاتين الدائرتين إنبلجت أول القوانين الكونية , وأول مستويات أربعة عكست تلك القوانين ( المطلق هو العقل ــ التواصل بين مستويات الوعي ــ التردد الرنيني والتذبذب ــ الإزدواجية ) هذه القوانين الكونية الأربعة شكلت الأساس المقدّس للعلم الايزيدي الخفي , كما شكلت محتوى البرنامج المعلوماتي العظيم للمنظومة الكونية الكبرى في صورتها ..

في الدائرة الملكية الرابعة خلقت أعمدة القدسية الأربعة ( الماء والهواء والتراب والنار ) بأنقى صورها , وخلقت معها البرمجة المعلوماتية الكاملة المتكاملة لهذه الأسس الأربعة التي شكلت انتقالة مقدسة في طبيعة عمل المنظومة الكونية وخلقت معها مستويات الوعي الأربعة الآداني والشمساني والقاتاني والمادي , فهي تشكل أساس الحياة في الكينونة والوجود ودون فهم هذه الجزئية تبقى معلوماتنا قاصرة في سبر أسرار أغوار قدسية الأربعاء في العلم الايزيدي الخفي المقدس , وعند الحديث عن تجلي الوعي الأقدس كونياً لسلطان آدي في الدائرة الملكية السماوية الأولى أو الهيكل الكوني المقدّس يجب أن نلاحظ أن وجهي الوجود الخفي والظاهر انبثقا الى الوجود كوحدة نوعية عاملة مثلت نتيجة لسبب وهو عملية التجلي , وعملية تكثف الوعي الى أعمق مستوياتها خلقت دارة العرش السماوية الثانية , لكنها لم تكتمل إلاّ بعد خلق المستويات الأربعة , وهذا ما حدث في الدائرة الثالثة قبل أن تكتمل أعمدة الخلق الأربعة المقدسة ..

والعودة لتأسيس أعمدة الخلق الأربعة المقدسة والتي تمثل أربعة مستويات عليا للوعي في الوجود لا بد من القول أن كمال هذه العملية أدى الى خلق الطرق الخمسة في العلم الايزيدي الباطن , وهذه الطرق الخمسة هي أشبه ما تكون بـ بوابات عظيمة للعوالم المقدسة العليا , وحتى نتمكن من فهم هذا الجزء في المعرفة الايزيدية علينا إدراك حقائق نوعية من الحجم الثقيل وهي أن لكل عالم من العوالم الأربعة المقدسة مصدر ينظم حركته في الوجود وفق قوانين الطبيعة الدهرية في العين البيضاء ( كاني سبي ) , فالشمس الحمراء ورمزيتها هي التي تسيّر القوانين في العوالم الآدانية وفق مفهوم نوعي يعلو على استيعاب ملكاتنا الحسيّة والحدسية في العالم المادي , والشمس برمزيتها الصفراء تسيطر على تسيير الحياة وقوانينها في العوالم الشمسانية , والقمر برمزيته العظيمة يسيطر على القوانين في العوالم القاتانية , بينما تسيطر جزئية من الشمس مع جزئية من القمر عبر مسارات اثنا عشر على الحياة في العوالم المادية ..

وإذا أردنا التوسع والحديث عن قدسية المقامات والعوالم الأربعة المقدّسة في الايزيدية فإننا سنكون أمام متواليات هندسية عظيمة تدرس حالات الوعي في المنظومة التي تحكم طبيعتنا الكونية , فبالاضافة الى حالة الوعي العادية البسيطة التي يمتلكها الكائن البشري والتي يتمكن من خلالها من تسيير حياته بقدر تفتحها هناك حالة الوعي الخفي الغير مستخدم على الإطلاق عند الأغلبية , وقديماً كان علماء لالش وشيوخها يعولون كثير على استنهاض هذا الجانب عند طلاب العلم الايزيدي كي يتمكنوا من الولوج الى أسرار المعرفة السرية في العلم الايزيدي الباطن , فهذا الوعي الخفي أو الذي نسميه باللاوعي والذي يمكن العبور اليه من خلال العقل الباطن أو الوعي الباطن يسيطر على أجزاء واسعة من كينونتنا المادية وقوانينها في العالم الموضوعي , فهو مصدر الابداع والإلهام عند الكائن البشري , وهذا الجانب بقي مخفياً محصوراً عند نخبة من الشيوخ وطلاب العلم الايزيدي من الذين كانوا يحتفظون بالطرق الحية لطبيعة استناهضة وبالتالي الغوص في أعماق المعرفة السرية في الايزيدية , ومن خلال هذا اللاوعي تم سبر أغوار أسرار الأعمدة المقدّسة الأربعة في العلم الايزيدي ويتم الاحتفال برأس السنة الايزيدية ( سري سالي ) أو شري شاري لأنها تمثل الوقت الكوني الدقيق لتجمع المستويات الأربعة المقدسة ويوم الخلق المقدس لكل ما هو حي في الكينونة والوجود على الإطلاق وليس في عالمنا المادي الأرضي لوحده ..

وعندما نقول أن الشمس الحمراء تسيطر على العوالم الآدانية التي تشكل جزء من أعمدة الخلق الأربعة المقدسة فإننا هنا لا يمكننا تجاهل رمزية هذه الجزئية من حيث تعقيداتها التي تتجاوز حدود استيعاب الكائن البشري في عالمنا المادي , وهذا العلم بالفعل مقتصر على دائرة محدودة وضيّقة من شيوخ لالش وعملية فهمها والغوص في تركيبها وتعقيدها أمراً لا يمكن لمن لم يعبر مستوى الوعي المتفوّق الخوض في أي تفصيل فيه مهما كان صغيراً للغاية , والأمر نفسه ينطبق على سيطرة الشمس الرمزية الصفراء على العوالم الشمسانية والتي تعكس تنظيماً دقيقاً للوعي والخلق في عوالم عليا لا نتمكن ببساطة من الوصول اليها قبل التحلي بالشروط الأخلاقية والروحية التي تؤهلنا لذلك ..

أما العوالم القاتانية وسيطرة القمر عليها فهي الأخرى عوالم متفوّقة للوعي وصل اليها الآلاف من أبناء الايزيدية عبر التاريخ من خلال التحلي بالشروط الأخلاقية ومن خلال ممارستهم لطرق البرّ ( البرخك ) في المعرفة وسبر أغوارها , لذلك تشكل العوالم الأربعة المقدسة حجر الأساس في العلم الايزيدي الباطن والذي تم تشفيره بالكثير من السبقات والنصوص المقدّسة ..