المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : صباح كنجي:ليالي الجوع..



bahzani4
07-23-2017, 20:48
ليالي الجوع..



مررت بحالات عديدة من الجوع .. وتجرعت آلامه عدة مرات مع مجاميع الأنصار الذين تعرضوا في ظروف مختلفة لحالات قاتلة من الجوع.. كما حدث معنا في حوض قنديل المفرغ من السكان المحاط بربايا الجيش حينما كنا نوقد النيران ولا ندري اننا نشاهد من قبل المتربصين بنا ..

كما شاهدتُ انصاراً يتوقفون عن المسير في اخطر الاماكن ولا يقوون على السير لمجرد حاجتهم الطبيعية لوجبة طعام وآخرين لا يتحملون الجوع لساعات قليلة عند السير بين الثلوج .. كما مررت بعدة حالات يصعب فيها الوصول الى اماكن مأهولة لشتى الاسباب بحكم اوضاع ومتطلبات العمل السري .. واحياناً لمجرد التعب والاعياء الشديد والحاجة للراحة والنوم في العراء.. متحملا الجوع ليوم آخر ليس لك خيار فيه الاّ ان تصبر وتصبر وتتجرع المزيد من الصبر بدلاً من حاجتك الضرورية والملحة للطعام .. هكذا كان الحال دائماً بالنسبة لنا جميعاً .. يندر ان نستمع لنصير لم يمر بحالة جوع.. بمن فيهم من كان يستقر في المقرات الخلفية ..

في مقر كوماتا الشهير.. اضطر نبيل للركض و ملاحقة الحمار.. الذي حاول التهام خبزة محروقة رماها الخباز جانباً.. وحينما التقطها الحمار بشفتيه لاحظه نبيل.. وقبل أن يلتهمها المسكين امتدت يد نبيل نحوها لانتزاعها من شفتيه وحدث الملاحقة الشهيرة للحمار .. الحمار يركض هارباً وسط الساحة بين الانصار المذهولين من ملاحقة نبيل له.. وإسراعه لانتزاع بقايا الخبزة المحروقة من فمه.. ليشاركه فيها واضنها اول حالة في التاريخ ينافس فيها نصير حمار ليتقاسم فيها معاً خبزة.. بعد حالة اشتباك وصراع أذهلت البعض منا واضحكت البعض الآخر ..

بعد اسبوع تكرر الموقف ..حدثت نفس الدراما بين شاكر والمعزة.. التي حاولت التهام خبزة محروقة ثانية رماها الخباز .. كانت الحالتان مكشوفتين .. لست أدري إن حدثت حالات اخرى لم يحس بها او يشاهدها الانصار الجوعى في ذلك الزمن .. بحكم مرورنا بحالة جوع عامة في مقر كوماتا مع نهاية عام 1979 وربيع عام 1980 حينما انقطعت الطرق بسبب تراكم الثلوج ولم يكن في حوزة المجموعة الانصارية المتواجدة في المقر اية مبالغ لشراء المواد الغذائية من القرى التركية الحدودية..

واضن ان المجموعة التي كانت قد توجهت لتأسيس محطة في منتصف الطريق بين سوران وبهدينان في منطقة هيركي قد تعرضت هي الأخرى للجوع في تلك الفترة ايضا.. وكادت المجموعة الصغيرة المكونة من ابو باز وابو خلدون ونصير آخر الذين ذهبوا للحصول على مورد مالي لشراء الارزاق ان تموت من جراء اعصار ثلجي داهمهم بالقرب من المثلث الحدودي بين ايران والعراق وتركيا ..

كل هذا اتذكره جيداً .. واتذكر تفاصيله بدقة كما اتذكر ما ورد في رواية الجوع للكاتب النرويجي كنوت همسون الشهيرة.. الذي يحاكي فيها تجربته الشخصية في المعاناة من الجوع ..

لكن ما حدث معي هذه المرة يصعب وصفه ولا يمكن مقارنته بأية حالة جوع .. تحملي للجوع فاق الخيال.. الاصعب فيه اني وحيد في هذه المعاناة .. تحيط بي الثلوج الكثيفة من كل الجاهات ..

ها قد مضى على جريمة الانفال اكثر من ستة أشهر بالتمام والكمال.. وأنا قابع في الكهف السري غير المكشوف وحدي .. بعد أن حاصرني الجيش والجحوش في تموز 1988 حينما بدأت قطعانهم تتقدم في حلقات ودوائر لتعبث بالجغرافية والبشر ..

دمرت القرى و المجمعات السكنية.. وتم تفجير البيوت الاسمنتية.. أمّا البشر من الانصار الشيوعيين والبيشمركة والفلاحين من الكورد والآشوريين ومن تواجد معهم حينها.. فقد قتلوا فوراً او اعتقلوا وتم نقلهم واعلان سبيهم.. بعد ان اعتبروا كفاراً وفقاً للتسمية.. التي اطلقها على حملته الدكتاتور الأرعن بـ الأنفال .. وهي آية من آيات القرآن تبيح للمسلمين الفتك بالبشر واستعبادهم واسرهم واغتصاب بناتهم وحرائرهم دون وازع من ضمير .. استغلها الدكتاتور غطاءً لتبرير جريمته الكبرى التي اشرف عليها ابن عمه المجرم الذي لقب بالكيماوي لاحقاً ..

كنا في منتصف تموز عام 1988.. حينما بدأت الأخبار تشير الى قرب توقف القتال واعلان نهاية للحرب العراقية الايرانية.. التي رافقها دعاية انتشرت بين الناس تؤكد: ان الجيش العراقي سيقوم بمهاجمة كردستان ويصفي الحساب مع الجميع .. ورافقها هلع وخوف وفقدان الثقة بقدرة البيشمركة والانصار على مواجهة جحافل صدام الذي اكدت الدعاية انه سيقوم باستخدام السلاح الكيماوي بلا تردد هذه المرة اثناء هجومه الوشيك القادم لا محالة..

ما حدث لاحقاً كان افظع كثيراً من تلك الدعايات الأولية .. فقد اعلن عن توقف الحرب العراقية الايرانية في الثامن من آب 8/8/1988 .. بعد ساعات من هذا الاعلان مباشرة.. بدأت قطعات الجيش تنطلق من الموصل بالتنسيق مع قطعان الجحوش من كافة المحاور نحو دهوك والشيخان وتلكيف وبعشيقة وعقرة.. خلال ايام كانت دوائر الموت تطوق الجميع ..

هدمت القرى.. احرقت البيوت.. غادر الانصار والبيشمركة مقراتهم .. اتجهوا مع الجموع الفارة من الموت لمعبر آشوا غرباً وعادوا خائبين.. لأن الجيش كان قد تموضع في كل شبر من الشارع وصعب عليهم العبور ..

توجهوا للشرق.. واصطدموا في محور الزيبار بالجيش والجحوش المنتشرين في الوادي وقمم الجبل.. لم يبقى امامهم الا سلسلة جبل كارة الوعرة ليحتشدوا بين شعابها.. كأنه الحشر .. اختلط الحابل بالنابل.. بدأت الناس تبحث عن خيار و ملاذ للخلاص من الموت.. هناك من تصور واعتقد ان التسليم للسلطة قد ينجيه من الموت.. لكن البعض من المتواجدين في مؤسسة الجحوش اضطروا بحكم صلة القرابة العشائرية لتنبيه اقرباء لهم ومنعهم من التسليم مؤكدين: ان النظام عازم على تصفيتهم ..

هكذا كان موقف ضابط يقود لواء من الجيش في لحظة الاحتدام وتلاقي خيوط الموت حينما استفسر منه احد الجحوش عن مصير قريب له يرغب في التسليم للسلطة مع عائلته.. فحذره امر اللواء ..

ـ لو كان الامر بيدي لقلت لك ليأتي على مسؤوليتي وشرفي .. لكنها مسؤولية الرئيس وشرفه هذه المرة ..

كأنه قد افصح رغم مخاطر الفصح.. ان الرئيس لا شرف له واياكم من الوقوع في حبائل وعوده الكاذبة.. وعندما مرّ شهر على الحصار.. ولم يبقى الا الموت الذي يداهم الجميع.. بعد ان نفذ ما في حوزة الناس من مواد غذائية .. وبدأ الموت ينتشر بينهم حدثت المصيبة الكبرى..

اعلن الدكتاتور عفوه المزيف في السادس من ايلول.. صدق الناس او حاولوا ان يصدقوا الوعود الكاذبة التي اعلنت العفو .... عفو بتاريخ معلن.. هو السادس من ايلول .. بتوقيع ومهر المهيب الركن .. القائد العام للقوات المسلحة رئيس الجمهورية.. رئيس مجلس قيادة الثورة .. الامين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي وغيرها من التسميات التي جمعها الدكتاتور..

كل تلك التسميات والاوصاف .. كانت مجردة من اية مسحة انسانية .. ما كان يجمعها حقاً وحقيقة.. دموية و نذالة.. حقارة ولؤم .. سفالة و وحشية.. حاملها القاتل المجرم الذي أصبح رئيساً للبلاد .. هذه كانت الحقيقة الوحيدة في ذلك الزمن المر .. الذي جعل الآلاف يتصورون.. ان الله قد فتح لهم باباً للنجاة من الموت .. وتبين للجميع انه باب يستحكمُ به ابن عم الدكتاتور .. الشيطان الحقيقي الوحيد في هذا الكون.. علي كيماوي.. وحدهٌ لا شريك له .. في هذه اللحظات القاتلة التي توارى فيها الإله من الوجود.. لم يبق الا الكيماوي إله وحيد لا شريك له يقرر مصائر العباد .. فقرر دفن الجميع بمن فيهم الاطفال والمعوقين في مقابر جماعية..

لا اعرف كيف نجوت من دوائر الموت .. هل بفضل الكهف السري وما وفره لي من غطاء لم يفطن لمدخله القتلة.. حينما اقترب مني احدهم كنت احس بوقع خطواته المميتة فقررت سحب نابض الأمان من القنبلة اليدوية لأرميها عليه بعد خطوتين أو ثلاث في ابعد الاحتمالات.. لولا مناداته ودعوته للانسحاب الفوري من زميل له ..

ـ محمد انسحاب.. نزل الجميع.. يالله بسرعة .. وين صاعد متخاف يطلع لك ذيب!!

عاد الجندي محمد.. انسحب دون ان يدخل الكهف.. بعد ان اقترب لمسافة كانت هي الحد الفاصل بين الحياة والموت .. لا أعرف من منا كان سيقتل اولاً.. ومن نجا من الموت.. أنجوت انا؟.. ام نجا هو من موت محقق؟ .. أمْ كلانا قد كسب فرصة ثانية لمواصلة الحياة..

كنت بعد هذه التجربة اتحسب لأرهف الاصوات.. بدأت اشعر بحركة وطنين ذبابة تحلق حولي لتوقظني من النوم والنعاس.. بعد أن تحولت احاسيسي الى مَجسات انذار.. وبت أسمع الأصوات عن بعد..

في الأيام التالية بدأت أشعر بالهدوء من حولي .. لم اعد أسمع اصوات الانفجارات ولا القصف المدفعي .. لا بل حتى الاطلاقات العادية بات سماعها قليلا .. بحذر بدأت اتجول بين الكهوف والمقرات والقرى المهدمة.. لأجمع بقايا المخلفات التي تصلح للتناول.. وجدت علبة سمنة بسعة كيلوغرام واحد مع كيس برغل.. في مكان آخر القليل من الطحين اخذته للكهف..

اصبحت ذخيرتي في مواجهة شبح الجوع.. وبين الحين والآخر ابحث متجولاً لساعات طويلة دون جدوى في العثور على أية مادة غذائية.. في احد الكهوف وجدت كمية من التبغ المعلق للتجفيف بقي كما هو.. اخذت كمية منه قبل ان يحل الشتاء.. الذي يُدخل كل الكائنات في الجبال مرحلة السبات رغماً عنهم .. باستثناء قطعان الذئاب التي تتجمع لمهاجمة الفريسة بما فيها الخنازير البرية التي تتواجد مع الدببة في جبال كردستان..

لكن مشكلة ثانية بدأت لا اجد لها حلا مع نهاية الشتاء القارس الذي اعقب صيف الانفال 1988 .. في اليوم الأخير من آذار عام 1989 نفذت تماماً المواد الغذائية التي كانت بحوزتي في الكهف السري.. واستكان العدس الوحيد الذي ابقيته لم يسعفني اكثر من ثلاثة ايام فقط .. كنت اتناول فيه عدداً من الحبات الجافة دون طبخ ولم يبق امامي الا ان اواجه الطبيعة وما توفره من غذاء .. انتهى الشتاء وجاء الربيع ليشكل منعطفاً جديداً في وضعي ..

رحل القتلة وتخلصت منهم.. بعد ان احرقوا ودمروا وخربوا وفتكوا واسروا من اسروا من رجال ونساء واطفال .. وقلت فرص المواجهة معهم.. زال خطرهم المباشر علي .. لكن الجوع بدأ هذه المرة يشحذ انيابه القاتلة ليغرسها في جسدي ..

تستمر الايام وتتتابع دون توقف .. يبقى الجوع يلازمني ويهدني.. الجأ للطبيعة ابحث ان ثمار الاشجار .. عن البلوط .. عن أي شيء يمكن التهامه.. لا شيء على الاطلاق .. لقد التهمت النيران.. نيران الانفال كل ما كان على الارض وحولتها الى ركام ورماد.. لم يبقى الا قشور الاشجار القاسية.. لأتناولها واجرب طعمها.. امتص ما فيها من املاح ومعادن بدأت الوك القشور .. اتذوق طعمها.. اكتشفت الاختلاف والفرق بينها من خلال القشور كأنني اتذوق فاكهة وافرق بينها.. سادني هذا الشعور فدخلت اللعبة مع الشجر من اوسع ابوابها ومضت الايام .

انقضى اسبوع بكامله دون طعام بدأت اضيف لقشور الاشجار.. امتصاص شيء من الكالسيوم من حجر الجبل والقليل من التراب.. كنت رغم المعاناة اسخر مما انا فيه وقلت متمتماً كأني اتحدث مع ماركس..

لأحَسِنَ طعامي من خلال مطعم الطبيعة المشاع للجميع دون عناء والحاجة لغطاء مالي.. آن الاوان لمواجهة الجوع والصراع مع شبح الموت وتحديه.. وحينما يئست من ايجاد أي شيء مفيد يمكن التهامه.. مع اشتداد تأثير الجوع علي.. حيث بدأ السكر يقل في الدم واصبحت الرؤية مغبشة.. والسمع طنين.. مع رجفان اليدين والساقين.. وتيبس في الحنجرة .. الرائحة النفاذة من الفم من جراء عصارات المعدة الخاوية.. التي لا تجد شيئاً لتهضمه.. أخذت التفكير بتناول شيء من دمي تعويضاً عن الجوع الذي ادخلني في قوام يومه التاسع.. اخذت امتص اصبعي بعد جرحه.. تذوقت شيئاً مِن دمي ليعوضني عن جزء بسيط من حاجتي للطعام.

في اليوم العاشر للجوع بدأت أشعر أن طاقتي على الحركة تكاد تنفذ.. وأن جسمي قد وهن ولم استطيع التحرك والانتقال بسهولة.. مع آلام في العظام امتدت للأسنان.. حينها ادركت بأن جسمي بدأ يلتهم نفسه دون الحاجة لجرح الاصبع.. شعرت من خلال تواصل الافرازات من الجسم والنحول الذي بدأت معالمه تتضح إذ أخذت اصغر واضيّق من حجم النطاق حول بطني واشده ليصغر بعد ان ترهل واصبحت البندقية والسواجير تشكل عبئاً علي اثناء الحركة والانتقال.. بما فيها اية محاولة للوصول الى مكان يمكن تناول فيه وجبة طعام .. أخذت بالتفكير للانتقال الى الجهة المواجهة للعمادية ..عسى ان اجد راعياً او فلاحاً يعبث بأرضه معه القليل من الزاد رغم خطورة ما افكر به .. لكن ما الحل .. الموت يداهمني والجوع اخذ يفترس روحي شيئاً فشيئاً..

عبرت السلسلة الاولى لجبل كارة بصعوبة لا توصف.. عند القمة التي وصلتها توقفت بذهول امام المشهد الابيض للثلوج التي تغطي الجبل من قمته حتى الوادي.. لا ادري كيف انزلقت بسرعة صاروخية على الثلج الذي سحبني للأسفل وانا اصارع الموت غارساً فوهة البندقية في اليمن مرة وفي اليسار تارة كالمجذاف لأخفف من سرعة الانزلاق السريع دون ان اغفل ضم رجلي للبعض كي لا تدخل صخرة او نتوء شجرة بينها وتشقني لنصفين .. كانت مجرد لحظات عشت فيها الموت الحقيقي بكل ما فيه من معنى قبل ان انتبه لنفسي انني في الاسفل.. حياً لم امت.. بالعكس شعرت بطاقة تسري في جسدي منحتني القدرة لتجديد الحركة والسير والتحدي بعد ان نجوت من موت محقق .. شعرت بالأمان لأول مرة في هذه المنطقة الوعرة الخالية من السكان.. التي شملها الدمار والخراب في الانفال .. اشعلت النار لأتدفأ وافكر بما يمكن أن اقدم عليه.. فما زالت امامي سلسلة اخرى.. بعدها لا توجد الا ربايا الجيش وقلعة العمادية بما فيها من بشر يسكنون القضاء واجهزة سلطة تتحكم بهم عبر مدخلها الوحيد..

بقيت لثلاثة ايام متتالية اتنقل بين الصخور عسى ان اجد حلا .. وحينما فشلت جلست بالقرب من صخرة في مواجهة الشمس افكر بنهايتي القريبة.. لا اعرف ان كان الرقم دقيقا ام فيه يوم او يومين في حساب الزمن بالناقص والزائد معاً فقد حسبتها من اليوم الذي غادرت الكهف.. بعد نفاذ اخر حبات من العدس الى هذه اللحظة.. لتشكل رقماً هو 17 عشر يوماً بالتمام والكمال دون طعام.. الا ما تناولته من قشور الأشجار والتراب وما رشفته من دمي.. ما عداها كان بفعل ميكانيكية الجسم في التهام مكوناته للتعويض المؤقت وديمومة البقاء في نطاق اقسى قانون للطبيعة البشرية.. حينما يبدأ الجسم بالتهام اجزاء من ذاته تداركاً للموت ..

بين الحياة الموت ثمة برهة لا تعوض تشع من قوة الروح واندفاعها للتشبث بالحياة.. تلك الطاقة المتشبثة بالجسد.. ولا تغادره الا اذا استنفذت علاقتها الفيزيائية في لحظة يكون هو العدم قد حل ليبشر بالفناء .. في وحدة تجسد صراع الاضداد بعد اصبح جسدي مختبراً لها .. لكن ومضاً من الفكر قدح لينتج شرارة ليندلع منها اللهيب ..

لا ادري كيف قفز جيفارا الى ذهني في تلك اللحظة .. ولا ادري كيف تذكرت شبح الموت في جبل قنديل ونحن نواجه الجوع .. فخطرت في بالي ان نصطاد مهرة من قطيع بري كان قد نجا من مجزة 1975 التي حلت بكردستان .. حينها قفز الى ذهني جيفارا.. وبدأنا نلاحق المهرة التي صدناها ونفذنا من شبح الموت بعد تناولنا للحم المشوي الذي مدنا بالطاقة لمواصلة السير والوصول في اليوم التالي للحدود الايرانية حيث سبقنا من كان معنا من الانصار الشيوعيين للوصول الى للمساكن والتجمعات البشرية الاولى في الحدود التي تكفلت بمدنا بأول وجبة طعام..

ها هو الحال يتكرر ..لكن في وضع اسوء واكثر مأساوي .. بدلاً من رفقة مجموعة الانصار المتآلفة.. انا وحيد هذه المرة.. وبدلا من الأيام الثلاثة للجوع في قنديل ها هو نصف شهر أو أكثر يمر دون أن أجد حلاً لمحنة الموت من الجوع في ظل استمرار المخاطر وتواصلها ..

لم يبقى الا جيفارا وحلوله .. لكن كيف .. كانت الساعة الرابعة عصراً مع منتصف نيسان 1979 حينما نظرت للأسفل وهالني ما وجدت.. فرس مع مهرتها تجول بين العشب بالقرب من الاحراش التي تنمو مع حافة الوادي المواجه للعمادية .. ياآآآ.. ه .. هذا هو الحل.. قررت تتبع الفرس والمهرة الصغيرة.. حسمت امري بالنزول واصطياد المهرة مع حلول المساء فوراً .. كنت اتابع حركتها بدقة .. استعجل الزمن ليمضي.. قبل ان يتناهى لسمعي عبر السماء صوت هليكوبتر بعيد .. لجأت للحذر والترقب .. شاهدت الفرس ترفع رأسها هي الأخرى وتصغي للصوت المجهول بانتباه وحذر..

بعد لحظات اقترب الصوت.. واصبح هدير محركاتها مسموعاً فتكورت على نفسي لأحتمي بين الصخرة والشجرة .. وهالني ما وجدته.. إذ اسرعت المهرة نحو امها لتتكور تحت بطنها في المسافة بين الاقدام والارجل الخلفية للفرس.. أحسست بمخاوف وهواجس المهرة والفرس من الصوت المزعج الذي بدأ يفزعني ايضاً..

شعرت انه لا يستهدفني ويرعبني في هذه اللحظات وحدي فقط.. بل يستهدف ويرعب الفرس و مهرتها .. قلت محدثاً نفسي نواجه نفس المصير.. يداهمنا نفس الخطر من ذات العدو .. قررت صرف النظر عن صيدها.. قلت لو مت بعد لحظات من الجوع لن اقدم على قتل المهرة لأنها ضحية مثلي ..

حينما ابتعدت الهليكوبتر وزال خطرها اخذت بالنزول والتوجه نحو مجرى الماء حيث بقايا بيوت خربة تبدو للعيان .. قلت عسى ان اجد شيئاً بين الشجيرات يكون صالحاً للالتهام وبين تلة من التراب .. وجدت ما لا اتوقعه .. ها هي وريقات خضراء تطل بين الانقاض.. هي بقايا من كيس للبصل دفن اثناء هدم الدار في الانفال .. دبّت فيه الروح والحياة فنبتت بصلاته لتكون منقذي من الجوع وشبح الموت.. بدأت بالتهامها كما يلتهم العاشق للحلوى البقلاوة .. في لحظات شعرت بالطاقة تدور في جسدي وانا انظر بحيوية وتفاؤل نحو العمادية لتكون قبلتي القادمة.

ــــــــــــــــــــ
صباح كنجي

منتصف تموز2017