المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شعبنا يطارد الأشباح بينما تحد السكاكين لنحره صائب خليل



bahzani-3
08-30-2017, 08:36
شعبنا يطارد الأشباح بينما تحد السكاكين لنحره


صائب خليل



في مقالتي السابقة والمعنونة "سانت ليغو.. فقاعة إعلامية وضحك على الذقون 1"(1) كتبت ان جميع من كتب عن سانت ليغو فعل ذلك بشكل خاطئ او مضلل ليعطي انطباعا مبالغا به عن أهمية نظام حساب المقاعد هذا وأنه سيكون الكارثة التي ستجلب الفساد والشر القادمين، وأن الغرض هو لفت الانتباه بعيدا عن الأخطار الحقيقية في معركة الانتخابات.

والحقيقة ان كاتبا واحدا هو علاء اللامي، كان قد انتبه إلى أن "معركة "سانت ليغو 1.9 هي على الفتات وليست على القضية الوطنية!" كما عنون مقاله، فلماذا ليست سانت ليغو مهمة وماهي "القضية الوطنية" المهمة إذن التي يجب التركيز عليها في الانتخابات القادمة؟ لقد بينا في الحلقة السابقة ان أسوأ أنواع سانت ليغو لا يمكن ان تغير ملكية إلا عدد تافه جدا من المقاعد، وأن هذا لن يؤثر حقا على سلطة الكتل الكبيرة التي تتهم بالفساد في العراق. ويحاول الإعلاميون ان يفهموا العراقي ان نجاته في "الكتل الصغيرة" وان المشكلة في حجم الكتل!

لكننا لو تساءلنا من هي "الكيانات الصغيرة" التي يتظاهر المتظاهرون من اجلها؟ التيار المدني، الذي يملك نائبين في البرلمان أحدهما يمثل إسرائيل ولا يحضر الجلسات والآخر مشبوه في كل مواقفه، ومنها حماسه الشديد لقانون العفو العام وكان يقول بلسانه أنه يضع كل طاقته من أجل "القاتل المسكين الذي ليس له أحد يقف معه ويخرجه بالرشوة"! فهل ان زاد هؤلاء محتالاً سيسعد العراق أو ان طار من البرلمان أحدهما ستكون خسارة للشعب العراقي؟

الحقيقة هي ان "معركة سانت ليغو" فارغة مثل "معركة الإصلاح" أو مسرحيات الاختطاف والإطلاق، ومعظم ما يتم التظاهر ضده عدا المطالب الاقتصادية والمضادة للخصخصة، وهذه لا نجد لها من يدعمها! فهي ليست ضمن "الإصلاحات" المسرحية المطلوبة. وإذ نلاحظ أن من يقود مسرحية الإصلاح، يقود أيضا الاحتجاج على سانت ليغو، فلا بد ان يثار السؤال: "هل كان سبب فشل الإصلاح قلة الأصوات المؤيدة له في البرلمان؟" إن من لم يستعمل اصواته لفرض الإصلاحات (رغم غموضها التام) لا يكون مفهوما حين يركز على كسب المزيد من الأصوات. لقد انتهت معركة الإصلاح بمشهد درامي وقف فيه "الأخوة الأعداء"، السفارة الأمريكية والسفارة الإيرانية ومقتدى الصدر شخصيا، "وقفة رجل واحد" ليوجهوا له طعنة في الظهر، ودون ان يعرف أحد لماذا.

فإذا كانت نتيجة معركة الإصلاح لم تحدد من خلال توزيع الأصوات البرلمانية، من حقنا ان نسأل عن جدوى السعي لدفع تلك الأصوات من كتلة إلى أخرى؟ إن العودة دائما إلى سبب المشكلة يساعدنا ان نكتشف إن كان من يدعو للحل جاداً ام انه ينفذ مسرحية كتبت له. ويكشف لنا أيضا جدوى الحلول المقترحة قبل ان نتحمس لها. تعالوا ننظر إلى مشكلة أخرى أكبر من هذه بكثير.. مشكلة ان تأتي حكومة "منتخبة"، لكنها دائماً فاسدة وتبدو وكأنها حريصة على تدمير البلد أكثر من حرصها على بنائه! ما هو الحل لمثل هذه المشكلة؟

الحل الأوسع انتشاراً هو اننا يجب ان لا ننتخب نفس الحكومة والساسة مرة أخرى. وهنا يجب ان يطرح السؤال: هل حقا جاءت الحكومة التي انتخبناها؟ وأنا هنا لا اتحدث عن تزوير الانتخابات الذي حدث بلا شك والذي أتوقع ان يزداد كثيرا في الانتخابات القادمة، لكني اتحدث عن عملية تشكيل الحكومة ذاتها بعد الانتخابات.

هل تأتي الحكومات الفاسدة في العراق، نتيجة الانتخابات الخاطئة؟ لنتذكر كيف تشكلت آخر حكومة للعراق. ولنتذكر أن حيدر العبادي كان شخصاً مجهولاً لم يحصل إلا بضعة الاف صوت، ولا يعرفه الناس إلا كمسؤول عن عقود التلفون النقال الشديدة الفساد. ولم يكن معروفاً بين زملائه إلا كشخص ضعيف وأن حزبه فشل في التوافق على ترشيحه حتى لمنصب نائب لرئيس مجلس النواب لعدم حصول القناعة بقدرته على تسنم حتى هذا المنصب البسيط، فكيف صار رئيسا للحكومة؟

"إن كنت ناسي، افكرك".. لقد جاء به الأمريكان من خلال ذيولهم من ساسة كردستان وفرضوه فرضاً، مع تهديدات بترك العراق تحت رحمة داعش إن لم يقبله العراقيين! لقد تمكن الأمريكان من فرض الشخص الذي كان يناسبهم بغض النظر عن نتائج الانتخابات وبدعم بضعة من ذوي الضمير "المتساهل" من حزبه، قاموا بتزوير تواقيع وتواريخ لإخفاء المخالفة الدستورية، تم كشفه في مناقشات النائب حنان الفتلاوي مع بليغ أبو كلل. إذن العبادي جاء رغماً عن الشعب، وليس بأصواته. وبالتالي فأن تغيير اتجاه التصويت لن يحل المشكلة، فالأمريكي يتجاوز الأصوات ليؤشر من يناسبه في النهاية.

ولكن هذا لا يقتصر على العبادي. لنتذكر أن المالكي جاء أيضا بفضيحة مشابهة، حين ازاحت كونداليزا رايس رئيس الحكومة المنتخب إبراهيم الجعفري وبتنسيق مباشر من نفس ذيول اميركا قادة كردستان ايضا. وكذلك تم تنصيب اياد علاوي من قبل الأمريكان وبدون السماح لمجلس الحكم في وقتها بإعطاء أي رأي فيه! إذن لم يحكم العراق أي شخص وصل عن طريق دستوري حتى اليوم!

ما هو الغرض من الانتخابات إذن؟ وإن كانت الانتخابات ككل وبكل نتائجها، مشكوك في قيمتها وان رئيس الحكومة يعين من قبل الاحتلال، ألا يكون الحديث عن سانت ليغو والتظاهر بالغضب على بضعة مقاعد قد تتغير وقد لا تتغير، ضحك على الذقون؟ إننا نعلم أن الأمريكان هم الذي حددوا لنا كل رؤساء حكوماتنا "الديمقراطية" حتى الآن، وسيحددون رئيس حكومتنا القادم ويحملوه كالبغل ببرنامج التدمير القادم كما فعلوا مع العبادي. هذه هي المشكلة التي يعرفها الجميع، والتي لا تتحدث عنها اية صحيفة أو قناة تلفزيونية. فالإعلام العراقي من أشد أعداء الشعب العراقي، والمكلف بالتشويش على رؤيتهم وتوجيه أنظار القطيع بعيدا عن الخطر، حتى يتم إيصاله الى حيث يريد الأمريكان و"اصدقاءهم" الإسرائيليون له ان يصل.

إلى اين يمكن ان يريدنا هؤلاء ان نصل؟ إن حقيقة الدعم والتواطؤ، بل وخلق داعش والدفاع عنها عسكريا ولوجستيا من قبل اميركا، صارت قناعة 95% من العراقيين إن لم يكن أكثر، فما المصير الممكن الذي يمكن ان يريده لنا من يصنع داعش خصيصاً لتدمر مدننا ويدعمها ماليا ولوجستيا وحتى سياسيا وعسكريا؟ هل هناك هدف ممكن لمثل هذا سوى الدمار الشامل؟

وإن كان هذا يهدف إلى تدميرنا تدميراً شاملاً، فما الذي يمكن ان يطلبه هذا من ذيله الذي يأتي به عنوة الى كرسي السلطة؟ وما هي أسس اختياره له؟ أليس ان يكون الأقدر على تنفيذ برنامج الدمار الشامل؟ الم يأت العبادي محملا بمشروع تسليم النفط لكردستان بلا اعتراض بحجة "حل المشكلة" معها، وتأسيس حرس المحافظات "الوطني" بديلا عن الجيش العراقي لتفتيت هذا البلد إلى أجزاء صغيرة؟

كل شيء يبدو واضحاً وبسيطا ومنطقيا: احتلال يضع شخصا يختاره بنفسه على السلطة، هل ينتظر منه ان يخدم غيره؟ هل ينتظر منه ان يأتي بوزراء شرفاء يخدمون البلد، ام ليفشلوا وزاراتهم ويخصخصونها؟ هل ينتظر منه ان يعين ضباطا في المراكز المهمة ليقودوا الجيش لمحاربة داعش التي يحتضنها سيده، ام ليسلموها لها مع اسلحتهم؟ هل جاءت به كردستان ليحاسبها على هضبة احتلتها او قرية عربية هدمتها أو ابتزاز تريد زيادته؟

لا طبعا.. من جاء به، إنما فعل ذلك ليخدم أهدافه، وأهدافه هي تدميرنا، فكيف نقبل بهذا إذن؟ وكيف يمكن لشعب ان يتجاهل حقائق بهذا الحجم من الخطر، ليركز على تفاهات لا تقدم ولا تؤخر؟ كيف يمكن ان يقبل بمرشح هذا العدو المقسم على التدمير، بحجة الخشية من ان يأتي إلى الحكم شخص يكرهه! إن من يقبل بالاحتلال ومرشحه لكي يحرم حاكما يكرهه من فرصته، ومهما كان محقا في كراهية هذا الحاكم، إنسان عديم الضمير، ولا ينتظر من بلد يكثر فيه مثل هؤلاء إلا الدمار الشامل. لأن انعدام الضمير هذا سيكون متبادلا، وسيفعل خصومه مثله ويبيعون البلد لتجنب من يكرهونه، وتكون النتيجة أن لا هذا يحكم البلد ولا ذاك، بل الحاكم الذي يقدمه الاحتلال لهم، وكل من الطرفين سعيد به ما دام هذا ليس خصمه!

إنه قصر النظر المخيف الذي ان استمر قليلا، وبوجود محتل يهدف أصلا لتدمير البلد، سيؤدي إلى دمار سريع وحاسم. والحقيقة أن هذا الدمار كان في الطريق، ولم يؤخره إلا ظهور مفاجأة الحشد المباركة، التي دوخت المحتل وخلطت الأوراق على ذيوله. إن وجود العراق حتى اليوم، ليس إلا من بركات الحشد.. فكل شيء عداه قد استسلم تماما للمحتل، ولإرادته المدمرة. ولهذا السبب نرى هذه الحملة الشعواء للتخلص من الحشد، والتي شملت حتى ممثلي الأمم المتحدة (وهم من أصدقاء إسرائيل المعروفين) وغيرهم بالضغط على قادته وبالتشهير وباصطناع الحوادث وحتى بالقصف العسكري المباشر من قبل قوات الاحتلال.. ولكن أيضا بالدعوات التي تتظاهر بالرقة، حين تدعو لحله او دمجه.




ثم نجد بعد هذا من يترك كل هذا ويركض وراء "مستقلين" و "تكنوقراط" وليهتم بـ "ليغو" ويتظاهر احتجاجاً على مقعد (قد) يخسره كيان صغير تافه ليذهب الى كيان كبير تافه، ولا أحد ينظم أية تظاهرة بوجه الكوارث المتتابعة التي يسير إليها بلده!

إن الهدف الوحيد الذي يجب ان يهدف إليه أي شعب عاقل في مثل حالتنا هو التأكد ألا يعطى للمحتل في الانتخابات القادمة فرصة لاستمرار نهجه في فرض حاكم من عنده لأي سبب كان وبأية حجة كانت. فلا يستبعد أن يكونوا قد وجدوا مرشحاً جديداً أكثر انبطاحا لهم من صاحبهم الحالي، وإن كان ذلك صعب التصور.

نعم، يجب، وقبل فوات الأوان، ان يستعيد الشعب سلطته على بلاده من الفاسدين والسفلة وخاصة الذين يختارهم الاحتلال ويدعمهم، وأن يسلمها أمانة وتحت المراقبة، إلى من هم ابعد الناس عن الاحتلال. لكن ذلك لا يكون بالركض وراء الأشباح والبهلوانات إنما بوعي الخطر الحقيقي ومن أين يأتي والاستعداد للتعامل معه بشجاعة وضمير: أن تقرر مسبقاً وتحزم أمرك أن تفعل كل ما تستطيع لتمنع أن يعين لك عدوك رئيسك، وتحت أي ظرف كان! وأن تقبل الرئيس المنتخب حتى لو لم يكن يعجبك، لعلك تحصل على من تريد في جولة انتخابية قادمة، وإلا... فقبل ان تغمض عينك وتفتحها، ستجد أن كل مدينة في بلادك صارت "موصل"!

(1) سانت ليغو.. فقاعة إعلامية وضحك على الذقون 1

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/1558862964170767