المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رحيل (حسين اسماعيل) بسبب صدمة الثالث من آب 2014. الباحث / داود مراد ختاري



bahzani4
09-05-2017, 19:19
رحيل (حسين اسماعيل) بسبب صدمة الثالث من آب 2014.




الباحث / داود مراد ختاري .

كنت نائماً على سطح المنزل ليلة الثالث من آب 2014 ، استيقظت من النوم في الساعة الثالثة فجراً لأتابع سير الاحداث في المناطق المحيطة بمدينتنا، اتصلت بأصدقائي من قوات الحماية والآسايش مستفسراً منهم حول الوضع الأمني للمنطقة وقد زودوني بالمعلومات المتوفرة عندهم ، نظرت الى محيط مدينتي شاهدت ست سيارات تابعة لقوات داعش قادمة الينا من جهة قضاء البعاج الذي يسكنه العرب المسلمون وهي الجهة الجنوبية لمدينتنا.. لم تتمكن القوة من الوصول وتعرقل تقدمها على الطريق لوجود البساتين.. فتراجعت للخلف قليلاً وبعد ذلك ذهبت تلك القوة إلى مجمع ( كرزرك ) المجاور لمدينتنا ودارت اشتباكات بين الدواعش و أهل المجمع إلى الساعة الخامسة صباحاً وبعد ذلك قطع الاتصال مع أصدقائي الذين يحاربون الدواعش في تلك القرية .

الذين اضطروا للخروج من القرية مع الأهالي للحفاظ على أرواحهم بسبب نفاذ عتادهم واستشهاد مجموعة منهم اثناء الدفاع عن المجمع والاناس المتواجدين فيه .

يقول زينل اسماعيل / تولد 1987 كر عزير:

حينها قلت لوالدتي جهزوا أنفسكم للخروج واحملوا المستمسكات الرسمية للعائلة، كان هدفي الاول إخراج شقيقي المعوق ( حسين اسماعيل غانم/ تولد 1975) قبل كل شيء لانه لا يستطيع السير والهروب، ونحن باستطاعتنا انقاذ انفسنا، فهو أخي الكبير وبمثابة الوالد، لأننا فقدنا الوالد والجد منذ الصغر.

كانت عائلتي تتكون من (6) أفراد .

والدتي ( باران كجو ) عمرها (65 سنة ) امرأة عجوز ومريضة، زوجتي (سميرة سعيد / تولد 1990 ) كانت لديها عملية جراحية من الولادة ولم تمر على العملية أكثر من شهر وتعاني من الآلام بكثرة، شقيقي المعاق، ابنتي (آنا)عمرها سنتين، ابنتي الرضيعة حديثة الولادة ( شرينە وار- الوطن العذب -).

اتصلت بقريب لي من قرية الوردية القريبة من جبل شنكال لعدم امتلاكي سيارة، جاء وحمل عائلتي باستثنائي حيث خرجت من القرية مشياً على الأقدام.. كنت من أواخر الناس الذين خرجوا، كان هناك طريقين للخروج من المجمع أحدهما معبد والآخر ترابي ، أردت ان أخرج من الطريق المعبد ، وفي تلك اللحظات اتصلت بالعائلة وسألوني:

- أين أنت؟

- لقد خرجت من القرية من الطريق المعبد.

- ننصحك بالعودة والخروج من الطريق الآخر ( الترابي )، وهناك سيارة لأحد أقاربنا سوف تعود للقرية عليك الركوب معه .

- تمام....غيرتُ وجهتي إلى الطريق الترابي وفعلاً التقيت بشخص من أقاربي وصعدت معه بسيارته وعندما وصلنا قرية الوردية .. عند المفرق الترابي مع الطريق المعبد بالقرب من (مزرعة محمود خرو ) سمعتُ صوت إطلاق النار.. علمنا بعدها ان داعش قد قتل العشرات في هذه المزرعة واقترفوا مجزرة بحق أل خرو وتحولت المزرعة الى مقبرة جماعية.. شكرت ربي لعدم ذهابي من الطريق المعبد .

وصلنا قرية الوردية في الثامنة والنصف صباحا من يوم (3 آب) انا وعائلتي وتوجهنا الى دار اقربائي الذي حملني بسيارته .

ثم خرجنا سوية نحو الجبل وعند وصولنا رأينا الآلاف من العوائل وبقينا جميعاً في الانتظار حوالي ثلاث الى اربع ساعات تحت اشعة شمس الصيف الحارقة وكنا في مساحة ضيقة من الأرض واقفين مثل الطابور بدايته وصل الى أسفل الجبل ونهايته ببعد ثلاث كيلو مترات, وعلى غفلة جاءت ثلاثة سيارات للدواعش نوع (بيكب تويوتا دبل قمارة) حاملي الرباعيات ويبدو من وجوههم انهم من عرب المنطقة، وصلوا الى نهاية طابورنا، اتصلوا بالهواتف النقالة مع مختار القرية واتفقوا بان نعود الى القرية ونرفع الاعلام البيضاء (رايات السلام) قالوا لنا:

- نطمئنكم بان لا خوف عليكم، لذلك عاد الالاف من الاشخاص في الطابور ومن ضمنهم انا وعائلتي، قسم منهم بالسيارات والبقية سيراً على الأقدام .

وتم متابعتنا وتصويرنا بكامرة فيديو داخل القرية، ذهبت عائلتي الى احدى دور القرية موقتاً وانا ذهبت الى ديوان المختار أن الدواعش قالو لنا يجب ان تتجمعوا في مضيف المختار، رأيت الدواعش يأخذون السيارات من الاهالي عنوة.

احتشد الناس في القرية، عزل الرجال عن النساء والأطفال في ساحة أخرى بجانب ساحة المضيف وكنت قرب شخص داعشي ذو لحية قصيرة بمسافة ثلاثة أمتار وأتابع اقواله قائلاً:

-انا من محافظة بغداد، نحن دولة إسلامية وبشر، ﻻ نؤذيكم ونخاف من الله، لكن يبدو من وجهه يشبه سكان عرب المنطقة لكنه يرتدي لبس الدواعش (اللبس الافغاني) ، ثم اردف قائلاً: من لديه سلاح ليسلمه وسوف اقتل هنا امامكم كل من يخالف بعدها، كان بمعيته داعشي يرتدي ملابس مدنيه (شروال وقميص) فقط،

بعدها بدقائق جاءت مجموعة من البنات والشباب والبنات يتباكين، ومعهم صديقي في الدراسة (مازن) من مجمع كر عزير مصاب بطلقتين، فسألته عن سبب اصابته قال:

- الدواعش قتلوا ثلاثة أشخاص كانوا معي .

-الف الحمد الله على سلامتك يا اخي والرحمة للشهداء. كان بمعيتي صديقي (نايف خديدا) كنا نداوي اصابات (مازن)،

تلقى الدواعش اتصالاً من مراجعهم، قالوا سنذهب مع أميرنا ونعود اليكم وانتم اذهبوا الى بيوتكم .

ذهبت الى منزل اقاربنا في قرية الوردية و نمنا لأننا كنا مرهقين .

في اليوم الثاني بقينا في القرية حتى الساعة الثالثة فجراً كانت القرية مطوقة من قبل الدواعش و فجأةً قل عددهم فخرجنا من القرية بهدوء ودون اشعال ضوء مصابيح السيارة.. وبعضنا خرج سيراً على الأقدام وصلنا الجهة الجنوبية من الجبل وبقينا خمسة أيام هناك، كنت ارافق اخي المعوق وأساعده (كانت حالته الصحية غير مستقرة لا يستطيع السير، والدتي امرأة طاعنة السن، زوجتي تعاني من اثار عملية قيصرية وأطفالي صغار السن).

يوم 8/8 جاء الدواعش بسيارتين وحفارة، توجه اغلبية الناس من جنوب الجبل الى جهته الشمالية فودعت اخي بالبكاء وحزن شديد وعانقته وقلت له:

- أن شاء الله لن اتركك .

- اذهب واعتني بوالدتنا وزوجتك واطفالك وانقذهم من الدواعش ولا تهتم لأمري، انا شخص معوق وفقير.

-ان شاء الله سأعود واجلب معي حمار كي احملك وأنقذك.

صعدنا الجبل سيراً على الاقدام ، كنت احمل ابنتي على كتفي وفي يدي بعض الحاجيات و الماء والغذاء والوثائق الرسمية، وصلت منتصف الجبل في الثامنة مساءً، تهيئنا للنوم بعد التعب والارهاق، فرشنا تراب الجبل ووسائدنا الأحجار، استيقظنا في الرابعة فجراً كي نتسلق للأعلى، حملت ابنتي الصغيرة، والدتي العجوز استندت على عكازتها وزوجتي واصلت السير رغم آلامها، وصلنا يوم 9 آب الى منطقة (بيرا خاي) كانت مزدحمة لتوفر الماء فيها، استرحنا هناك لكن شقيقي المعوق لم يغيب عن بالي، ذهبت لأجلب الماء للعائلة وتأخرت بسبب الازدحام على عين الماء، حاولت ان أحصل على حمار كي اجلب شقيقي به، وعائلتي تعاني من الظمأ ومتعبة تنتظرني .

أخذت الماء والغذاء لعائلتي واسترحنا قليلا ثم اكملنا سيرنا لمسافة كيلومترين تقريبا توقفنا للاستراحة والنوم في مزار (شيبل قاسم) حتى الساعة (6) صباحاً من يوم 10 اب ثم اكملنا سيرنا مشياً على الأقدام مسافة ثلاثة كيلو مترات تقريباً، بعدها رأينا سيارة حمل كبيرة وكانت ممتلئة بالعوائل الهاربة من ضمنهم بعض اقاربي طلبت منهم ان يأخذوا عائلتي للوصول الى سوريا فوافقوا واخذوا معهم والدتي و زوجتي واطفالي الاثنين،

لم يبقى لي الا انقاذ شقيقي، لكن كنت خائفاً على مصير العائلة في الطريق الى سوريا، فسلكت طريق سوريا مشياً والتقيت بستة عشر شخصاً من اقاربي وأكملنا الطريق معا إلى الحدود السورية مشينا لأكثر من 20 كيلو متر وكان الطريق خطراً فكنا نسمع اصوات الإطلاقات النارية ثم انقطعت عن المجموعة، بقيت مع قريبي، طلبنا من احدى سيارات الحمل ان يأخذنا وكانت تحمل حوالي (30) شخصاً والمكان ضيقاً ركبنا ووصلنا الى مخيم نوروز في مدينة (ديركا حمو) السورية والإخوة الكورد قدموا لنا كل ما نحتاجه جلسنا وارتحنا ونمنا في المخيم، في صباح اليوم التالي الموافق 11 / 8 / 2014 وصلت من سوريا إلى إقليم كوردستان العراق وبالتحديد إلى مدينة زاخو والتقيت بالعائلة، لكن لم أشعر بالسعادة، لأن شقيقي المعوق لم يفارق خيالي ..كنت أرى صورته أمام عيني دائما، في ذلك الوقت جلست لأفكر بالرغم تعبي الجسدي ووضعي النفسي السيئ ... كانت أصابع قدمي متشققة ومحمرة ومليئة بالفقاقيع نتيجة السير المستمر لساعات طويلة, لأننا خرجنا من جبل سنجار إلى سوريا مشياً على الأقدام حفات القدمين، وعانيت من التشنج لأني لم أتعود على هكذا سير ولمسافات طويلة لثمانية ايام متتالية بلياليها .

عائلتي المتكونة من خمسة أفراد سكنت في الطابق الرابع لهيكل بناية مكون من ستة طوابق بدون جدران وحافة، مع (200)عائلة تقريباً حشرت فيها .. بقينا مدة ( 3 ) أيام ، تأتي المساعدات مثل وجبات الطعام والدواشك والبطانيات لكننا كنا محرومين منها ، لكوننا في الطابق الرابع، لان التوزيع تبدأ من الأسفل الى الأعلى، فتنتهي بالوصول الينا .

لذا اشتريت بطانية واحدة فقط بدون دواشك ووسائد وفرشتُها على الأرض لتنام العائلة عليها، وهناك عائلة من الطابق الأول تصدق علينا يومياً إناءً من الرز والبرغل من حصتهم، وراجعت الطبيب لتداوي أصابع قدمي .

وفي الصباح من يوم 14 آب خرجت مع العائلة من زاخو إلى قرية (اينيشكي) المسيحية التابعة لقضاء عمادية وهناك وجدت بيتاً متروكاً للسكن فيه، بالقرب من مئات العوائل الإيزيدية ومنهم أقربائي .

تلقيت اتصالاً من شخصين في جبل شنكَال يوم 16 آب قائلاً:

-أنا بركات إبراهيم ( أبو حجي ) وصديقي أسمه قرو، نحن مع شقيقك المعوق (حسين) اطمئن إنه بخير .

-شكراً لكما، هل بالإمكان أن أتحدث مع شقيقي .

-زينل : الووو .... كيف حالك ان شاء الله بخير .

-حسين: أطمئن يا أخي أنا بخير، وسلامي للعائلة .

-زينل : شكرا (ابو حجي) لمراعاة شقيقي، انا في خدمتكم ما تحتاجون اليه.

-ابو حجي: توكل على الله ، هذا واجبنا إن شاء الله لن نقصّر مع أخيك لأن حسين يستحق ولا تأتي إليه إلاّ عندما تكون مرتاحاً "

-زينل: سأحاول القدوم إليكم بأسرع وقت ولكن حالياً أعاني من بعض الجروح في أقدامي والتعب في سائر جسدي ، ولكون عائلتي بلا معيل لا أستطيع الآن.

-ابو حجي : لا تأتي والا معك حمار لحمله، ورجل يساعدك في الطريق.

-زينل: سوف أجلب أشخاصاً معي لكي يساعدوني وسأبحث عن حمار لكي أحمل أخي عليه.

بعد ذلك اتفقت مع ( 4) أشخاص من أقربائي الذين يسكنون في كوردستان وهم (نواف، نايف، كمال وشيخ خلف ) وأجرت سيارة صالون صغيرة بمبلغ (500) دولار لوصولنا الى جبل شنكال .

خرجنا من دهوك يوم الجمعة المصادف 22 آب ووصلنا إلى سيطرة ( نقطة تفتيش ) جسر العلاقات ما بين العراق و سوريا ، لكنهم لم يسمحوا لنا بالعبور، فعدنا إلى مجمع شاريا للمبيت هناك في بيت شيخ خلف.

خرجنا في اليوم التالي إلى الجبل، رغم المخاطر والصعوبات والعراقيل وصلنا واتصلت بشخص آخر اسمه (إبراهيم) من سكنة كرسي قرب الجبل مستفسراً منه :

-هل تستطيع ان تجلب لنا حمار للإيجار وتأتي به الى منبع ماء (بيرا خاي) لكي نذهب جنوب الجبل و ننقذ شـقيقي.

-ابراهيم : نعم لدي حمار وبدون مقابل .

-زينل: أرجو جلب نقالة (سدية) وحبل وبعض الاحتياجات لكي نستطيع ربط شقيقي المعوق على ظهر الحمار.

-ابراهيم : كيف حاله الآن .

-زينل : شكراً ، انه بخير، وسنوصله إلى شمال الجبل وبعدها بواسطة سيارة سأنقله عبر سوريا الى دهوك .

- ابراهيم : للعلم أن في جنوب الجبل لا توجد طرق للسيارات غير سيارات داعش.

بعد وصول ابراهيم مع الحمار الينا أصبح الوقت الساعة ( 8 ) من المساء وانطلقنا من منبع بيراخاي نحو جنوب الجبل .

وصلنا الى (البئر الارتوازي لشفان علي ) قرب وادي الصفاء الذي يوجد فيه شقيقي

الساعة(12 ) ليلاً .

-زينل : يا شباب .... الان سننام هنا عند البئر وسنذهب عند الفجر، ونجلب حسين.

-الاصدقاء : بما تراه مناسباً، وفعلاً جلبه في الصباح أفضل من الوقت المتأخر من الليل، ونحن متعبين جداً .

خرجنا فجر يوم 25 آب، بين الساعة ( 5 و6 ) صباحاً، ووصلنا إلى شقيقي المعوق وزملائه الاثنين أبو حجي و قرو وسلّمنا عليهم وحضنتُ شقيقي.

-زينل : أبو حجي ماذا تقول الآن من أي طريق نذهب ونسلك أي وادي لأنك أعلم منا.

-ابو حجي: نعم هناك طرق لا يستطيع الحمار الصعود به.

وأثناء الحديث مع أبو حجي دوت اصوات لإطلاق نار وقدم الينا الدواعش بمجموعة من السيارات من اتجاه قرية ( جدالة ) القريبة منا وأصبحت الانفجارات اشد والدخان تعالى من داخل القرية، بدأوا يرمون باتجاهنا، وفي هذه اللحظات قال لي أبو حجي :

-زينل خذ شقيقك وجماعتك وأذهبوا بسرعة واصعدوا الجبل ..

-زينل : تمام ولكننا غير جاهزين، والعدو يتقدم نحونا ويرمي علينا .

-ابو حجي : حينما يصل العدو لا يرحم بكم .

-زينل : أنا أعلم ذلك .

-ابو حجي : أخرجوا بسرعة! ... خلال دقائق ستصل قوة الدواعش الينا .

صعدنا بسرعة واستهدفنا عناصر الدواعش بالعيارات النارية، ولم يكن باستطاعتنا الذهاب الى الطريق السهل في السفوح لخطورة الموقف قد نصبح هدفاً سهلاً لهم.

واضطررنا للذهاب في طريق الوادي الامن لكن لا نستطيع أن نمشي داخل الوادي مع وجود الحمار لوعورة المسلك الخالي من الطرق ، وصلنا منتصف الجبل .. لم يكن باستطاعتنا حمل شقيقي أكثر من ذلك وحتى الحمار لم يستطع الصعود، حاولنا مراراً وتكراراً دون جدوى ..لأن عند صعودنا إلى سفوح الجبل ستنهال علينا الاطلاقات النارية فاضطررنا للجلوس لحوالي ( 5 ) دقائق .

-زينل : يا اصدقائي شكرا لموقفكم النبيل معنا، اني أرى الموقف صعب جداً، ومن الافضل أن نترك شقيقي (حسين) هنا، وننقذ أنفسنا من المحنة .

-الاصدقاء : كما تفضلت، نحن جميعاً في خطر محدق، وانقطع شبكة الاتصال أيضاً .

ومن المحتمل ان يسيطر داعش على المنطقة .

-زينل : نعم .... نعم .... لم يتبق لدينا ماء ولا طعام كافي .. وأنا معكم في هذا الرأي وفعلا نحن في وضع خطر جدا.

- زينل يخاطب شقيقه حسين بالدموع : إن شاء الله لن تبقَ لوحدك و سأرجع إليك مرة أخرى وأحررك .. وخذ ما نمتلكه ((قنينة ونصف من الماء وقطعة من الخبز وبسكويت ومربى تين في الكيس بالخرج المحمول على حمارنا - بالكردي تێرک ..خورچک، والخرج: عبارة عن كيسين متصلين احدهما على اليسار والآخر على اليمين -)) سوف نذهب لأننا اذا بقينا هنا سنخسر أرواحنا .

ودع زينل شقيقه وبمعية اصدقائه الأربعة وصلوا الى شمال الجبل، كان يوم 25 من آب وفي هذا اليوم قام داعش بتفجير مزار شيخ مند وهاجموا مزار ملك فخرالدين، في هذا اليوم دبت الفوضى بين الناس، لوجود إشاعة بان العدو قد حضر هجوماً كبيراً على الجبل، والناس المتواجدين في الجبل سيجدون صعوبة مع خطورة الوصول الى سوريا ومن ثم الى كوردستان .

وأضاف زينل : ذهبنا مع اصدقائي إلى سوريا بواسطة سيارة حمل ثم الى سيطرة جسر العلاقات بين سوريا والعراق، واضطررنا للمبيت هناك.. في 25 آب كنا في الطريق ومتعبين جدا لأننا نمنا بدون فراش على شاطئ فيشخابور رغم البرد الشديد, ثم وصلنا الى قرية اينيشكي ليلا ,وفي يوم 27 آب أتصلت بصديقي إبراهيم صاحب الحمار وأبو حجي لوجود شبكة اتصال ..

-ابو حجي : لماذا ذهبت الى كوردستان ولم تأخذ شقيقك معك ؟..

-زينل : قصّ له ما حدث لهم .

-ابو حجي: كان بالإمكان ان تنتظر حتى يهدأ الوضع .

- أعذرني عماه، الوضع كان مرعبا و صدقني كنت أود انقاذ شقيقي حتى لو كلف حياتي، لكن الظروف لم تساعدني .

- ابو حجي : لماذا تركت الجبل وعدت الى كوردستان ؟

- زينل ـ باكياً- : هل بالإمكان أن تبيت هذه الليلة مع شقيقي لانه معوق ومريض وهو لوحده كي لا يشعر بالخوف ليلاً في الجبل .

- ابو حجي : اعذرني انا شخص كبير السن لا أستطيع أبقى مع شقيقك هذه الليلة .

- تمام .... شكرا .

وأردف زينل : أغلقت موبايلي وبكيت لأني كنت أعلم بظرف شقيقي، وقلت في نفسي اذا استطاع شقيقي تحمل هذه الليلة فأنه محظوظ لكونه معوق ومريض نفسياً .

وبعد ذلك أتصلت بصديقي ابراهيم من كرسي / جبل شنكال .

-زينل: رجاءً رجاءً اذهب الى شقيقي المعوق .

-ابراهيم: تمام سأسلك الطريق اليه الأن .

وحينما وصل ابراهيم اليه، ناوله الموبايل .

-ابراهيم : تحدث مع شقيقك زينل، هو الذي بعثني اليك ليطمأن على صحتك .

-حسين : نعم زينل ، لقد وصلني صديقك ابراهيم، والحمد الله صحتي جيدة .

-زينل : لكن يبدو من نبرات صوتك انك متعب ومريض جداً.

-حسين : انا بخير والحمد الله، لكن قٌل لإبراهيم ليروي حماره من مائي .

-زينل : غداً سأخرج من الفجر، آتياً اليك .

-ابراهيم : سأعود اليه غداً صباحاً ايضاً بمعية زملاء لي، فلا داعي لقدومك وترك العائلة مرة أخرى .

صباح يوم 28 آب اتصل زينل بإبراهيم :

- كيف وضع شقيقي اليوم ؟

-ابراهيم : آسف عزيزي، الرحمة على روحه الطاهرة، والبقاء في حياتكم .

-زينل : هذا ما كنت خائفاً منه، الرحمة على روحك يا شقيقي الكبير .

اتصل زينل بالوالدة مستفسراً منها ماذا نفعل ؟

-والدة ابراهيم : يا بني الجبل محاصر، ويصعب دفنه في مقابرنا .

-زينل : يا ابراهيم سآتي اليك خلال ساعات بسيارة خصوصي ، كي ندفنه في نفس المكان .

-ابراهيم : لقد جئنا ومعي ثلاثة من اقربائي وسندفنه حسب أصول اعتقادنا الديني ولا داعي لحضورك .

وفي هذه الأثناء اتصل بي شخص اسمه (عيدو كارس) كان جارنا في شنكال ولديه خبرة في مجال دفن الموتى، وكان يعمل حفار القبور وخدمة الموتى وسألني عن شقيقي المعوق.

-عيدو كارس: كيف حال حسين ؟

-زينل : انه بخير، ثم بعد التفكير، قلت في نفسي شقيقي قد توفى وانا اقول بخير، هذا لا يجوز فهو أجل شقيقي وقدره في الحياة . و بعدها اتصلت به:

-زينل : عمو عيدو لقد توفي شقيقي، ماذا نفعل الآن؟ ، هناك صديقي ابراهيم وجماعته عند جنازة شقيقي ويقولون سندفنه هنا تحت الاحجار، أو ان نأخذه إلى مقابرنا .

-عيدو كارس : بما اننا بعيدين عن المقابر وان هناك شباب فليقوموا بواجب الدفن دفنه في الجبل .

-زينل : نعم عمو عيدو سأبلغ صديقي ابراهيم .

قام ابراهيم واصدقائه الثلاثة بدفن جنازة (حسين) في وادي الصفاء بعيد عن طريق السيارات و بعيد عن المقابر والمزارات.

وختم زينل حديثه : بالرغم من الصعوبات كنت اقوم بزيارة قبر شقيقي في وادي الصفاء بين فترة وأخرى وهي منطقة محصورة في جبل شنكال .. وبعد مرور اكثر من سنة على وفاته، أردت ترميم القبر بحجر الحلان في هذا الوادي، واشتريت ما يكفيه، ذهبت مع الاصدقاء الى قرية (جدالة) والتقيت هناك بمجموعة من المقاتلين المدافعين عن الجبل ومنهم السادة دريعي شمو (ابو غازي) ونايف شمو (ابو عامر) قائلين :

-ليس من المعقول أن ترمم قبر شقيقك في وادي الصفاء وهو القبر الوحيد.

-زينل: لكن كان قدره أن يتوفى هناك، وهو مدفون فيه.

-المجموعة : نحن نرى من الأفضل أن تنقل رفاته الى المقبرة القريبة من مزار شيخ مند .

-زينل : لقد أكملت كل شيء لترميم القبر بالحلان، وليس من الدواعي نقل الرفات الى مقبرة أخرى.

-المجموعة : نحن مجموعة هنا وهذا رأينا جميعاً، وانت حر بما تفعل .

-زينل : عندما تتحرر مناطقنا يجب نقل الرفات مرة أخرى الى مقبرة قريتنا .

-المجموعة: لا .... لماذا تنقلهم مرة أخرى؟

-زينل : حينها سيكون مطلب الاهل .

-المجموعة : مادام سيدفن عند المزار، ليس من المعقول نقله مرة أخرى .

-زينل : ما دام جميعكم في هذا الرأي، سأتفق معكم .

-المجموعة : ستذهب مجموعة منا معكم لإخراج الرفات ودفنه في قبر جديد بالقرب من مزار شيخ مند.

عند فتح القبر، رأينا الجثة كما كانت، كأن لم تمر أيام على وفاته، ونقلناه الى قبر في مزار شيخ مند.

رحمه من الله على روح هذا الشهيد، وجميع الشهداء في آب 2014.

...........................................


https://mail-attachment.googleusercontent.com/attachment/u/0/?view=att&th=15e4ed0806da10ca&attid=0.1&disp=inline&safe=1&zw&saddbat=ANGjdJ_0aGrKwTEbW6g4cAGA1OjsIf0zLyCv1MdN7r O2Mrw0OP_h79CXKLd1LptG7Eum2_4W6wK9Dn8YnO4WtBzMactp dgALFf1IK4uSlDOd-fIVC29D-25ZBphYsXv9t5ZXyNQHuWZWNrc4dYFZYHQNYsX2RMeGkAJXpCI jjJaI5Qr0_p3mPXd4VsRCNJqVvAT3QUdBw0uzUwjpU17_iaVqY 5bSzhp_iO5oVKCMAGMltu2k0qsmUYiXSyWrqr3gBYEAXq5H86u pyAWqbk9V9wewwrzlO4MbHf6wTdfhKvOScDZFGM8dho2WB7o07 NMjh08ZZjimanh0uEt4oSIvHHSJlmNT_DgMYSS9swS985RMeAY MfGRqLv6Nh0iBRoVYXeszb6QhhK89WuGhmA4vYcNEmzIeUbftO XGVNhasSIXxhv-pjrfRUII-LmtlCpRfersPxmATBFtbKFuBwNsIcJAWw245gW_fjkVhx-Jsb-5iKdcQb9O42MQ2Uu-V4Pm6OrD6NOnZs6OIczFW3TvPteNjDpmOvK63DMVIk-SouNnQt4MLnbCb6s9UgDj8kohpn1TWWWqAI18VOOeHvVnDiLRY Y7yuYzl3oAQhvVNgD0itLNC6n1YXDfAeR26UVVw