المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عندما سيرد العبادي.. صائب خليل



bahzani4
09-16-2017, 10:06
عندما سيرد العبادي..


صائب خليل


15 أيلول 2017




الجدل العارم حول استفتاء كردستان، يكشف لنا مدى هشاشة كل أسس حياتنا ورخاوة الأرض التي نقف عليها. إنه يكشف أن وجود هذا البلد صار مهدد بنفخة صغيرة، لا يعلم الا الله مدى تداعياتها، ليس فقط على منطقة الاستفتاء، وإنما على باقي البلد كله. كل الخيارات مهزومة تماماً.. إن انفصلت كردستان الآن وهي تحتل الأراضي العربية بقوة السلاح وأحيانا بخيانة العشائر العربية المتحالفة معها، فستأخذ هذه المناطق معها، ولن يكون هناك طريق لاستعادتها سوى حروب لا يعلم الله طولها وضررها. كذلك لا نأمن من الهزة التي ستصيب الوطن وكيف سيستغلها إعلام المكلفون بتمزيق البلد، الذي يسيطر على فضائنا، وهل ستنتهي بالمزيد من التقسيمات لينتهي هذا البلد، أم أن ما تبقى منه سيصمد. وإن تأجل الاستفتاء وبقيت كردستان في العراق لفترة اخرى، فحكومتها تتصرف كخنجر إسرائيلي سام، وتحتل كل يوم ارضا جديدة، وتغري المزيد من سفلة العشائر العربية بخيانة قومهم وتوريطهم في الانفصال معها، فكل عربي سافل، ثروة لحكومة كردستان اليوم، مثلما كان كل كردي سافل ثروة لصدام سابقا. وهدم القرى والضغط على الإيزيديين وابتزاز بغداد للمزيد من التنازلات واقتراض المزيد من الديون على حساب العراق والحصول على المزيد من الأسلحة.





إذن في الحقيقة، نحن محاصرون، ولا يوجد خيار لنا ولبلدنا، ولا ندري في الحقيقة أي الخيارين المطروحين أشد ضرراً من الآخر.





وليس هذا هو الحصار الوحيد والكارثة الوحيدة طبعا، فالديون تغرق البلد (وبعضها دفع من اجل شراء الأسلحة التي استعملتها كردستان لاحتلال الأراضي العربية) والخصخصة لم تعد تقتصر على المعامل بل شملت القطاع الصحي والجامعات وداعش لم تعد تقتصر على المدن السنية بل اقامت مذبحة في الناصرية قبل أيام، وعصابات بلاك ووتر عادت لتسيطر على شبكة الطرق الغربية لصالح داعش وانابيب النفط ستمتد إلى الأردن لتكون السرقة بحجم اكبر بكثير، وليصدر النفط العراقي إلى إسرائيل بشكل منتظم وليس من خلال كردستان فقط، كما تعبر البضاعة الإسرائيلية من خلال الأردن معفية من الضرائب...





عندما يجد المرء نفسه محاصراً، لا يعود السؤال الأساسي: أي الخيارات اقل سوءاً بالنسبة لي؟ بل "كيف وصلت الى هنا"؟ لقد لعبت الظروف الدولية بلا شك دوراً هاماً في هذا الحصار، ولكن تكالب الجهل والتشويش الإعلامي الرهيب وضغط الإرهاب المرهق قد أوصلت المواطن العراقي إلى هذا الوضع الخاسر في كل الاحتمالات. لقد لعبت خيانة مثقفي البلاد من غير التابعين للاحتلال، دوراً اساسياً في هزيمة هذا الشعب، بمشاركتهم الواعية وغير الواعية بتضليله، خاصة فيما يتعلق بدور اليسار في العلاقة مع كردستان، كما كتبنا مراراً وربما نكتب مستقبلا أيضا.





لكن ما اريد التركيز عليه في هذه المقالة القصيرة هو دور الشعب في هزيمة نفسه ووطنه، والخطأ الأساسي الذي ارتكبه بحق نفسه. خطأ عقلاني وخطأ أخلاقي مبدئي في نفس الوقت، وهو يدفع ثمنه اليوم غاليا. وهذا الخطأ هو قبوله أن ينصب عليه رجل مجهول لم ينتخبه أحد، فرضته الإدارة الأمريكية بالتهديد بداعش، وجاءت به من خلف الكواليس بأيد كردية، كما هو حال معظم المؤامرات على هذا البلد. فهدف أميركا هو تنفيذ السياسة الإسرائيلية في البلد، وهذه هدفها تحطيمه التام الذي يتضح يوما بعد يوم، وحكومة كردستان في الخندق الأمريكي الإسرائيلي العدو، وهي جزء منه.





يتبادل العراقيون اليوم صور الرئيس الذي اختارته لهم إسرائيل وأميركا، وهو يتهادى في الأهوار، في الوقت الذي يتعرض فيه البلد الذي يفترض ان يكون بلده، إلى أخطر مرحلة في حياته ويهدد لأول مرة بالتقسيم والسلب النهائي لجزء واسع من أراضيه. وسبق للعبادي ان تعرض لمثل هذه السخرية عندما كان يزور اميركا ودول أخرى في جولة مبهمة، في الوقت الذي كانت داعش تحتل الأنبار وتتمدد، رغم ان رؤساء الحكومات يقطعون زياراتهم عادة إن حدثت عاصفة ما في بلدة من بلادهم وتسببت في مقتل بضعة اشخاص! والحقيقة ان العبادي ليس الشخص الملام في موقفه هذا. دعونا نعطيه فرصة "خيالية" للدفاع عن نفسه، ولنفترض أنه شرب "العرق" وانطلق يتكلم بعيداً عن وصايا دورات مراكز التدريب الإعلامي:










**************************


"... فمن انت بالنسبة لي أيها الشعب لتنتظر مني ان ادافع عن مصالحك؟ هل انتخبتني؟ هل جئت بي الى الحكم؟ هل انت قادر على إعادة وضعي على كرسي الحكم إن دافعت عن مصالحك؟ هل انت قادر على ازاحتي منه ان فعلت العكس؟ ابدا! كل ما يحدث حولي يؤكد أنك لا تتحرك إلا للخدع الإعلامية والتطبيل والضجيج فيما لا تعرف شيئا عنه، ومثقفيك أكثر إثارة للضحك من جهلتك! إذا كشف لك أحد حقيقة ما، ادرت وجهك بعيداً، أما إن اثار أحدهم رغبتك بالجلد بالحديث عن "بواسير" النائب فلان، أو "فضيحة" ابنة النائبة فلانه، فستبقى اسابيعا واشهرا طويلة تتبادل النكات والافلام والرسوم عنها، وتنسى "بواسيرك" انت وفضائح بلاهاتك انت والمليارات التي تنهب منك بصمت. انت مستعد أن تهتف بحماس ضد سانت ليغو... وانت لا تعرف شيئا عنه! وتتظاهر ضد مسرحية اختطاف "صحفية" كتبت أتفه ما يمكن لمخلوق ان يكتبه، دون ان تدري شيئا عنها، وتتحمس من أجل حكومة "مستقلين" و "تكنوقراط" و "مدنيين" وكلها كلمات فارغة لا تعني شيئا.. بل إنك تتظاهر حتى على أشياء تافهة مثل امتحانات الكليات للمتقدمين اليها وعلى تنفيذ الزي الموحد.. لكنك لا تتظاهر على قصف الأمريكان لـ 40 من الرجال الذين نذروا حياتهم من اجلك، مثلما لم تتظاهر على قصفهم المتكرر قبلها ليس للحشد فقط بل للجيش ايضاً! وأخيراً لم تتظاهر حين تجاهلت اميركا كل اصواتك لتأتي بي زعيما تنصبه عليك، كما اتت بالذي قبلي وستأتي بالذي بعدي! فلماذا تتوقع من أحد ان يكون مجنونا ويخلص لك؟ لماذا تتوقع ألا أخذلك، وقد خذلت أنت نفسك وتجاهلت صوتك ورحبت بمن ترشحهم لك دولة اجنبية؟ بل دولة برهنت لك المرة تلو المرة انها تفعل كل ما تستطيع لتحطميك؟


تريد من الله ان يعطيك حاكما "واعيا" و "مخلصاً" و "أميناً" و "عادلا"، أخبرني كم كنت انت "واعيا" بما يعنيه قبولك بمن لا تعرف، حاكما عليك وبنتائج ذلك؟ وكم كنت "امينا" حين فرحت بي كبديل للحاكم الذي تكرهه والذي فاز بحق تشكيل الحكومة بكل وضوح فأزاحته لك اميركا، مثلما جاءت به؟ كم كنت "مخلصا" للدستور وللقانون وحتى لمبادئك، وكم كنت "عادلا" مع خصومك حين صفقت لإسقاط مرشحهم الذي لا يعجبك، ورحبت بإزاحته في الغرف المظلمة؟





هذا هو انت في الحقيقة، فانزل عن حصانك "المبدئي" العالي الذي تركبه حين تهاجمنا نحن الساسة والنواب وتتهمنا بالفساد، وانظر في المرآة إلى نفسك! ربما أكون رئيس حكومتك القادمة وربما لن أكون، لكن الأمر لا يعتمد عليك ولن يأت من خلال اصواتك. إن تغيرت فلابد أنهم قد وجدوا مرشحاً أكثر مني حماسا وقدرة على تنفيذ مشاريعهم. فالمنافسة على الحكومة الجديدة قد أطلقت من الآن، ومن يفوز بالمناصب من يستطيع إفشال وزراته أسرع من غيره لخصخصتها. فأنت حين قبلت بي، مثلما قبلت بإزاحة الجعفري الذي انتخبته، برهنت أيضاً لكل الساسة المتنافسين هنا، أن لا قيمة لرضاك أو عدمه ولا لمصالحك ولا لأصواتك، وأن المنافسة الحقيقية هي في كسب رضا السفارة وليس رضاك، وفي كسب أصوات في البيت الأبيض وليس اصواتك، وفي سرعة تدمير بلدك، وليس الدفاع عن مصالحك! لقد اقتنع الجميع أنك ستقبل في النهاية بأي شيء، وأنك ستنسى كل شيء.


لذلك كن امينا مرةً، ولا تضع لومك علي. أنا مرتاح الضمير، فقد كنت مخلصاً لمن انتخبني.. أنا لا اترك واجبي، بل ما تتصور أنت أنه "واجبي". فماذا فعلت انت لي لكي تحدد لي ما هو واجبي ومن أين لك الحق بأن تطالبني بأي بشيء؟ وفر على نفسك عتبك الفارغ ودعني اتمتع بالأهوار، فقد أكملت تواً إنجاز واحدة من المهام الملقاة على عاتقي، ومازال ورائي الكثير".


*******************************


لا أدرى إن كان هناك فسحة أمل لصحوة سريعة بمعجزة.. فلم يعد الوضع يحتمل، ولم تعد هناك خيارات جيدة. لقد وصلنا مرحلة دفع الأثمان. إننا اليوم نتجادل فقط، إن كان أفضل لنا أن ندفع ثمن غفلتنا وقلة أمانتنا فوراً، ام نؤجلها لندفعها لاحقاً، مع الفوائد المترتبة على التأجيل، أسوةً بالديون الأخرى التي قبلناها لندفع بها ثمن الرصاص الذي يوجه اليوم إلى صدورنا.






(1) عندما سيرد العبادي.. صائب خليل


https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/1577798972277166 (https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/1577798972277166)