المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : براءة الإمام الحسين من شيعته زكي رضا



bahzani-3
09-21-2017, 21:07
براءة الإمام الحسين من شيعته




زكي رضا




أمر ما جعل السادن يقضا تلك الليلة على غير عادته، فقد كان ومنذ أن وطئت قدماه أوّل مرّة تلك البقعة المقدّسة ينام ملء جفنيه وهو ينتظر تباشير الفجر الاولى ليفتح أبواب الضريح المقدّس لأول المصّلين. لم يفهم السادن هذا الأمر، الّا أنه كان في حالة من الشرود وشيء من الخوف رغم قدسية المكان ووقعه النفسي عليه. ومع تقدّم ساعات الليل والمدينة تغط في نومها بإنتظار نهار جديد لتبدد فيه أشعة الشمس فلول الظلام. كان الشرود والخوف يتحولان الى رعب داخلي وتوسل خفي ورغبة جامحة بصراخ قد يجلب معه شخص ما ليكون أنيسه حتى الوقت الذي يشدّ الليل فيه أسراره راحلا.



الضريح ليس نفس الضريح، قالها محدّثا نفسه وهو يتقدم بقدمين مرتجفتين بضع خطوات نحو المكان المألوف عنده منذ سنوات طويلة والذي يبدو غريبا عليه اليوم. "يا الله . يا رسول الله .. يا ابا عبدالله" ظل يبسمل ويحوقل وهو يتقدم ببطء شديد نحو الرواق المؤدي للقبر الشريف، ما لي لا أرى نور في الرواق؟ قالها وهو يحاول إشعال عود كبريت بيد مرتجفة ليتفحص موقع قدمه على البلاط الأملس. على الرغم من حالة الهلع والخوف الا أنه إستطاع أن يجمع ما تبّقى عنده من قوى على ضعفها متخطيا المتر الأخير الذي يفصل الرواق عن القبر. وما أن مدّ رأسه على ضوء عود الكبريت وهو يشاهد القبر، حتّى كتم صرخة كانت كفيلة بإيقاظ المدينة بأكملها. يا إلهي، قالها وهو ينظر الى القبر مفتوحا ولا أثر للجسد المقدّس !!! أين الجسد الطاهر، أيعقل أن يعبث به عابث؟ ولو كان هناك عابث ما فكيف دخل الضريح ووصل الى حيث القبر والأبواب مغلقة ولم أغادر مكاني للحظة؟




الدقائق كانت طويلة وثقيلة على السادن وهو يسبح في بحر من الظلمات بعد أن أكلت النار عود الثقاب الذي كان قد أشعله، كان وهو يحاول أن يرى موقع قدميه أن يتذكر جغرافية المكان ليخرج من محيط القبر الى حيث ضوء الفجر الذي بانت خيوطه الأولى تلك اللحظات. وما أن إستدار قليلا نحو ما كان يتوقعه مخرجا للرواق المؤدي الى الخارج حتى أغمض عينيه بكلتا كفّيه لشدّة النور الذي كاد أن يفقده بصره. من أنت؟ سمعها بوضوح وعن قرب. لم يستطع الإجابة للوهلة الأولى وكانت كفّاه لازالتا تغطيان عينيه ليحميهما من الضوء الساطع الذي غطّى المكان، الّا أنّه ولهدوء الصوت ولمعرفته بقدسية المكان الذين خففّا عنه حالة الرعب التي كان يعيشها لحظتها، أجاب وبصوت مرتعش وبعيد جدا: أنا سادن ضريح الإمام الحسين "ع"، فجاءه الصوت آمرا هذه المرّة أن إرفع كفّيك لأحدثّك.




ببطء شديد أبعد السادن أصابعه وهو ينزل كفّيه عن عينيه ليرى محدثّه خلسة وليعتاد على الضوء الذي كان قد ملأ المكان، فرأى رجلا ذا هيبة وخطّ من الدماء الطرية تحيط برقبته فتلعثم بالكلام قائلا: من أنت سيدي؟ فأجابه الرجل: أنا الوتر الموتور، أنا أبا الأحرار. حينها جثا السادن على ركبتيه ووجهه نحو الأرض كالساجد قائلا: سيدي الحسين بن علي، أنا عبدك وإبن أَمَتِكْ، فنهره الإمام الحسين أن قم ولا تسجد لأحد قط الا لله. فنهض السادن ببطء وهو ينظر الى الحسين بنظرة هي مزيح من الرهبة والفخر قائلا: أين كنت سيدي، ولم عدت بعد كل هذه القرون الى كربلاء!؟




الحسين: كنت في الشام، لأعيد رأسي الذي قطع يوم العاشر من محرم، بعد أن خذلوني شيعتي وشيعة أبي، وعدت اليوم لأرى حالهم وهم يطوفون حول قبري هاتفين "يا ليتنا كنّا معكم فنفوز فوزا عظيما".




السادن: شيعتك اليوم سيدّي يمتلكون قرار البصرة والكوفة وبغداد وأحفادك بعمائمهم يوجّهون الناس من النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء الى ما فيه صلاح العامّة منهم والخاصّة ولأننا معك، ترانا سيدي قد فزنا فوزا عظيما. ونحن اليوم ننتقم من قتلتك، فمختارنا اليوم كما مختار الأمس يقود جيش شيعتك ضد جيش يزيد الذي قتلك وسبى أهل بيتك الطيبين الطاهرين.




الحسين: لا تراوغني يا هذا، فأنت تعرف جيدا ما حلّ بي وبأهل بيتي ورسولي إليكم مِنْ قتل وسبي لنساء وبنات جدّي رسول الله بعد قدومي إليكم، وكان معي حينها مئات الكتب والصحف التي بعثتموها لي بخطكم وأنا بمكّة "أنّه ليس علينا إمام، فأقبل لعلّ الله أن يجمعنا بك على الحق" 1




السادن: ولكننا .....







الحسين: مَه، فأنا لم أنهي حديثي بعد، ثم جاءتني رسلكم بصحيفة تقول "أمّا بعد، فَحيَّ هَلاَ، فإنّ الناس ينتظرونك، ولا رأي لهم في غيرك، فالعَجَلَ العَجَلَ" 2 . وأخرى تقول "أمّا بعد، فقد أخضرّ الجَنابُ، وأينعت الثمار، وطمّت الجمام، فإذا شئت فأقدم على جند لك مجنّد، والسلام عليكم" 3




السادن: ولكننا اليوم غير الأمس سيدي ومولاي، فلك بالعراق اليوم جند مجنّدة وأسلحة شاهرة وعمائم ساهرة سائرة على نهجك.




الحسين: كان فقراء شيعة أبي وشيعتي وجمهور المسلمين يعانون الأمرّين عهد "معاوية " ومن تلاه من ملوك بني أمّية وبني العباس وغيرهم، وحسب حديثك فأنّ حالهم قد تغيّر نحو الأحسن إذن وأنتم تمتلكون زمام الأمور.




السادن: متلعثما، هناك على الدوام فقراء وأغنياء سيدي وأنت تعرف ذلك و ....




الحسين: دعنا ممّا تقول وأصحبني لأرى الناس وأحوالهم.




السادن: تستطيع سيدي أن ترى شيعتك في أيام محرم هذه و .. ...




الحسين: "بعصبية" أنا هنا لأرى أحوال الناس وليس شيعتي وبقية المسلمين يا هذا، فالناس كما قال أمير المؤمنين الإمام علي صنفان (إمّا أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق).




حينها كان الليل يودع سماء المدينة والفجر قد لاح في الأفق، فصلّى الأمام الحسين وخلفه السادن صلاة الفجر والناس في الخارج لم تجد تعليلا للسبب الذي دعا القائمين على الضريح بعدم فتح أبوابه لتأدية الصلاة. وما أن أتم الامام صلاته حتى خرج متنكرا ومعه السادن الى المدينة التي كانت الحركّة قد دبّت فيها وهي متشّحة بالسواد، والبيارق تغطّي الشوارع والساحات وأسطح المباني والبيوت.




الحسين: هلمّ بنا الى ضواحي المدينة لأتجوّل فيها فهناك دوما يعيش الفقراء.




السادن: لكنّ المدينة ليست كما الأمس مولاي، فهي اليوم مترامية الأطراف وأنا أرى الدماء لازالت تنزف من رقبتكم المباركة، فلم لا تستريح اليوم لنرى أمر الدماء فيها وتؤجل الموضوع للغد سيدي. "كان السادن يريد عدم خروج الحسين الى الناس لحين إخباره المسؤولين من ساسة ومعممين عن خبر حضوره ليتّخذوا ما يروه مناسبا".




الحسين: لست أنت من يقرر الأمر، هلم معي إن شئت أو أمكث حيث أنت.




السادن: بل أنا خادمكم سيدي.




في العشوائيات التي تحيط بالمدينة وقف الحسين مذهولا من حال الناس فيها، صور فقرهم وعوزهم تمثّلت أمامه وهو يرى أطفالاً عراة ونسوة متّشحات بالسواد والبؤس يغطّي وجوههنّ. هناك حيث كان الجوع هو سيد المشهد وبيوت الصفيح المتهالكة ترفرف فوقها الأعلام وعبارة "يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزا عظيما" منقوشة على كل صفيحة من صفائح البيوت البائسة ومعها صور لرجال ملتحين وعمائم تشّوه المكان المشّوه أصلا بدونها. وقف الحسين في ساحة تتوسط تلك البيوت المحرومة من كل شيء يوحي بآدمية من يعيش فيها متأملا حال الناس والذلّة التي يعيشونها.




وما هي الا لحظات حتى كان خبر وقوف الحسين وقفته تلك بوسط الساحة قد تسلل الى كل "بيت" في تلك البقعة البائسة، ولم يرى الحسين وبجانبه السادن الذي تعرّف عليه الناس هناك نفسه الا محاصرا بالآلاف من البشر بعد أن تعرفوا عليه وهم يهتفون غير مصّدقين "علي وياك علي" !! وما أن سكت الناس وجلسوا يفترشون الأرض حوله حتى خطب بهم قائلا:




بسم الله الرحمن الرحيم




والصلاة والسلام على خير الأنبياء والمرسلين، جدي أبا القاسم محمد عليه أفضل الصلاة والسلام.




أيها الناس أما بعد ..




لقد عدت الى هذه الدنيا الفانية بعد ما يقارب الألف وأربعمائة عام من قتلي على يد جيش الظلم والكفر وبعد أن خذلني وأهل بيتي شيعتي وشيعة أبي وسلّوا سيوفهم بوجهي، عدت بعد أن بكت حتى ملائكة السماء على حالكم وأوضاعكم المزرية وأنتم تئنون من وقع الظلم والأضطهاد عليكم وعلى أبنائكم، عدت من جديد عسى أن أنجح هذه المرّة وأنتم بالملايين في أن "أصلح الأمر في أمّة جدي" بعد أن شاع فيها الفساد والظلم. عدت لأبثّ فيكم روح الثورة على الطغيان، عدت لأقول لكم كما قلت لجيش يزيد بن معاوية "إن لم يكن لكم دين فكونوا أحرارا في دنياكم". فجاء رد الجماهير مدويّا "هيهات من الذلّة .. هيهات منّا الذلّة".




أيها الناس ...




لا أظنكم وأنتم تعيشون كما أراكم بفقر وجهل وجوع ومرض، جادّين فيما تقولون. والذي نفسي بيده أنّ من يعيش عيشتكم هذه دون أن يثور لإصلاح أمره وهو يطيع "أولوا الأمر" ويبايعهم مرّة ومرّتين وثلاثا وهم يزيودنه فقرا وتعاسة وجهل، لهو في ذلّ ما بعده ذل. لقد وقفت وأنا إمامكم على ما تدّعون والجيوش تحيط بي وبأسرتي وأصحابي على قلّة عددهم وبعد أن خيّرني الطغاة بين أمرين أحلاهما أمّر من العلقم، فصرخت بوجوههم "ألا وأنّ الدعي بن الدعي قد ركّز بين إثنتين بين السِلة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة يأبى الله لنا ذلك ورسوله".




أيها الناس ...




اليوم وأنا بينكم من جديد لآخذ بيدكم الى حيث حريتكم وكرامتكم وأنسانيتكم التي سرقها لصوص الله، لا أراكم الا بين الذلّة والذلّة. اليوم أسمع أمير المؤمنين علي يدعو ربّه قائلا "اللهم أبدلني بهم خيرا لي منهم، وأبدلهم بي شرا لهم مني"، فلله درّك يا أبا الحسن فها أنا أرى الله قد أستجاب لدعاكم وأنّي أرى القوم يجهدون أنفسهم كي يتولّى الأشرار أمورهم فيذيقونهم العذاب.




أيها الناس ....




قال جدّي رسول الله "صنفان من أمّتي إذا صلحا صلحت أمّتي وإذا فسدا فسدت أمّتي وهما الفقهاء والأمراء"، والذي نفسي بيده لم أجد أفسد من فقهائكم ومن أمرائكم حتّى عهد معاوية وإبنه يزيد، ولكن والحق حقّ وعليّ قوله فأنّكم أكثر منهم فسادا كونكم أعطيتموهم يدكم إعطاء الذليل الصاغر والعبد الحائر الذي يبدلّ نير بنير. مالي أراكم وقد وهبكم الله عقولا وأجساما تكفرون بنعمته فتهبون عقولكم ليفكر الفقهاء الأشرار بدلا عنكم في أمور دينكم ودنياكم، وما لكم وقد وهبكم الله أجسادا تتركوها بيد الأشرار من أمراؤكم ليذيقوها الجوع والذل عوضا عن إستخدامها لحريتكم من عبوديتكم لهم!!




أيّها الناس ...




أني سأسير بكم من يومي هذا الى حيث قصر الإمارة وأبن زياد في خضرائه ببغداد، لأصلح الأمر في أمّة جدي مع معرفتي بصعوبة ما أقدمت عليه وإمكانية قتلي من جديد على يد جيوش السراق والمرتشين من الميليشياويين القتلة سارقي قوت أطفالكم وخونة وطنكم.




الجماهير تقاطعه وهي تبكي وتلطم وجوهها بهتاف "هيهات منّا الذلّة .. هيهات منّا الذلة"، سر بنا على بركة الله لنطهر ذنوبنا بإنتخابنا اللصوص مرّات ثلاث ولنصلح حالنا بعد أن لَبَسَنا البؤس والجوع لسوء إنتخابنا.




في تلك اللحظات وما أن جال الحسين ببصره وإذا بالناس على مدّ البصر، فخبر وقوف الحسين وقفته تلك كانت قد وصلت الى بقية العشوائيات وكامل مدينة كربلاء التي كان تموج بزوار قبره في أيام محرم تلك. ولكن أمر ما جعله يستعيذ بالله وتلى "إنّا لله وأنّا إليه راجعون"، قالها الحسين وهو يشعر بالخطر القادم بعد أن رأى رحيل السادن خلسة ودون إذن منه.




جلس بعدها الأمام الحسين على سجّادة متهرئة والناس تتقدم نحوه لتبايعه على المسير نحو الخضراء والثورة على الطغاة والمجرمين الذين فيها، وما أن أذّن المؤذن صلاة العشاء حتى كان عدد من بايعوه من العراقيين يزيد على الخمسة مليون رجل وإمرأة من شيعته.




قصور الخضراء في بغداد




في الخضراء لم تكن الأوضاع تلك الساعة كما هي عليها كل يوم، فالسادن الذي وصلها ومعه الفقهاء من النجف وكربلاء ولحق بهم فقهاء الكاظمية وسامراء، وفقهاء قم وطهران الذين وصلوا اليها بالطائرات على وجه السرعة. كانوا جميعا في حالة عصبية، ومعهم ساسة الخضراء الإسلاميين ورجال العصابات وهم يناقشون الخطط التي عليهم إتّباعها لمنع وصول الإمام الحسين ومعه هذا البحر المتلاطم من شيعته الى حيث يقيمون. كان الهلع سيد الموقف الى أن جاءهم خبر وصول ممثل ولي الفقيه والذي تعذّر عليه الحضور لأسباب صحّية، طالبا منهم الهدوء لسماع رأي الولي حول الأمر، ولأتخاذ الإجراءات الكفيلة بالحفاظ على وحدة الصف لإستمرار السلطة بيد المعممين والعصابات في البلدين حفاظا على مصالح الجميع.




أنّ إيقاف قافلة الحسين ومن معه أو من سيلتحق به أمر لا نقاش فيه ومن دون الخوض في الأسباب، هكذا بدأ رجل معمّم حديثه وهو يوجّه كلامه الى الحضور الذين أكتضت بهم أكبر قاعات الاجتماعات في الخضراء.




أحدّهم "مقاطعا": كيف تريدنا أن نوقف القافلة وهي كالبحر المتلاطم كما نقل لنا السادن وأعيننا التي معه أخبارها.




ممثل ولي الفقيه: بكل السبل المتاحة والتي سندرسها بهدوء، فموعد وصول الحسين والرعاع الذين معه لن يكون قبل ثلاثة الى أربعة أيام.




آخر: رعاع!! أتعني أنّ شيعة الحسين من العراقيين رعاع قالها بعصبية ظاهرة.




نظر ممثل الولي الى باب القاعة، وما هي الا ثوان وإذا بالرجل يسحب الى خارج القاعة وصوت رصاصة تدوّي فيها. وليخيم الرعب والصمت على الحضور وكأن على رؤوسهم الطير.




إسمعوا جيدا قال ممثل الولي بلغة عربية ركيكة، أننا نعرف من أنكم لستم سوى عصابة من السراق والقتلة، ونعرف كما تعرفون من أنكم غير قادرين على إدارة البلد ولستم برجال دولة أصلا، وتعرفون أيضا من أنكم لستم سوى بيادق شطرنج تتحرك بأوامر منّا لحماية مصالح بلدنا. وعليكم أن تعرفوا جيدا من أنّ وصول الحسين الى هنا يعني القضاء على سلطتكم والتي ستكون وبالا علينا أيضا، لذا قررنا إرسال وفد الى الامام الحسين للتفاوض معه لثنيه عن القدوم الى الخضراء إن أمكن والّا ستكون لنا خطط أخرى في حالة إصراره على المسير الى هنا.




ماذا تقول يا مولاي "قاطعه معمم سياسي عراقي" قائلا له وبذل واضح، أتريدون التفاوض معه!!؟؟




نعم، أجاب ممثل الولي وهل لديك حل آخر للخروج من هذه المعضلة؟




بالتأكيد لديّ حلّ، وسهل جدا.




أسعفنا به إذن.




نتركه يكمل مسيره الى هنا ثم نقتله دون أن نخوض معه أية مفاوضات.




إرتفعت الأصوات المؤيدة له في القاعة وكأن القوم كانوا بحاجة الى من يطلق هذه الشرارة ليقفوا بأجمعهم خلفه.




كيف تقتلونه!؟ قالها ممثل الولي متعجبا وغير مصدّق لِما يسمع.




لقد قتلناه مرّة بعد أن راسلناه طالبين حضوره، والأمر اليوم أسهل من ذي قبل فهو لوحده وليس معه أحد من أهل بيته أو أصحابه.




وماذا عن الملايين التي تسير بين يديه، ما أنتم فاعلون بهم؟




إرتفعت الضحكات في القاعة حتّى إهتزّت جدرانها، فقال المعمم ضاحكا ملأ شدقيه. أنّ هذه الملايين ونحن معهم أحفاد من كتبوا إليه مئات الكتب سائلين إياه القدوم اليهم وقيادتهم للثورة ضد طغيان يزيد وبني أمّية، وتركناه بعدها عطشانا مجندلا في صحراء كربلاء وقطعناه إصبعه وسرقنا خاتمه وما عليه من ملابس وجالت خيولنا على صدره . وسنعمل على أن يصلّي الحسين عند أسوار بغداد لوحده، وحينها سنقتله قتلة لا يتخيلها كي لا يعود بعدها الى الحياة مستقبلا ليهدد من جديد حكمنا وحكم من سيلي السلطة بعدنا.




حينها وبأقتراح من سياسيي خبير بدفع الرشى وشراء ذمم الناس تشكلت فرقة خاصّة بصلاحيات مالية كبيرة لشراء بطّانيات ومدافيء نفطية لتوزيعها على من خرج مع الحسين لإستمالتهم وتركهم إيّاه، كما إستمال بن زياد أهل الكوفة ورؤساء عشائرها بالدراهم الزيوف. وتشكّلت فرقة أخرى للتخطيط في الطريقة والوسيلة التي عليهم إتّباعها في قتل الحسين عندما ينفردون به. وبعد إجتماعات مطولة وأخذ ورد ، توصّل المجتمعون لطريقة القتل على أن يشارك فيها زعماء جميع الأحزاب الشيعية وممثلي المؤسسات الدينية في الداخل والخارج كي يضيع دمه بين الفرقاء، وليقطعوا الطريق أمام تشكيل جيش للتوابين يطالب بالثأر لمقتله.




كربلاء




بعد تحرّك الحسين من العشوائيات نحو كربلاء وزيارته ومعه تلك الملايين قبر أخيه العباس وقبور أصحابه وأهل بيته، أخذته العبرة فخطب فيهم قائلا:




أيّها الناس ...




أنّي خارج معكم الى حيث إصلاح حالكم مع خوفي من نكوصكم وترككم إيّاي خوف السلطان وطمعا بماله، فلا زال صوت بن عبّاس يرن في أذني وأنا بمكة وهو يخاطبني "يا أبن عم أنّي أتصبّر ولا أصبر، إنّي أتخوّف عليك في هذا الوجه الهلاك والإستئصال، إنّ أهل العراق قوم غدر، فلا تقربنّهم، أقِم بهذا البلد فأنّك سيد أهل الحجاز". فبكى الناس وأخذتهم العبرة ورفعوا أياديهم الى السماء قائلين "اللهم أنك وقد أرسلت الينا إبن بنت نبينا ليأخذ بأيدينا الى حيث كرامتنا وحريتنا، فأننا نعاهدك على المضي معه حتى تظهر فينا وبقاطني الخضراء أمرك، وأننا بحضرتك اليوم نبايع إمامنا على أن نقاتل أمامه ومن خلفه ومن بين يديه حتّى نصل وإيّاه الى حيث قصور الطغاة في الخضراء لندكّها دكّا أو نرتفع الى السماء لنشكيك ظلم فقهائنا وأمرائنا لنا.




حينها رفع الحسين يديه الى السماء حتى بان بياض أبطيه مخاطبا ربّ العرش "اللهم هؤلاء الفقراء البؤساء المغلوبين على أمرهم من المسلمين، بايعوني على إصلاح أمرهم أمّا سلما وأنت خير التوابين وإما حربا وأنت خير الناصرين، اللهم إني بك أستعيذ من كيد القوم في أن يغرّوني ويكذّبوني ويخالفوني ويخذلوني، وأن يستنفروا عدوك وعدوهم وعدوي عليّ فأكون حينها بين حجري الرحى، اللهم إنصرني وأنصرهم على قوم الخضراء الظالمين وخذ بيدي ويدهم الى ما فيه صلاح أمرهم وبلدهم".




ما أن أنهى الحسين دعائه حتّى كان علية القوم ورجال العشائر تحيط به كما يحيط السوار بالمعصم، وما هي الا ساعات حتى كانت خطط المسير من كربلاء الى الخضراء قد وُضِعت والتي أكّدت على سلمية المسير قدر الإمكان. وحين أنهى الحسين زيارته لقبور أهل بيته وأصحابه وشدّ المسير الى خارج كربلاء متوجها الى بغداد حيث يسكن الطغاة واللصوص، حتى كانت الصحراء الشاسعة بحر متلاطم من البشر والحسين في المقدّمة كأي قائد جسور لا يهاب الموت من أجل مبادئه.




كانت جموع المسلمين القادمين من شتّى أرجاء العراق تنظم الى قافلة الحسين المليونية ليزداد عددهها ساعة إثر ساعة، وقد أنظمّ الى تلك الجموع رجال أرسلهم الفقهاء والساسة ورجال العصابات لفتح قنوات إتصال مع زعماء العشائر الذين خرجوا وعشائرهم مع الحسين في مسيرته المؤدية الى حيث الإصلاح والحرية والعدالة، لثنيهم وعشائرهم عن المسير معه وخذلانه وعدم نصرته والبراءة من بيعته. وفي غفلة عن الحسين الذي كان مشغولا بتنظيم صفوف المسيرة وتأمين طريق وصولها الى مبتغاها، أتّصل الرجال القادمون من الخضراء مع رؤساء العشائر بعيداً عن عيون الحسين والمحيطين به من الذين بايعوه أول الأمر في كربلاء.




كان إجتماع زعماء القبائل والبعض القليل من المعممّين الذين آثروا "حتى تلك اللحظة" الوقوف الى جانب الحسين عاصفا، فما جاء به رجال السلطة من أوامر لم تخرج عن الطلب منهم نقض بيعتهم وعشائرهم والإنظمام للسلطة مقابل وعود كبيرة ومغرية. في ذلك الإجتماع إرتفعت أصوات بعض زعماء العشائر الكبيرة رافضة نقض بيعتها للحسين والغدر به مرّة أخرى كما غُدِرَ به من قبل أسلافهم أوّل مرّة، فيما كانت الأخرى خجولة وتنتظر معرفة ماهية عرض السلطة. ولأن مندوبو السلطة كانوا يحملون تفويضا كاملا للأتفاق بأي ثمن مع زعماء القوم، فأنهم تركوا لزعماء العشائر ومن معهم من رجال الدين تحديد قائمة بمطالبهم. وكما توقّع الفقهاء والأمراء بالخضراء فأن القوم نقضوا بيعتهم بعد وعود بملايين الدولارات ومناصب في الدولة والجيش والشرطة لأبنائهم.




مضت قافلة الحسين في طريقها والناس تنظم اليها وتبايعه في كل مدينة تصلها حتى وصل عدد مبايعيه وهو على أطراف بغداد ليلة الجمعة العاشر من محرم الى ما يقارب الخمسة عشر مليون إنسان. وفي تلك اللحظات من الليل تذكر الحسين مسيره الى الكوفة وإستشهاد أبن عمه مسلم بن عقيل بعد أن خذله شيعته. جلس الحسين في ركن بعيد عن الناس وهو ينظر الى جموعهم المليونية متذكرا حديثه مع "مجّمع بن عبد الله العائذي" وهو يقول له "أمّا أشراف الناس فقد أعظِمَتْ رشوتهم، وملئت غرائرهم، يُستمال ودّهم، ويُستخلص به نصيحتهم، فهم ألب واحد عليك، وأمّا سائر الناس بعد، فإنّ أفئدتهم تهوي إليك، وسيوفهم غدا مشهورة عليك". فأستغفر ساعتها وهو يتخيّل بؤس حياة الملايين التي معه وضرورة إصلاح حالها لتحيا حياة آدمية، الا أنّ هذا لم يمنعه من تذكر خطبة أبيه الإمام علي في أهل الكوفة وهم من شيعته حينما خاطبهم متبرما منهم "يا أهل الكوفة، منيت منكم بثلاث وأثنتين: صمٌ ذوو أسماع، وبُكمٌ ذوو كلام، وعميٌ ذوو أبصار. لا أحرار صدق عند اللقاء، ولا أخوان ثقةٍ عند البلاء! يا أشباه الإبل غاب عنها رعاتها: كلّما جُمعت من جانب تفرّقت من جانب". وما أن إرتاح الحسين قليلا وتحرر من أفكاره تلك ، حتى أنزوى يصلّي وحيدا صلاة الليل، وما أن أتّم صلاته حتّى بدأ يقرأ القرآن بصوت خفيض عذب ودموعه تبلل لحيته وقطرات الدم الطرية تبلل رقبته التي نحرت بكربلاء.




هناك على أطراف بغداد وحين كان الحسين منزويا وحيدا يصلّي ويستذكر ربّه كان زعماء القبائل ورجال الدين الذين معهم يحثّون أبناء العشائر ومريديهم سرّا على ترك القافلة حفاظا على أرواحهم وعوائلهم. وفي ذات الوقت كان رجال السلطة يوزّعون البطّانيات والمدافيء النفطية على الناس، الذين كانوا يغادرون المسيرة خلسة فرحين بما حصلوا عليه. وقبل أن تبزغ شمس العاشر من محرم كان الحسين يسير في المقدّمة دون أن يفّكر بهروب الملايين من شيعته عنه ونقضهم بيعتهم له. فسار ومعه ما يقارب العشرة آلاف أنسان فقط نحو الخضراء ببغداد فوصل الكاظمية ليعبر بعدها جسر الأئمة نحو الأعظمية وليسير بمحاذاة دجلة حتى وصل ساحة التحرير.




هناك تحت نصب الحرّية وقف ليصلي صلاة الفجر مع من تبقّى معه من رجال، وما أن أتمّ صلاته وأستدار حتّى رأى نفسه وحيدا والدبّابات تقف على الجسر مع آلاف الجنود والميليشياويين المدججين بمختلف أنواع الأسلحة تراقبه وتراقب مجموعة من الشباب الواقفين على بعد أمتار منه وكانوا معروفين للسلطة من أنهم متظاهرون من أجل الإصلاح . فبدأ الحسين يبسمل ويحوقل وهو يرى نفسه وحيدا فصاح بصوت كالرعد:




أيّها الناس لقد جئت لإصلاح أمركم والأخذ بيدكم لما فيه خير دينكم ودنياكم وقد بايعتموني على ذلك أمام الله وملائكته، وها أنتم اليوم كما أسلافكم بالأمس تتركوني وحريتكم الى قتلي وعبوديتكم. أن العاقل من كان يومه أفضل من أمسه وأنتم والله تعملون كالثور القوّي كي يكون أمسكم خير من يومكم. الا شاهت وجوه قوم يحيون حياة العبيد ويسجدون دوما للمجرمين الذين يحرمونهم من حياة تليق بالبشر.




أيها الناس ..



إن لم يكن لكم دين فكونوا أحرارا في دنياكم هذه. فوالله، أن الله لا يرى في وجه عبد يخون نفسه وعياله، وأنتم وربّ العزّة خونة لأنفسكم وعيالكم ووطنكم. ما لكم تقتلون كل ناصح لكم وتكذبونه؟ ما لكم تبايعون اللص مرّة ومرّتين وثلاث؟ والذي نفسي بيده أنكم لستم بمؤمنين بدين الله، ألم يصلكم قول نبي الرحمة من أن "لا يلدغ مؤمن من جحر مرّتين".




وما أن أنهى الحسين حديثه حتى كان إثنين وسبعين متظاهرا من متظاهري ساحة التحرير وفي تلك الساعات الاولى من فجر العاشر من محرم يحيطون به.




الحسين: من أنتم؟




متظاهر: نحن من متظاهري هذه الساحة ضد سلطة الخضراء.




الحسين: ما إسم هذه الساحة وما هي مطالبكم؟




متظاهر: إسمها ساحة التحرير، ومطالبنا هي إصلاح الخراب الذي دمّر الإنسان والوطن.




الحسين: منذ متى وأنتم هنا تتظاهرون؟




متظاهر: منذ ما يزيد على العامين بقليل.




الحسين: تقولون أنكم تريدون الإصلاح، فلم لا يشارككم الناس مطلبكم هذا وهو خير لهم؟




متظاهر: لأننا مدنيون علمانيون نؤمن بفصل الدين عن الدولة، إحتراما للدين ولبناء دولة لكل أبناء شعبنا بعيدا عن الدين والقومية والطائفة.




الحسين: إذن فأنتم أصحاب مباديء، ولا أراكم بعيدين عني في هدفي بإصلاح أمور الناس. بل ذهبتم أبعد حينما لم تقصروا الإصلاح على المسلمين فقط. لكن لمَ تقفون معي وأنا رجل دين ورجال الدين وأتباعهم هم من سرقوكم ودمروا بلادكم. ولم تعرّضون حياتكم للخطر، وأنا صريع بعد ساعات؟




متظاهر: نقف معك لأنك طالب إصلاح كما نحن، ونحن إذ نقف هنا معك فأننا نقف مع شعبنا ووطننا الذي مزّقه قاطني الخضراء.




الحسين: إسمعوا يا أبنائي لا أقول لكم الا ما قلته لمن معي وأنا في طريقي الى كربلاء "لقد خذلنا شيعتنا، فمن أحبّ منكم الأنصراف فلينصرف ليس معه ذمام". فأنصرفوا وأتركوني فأنني تعوّدت الشهادة من أجل المحرومين وإن غدروا بي كما الأمس واليوم.




متظاهر: لسنا جميعا من المسلمين، ففينا المسلم والمسيحي والصابئي المندائي والأيزيدي والشبكي وغيرها من الأديان والمذاهب، كما فينا العربي والكوردي والتركماني والكلداني والآشوري. صحيح أننا لسنا من شيعتك ولكننا من شيعة الإصلاح الذي تنادي وننادي به. وسنتظاهر رافعين شعارتنا المطالبة بالإصلاح والتغيير حتى نراها تتحقق أو نموت دونها.




جلس المتظاهرون تحت نصب الحرّية والحسين وسطهم، فتناقشوا ساعة حول الشعارات التي عليهم رفعها في مواجهة جيش الفقهاء والأمراء وميليشياتهم. وعرضوا على الحسين عشرات الشعارات كي يحمل أحداها وهم يطوفون حول ساحة الكرامة. فأمتدت يد الحسين بثبات الى شعار "بإسم الدين باگونا الحرامية". وبعد أن طاف الشباب والحسين معهم حول نصب التحرير توجّهوا الى بوابّات الخضراء وقبل أن يصلوا جسر الجمهورية ، كانت الدبابات والمدافع تمطر في سماء المكان، وما هي الا لحظات حتى هدأ كل شيء، وتم جمع أشلاء جثث الحسين والشبان الطاهرة من قبل عناصر الميليشيات، وجالت الدبابات عليها في موقف مخز وجبان.




وما أن أنتهت وليمة القتل برحيل القتلة من فقهاء وأمراء وصعود أرواح الشهداء الى السماء، حتى شهدت الساحة وصول الملايين اليها متلحفين برشى الذل ونقض البيعة من بطانيات ومدافيء هاتفين وأصواتهم تسمع بالخضراء:




يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزا عظيما !!!!




وفي الخضراء جلس القوم يحتفلون حينما قال المعمّم لولي الفقيه، ألم أقل لكم سيدي أن الأمر يسير. نحن نتلاعب بعقول هؤلاء منذ مئات السنين ونعرف كيف نشتريهم بما لا قيمة له مقابل بيعهم إيّانا حريتهم وكرامتهم وحياتهم. إننا السادة هنا وهم عبيدنا بل وأسوأ من العبيد. تصّور إننا سرقنا كل ما يملكون ووزعنا الفقر والذل والجهل والتخلف والمرض والأميّة عليهم وقايضناهم بها بزيارة الأربعين، فباعونا كل شيء مقابل هذه الزيارة. وما أن جاء الحسين بنفسه ليرشدهم الى طريق حريتهم ويبث الوعي بينهم حتى تركوه وخانوه وشاركونا قتله. بلغ ولي الفقيه سلامنا وليطمئن من أننا حريصون على تعليم الناس طرق الذل وسبل خيانة العراق.




وليعيد التأريخ وجهه القبيح من جديد، وليُغْرِق تجار الدين ومن معهم "سفينة النجاة" التي يتاجرون بها للهيمنة على عقول الناس وأموالهم وسرقتها، ولتبقى سارية السفينة عندهم يرفعونها في كل محرم وعند كل إنتخابات ليضحكوا بها على جمهور الرعاع الذي أضاع بوصلته وبوصلة أجياله والوطن.




1 - من كتاب أرسله سليمان بن صُرَد والمسيّب بن نُجُبة ورِفاعة بن ضدّاد وحبيب بن مُظاهر وشيعة من المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة.

من صحيفة سلّمها كلا من هانيء بن هانيء السبيعي وسعيد بن عبدالله للحسين في مكّة. 2 -

3 - من كتاب لشَبَث بن رِبعِيّ، وحجّار بن أبجر، ويزيد بن الحارث، ويزيد بن رُويْم، وعَزرة بن قيس، وعمرو بن الحجّاج الوبَيدي، ومحمد بن عمير التميمّي..




زكي رضا

الدنمارك