المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : جارتنا الجديدة كردستان عصام الخفاجي



bahzani
09-27-2017, 23:04
جارتنا الجديدة كردستان



(http://www.ahewar.org/search/search.asp?U=1&Q=%DA%D5%C7%E3+%C7%E1%CE%DD%C7%CC%ED)عصام الخفاجي



مثل كل قنوات التلفزيون الرسمية العربية، تبدأ قناة "العراقية" نشراتها الإخبارية بسرد نشاطات رئيس الوزراء وتصريحاته تليها نشاطات رئيس الجمهورية فرئيس مجلس النواب في تسلسل هرمي هابط إلى لقاءات الوزراء وجولاتهم. لذا كان طريفا ومثيرا للإهتمام أن تشذّ القناة عن هذا التسلسل قبل بضعة أشهر لتفرد لحدث أوربي موقعا متميّزا.

الحدث هو استفتاء الإسكتلنديين على الحصول على استقلالهم والإنفصال عن المملكة المتحدة. وبدهي فإن المعلّقين والمراسلين الذين أفردت لهم القناة فضاءها كانوا يبرزون الأضرار التي ستتعرّض لها اسكتلندا في حال استقلاله. هو حدث أوربي- عراقي إذن. ولاشك في أن القادة الأكراد كانوا على القدر ذاته من الإهتمام بالإستفتاء وربما أكثر. إذ كثيرا ما شاهدت على طاولات مسؤولين أكراد زرتهم طوال العقد الماضي دساتير بلجيكا واتفاق انفصال جنوب السودان عن شماله وغيرها من وثائق تخص بلدان لم يتح التاريخ والسياسة والإقتصاد للقوميات التي تتكون منها فرصة العيش المشترك.

انتهى الإستفتاء الإسكتلندي، كما نعرف، باختيار البقاء ضمن المملكة المتحدة، بفارق بسيط بين الموافقين والمعارضين. ولكن، لا أشك في أن اثنين من العراقيين أيا كان انتماءهم القومي أو المذهبي سيختلفان على أن غالبية ساحقة من الشعب الكردي ستصوّت لصالح الإنفصال لو جرى استفتاء كهذا. والإنفصال تعبير آيديولوجي يتحايل على تعبير "حق تقرير المصير" وإقامة الشعب الكردي دولته المستقلة لأول مرة في تاريخه.

لاجديدا في كل ما سبق.

الجديد هو أن فرصة ممارسة الكرد لحقهم في تقرير مصيرهم لم تكن أقرب إلى التحقيق يوما مما هي عليه الآن. والعتيق هو أن عرب العراق وسياسييه لازالوا غير مستعدّين لتقبّل هذه الحقيقة فيما يقزّم قادة كردستان طموحهم المشروع بتحويل قضية الإستفتاء على الإستقلال إلى ورقة مساومة مع حكومة بغداد المطالَبة بتقديم إغراءات لهم مقابل التراجع عنه. تراجعْ يصاحبه تلميح كردستاني بأن إجراءه هو مسألة وقت وتصريح بأن حل الخلافات العالقة قد يلعب دورا في الإبقاء على عراق فدرالي.

مثل هذا الإلتباس هو مايغذّي تسميم الرأي العام الذي ينتشي بقراءة أو سماع أفكار تستحضر مشاعرا ترسّخت جذورها في العقل الجمعي.

عرب العراق تربّوا منذ تأسيس الدولة على أنهم هم العراق وأن الحقوق والسلطات المتزايدة التي يحصل عليها الأكراد تأتي على حساب العراق، أي على حسابهم. إقليم كردستان هو بالنسبة لهم إبن عاقّ أو شريك مخادع في أحسن الأحوال أو قيادة خائنة في أسوأها. يجد هذا الضرب من التفكير ترجمته في عبارات باتت رائجة على ألسنة مسؤولين سياسيين وكتاب كثر: "مواقف مشبوهة" من القيادة الكردية، "مؤامرة لتحطيم العراق"، "تفتيت العراق وخلق دويلات". ولأن كردستان صارت عبئا، بل أداة لتنفيذ المؤامرات، وفق هذا المنطق، أخذنا نسمع ونقرأ مقالات وآراءا فحواها "لينفصلوا!" لا بوصف الأكراد شعبا اختار الإستقلال، بل بوصفهم دمّلة، سرطانا لابد من استئصاله.

هكذا بتنا أمام مفارقة من مفارقات التاريخ الكثيرة. شنّ نظام البعث مايكاد أن يكون حرب إبادة ضد الشعب الكردي وصوّر الحقوق التي حصل عليها الأكراد خلال فترات الإنفراج القليلة لا كمحصّلة لتوازن قوى بين طرفين متصارعين أو لنضال شعب من أجل نيل حقوقه بل كمنجز، كمكرمة، قدّمتها الثورة ل"شعبنا الكردي". طوال ذلك العهد كان الحقد الشعبي الكردي موجّها نحو النظام الحاكم. ولم يكن هذا مجرّد خطاب منمّق يطلقه السياسيون. إذ يمكن حتى لمن لم يعايش عامة الأكراد تلمّس هذا الأمر من خلال الأفلام الوثائقية وريبورتاجات الأخبار التي يتحدّث فيها أناس بسطاء عمّا تعرّضوا له مآس لاعنين صدّام أو البعث أو "علي كيمياوي" إبن عم صدام وحاكم كردستان أيام حملة الأنفال الدموية. لم أسمع أحدا قط ألقى على "العرب" أو "العراقيين" مسؤولية ماحصل أو شتمهم. حين كنت أبدي تعاطفي مع موظف أو معلم مدرسة أو عامل مطعم أثناء زياراتي لكردستان أيام التسعينات، كان ثمة تعليق يتكرر: أنتم أيضا عانيتم الكثير.

أما اليوم، وقد باتت الحرب مع بغداد من مخلّفات الماضي وكرّس دستور مابعد صدّام الطابع الفدرالي للنظام السياسي العراقي، فليس من الصعب ملاحظة تصاعد مشاعر متبادلة بين عامة العرب وعامة الأكراد: غربة متبادلة، حسد من عرب العراق يقابله شعور بالنفور منهم والتعالي عليهم من جانب الأكراد، مساع مبالغ بها لإبراز الإستقلالية الكردستانية يقابلها حقد متصاعد نابع عن الإحساس بالعجز عن إعادة الإبن العاق إلى جادة الصواب. لم يقع ضحايا في الإشتباكات التي جرت قبل أيام بين الطلبة العرب والأكراد في جامعة كركوك حول رفع علم كردستان وإنزال العلم العراقي. وتم حظر التظاهرات الواسعة التي انطلقت في السليمانية خصوصا للمطالبة بخروج العرب الذين أجبرتهم هجمات داعش على النزوح إليها. لكن الحكمة تقضي بالإعتراف بأن رفع شعار أخوة العرب والأكراد في وطن واحد الذي استند إلى أسس واقعية في الماضي بات ينطوي على نفاق أو مكابرة أو سذاجة. فليس أمام العراقيين اليوم غير خيار أخّوة العرب والأكراد في دولتين جارتين تربط شعبيهما علاقة ود ومصالح مشتركة وثيقة أو عداءا بين بلدين متجاورين يسعى أحدهما إلى تقويض أمن ومصالح جاره.

وفي هذا السياق يكتسب النموذج الأسكتلندي الذي ابتدأت به المقال دلالة بالغة الأهمية تتجاوز معركة الإستفتاء على الإستفتاء ونتائجها. لم يستحضر أنصار الإستقلال عن المملكة المتحدة وأنصار الإستقلال التاريخ في حملاتهم الرامية إلى كسب الجمهور لصالحهم، بل كان كل طرف يحاول إقناع الجمهور بالفوائد التي سيجنيها إن اتّبع الطريق الذي يدعو إليه. لم يستنجد أحد بتاريخ وحدة أمّتين عمره 307 سنوات لإثارة عواطف الناخبين لأنه كان مدركا أن استحضار التاريخ لتقرير أمر الواقع والمستقبل لن يثير لدى المتلقّي غير الشفقة في أحسن الأحوال والتسفيه والإزدراء في أسوأها.

إن كان الأمر هكذا في حالة اتحاد بُني على أسس طوعية قبل ثلاثة قرون، فإن استحضار التاريخ في الحالة العراقية لن يكون غير حجّة إضافية لصالح الإستقلال. قد يبدو هذا الإستنتاج متناقضا مع بحثي النظري الذي حاول أن يبين أن ثمة أسسا اجتماعية واقتصادية ساعدت على تكوين العراق الحديث بشكله القائم، وعلى هذه الأسس ارتكزت المصالح السياسية لهذه الدولة الإستعمارية أو تلك. عشيّة تشكل الدولة العراقية الحديثة قبل قرن كان ثمة عوامل ساعدت، ولم تحتّم، توحّد هذه البقعة الجغرافية في بلد واحد. كان رأيي، وما يزال، أن التعكّز على الإستعمار لتفسير تكوّن الدول وانحلالها ليس غير ضرب من الشعبوية السياسية. لكن من حق الأكراد اليوم مواجهة الشعبوية العروبية المتهمة للإستعمار بتشجيعهم على "تحطيم العراق" التذكير بأن هذا الإستعمار، إن صحّ أن له هذه القدرة الخرافية، أنتج للعرب اثنين وعشرين دولة مستقلة فيما هو أحالهم إلى أكبر أمة معاصرة بلا دولة.

لكن الواقع والمستقبل يبقيان أكثر أهمية من التاريخ. تتغير الوقائع المجتمعية والإقتصادية والتقنية وتتغير معها دوافع البشر وتصوّراتهم عن مصائرهم والبنى السياسية التي يسعون إلى قيامهم. وليس الكردي بحاجة إلى شعبوية تستفزّ مشاعر المهانة التي عاشها في ظل الدولة العراقية.

بنية النظام السياسي الكردستاني القائمة ومؤسساته هي بنى ومؤسسات دولة مستقلة لا إقليم في دولة فدرالية. لكردستان جيشها وممثّلياتها في دول العالم وسياساتها الخارجية والداخلية المختلفة عن سياسات بغداد. وما ظل الجبن السياسي عاجزا عن مصارحة الرأي العام بـأن ثمة جارين يتفاوضان على أسس الإنفصال الودّي فسيظل العربي يشعر بالحقد على أكراد يتطاولون على الدولة ويستنزفوها وسيظل الكردي يشعر بأنه أمام خصم انتهك حقوقه وعليه فرض شروطه اليوم.

ولو جرت المفاوضات على أساس أن أربيل تمثّل دولة في طور التكوين، فإن كثيرا من المشاكل القائمة اليوم لن تكون مشاكل أصلا. عند ذاك لن تدور مباحثات حول توصيف البيشمركة ولمن تتبع دستوريا، بل جيشا لدولة جارة. ولن تدور مفاوضات معقّدة حول تقاسم عوائد النفط وملكية الآبار، فنفط كردستان لكردستان ونفط الآبار المشتركة يمكن الإتفاق حول تقسيم عوائده مثلما جرى بين العراق والكويت.

بدهي أن ثمة قضايا شديدة الخطورة ستظل قائمة أهمها عائدية ما يسمّى بالمناطق المتنازع عليها وفي مقدّمتها كركوك. وبدهي أيضا أن دولة كردستان ستواجه مشاكل تتجاوز بكثير ما واجهته دول تكونت حديثا ليس أقلها الإنقسام الداخلي وما سيترتب عليه من تحول الدولة إلى ساحة صراع إقليمي. لكن هذه القضايا تتطلّب معالجات أكثر تفصيلا.

الخطر الوجودي الذي يواجهه العراق لايكمن في سرطان يجب استئصاله إسمه كردستان، بل في أنه توأم سيامي أخذ التصاق طرفيه يسمّم دورتهما الدموية. إن نجحت عملية الفصل بينهما سيتذكّر كل من التوأمين ألم عملية الفصل لكنهما سيعيشان فيما بعد كأخوين.