المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل إن الاستفتاء في كردستان العراق يعني حق تقرير المصير؟ عادل حبة



bahzani4
10-05-2017, 20:43
هل إن الاستفتاء في كردستان العراق يعني حق تقرير المصير؟


عادل حبة



تلخيص لمقالة الناشط اليساري الإيراني هدايت سلطان زاده


1-إن كل استفتاء يعتمد على الأهداف التي حددها هذا الاستفتاء. إذن، فإن ايجابيته أو سلبيته يحددها أهداف الاستفتاء. في عام 1979، ومن أجل إزاحة المعارضين من الميدان السياسي وبالاستناد إلى المشاعر المتأججة للفئات الظلامية والمتخلفة في المجتمع، طرحت مسودة الدستور الإيراني على استفتاء الرأي العام. ولا زال الشعب الإيراني يذوق مرارة نتائج هذا الاستفتاء. ولهذا فمن الضروري النظر بقدر من العمق على الهدف من إجراء الاستفتاء في كردستان العراق الذي طرحه مسعود البارزاني. بالطبع لا يوجد استفتاء جيد أو سيء، فمجموع الظروف المتحكمة في هذا الاستفتاء، وهدف القوى التي تسعى إلى إجرائه هو ما يحدد ايجابيته أو سلبيته. ففي الاستفتاء الذي جرى في بريطانيا حول خروجها من الاتحاد الأوربي تم تحت ذريعة تقرير مصير الشعب البريطاني والتخلي عن القوانين التي يسنها الاتحاد الأوربي ومحاكمه والالتزام بالقوانين البريطانية التي يجب أن تسير عليها البلاد. لقد وضع الاستفتاء البريطاني اقتصاد البلاد ووحدته على سكة طريق مبهم مما يمكن أن يهدد وحدتها الداخلية. وهنا يمكن طرح السؤال التالي: هل أن الاستفتاء هو الطريق الوحديد للوصول إلى حق تقرير المصير؟ إننا نعيش في عالم تتحدد ظروف أية دولة مستقلة بالظروف الأوسع الدولية، وإن مقترح مسعود البارزاني في الاستفتاء هو أشبه بجعبة "الباندورا" ، ففي ظل الظروف المعقدة لكردستان والعراق وكل منطقة الشرق الأوسط، فبدلاً من حل مشكلة ما فقد، فستبرز مشاكل ومعضلات عديدة أخرى لا يمكن التنبؤ بها مما يلحق بالعراق وكردستان أضرارا فادحة. فالأكراد العراقيون يتمتعون الآن بالحكم الفدرالي الذي هو أقرب إلى الحكم الكونفدرالي. فهم يتمتعون بامتيازات لا تتمتع بها أياً من الدول الاتحادية، فماذا يمكنهم أن يكسبوا أكثر من ذلك؟ في حين إن خطر الحرب الداخلية واقتتال الأخوة الذي يلقي بظلاله على الوضع حالياً ويمكن أن يتحول إلى شرارة انفجار، فإن الإصرار على الاستفتاء بدلاً من الحوار المثمر مع الحكومة المركزية التي يشارك فيها الأكراد، سوف لا تؤدي إل أشعال شرارة الفتنة والعداوة الجديدة فحسب، بل يمكن أن تؤدي إلى تمهيد الطريق للقوى الرجعية في المنطقة والعالم لتحقيق أجندتها. وهذا ما يعود بالضرر على الأكراد والعرب على حد سواء في العراق. كما يضاف إلى ذلك هو أن تقسيم أي بلد وتحويله إلى "جمهوريات تابعة" يحد من وزنها السياسي والاقتصادي في المنطقة وعلى المسرح الدولي.

لا توجد أفكار مجردة كي ندرك بشكل منطقي كنه المشاكل. ولا يوجد حصان مجرد نمتطيه ولا حق مجرد. فالشروط والظروف الملموسة هي الحق الذي يحدد مضمونه وقيمته. ومن الممكن أن يجري الاستدلال بأن الاستفتاء هو ممارسة الحق في تقرير مصير الشعب الكردي في العراق. وهنا يطرح السؤال التالي، هل أن الاستقلال هو المعيار الوحيد لتعريف حق تقرير المصير؟ فهل أن الفرنسيين القاطنين في بلدان مثل كندا وبلجيكا اللذين يشكلان دولتين مستقلتين على أساس اللغة والعرق، فهل أنهم يمارسون حق تقرير مصيرهم بنحو أقل من العديد من الدول المستقلة في العالم. على سبيل المثال، إن بلد العشيرة السعودية أعتبرت منذ عام 1933 دولة "مستقلة" فرضت على السكان نمطاً غريباً من الحكم الأسلامي، ولم ير المواطنون فيها حتى الآن أي ضرب من ضروب الانتخابات الشكلية على غرار انتخابات الجمهورية الإسلامية في إيران. فهل أن العرب القاطنين في هذه الدولة لا حق لهم في تقرير مصيرهم؟ إن هناك حاجة إلى مستلزمات ديمقراطية أخرى كي ينطوي حق تقرير المصير على معنى ومضمون واقعي. من الممكن أن نجد دولة مستقلة من وجهة النظر الحقوقية في الميدان الدولي، في حين أن شعبها محروم من أبسط حقوقه وحق تقرير مصيره. فهل يمكن اعتبار شعب محروم من الحق والحقوق ولكنه مستقل يتمتع بحق تقرير المصير؟؟ أم أن هناك ضرورة لمستلزمات ديمقراطية أخرى كي ينطوي حق تقرير المصير على معنى ومضمون واقعي. وهل من الممكن التمتع بحقوق سياسية ومدنية مشتركة ومتساوية في بلد واحد دون أن يجري تجربة تكاليف انسانية باهضة وفتح جروح جديدة؟ إن التأكيد المطلق على أن فكرة حق تقرير مصير الشعوب تقتصر على الانفصال في كل الأحوال هو مفهوم خاطئ تماماً شأنه في ذلك شأن التأكيد المطلق والانتقائي على وحدة أرض في البلدان دون أن تتمتع شعوبها بالحقوق. وتشير التجربة التاريحية في العديد من الأمثلة للأسف إن ثمن الانفصال كانت أكثر باهضة من الأمثلة التي سأشير إليها لاحقاً.

بدون شك أن حق تقريرالمصير هو حق ديمقراطي، ولا تستطيع أية حركة ديمقراطية أن تعترض على هذا الحق. ففي خلال القران الماضي،، تعرض الشعب الكردي، شأن في ذلك شأن الشعوب الأخرى، إلى القمع، ومن حق هذا الشعب أن يأخذ بيده تقرير مصيره. لقد خاض الجزائريون الكفاح المسلح من أجل حقهم في الاستقلال، وقدموا مليون شهيد من أصل تسعة ملايين هم نفوس الشعب الجزائري في ذلك الوقت. ويشير أحمد بن بلا، أول رئيس للجمهورية الجزائرية، أننا وجدنا أننا لم نحصل بعد الاستقلال سوى على علم ونشيد وطني. هذا بالطبع لا يعني أن الكفاح من أجل حق تقرير المصير والاستقلال هو كفاح ليس ذي قيمة، فالقضية هو في محدودية "الاستقلال" ضمن معادلات سياسية واقتصادية وعسكرية أكبر على المسرح الدولي.

إن الحركة اليسارية في إيران كانت على الدوام مدافعة عن هذا الحق، ولكن حق تقرير لا يعني إلزاماً حق الانفصال. فهل يجب النظر إلى فكرة هذا الحق بشكل مطلق ومجرد دون الأخذ بنظر الاعتبار شروط تحقيق هذا الشعار؟ إن كل فكرة حق يمكن أن تستغل بشكل خاطئ. فالتفكير بشكل مطلق ومجرد دون الأخذ بنظر الاعتبار بالقوى الداخلية والخارجية التي تروج له، وبدون تحديد هدفه الملموس، يمكن أن ينتهي إلى تعصب كامل العيار مما يؤدي إلى نتائج مهلكة. إن نزعة الاطلاق في أية فكرة، تتحول إلى حد بعيد إلى أشبه بالمذهب. ومن المؤسف أن كل من فكرة وحدة الأرض وحق تقرير المصير تحولت إلى أدوات سياسية بيد الدول الكبرى في حماية الديكتاتوريات المحلية، وإن معايير تعريفهما يصب في مصلحة حكوماتها. ففي هذه الدولة التي يسعى مسعود البارزاني أجراء استفتاء الاستقلال، وقفت أمريكا إلى جانب قمع الأكراد بذريعة الدفاع عن وحدة أراضي العراق (فترة صدام)، وبعد عام 1990 ، سارت على طريق الدفاع عن حق تقرير المصير وسلحت الأكراد. وفي كل هذه السياسات، لم يجر الاهتمام بمصالح الشعب. إن إقدام البارزاني على الاستفتاء ما هو إلا حركة من أجل تهميش منافسيه في الداخل واحتكار السلطة تحت ستار استفتاء "حق تقرير المصير" من أجل إثارة الرأي العام من ناحية، ومن ناحية أخرى الحصول على مكاسب من الحكومة المركزية وابتزازها. وفي هذه السياسة، تقف اسرائيل كدولة وحيدة في المنطقة إلى جانب الاستفتاء وتدافع عنه بشدة. إن انهيار حكم صدام حسين واضعاف الدول العربية، وخاصة الدول النفطية والدول التي لها مكانة ستراتيجية بالنسبة لأمريكا وحلفائها في المنطقة، فإن طرح مشروع الشرق الأوسط الكبير وايجاد حكومة أقليم كردستان ضمن إطار دولة عراقية تحادية هي البيدق المحدد للشرق الأوسط في الشطرنج السياسي. هذه السياسة تستند إلى التجزئة الداخلية لهذه الدول كي يتم رسم خارطة جديدة للشرق الأوسط. ولكن تجزئة العراق يمكن أن تؤدي إلى عدم ثبات جدي للأوضاع في تركيا التي تعتبر الذراع الأكبر لحلف الناتو في المنطقة والتي يعيش فيها غالبية الأكراد. إن السياسة هي ليست لعبة يمارسها طرف واحد، ونتائج اللعبة لا تمس طرفاً واحداً. فسياسة رجب أردوغان تجاه اقليم كردستان، الذي حصل على منافع كبيرة حتى الآن منها نتيجة لتغيير ميزان القوى في المنطقة، حيث تشكل التوظيفات الرأسمالية التركية في الاقليم 80%(أردوغان وأتباعه) من حجم التوظيفات الخارجية ، يمكن أن تؤدي إلى نتائج عكسية.

يبدو الآن أن وحدة العراق ولكن تجزئته في الداخل يؤمن مصالح أمريكا أكثر من التجزءة الحقوقية ورسم حدود جديدة للدول في المنطقة. إن معارضة أمريكا لاستفتاء البارزاني، يمكن أن يجصب في هذا الاتجاه، وهو طريق مثالي يتم خلاله محاصرة اقليم كردستان عبر الوسائل الاقتصادية والسياسة الأكثر تأثيراً. حتى ولو تم استقلال كردستان من الناحية العملية، وسارت جميع الخطط بدون تغيير، ولا يتعرض الاقليم إلى الحصار، وتؤمن المصالح البعيدة الأمد للاقليم من خلال التعاون من الحكومة المركزية العراقية، وتثبيت حق تقرير المصير بدلاً عن الاستقلال، فإن الاقليم سيصبح رهينة دائمة للدولة التركية. يمكن للاستفتاء أن يؤمن مصالح مجاميع محدودة في الاقليم، أو يجري تأمينها خلال فترة قصيرة؛ ولكن في الأمد البعيد، سيلحق أضراراً بالغة وجدية بحقوق الأكراد في تركيا وإيران حيث تعيش غالبية من الأكراد.

في مثال تجزءة يوغسلافيا إلى ست دول مستقلة، كانت الدول الغربية تعمل بنسق وتحالف. أما فيما يتعلق بالتجزئة لدول الشرق الأوسط، فلا يوجد اتفاق نظري ويعرض المنطقة إلى الاخطار ويصعب السيطرة عليها، هذه المنطقة التي تعتبر الشريان الحياتي للغرب.

إن الموطن الأصلي لنظرية حق تقرير المصير هي الثورة الفرنسية التي انلعت عام 1792 والتي أعلنها ماكسيميليان روبسبير في برلمان فرنسا. ولم تتضمن فكرة حق تقرير المصير شيئاً سوى الحق الرمزي القومي، في حين غاب عن الفكرة الحق الملموس للمواطن في الرقابة على المؤسسات الديمقراطية للحكومة. إن الحق في الحكم الذي دون بعد معاهدة وستفالي عام 1648 بعد الحروب الدينية، هو حق الملوك في الحدود واعترف به رسمياً وأصبح خطوة على حقوق الأمم. ومع إندلاع الثورة الفرنسية، انتقل هذه الحق من الملك إلى الشعب.ولم يتضمن هذا الحق أية فكرة عن الانفصال. وكان روبسي يعرض حتى أي نوع من أنواع الفدرالية حيث اعتبرها أصل التجزئة. ولكن في أوائل القرن العشرين، طرحت فكرة الانفصال من قبل لينين خاصة في مؤتمر الاممية الثانية للأممية الثانية في شتوتگارت، وأضحت في دائرة النظرية السياسي، ولكنها بقيت مقتصرة على الاحزاب الاشتراكية، ومن ضمنها البلاشفة الروس ولم يجري حولها أي توافق عام.

وبعد دخول أمريكا إلى حلبة السياسة العالمية في الحرب العالمية الأولى عام 1914، طرحت فكرة حق تقرير المصير حتى الانفصال كأداة سياسية من أجل اضمحلال الامبراطوريا الأوربية في الأصل الرابع عشر لرئيس الولايات المتحدة آنذاك توماس وودرو ویلسون (https://www.google.com/url?q=https%3A%2F%2Ffa.wikipedia.org%2Fwiki%2F%25D 8%25AA%25D9%2588%25D9%2585%25D8%25A7%25D8%25B3_%25 D9%2588%25D9%2588%25D8%25AF%25D8%25B1%25D9%2588_%2 5D9%2588%25DB%258C%25D9%2584%25D8%25B3%25D9%2588%2 5D9%2586&sa=D&sntz=1&usg=AFQjCNGtWPqOCsnF9XI3mO7Q1ZrgrsG0sQ) الذي قدمه إلى عصبة الأمم. وقد اعتبر وزير الخارجية الأمريكي هذه النظرية لغم انفجاري ونظرية سياسية غير قابلة للدفاع عنها في كل الظروف. ويمكن القول أن الحق كان معه، لأننا لو نظرنا إلى عالمنا الراهن فهناك بين خمس إلى عشرة آلاف أمة وقوم، حسب التعريف عن الأمة. فإذا ما طبق عليها الأصل المجرد لحق تقرير المصير، دون الأخذ بنظر الاعتبار الظروف والقوى اللتي تروج لهذه الفكرة، فيجب أن نتوقع انضمام خمسة آلاف دولة جديدة إلى المئتي دولة الموجودة فعلاً على وجه البسيطة. إن ميثاق الأمم المتحدة لا يعترف رسمياً بحق تقرير المصير بدون قيد أو شرط.

مع انتهاء الحرب العالمية الثانية وتأسيس هيئة الأمم المتحدة بهدف الحفاظ على السلام في العالم، جرى تعريف فكرتان حول حق السيادة الوطنية وحق ضمن الحدود، وأضاً حق تقرير مصير الشعوب الذي ورد بشكل متناقض في ميثاق الأمم المتحدة.

ففي الحروب المناهضة للاستعمار بعد الحرب العالمية الثانية، فإن كل طرف من المتنافسين على المسرح السياسي الدولي، استخدم حق تقرير المصير كوسيلة وأداة وطبقاً لمصالحه الدبلوماسية السياسية. إن توجه الدول الكبرى في العالم لم يكن قائم على أساس احترام حقوق الأمم الخاضعة للظلم، بل على المنافع الآنية وحسب ما تمليه مصالحهم بما في ذلك تخليها عن تسلطها الاستعماري.

إن خصائص المجتمع الهندي تختلف نوعياً عن مجتمع كردستان العراق. فالتركيبة الاجتماعية وتركيبة القيادة الكردية تندرج في عداد تركيبة قبلية شبيهة بالكثير من الدول الأفريقية ودول الشرق الأوسط، وإذا ما قورن بكردستان إيران فإن مجتمع كردستان العراق يتميز بنمو محدود للمجتمع المدني. فقبل غزو البريطانيين للهند الذين حطموا الاقتصاد، فإن الهند كانت تنتج 24 % من الناتج الاجمالي في العالم. وأصبحت الهند بعد الاستقلال أحد أعمدة كتلة دول عدم الانحياز. ولا يوجد مثل هذا الأفق بالنسبة لإقليم كردستان المحاصر، حتى لو توجه نحو الاستقلال، فإنه سيقع تحت سطوة الآخرين. فالهند يحيط بها المحيط الهندي الذي يفتح لها الطريق على كل المحيطات والبحار ولا يمكن محاصرتها.

يقال أن هناك فرصة تاريخية للأكراد لتحقيق حلمهم في تقرير مصيرهم عن طريق الاستفتاء الذي اقترحه السيد البارزاني. مازالت ذاكرتنا حية في اعمال القمع التي ارتكبها صدام والاستفادة من السلاح الكيمياوي في حلبچه ضد الشعب الكردي الذي أودى بحياة قرابة 5000 مواطن برئ، أو استخدام الديناميت وتفجير القرى التي مازالت حية في ذاكرتنا. إن الديكتاتورين ومن أجل حفظ تسلطهم، خاصة في ظروف الانتفاضات الشعبية والحروب الداخلية، يكشفون عن وجههم الاجرامي البشع. ولقد وقفت الحركات اليسارية في جميع هذه الأحداث إلى جانب الأكراد في محنتهم، ولكن في استفتاء البارزاني الذي عارضته الأمم المتحدة وسائر دول العالم، لم يقف إلى جانب الاستفتاء سوى دولة اسرائيل العنصرية. كما تطرح عدة أسئلة سؤال حول المشروعية السياسية والقانونية لهذه الدولة. فسهذه الدولة سوف لا تتمتع بممثل رسمي في الأمم المتحدة ولا في المؤسسات الدولية. كما أن الاضطرابات سوف لا تعم فقط في المنطقة، بل سيطال سعارها في كردستان بالدرجة الأولى حيث من الممكن أن تتحول إلى ساحة للتوتر والاضطرابات وعدم الاستقرار. أن نظرة سريعة على موقف البارزاني لكافية لتلمس الضرر الذي يلحقه بشعب كردستان، حيث تتحول كردستان إلى ساحة مناسبة للتنافس والصراع بين الدول الكبرى والدول الاقليمية الساعية إلى تعميق المواجهات واستغلالها. ومن الناحية الجيوبوليتيكية، فكردستان ليس لها منفذ بحري لتقوم بالتبادل التجاري مع العالم، وإن بقعة صغيرة مثل اقليم كردستان ستواجه صعوبات جمة، في حين لو أنها بقيت جزءاً من دولة العراق، فسوف لا تواجه مثل هذه المشكلة. لقد أصيب اقتصاد كردستان أصيب ، وكما أشارت مجلة الايكونوميست اللندنية، فإنها ترزح تحت ديون خارجية تبلغ أكثر من 20 مليار دولار. وفي حالة انفصالها عن العراق، فإن الدين سيزداد بمقدار 10 مليار دولار إضافي.

منذ 15 سنة ولحد الآن لم تعد الأمة الكردية أمة مظلومة بقدر ما يتعلق الأمر بكردستان العراق. فكردستان العراق جزء من الدولة الفدرالية العراقية، وفي الواقع تتجاوز الفدرالية. ففي أي من قوانين الدول الفدرالية لا يعطى الحق للاقليم الفدرالي بأن يؤسس جيشاً مسلحاً خاصاً به. في حين أن الجيش التابع للأكراد يضاهي جيش الدولة المركزية ويمتلك أسلحة وفرتها له الدول الأوربية وأمريكا حسبما أشارت إليه وسائل الإعلام الأمريكية؛ أي أن مجموعة سكانية تمثل أقل من 20% من نفوس العراق تمتلك جيشاً يزيد على ما يملكه 80% من سكان العراق. وفي خلال خمس عشر سنة، كانت كردستان تستلم 17% من الخزينة المركزية، وقد قطعت الحكومة المركزية هذه الحصة بعد اقدام البارزاني على استخراج النفط وعقد اتفاقيات مع عشرين شركة نفطية ومن ضمنها آكسون موبيل وتوتال وشورون وروسنفت الروسية وبيعه إلى اسرائيل ودول أخرى عن طريق تركيا. وبعد تراجع قيمة النفط في الأسواق العالمية إلى الثلث، ونظراً لانخفاض موارد الدولة المركزية والبيع المستقل للنفط من قبل البارزانيين، اتخذت الحكومة هذه التطورات كذريعة بعدم تسديد 17% من الخزينة المركزية إلى اقليم كردستان. إن مثل هذا الامتيازات الخاصة المنصوص عليها في الدستور العراقي هو امتياز فريد لاقليم كردستان لا تتمتع به أي من الفدراليات في العالم.

إن الفدرالية في كردستان العراق ذهبت أبعد من صلاحيات وحدة فدرالية في كندا أو بلجيكا أو في أي منطقة من دول العالم. ويبدو أن الاستفتاء ما هو إلاّ مناورة من قبل البارزانيين لمواجهة منافسيهم في الداخل من أجل فرض سيطرة العائلة البارزانية على جميع مواقع السلطة في الاقليم وتهميش المعارضة. وهو ذا الهدف الأول لاستفتا البارزانيين بالتسلق على الحق الديمقراطي للشعب في كردستان العراق لتحقيق مصالحهم الخاصة.

لقد قام پيتر گالبرايت بتدوين مسودة دستور الدولة العراقية الفدرالية، وهو أحد ثلاثة أبناء جان كنت گالبرايت، الاقتصادي ومستشار رئيس الجمهورية روزفلت وأثنان آخران من رؤساء الجمهورية الأمريكية. فمنذ الحملة التي شنتها الولايات المتحدة ضد العراق، أصبح پيتر گالبرايت مستشاراً شخصياً لمسعود البارزاني، وفي الوقت نفسه مستشار وموظف في شركة نفط النرويج والشركات النفطية الأمريكية. وكان پيتر گالبرايت على صلة وثيقة بجو بايدن نائب الرئيس الأمريكي أوباما، الذي كان مسؤول العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي. ومن المعروف أن نجل بايدن هو الآخر على صلة وثيقة بالشركات النفطية، وهم يعكسون وجهة نظر گالبرايت الداعية إلى عدم تجزئة العراق، بل تحويله إلى كونفدرالية. ومن هنا فإن الدستور العراقي أعطي للإدارة الذاتية في كردستان صلاحية خاصة حيث يحرم الدولة المركزية من الاشراف على أي حقل نفطي جديد يكتشف في كردستان، ومن ضمنها الحقل الجديد في منطقة "تاوا". وفي فترة المصادقة على الدستور لم تكن الحكومة المركزية على دراية وعلم حقوقي حول ذلك، فقد كانت غارقة فقط بدوامة لعبة الشيعة والسنة. لقد حصل پيتر گالبرايت شخصياً حتى الآن على أكثر من 100 مليون دولار من العقود النفطية في الاقليم.