المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كتاب:تفاصيل جريمة إبادة الشعب الأرمني



bahzani4
03-07-2011, 22:11
تنزيل الملف المرفق الأصلي (https://mail.google.com/mail/?view=att&th=12e8b44ab6893189&attid=0.1&disp=attd&realattid=f_gkxz2fdf0&zw)


مسألة إبادة الأرمن
أمام المحكمة
أو
((قضية طلعت باشا))

تفاصيل جريمة إبادة الشعب الأرمني
أمام المحكمة في برلين ــ ألمانيا

الطبعة الثانية

ترجمة : مراجعة:
غسان نعسانفاضل كريم احمد
(ماموستا جعفر)

https://mail.google.com/mail/h/1jy3iai8e0q0c/?name=d33be9805ff33117.jpg&attid=0.1&disp=vahi&view=att&th=12e8b44ab6893189
مكتب الفكر والوعي في الإتحاد الوطني الكردستاني
العراق ــ اقليم كردستان
سليمانية: محلة: سرجنار ـ 121
الزقاق: 44 ــ رقم الدار ـ 1ـ
www.hoshyari.org (http://www.hoshyari.org/)
govarynovin@yahoo.com (govarynovin@yahoo.com)


العنوان الأصلي للكتاب:

DER VÖLKERMORD AN DEN
ARMENIERN VOR GERICHT
DER PROZESS TALAAT PASCHA

عن دار النشر:

DEUTSCHE VERLAGSGESLLSCHAFT M . B . H .
FUER POLITIK UND GESCHICHTE
IN BERLIN


إسم الكتاب: مسألة إبادة الأرمن أمام المحكمة أو
(( قضية طلعت باشا))
المصدر: محاضر جلسات المحاكمة
المترجم: غسان نعسان
المراجع: ماموستا جعفر
التنضيد: شاناز رمزي ، جوان قادر
تصميم داخلي: أميره عمر
تصميم الغلاف: محمد عيسى
الطبعة الأولى (27-9-2008)
طبع: مؤسسة حمدي للطباعة والنشر
العدد: ( 1500) نسخة
الأيداع: (2362 ) لسنة 2008
التسلسل: (278 )
من منشورات مكتب الفكر والوعي فـي الإتحاد الوطنـي الكردستاني


هذا هو الجزء الاول من كتاب ويتبعه أربعة أجزاء أخرى







الإهداء

إلى كل من يسعى لتمتين عرى الأخوة والصداقة بين الشعبـين الأرمني والكردي.


المترجم: غسان نعسان









شكر

* ابو مادو من المركز الثقافي الأرمني في كركوك
* ماسيس الكسندريا من المركز الثقافي الأرمني في بـيروت.

https://mail.google.com/mail/h/1jy3iai8e0q0c/?name=d33be9805ff33117.jpg&attid=0.1&disp=vahi&view=att&th=12e8b44ab6893189




الفهرس


الموضوعالصفحةمقدمة الطبعة الثانية7مقدمة : بقلم فاضل كريم احمد (ماموستا جعفر)

9ـ اليوم الأول للمحاكمة 39ـ اليوم الثاني للمحاكمة273ـ الملحقات409ـ صور المذابح 1915 ـ 1918410شهادات الشهود427برقيات445المترجم: غسان نعسان في سطور465ـ المراجع: فاضل كريم احمد (ماموستا جعفر)في سطور

468ـ إصدارات مكتب الفكر والوعي في الإتحاد الوطني الكردستاني لسنتي (2007 ـ 2008)
471





مقدمة الطبعة الثانية

لدى إصدارنا الطبعة الأولى كنا نتوقع أن يلاقي هذا الكتاب إقبالاً كبيراً من قِبل القراء بحكم أهمية موضوعه من جهة، ونظراً لشحة الكتب التي تتناول موضوع الشعب الأرمني بشكل خاص والتفاصيل الحقيقية للمذابح التي تعرض لها هذا الشعب من جهة اخرى. غير اننا أدركنا بعد صدور الطبعة الأولى أن الإقبال على الكتاب فاق توقعاتنا بدرجة كبيرة، حيث نفدت نسخ الطبعة الأولى خلال فترة لم تتجاوز الشهرين، والطلبات للحصول على نسخ من الكتاب تزداد وتتسع متجاوزة حدود إقليم كردستان العراق وجنوبه ووسطه، إذ إنهالت الرسائل من دول الجوار والمنطقة، سورية و لبنان على سبيل المثال. على ضوء ردات الفعل هذه التي ادخلت السرور إلى انفسنا بطبيعة الحال، أرتأينا إصدار الطبعة الثانية هذه هنا في أقليم كردستان على جناح السرعة تلبية للطلب المتزايد على الكتاب، وفي الوقت ذاته نجري مباحثات مع دور نشر في لبنان من أجل إصدار طبعة لاحقة بكمية تكفي لتغطية الطلبات على الكتاب في المنطقة. لاتحتوي هذه الطبعة على تغييرات سوى إضافة هذه المقدمة وتصحيح لبعض الأخطاء المطبعية التي سقطت في الطبعة الأولى سهواً.


غسان نعسان


مقدمة

" قضية طلعت باشا" أو "الإبادة الجماعية ضد الشعب الأرمني" هما عنوانان لهذا الكتاب الذي صدرت طبعته الأولى في برلين بألمانية سنة (1921)، ثم صدرت الطبعة الثانية منه في برلين ايضاً سنة (1980)، وقد قامت بنشره "منظمة الدفاع عن الشعوب المهددة" الألمانية بمناسبة مرور (65) عاماً على ذكرى بداية الإبادة ضد الشعب الأرمني في ليلة (24) نيسان سنة (1915). يتميز هذا الكتاب بعدم وجود مؤلف له. فهو عبارة عن محاضر جلسات وقائع المحاكمة التي جرت في الثاني والثالث من حزيران سنة (1921) في برلين. قام بتدوين هذه المحاضر كاتب المحكمة بكل تفاصيلها كما هو شأن كل محكمة في ألمانيا. وجهت هذه المحكمة إلى الطالب الأرمني سوغومون تهليريان تهمة إغتيال طلعت باشا بتاريخ (15) اذار سنة (1921) الوزير التركي السابق للشؤون الداخلية في حكومة جمعية "الإتحاد والترقي" أثناء الحرب العالمية الأولى.
إعترف المتهم تهليريان بإرتكاب القتل أمام المحكمة، وأيدت شهادات الشهود إعترافه وأكدت أقوالهم على رؤيتهم للمتهم وهو يطلق النار على الضحية في وضح النهار في أحد شوارع برلين، ويرديه قتيلاً. كما أثبتت مرافعة الإدعاء العام إقدام المتهم على قتل الضحية طلعت باشا. غير أن قرار هيئة المحلفين المشكلة من مختلف شرائح المجتمع الألماني أعلنت براءة المتهم، وأصدرت المحكمة الحكم بإطلاق سراحه. أثار هذا الحكم زوبعة إعلامية وسياسة واسعة النطاق داخل ألمانيا، وسبب ضجة كبيرة إمتدت إلى جميع دول أمريكا والشرق.
قد يشبه القارىء هذه القضية بحبكة درامية لفليم أجاد مؤلفه بنائه الدرامي ليصبح في غاية التشويق والإثارة. إلا أنه تكمن في الواقع أسباب موضوعية وتاريخية ونفسية وإنسانية وراء تلك التطورات المثيرة للتعجب والإستغراب التي جرت أثناء جلسات المحكمة في برلين. هذه الأسباب هي التي حولت الضحية المغدورة إلى متهم تلخطت يداه بدماء مليون ونصف ضحية أرمنية بريئة، وحولت القاتل إلى ضحية نجا بالصدفة من المذابح بعد أن رأى بأم عينيه قتل جميع أفراد اسرته بمنتهى الهمجية. الطلقة القاتلة التي سددها تهليريان إلى طلعت باشا تجاوزت المحاكمة الجنائية المعتادة في برلين لتصبح واحدة من أكبر المحاكمات السياسية التي عرفها التاريخ.
إستطاع فريق الدفاع عن المتهم تهليريان بمساعدة الشهود والخبراء المختصين، وعن طريق إيضاح المعاناة التي تعرض لها المتهم كضحية، إلقاء الأضواء على مختلف جوانب جريمة الإبادة التي لحقت بالأرمن، فحولوا بذلك قاعة المحكمة في برلين إلى محاكمة فعلية لجريمة الإبادة الجماعية والمسؤول الأول عن حدوثها طلعت باشا.
بعد خسارة الإمبراطورية العثمانية مع حليفتها ألمانيا القيصرية الحرب العالمية الأولى(1914ـ 1918) ودخول الجيوش البريطانية والفرنسية إلى اسطنبول أعفى السلطان محمد السادس حكومة لجنة"الإتحاد والترقي" في بداية تشرين الأول سنة (1918) التي كان على رأسها وزير الحربية أنور باشا ووزير الداخلية طلعت باشا ووزير الأساطيل البحرية جمال باشا. إستغلت الحكومة التركية الظروف الدولية أثناء الحرب العالمية الأولى، حيث كانت في حالة حرب مع فرنسا وبريطانيا القوتان الأساسيتان اللتان كانتا تمارسان الضغط على الإمبراطورية العثمانية فيما مضى بشأن معاملة الأرمن وبشأن ما كان يسمى" الإصلاحات الأرمنية" ضمن إطار الإمبراطورية العثمانية. والأمر ذاته ينطبق على روسيا حيث كانت تركيا في حالة حرب معها أيضاً. أما ألمانيا فقد كانت بحاجة لمساندة القوات التركية الحليفة في الوقوف إلى جانبها ضد أعدائها في الحرب، ولم يكن بوسع ألمانيا الضغط على الحكومة العثمانية لإيقاف عمليات الإبادة ضد الأرمن أو الطلب بـتخفيف حدتها على الأقل، رغم إرتفاع أصوات المعارضة الألمانية وحتى بعض الدبلوماسيين الألمان الذين كانوا يعملون في تركيا وشهدوا بأم أعينهم على المذابح ضد الأرمن، مطالبين الحكومة الألمانية بالتدخل. غير أن مصلحة الحكومة الألمانية القيصرية كانت تقتضي نقيض ذلك السلوك. فكانت تمد الحكومة العثمانية بالقروض المالية لتحديث جيوشها وتطوير أسلحتها، وترسل لها الخبراء العسكريين والأمنيين لتدريب مؤسساتها العسكرية وقواها الأمنية التي كانت تقوم بتنفيذ عمليات الإبادة ضد الأرمن. كما كانت الشركات الألمانية تنفذ المشاريع العملاقة في تركيا كبناء الجسور والطرقات ومد خطوط السكك الحديدية. والأهم من كل الدعم العسكري والمالي والإقتصادي الذي كانت الحكومة الألمانية تقدمه للحكومة التركية هو الدعم الإعلامي، حيث كان الإعلام الرسمي الألماني يروج للحملة الإعلامية التركية ضد الأرمن التي أطلقتها للتغطية على جرائمها بحقهم وتبرير الفظائع التي كانت تقوم بها ضد الأطفال والنساء والشيوخ الأرمن، والتي تسربت أخبارها وصورها إلى وسائل الإعلام الدولية. كانت الرقابة الألمانية تفرض التعتيم على أخبار المجازر، وتتيح الفرصة للدبلوماسيين والمسؤولين الأتراك لإستخدام المنابر الإعلامية الألمانية كي ينفوا هذه الأخبار ويطلقوا التصريحات المعبرة عن الخطاب الإعلامي الرسمي التركي. وهذا غير موقف المسؤولين الألمان القيصريين الذين كانوا يرددون نفس المزاعم والتلفيقات والتبريرات التي كانت تطلقها أبواق الحملة الدعائية التركية. تحت الضغط الذي تعرضت له دول الحلفاء فرنسا وإنكلترا من قبل الرأي العام الداخلي في بلادها والنقد اللاذع من الصحافة الدولية، بسبب عدم مساعدة الأرمن والتدخل لحمايتهم من المجازر الوحشية التي كانوا يتعرضون لها اثناء سنوات الحرب (1915ــ 1918) في تركيا، شكلوا بعد الحرب عندما دخلوا إلى تركيا محكمة حرب للتحقيق في مسؤولية هذه المجازر، وقد اصدرت هذه المحكمة سنة (1919) أحكام بالإعدام على عدد من قيادات حكومة لجنة "الإتحاد والترقي"، بينهم طلعت وأنور وجمال باشا، لم ينفذ سوى بواحد منهم لأن الآخرين كانوا قد هربوا من البلاد بعد الأطاحة بحكومتهم.
خسارة الحرب العالمية الأولى تسببت بتطورات في ألمانيا شبيهة بما حدث في الدولة العثمانية، إستطاع الجمهوريون الألمان إسقاط الإمبراطور الألماني وتشكيل أول جمهورية في ألمانيا. لولا حدوث هذا التغيير الكبير لما كان بالإمكان أن تأخذ محاكمة سوغومون تهليريان هذا المنحى. تحولت المحكمة الجنائية في برلين إلى ساحة مواجهة بين أتباع الفكر القيصري الموالي للحكومة التركية الحليفة السابقة من جهة، وأتباع الفكر الجمهوري المدافع عن الشعب الأرمني ممثلاً بالمتهم سوغومون تهليريان الذي إعترف بقتل طلعت باشا.
شرح الدفاع ولخص كل تفصيلات القضية السياسية والتاريخية التي تساعد على فهم الدوافع الكامنة وراء إقدام المتهم على قتل الضحية طلعت باشا، وسلط الأضواء أمام هيئة المحلفين على المسؤولية الأخلاقية التي تقع على عاتق الألمان كون حكومتهم السابقة حليفة للحكومة التركية التي إرتكبت الجرائم ضد الشعب الأرمني. وهكذا تحول القدر الدموي الذي أصاب الشعب الأرمني في سنوات (1915ــ 1918) والضحايا الأبرياء الذين سقطوا بكل إمتياز إلى أبطال هذه المحكمة، ولايمكن الحديث عن المحكمة، موضوع هذا الكتاب، من دون التطرق إلى عمليات الإبادة والمذابح التي حدثت بحق الأرمن في الدرجة الأولى وغيرهم من مواطني الدولة التركية من المسيحيين والعرب والكلدان والسريان. شرح الدفاع نواة الأسباب التي أدت إلى إبادة الأرمن ولخصها إلى نقطتين جوهريتين:
الأولى: تنامي النزعة القومية التركية التي وجدت صياغتها الإيديولوجية في إنشاء دولة تركيا الكبرى التي دعت وروجت لها جمعية "الإتحاد والترقي"، وذلك دون أخذ طموحات ونزعات القوميات الأخرى التي كانت تتشكل منها الإمبراطورية العثمانية بعين الحسبان.
أما النقطة الثانية: فهي طموح الشعب الأرمني نحو الحرية والإستقلال إسوة ببقية شعوب البلقان التي كانت تحت سيطرة الإمبراطورية العثمانية التي تمكنت بمساعدة القوى الغربية من نيل حريتها والإستقلال عن الدولة العثمانية، وبشكل خاص كان الأرمن ينظرون إلى التجربة البلغارية واليونانية التي أدت إلى إستقلال هذين الشعبين في القرن التاسع عشر.
يحتوي الكتاب على كل مرافعات المدافعين عن المتهم وعلى شهادات جميع الشهود الذين شهدوا لصالح المتهم والذين شهدوا ضده، وعلى مرافعات الإدعاء العام التي تدين المتهم وتطالب إنزال اشد العقوبات بحقه. إضافة إلى تقارير الخبراء المختصين في الطب النفسي والعقلي وفي التاريخ والمجال العسكري. أثبتت المحكمة وكشفت الفظاعات التي مارستها الحكومة التركية ضد الأطفال والنساء والشيوخ الأرمن العزل. تكشف خلال جلسات المحكمة أن الشاب الأرمني سوغومون تهليريان البالغ من العمر(24) عاماً المتهم بقتل طلعت باشا هو نفسه ضحية المجازر التي خطط لها وأوعز بتنفيذها طلعت باشا، كما أصدر الأوامر والتهديدات بالعقاب لكل موظف يمتنع أو يتهاون بتنفيذ تلك الأوامر. تحول طلعت من ضحية مغدورة إلى متهم مدان ومسبب موت مئات الآلاف من الضحايا الأرمن الأبرياء. تهليريان كان في الثامنة عشرة من العمر عندما ساق جنود الجيش التركي وعناصر الجندرمة أهالي مدينته أرزينجيان من الأرمن، في حزيران سنة(1915) كان برفقة عائلته مع قافلة المهجرين. أبوه كان في الخامسة والخمسين وأمه في الثانية والخمسين وشقيقه في الثانية والعشرين وآخر في السادسة عشرة وشقيقة في الخامسة عشرة من العمر، كما كانت ترافقهم شقيقة له متزوجة في الثانية والعشرين مع طفليها بعمر سنة واحدة وسنتين مع زوجها الذي كان في الثلاثين. بطش الجنود الأتراك والجندرمة بجميع أفراد عائلته الكبيرة. كان هو الناجي الوحيد منهم، بعد أن رأى بأم عينيه تسلسل البطش بأبيه وأمه وأشقائه في اللحظات ذاتها التي جرت شقيقاته اليافعات ليجري إغتصابهن على بعد أمتار قليلة منهم، وكان عليهم سماع صراخهن وبكائهن وهن يطلبن الرحمة من جزاريهن ومغتصبيهن دون جدوى. لم يتمكن من تقديم المساعدة لشقيقاته أو نجدتهن، رأى نصل بلطة تلمع أمام ناظريه وهي تهوي على رأس شقيقه الأكبر ابن الثانية والعشرين عاماً فتفصمه إلى شقين، وقبل أن يفيق من هول مايجري بعائلته من حوله تلقى هو ذاته ضربة من الخلف على رأسه وسقط مغشياً عليه بين جثث الضحايا المتناثرة. ظل طوال يومين فاقداً وعيه وهو ملقى بين الجثث. عندما إستفاق إضطر لإزاحة جثة شقيقه التي كانت ملقاة فوقه كي يتمكن من النهوض. كان مصاباً بجروح في رأسه ويديه وفخذه وثيابه ملطخة بدمائه ودماء شقيقه. تفقد الجثث بحثاً عن ناجين من افراد عائلته ولكن من دون فائدة. هام على وجهه مجرجراً جراحه دون أن يدرك هل يعيش كابوساً أم أن ماجرى ومايرى كان هو الواقع. لم يدر إلى أين كانت قدماه تذهبان به، فقد كان خائفاً من أن يعثر عليه الجنود أو الجندرمة التركية وتجهز عليه كما فعلوا ببقية أفراد عائلته. سأل رئيس المحكمة عما فعله المتهم تهليريان بعد نجاته من المذبحة، وجرى بينهما الحوار الآتي:
"رئيس المحكمة: إذن كنت بلا حيلة ولا تملك شيئاً، ماذا فعلت بعد ذلك؟
المتهم: لجأت إلى إحدى القرى في الجبال، كانت هناك إمرأة مسنة أعطتني مأوى، وعندما شفيت جروحي قالوا لي إنهم لايمكنهم إيوائي مدة أطول، لأن الحكومة منعت ذلك، وكل من يأوي الأرمن يلقى عقوبة الإعدام.
رئيس المحكمة: هل كانوا أرمن، أولئك الذين آووك؟.
المتهم: كانوا من الكرد.
رئيس المحكمة: وإلى اين ذهبت من هناك؟
المتهم: لقد كانوا أناساً طيبين، الكرد نصحوني بالذهاب إلى إيران. أعطوني ملابس كردية لأن ملابسي القديمة ملوثة بالدماء. لقد أحرقتها.
رئيس المحكمة: لكنك لم تكن تملك المال، من ماذا كنت تعيش؟
المتهم: من العطايا.
رئيس المحكمة: كم من الوقت إحتاجت جروحك كي تشفى؟.
المتهم: تقريباً عشرين يوماً حتى الشهر.
رئيس المحكمة: أين وجدت مأوى خلال هذه الفترة الطويلة لإقامتك؟.
المتهم: في البداية عند الكرد.
رئيس المحكمة: كم من الوقت؟ حدثت المذبحة في شهر حزيران سنة (1915).
المتهم: بقيت حوالي شهرين تقريباً بين الكرد في ديرسيم. إنضم إليَّ هناك شخصان أرمنيان هاربان مثلي، ومنهم علمت أنه حصلت مذبحة في خربوط أيضاً."
لم ترق شهادة المتهم الأرمني هذه حول الكرد لبعض الأطراف في المحكمة لأنها لاتطابق الإدعاءات والتلفيقات التي كانت حملة الدعاية التركية تروج لها عن مساهمة الكرد بالمذابح ضد الأرمن، وكانت أوساط ألمانية معينة ترددها وتكررها في سبيل تبرئة حليفتها الحكومة التركية من دماء الضحايا الأرمن. طرح أحد هؤلاء السؤال على المتهم:
"سؤال: مارأيك بالكرد؟
المتهم: الكرد شعب كالأرمن فيهم طيبون وفيهم سيئون."
رغم عدم وجود أي شخص أو جهة تمثل الكرد في هذه المحكمة التاريخية كي تعبر عن وجة نظرهم ويردوا عن أنفسهم الإتهامات وشائعات الطابور الخامس التركي عبر أبواقه التي تمثلها بعض الأوساط الألمانية، غير أنهم لم يفلحوا بزج إسم الكرد اثناء جلسات المحكمة وإلصاق مسؤولية هذه الجريمة بالشعب الكردي ومحاولة تصويره بأنه معاد للشعب الأرمني، وبأنه إستغل فرصة المحنة الأرمنية وسدد خناجر الغدر إلى الأشقاء الضحايا. لقد دافع الشهود الأرمن منهم والألمان عن الكرد كلما حاول أحد الإشارة إلى دور سلبي من المزعوم أنهم قد لعبوه في المآساة الأرمنية. بائت جميع المحاولات التي إستهدفت دق الإسفين بين الكرد والأرمن وزرع بذور التفرقة بينهما بالفشل. فأثبت الشعبان الكردي والأرمني مرة أخرى إن عرى الصداقة والأخوة والجوار بينهما أقوى من أن تنفصم، فجذور علاقتهما تمتد إلى أعماق التاريخ الغابر.
هناك الكثير من خطوط الالتقاء والتقاطع في مجاهل الماضي السحيق والحاضر المتألق بين الشعبين. كلا االشعبين يصنفان ضمن الشعوب الهندوــ اوربية. وهذا يعني وجود كلمات مشتركة وتعابير متشابهة واصول ثقافية متماثلة. خطوط التقارب والتقاطع لاتقتصر على التقسيمات والتوزيعات من قبل المدارس اللغوية وعلماء تاريخ اللغات. معطيات الجوار الجغرافي والتعايش في مناطق متاخمة ومدن وقرى مشتركة أو مجاورة، حتمت العيش في أطر ومساحات موحدة.
صحيح أن العامل الديني وإتباع أبجدية خاصة لاتمت الى اللغة العربية بشيء وإختلاف الطقوس والأعراف التي تقام في المعابد والأماكن المقدسة، تساهم في تعميق الخصوصيات والعلاقات الداخلية، إلا أن ماضي الجسور التاريخية والثقافية، خفف وطأة الإحتكاك والمشاحنات التي قد تحدث حتى في إطار المجتمع الواحد أيضاً.
نحن الكرد مدينون للعشرات من كبار الكتاب والمؤرخين الأرمن الذين تخصصوا في تاريخ الكرد وأجادوا في الأبداع وكشف الحقائق. اسماء مثل البروفسور م. م. هسرتيان، أوربيلى. على سبيل المثال لا الحصر، هؤلاء ساهموا بشكل جاد وفعال في تعريف القضية الكردية إلى الأوساط الأكاديمية والعلمية. أمام هذه الجهود الرائدة لايسعنا إلا أن نعبر لهم بأسمى درجات العرفان والتقدير والترحيب، لما بذلوه من جهود مخلصة ونبيلة في سبيل تفاهم الشعوب والدفاع عن حقوق القوميات المضّطهدة.
العلماء والكتاب والمفكرون الكرد دافعوا عن حقوق الشعب الأرمني وتعاطفوا معهم وتفهموا ظروفهم ومشاكلهم. لكن مع شديد الأسف لايمكن مقارنة نتاجات الكتاب والمؤرخين الأرمن من حيث تناول تاريخ الكرد، مع نتاجات الكتاب الكرد من حيث تناول القضية الأرمنية وتاريخ الأرمن. وتفسير هذه الظاهرة يرجع الى درجة مستوى التطور الثقافي والسياسي والعلمي الأرمني بالمقارنة مع درجة مستوى التطور الثقافي والسياسي والعلمي الكردي. جمهورية أرمينا السوظيتية تشكلت عام 1920 وجامعة يريظان أقدم من الجامعات الكردية وأكثر تطوراً. الكتاب والمؤرخون الكرد مقصرون حتى في كتابة تاريخهم. المستوى الأكاديمي هنا في كردستان يستحق الرثاء والثبور. الرسائل الجامعية بشكل عام لاتشفي الغليل ولاتستحق القراءة اصلاً. القليل منها تظهر الرصانة العلمية والجدية في البحث والتنقيب.
الدراسات الكردية حول الأرمن، بشكل عام تفتقر الى التخصص والدقة والعلمية. لأن الكتاب والباحثين الكرد لم تتوافر لهم فرص الاطلاع على الدراسات والمصادر الأرمنية وحتى فرص الإستقصاء والبحث لم تكن هينة. البعض الآخر وإن كانوا من القلة فربما كانوا وقعوا تحت ظلال التأثيرات التركية فهم نزعوا الى إجترار الدعايات والمزاعم التي كانت تبثها الأبواق الشوظينية المعادية للأرمن والكرد على حد سواء. هذه الزاوية الحادة في خضم توزيع الإتهامات وتغطية مسرح الجريمة، دفع حتى ببعض الكرد والكتاب الغربيين على الاعتقاد بأن دور (الشعب الكردي) في إبادة الأرمن لم يكن جانبياً.
لايمكن التطرق إلى العلاقة بين الشعبين الأرمني والكردي من دون إلقاء الضوء على مأساة الشعب الأرمني من خلال عمليات الإبادة التي تذوق مرارة علقمها على يد الشوفينية التركية في أواخر عهد الإمبراطورية العثمانية، وما عاناه من الفكر الطوراني في عهد تركيا الحديثة التي أسسها كمال أتاتورك على جماجم الضحايا الأرمن وبعدهم الضحايا الكرد. لقد رافقت حملة الإبادة ضد الأرمن حملة دعائية شعواء من الإتهامات والتلفيقات والأكاذيب على جميع الأصعدة في داخل تركيا وخارجها. لم تبخل الحكومة التركية في إنفاق الأموال الطائلة في سبيل نشر أضاليلها التي تلقى باللائمة على جميع الأطراف ولاتستثني أحداً سواها. فمرة تروج الشائعات بأن الأرمن تحالفوا مع الروس في الحرب مع تركيا، ومرة أخرى تدعي أنه يتحتم ترحيل السكان الأرمن من منطقة العمليات العسكرية الحربية لضرورات تحركات وأمن قواتها، ومرة تعزو سقوط الضحايا الأرمن بسبب غارات الرعاع واللصوص والكرد، وتلعب تارة أخرى بالوتر الديني الحساس فتزعم أن النعرة الدينية هي السبب في تأجيج مشاعر الترك والكرد المسلمين ضد الأرمن المسيحيين. لم تقتصر هذه المزاعم والإشاعات على تركيا فقط، بل تناقلها وروج لها حلفاؤها في الحرب العالمية الأولى الألمان، بل حتى أوساط واسعة من صحافة أعداؤها فرنسا وإنكلترا.
لم تتوقف أنشطة الطابور الخامس الكمالي عن بث السموم حتى اليوم، وما زالت بعض الأبواق تردد مفردات دعاياتها، سواء عن عمد أو نتيجة جهل بتفاصيل ودقائق التاريخ الدموي لهذا الحقد القومي الشوفيني الأعمى. كمثال عن هذه الأبواق سيد ألماني محترم يدعى تيلمان تسويلش وكان يرأس منظمة ألمانية تدعى "منظمة الدفاع عن الشعوب المهددة".
نشرت هذه المنظمة في الثمانينيات من القرن الماضي كتاباً بعنوان"الكرد" يتكون من ثلاثة أجزاء. هذا الكتاب ساهم بدور هام في توضيح القضية الكردية في المانيا. وهذا العمل الثقافي الرائع يستحق كل الثناء والمديح. السيد تيلمان تسويلش رئيس المنظمة آنذاك كتب مقدمة الجزء الثالث ويذكر فيها: ((صحيح بأن الكرد تعرضوا ويتعرضون الى الظلم والأبادة، لكنهم أيضاً مارسوا الظلم والعدوان بحق الأرمن والآثوريين والايزيديين.)) كرر الشخص المذكور المقولة هذه في مناسبات أخرى وخصوصاً عام (1988) م. رغم أن السيد تيلمان يعرف حق المعرفة بان الكرد كانوا يتعرضون من قبل النظام العراقي البائد الى أقسى حملات التنكيل والإبادة. في هذه اللحظة التي كان هو يكتب فيها هذا الهجاء اللاذع ضد شعب بأكمله. ويدعي أن الكرد ساهموا في المجازر. منظمة عالمية تدافع عن حقوق القوميات المهددة يجدر بمن يقودها ألا يلصق مثل هذه الإدعاءات بالكرد بدلاً من الدفاع عنهم وحمايتهم من حملة الإبادة التي تهدد وجودهم. من يريد معرفة هوية من نفذوا الجريمة فهؤلاء معرفون ومن الأفضل الإشارة بصراحة إلى الجهة المسؤولة.
الإدعاءات تقول ان الكرد قاموا أو ساهموا في هذه الجريمة. هل كانت حكومة كردية منتخبة قررت رسمياً الحرب على قومية أو مجموعة إثنية معينة؟ وهذا عدا أن الدولة العثمانية وحدها تتحمل جميع المسؤوليات! الكرد، الأرمن، العرب، اللاز، الشركس والأتراك كانوا جميعاً من رعايا الدولة العثمانية وهي المسؤولة الرئيسة عن الحفاظ والدفاع عن رعاياها دون إستثناء مجموعة قومية. هل تستطيع مجموعة تابعة لعشيرة معينة تنفيذ هذه الجريمة الكبيرة؟ الدولة من أعلى قمم السلطة قررت تصفية مجموعة قومية أخرى؟ فيما مضى حينما كانت الحكومة العراقية تقوم في تلك الفترة بتنفيذ أشرس حملات التطهير العرقي والإبادة القومية ضد الكرد التي تسمى بالأنفال. هل يعقل بأن القوات المسلحة العراقية ـ العربية وحدها نفذت الجريمة أم القوات المرتزقة الكردية ايضاً؟ لقد إشتركت مرتزقة كردية في هذه الجريمة، ولكن إشتراك المرتزقة الكرد في الجريمة هل يعني بأن الكرد نفذوا مجارز الأنفال أم ان نظام صدام حسين الذي قرر الهجوم وقتل جميع المواطنين الابرياء وخطط للعملية وأوعز الى قطعات الجيش والمرتزقة بأنفلة مناطق كردية واسعة؟ الحكومة العراقية صرفت مبالغ طائلة للقضاء على السكان الآمنين وضربهم بالقنابل السامة.
خطوط معاناة الأرمن عام (1915 ــ 1918) ومحرقة النازيين (1939 ـ 1945) وحملات الأنفال البشعة عام (1988) تتشابه. أسماء الجلادين والضحايا وأمكنة وأزمنة الجرائم تختلف، لكن المضمون واحد وظروف وملابسات الجريمة متطابقة من جميع الجوانب. الجلادون إختاروا دخان الحرب وهدير المدافع ولعلعة البنادق والعواطف الدينية والقومية المريضة أثناء الحرب العالمية الأولى والثانية وحرب الخليج (1980 ـ 1988) مسرحاً لامرئي لتصفية وجود شعوب بريئة لم تستطع حتى الدفاع عن نفسها.
المجازر ضد الأرمن لها خلفيات ومقدمات تمتد الى عقود قبل (1915)م. وقد قام أصحاب الايديولوجيات الشوظينية بخلق حماس"وطني وقومي" يبرر إزالة وإزاحة الحواجز الغريبة التي تفصل الأتراك عن الشعوب الطورانية الأخرى.
من الممكن إن الهستريا المذهبية والدينية لعبت دورها في تأجيج وتأليب السكان اي كانت هويتهم ضد الأرمن. ولا أستبعد إشتراك أشخاص من اللصوص الكرد أو المرتزقة في توجيه الضربات الى المواطنين الأرمن، إلا ان هذا لايعني بتاتاً أن الشعب الكردي أو جهة تمثل إرادة الشعب الكردي زج قواته المسلحة وساهم في تنفيذ جرائم الإبادة الجماعية ضد الشعب الأرمني.
كما أن بعض التجاوزات هنا أو هناك في أوقات معينة من قبل بعض الأرمن ضد المواطنين الكرد لاتعني أن الشعب الأرمني أو الحكومة التي تمثله قد أعلنت الحرب على الشعب الكردي.
لقد قدم فريق الدفاع نصوص جميع البرقيات الصادرة من قبل وزارة الداخلية العثمانية وموقعة من قبل طلعت باشا الى المحكمة والتي تتضمن بصريح العبارة قرار الإبادة الجماعية. ونشرت عدداً من نصوص البرقيات في ملحق الكتاب. سوغومون تهليريان أكد مرات عديدة بأن جميع الذين نفذوا العملية كانوا من الجيش النظامي العثماني ولم يشاهد أي كردي بزي رسمي أو بدون زي رسمي.
حولت شهادات الشهود الأرمن الناجين من المذابح، كالسيدة ترزيباشيان والبيشوف بالاكيان، مثلما شهادة المتهم تهليريان نفسه، جلسات المحكمة إلى دعوة ضد الضحية المقتول بتهمة هدر دماء أكثر من مليون ونصف ضحية بريئة. وهذا كان سبب إرتباط هذه المحاكمة ليس بإسم تهليريان، بل دخلت التاريخ بإسم ((قضية طلعت باشا)). سلسلة المذابح هذه التي حدثت سنوات (1915ـ 1918) لم تكن الأولى، وإنما بدأت السلسلة الأولى من المذابح ضد الشعب الأرمني من قبل السلاطين العثمانيين في تسعينيات القرن التاسع عشر (1894ــ 1896)، والتي تابعتها حكومة ((الإتحاد والترقي)) سنة (1909) و(1912) بعد إستلامهم السلطة في تركيا. كما تلتهامذابح أخرى بعد تسلُّم مصطفى كمال (أتاتورك) السلطة في تركيا، حيث تحالف مع روسيا البلشفية سنة (1922)، التي سحبت الجيش الروسي وفسحت المجال بهذا للجيش التركي كي يتوغل في مناطق أرمنية جديدة والوصول إلى أزربيجان. فأكمل الجيش التركي المذابح التي كانت حكومة "الإتحاد والترقي" قد سبقته في إرتكابها سنوات (1915ــ 1918) في شرق أرمينيا، وأجهز على اللاجئين الأرمن الذين كانوا قد نجوا من المذابح السابقة، إضافة إلى سكان هذه المناطق من الأرمن.
بدأت عملية الإبادة الجماعية سنة (1915) بسوق كل الشباب الأرمن من القادرين على حمل السلاح إلى الخدمة العسكرية في شهر شباط، حيث جرى تجريد المجندين الأرمن من السلاح وإرسالهم كمساجين إلى العمل الإجباري (السخرة)، حتى قضى معظمهم من المرض والإرهاق، أو جرى الإجهاز عليهم. في ليلة (24) نيسان سنة (1915) والأيام التي تلتها جرى إعتقال (600) من خيرة القيادات السياسية والثقافية الأرمنية في اسطنبول، ولم ينج منهم سوى (15) شخصية. بعد ذلك إستفردت الحكومة التركية بالشعب الأرمني، بعد أن تخلصت في البداية من القادرين على حمل السلاح والقيادات السياسية والثقافية منهم، فنفذت بسهولة مخططها الذي كانت أعدته، من دون أن تلقى أي نوع من المقاومة الأرمنية التي تستحق الذكر. لم يكن بوسع الأرمن الدفاع عن أنفسهم، حيث ان لعلعلة الرصاص ودوي المدافع في بداية الحرب العالمية الأولى أصمت آذان القوى العظمى مثل بريطانيا وفرنسا وروسيا وحليفة تركيا ألمانيا عن سماع أنين وصراخ الضحايا الأرمن التي كانت تطلب النجدة دون فائدة. روت إحدى الشاهدات الألمانيات التي كانت تعمل في بعثة تبشيرية اثناء المذابح في منطقة الأحداث لدى مرور قافلة من المهجرين الأرمن مكونة فقط من النساء والأطفال الجياع ونصف عراة، فصرخت إمرأة أرمنية تستصرخ ضمائر الألمان الذين كانوا ينظرون إلى القافلة بذهول: ((نحن مستعدون أن نصبح مسلمين.. نصبح أتراكاً .. نصبح ألمان.. إذا تركتموهم يأخذوننا إلى حيث يريدون، سيقطعون رقابنا جميعاً..))
تمكن الدفاع من دحض الخطاب الرسمي والإعلامي للحكومة التركية التي كانت تسمي عمليات الإبادة بـ((التهجير القسري)) لبعض رعايا الدولة التركية من المناطق القريبة من مسرح العمليات العسكرية في الحرب ضد الجيش الروسي. وقد تناقلت وكالات الأنباء الرسمية في الدول الغربية هذا الزعم نافية الأخبار الأخرى التي كانت ترشح عن المذابح التي كانت تجري على أرض الواقع بحق العزل من النساء والأطفال والشيوخ الأرمن.
أرقام أعداد الضحايا الهائلة كانت مرتفعة إلى درجة تصعب على الإنسان الذي يعيش بعيداً عن الأحداث تصديقها. كما تمكن الدفاع من إثبات أن حكومة ((الإتحاد والترقي)) التركية كانت قد إتخذت قراراً بالإبادة الجماعية للأرمن وتطهير مناطق الدولة التركية منهم. إستطاع الدفاع تقديم عدد من البرقيات الصادرة عن وزارة الداخلية التركية والموقعة من قبل طلعت باشا ذاته، تؤكد هذه البرقيات وتلح على الولاة في المناطق المتواجد فيها الأرمن على ضرورة الإلتزام بالأوامر الصادرة من الحكومة فيما يخص تصفية الأرمن، وتحثهم على عدم الرأفة أو التعاطف مع النساء والأطفال، لأن النساء إذا بقين على قيد الحياة سوف ينجبن وبذلك سوف يرتفع عدد الأرمن من جديد، وإذا بقي الأطفال الأرمن على قيد الحياة سوف يكبرون ويصبحون رجالاً، سوف ينتقمون لموت ذويهم. كانت البرقيات تتضمن تحذير الموظفين وتهديهم إذا تهاونوا في تنفيذ الأوامر وتطالب هؤلاء الموظفين بمعاقبة المواطنين الذين يقدمون المساعدة للأرمن.
وقد صدرت الأوامر بتنحية عدد من الولاة والقائمقامين الذين رفضوا الإنصياع لأوامر الإبادة، وجرى تعيين ولاة وموظفين آخرين محلهم، الذين نفذوا أوامر الحكومة في منتهى الإخلاص والصرامة وبقلوب تخلو من الرحمة بالضحايا الأرمن.
حدث لغط كبير حول عدد مجمل الضحايا الأرمن وغيرهم من المسيحيين منهم الكلدان والسريان والعرب نتيجة تنفيذ مخطط الحكومة التركية الذي جرى في منتهى الحزم والدقة. ربما بالغت بعض الأوساط الأرمنية في تقدير أعداد الضحايا الأرمن نتيجة الحماسة والعواطف والمشاعر الجياشة كردة فعل مفهومة على حجم الكارثة والألم الذي لحق بهم وبذويهم، بغض النظر عن عدد من خسروهم من الضحايا سواء نقص أم زاد. من جهة أخرى لايمكن قبول أو تصديق إدعاءات ومزاعم الحملة الهائلة لجهاز الدعاية الحكومية التركية الشوفينية برمتها، خاصة فيما يخص عدد الضحايا الذي قدرته بـ(60)ألف ضحية. كما لايمكن قبول تفسير وتبرير المزاعم حول الأسباب التي أدت إلى سقوط هذا العدد الهائل من الضحايا، التي عزتهم إلى غارات السلب والنهب التي شنها الرعاع واللصوص الكرد والترك على قوافل المرحلين الأرمن اثناء الطريق. وحتى إذا إفترضنا أن هذه المزاعم صحيحة، أليس الحكومة التركية هي المسؤولة عن سلامة حياة رعاياها عندما تصدر أوامر بتهجيرهم قسرياً من أوطانهم، ومن واجبها حماية قوافلهم من غارة هؤلاء الرعاع واللصوص. مجريات وقائع المحكمة أثبتت من خلال ادلة الإثباتات (إنظر الملحق) وشهادات الشهود أن الوحدات العسكرية التابعة للجيش التركي وعناصر الجندرمة (الشرطة) التابعة لوزارة الأمن الداخلي، التي كان طلعت باشا وزيرها، التي كانت تسوق قوافل المهجرين الأرمن، عوضاً عن تأمين الحماية لهم، هي التي كانت تسلب كل ما كان بحوزة المرحلين الأرمن من الأشياء والأدوات المفيدة وكل مايحملونه من نقود وحلي وثروات ومدخرات عمرهم، وتجردهم من الأسلحة وحتى السكاكين والأودات الحادة الصغيرة، ويسرقون الفتيات والنساء الجميلات منهم ليقضوا بهن وطرهم غير آبهين لنداءات الرحمة من الفتيات الصغيرات، أو يأخذون بعضاً منهن زوجات أو يبيعونهن لمن يدفع لهم ثمناً مجزياً. توجد صور فوتوغرافية لجثث فتيات ونساء أرمنيات عارية فتك بهن المعتدون بعد إغتصابهن. الجثث التي عثر عليها لأرمن مقيدين أزواجاً ظهراً لظهر بأعداد كبيرة تثبت أن عمليات قتل هؤلاء الضحايا لم تكن نتيجة غارات الرعاع واللصوص بل ان قتلهم كانت عملية منظمة جرى تنفيذها تلبية لأوامر رسمية من هيئات عسكرية أو أمنية منظمة. بكل الأحوال جاء في تقرير الأمين العام لعصبة الأمم سنة (1921) فريدتيوف نانسن أن عدد ضحايا عمليات الإبادة الجماعية بحق الأرمن بلغ مليون ونصف ضحية. وهو يقصد العمليات التي جرت مابين سنوات (1915ــ 1918)، أي هذا الرقم لايشمل ضحايا المذابح التي جرت ضد الأرمن في سنوات (1894ــ 1896) و(1909) و(1912)، كما لايشمل هذا الرقم الضحايا الأرمن في المذابح التي تعرضوا لها ضمن إطار ما أطلق عليها الكماليون (حرب التحرير)، بعد إزاحة كمال أتاتورك للإتحاديين عن السلطة سنة (1918) وذلك بشكل خاص في المناطق التي إنسحب منها الجيش الروسي البلشفي وتنازل عنها للحليف الذي كانوا يعتبرونه الثوري المثالي كمال أتاتورك، فأجهزت القوات التركية على سكان هذه المناطق الأرمن الأصليين منهم، إضافة إلى اللاجئين الأرمن الذين نجوا من المذابح سنوات (1915ــ 1918) وهربوا إلى المنطقة التي كان يسيطر عليها الجيش الروسي. لهذا السبب إذا نظر المرء إلى قائمة المذابح التي تعرض لها الشعب الأرمني منذ سنة (1894) حتى سنة (1922) لن يثير إستغرابه إذا بلغ عدد الضحايا قرابة مليوني ضحية.
كما لن يثير الإستغراب مطاردة سوغومون تهليريان، الذي خسر جميع أفراد عائلته للمسؤول الأول عن المجازر هذه واللحاق به إلى باريس سنة (1920)، ومن ثم المتابعة ورائه من هناك في شهر كانون الأول من نفس السنة إلى المانيا، حيث أطلق عليه النار في صبيحة يوم (15)اذار سنة (1921) وأرداه قتيلاً في شارع هاردنبرغ في برلين.
بعد تبرئة تهليريان وإطلاق سراحه في شهر حزيران سنة (1921) سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية. تزوج هناك وأنجب طفلة وطفلاً وعاش حتى وفاته هناك سنة (1962) عن عمر يناهز الـ(64) سنة.
يمكن القول ان الظروف السياسية الدولية وتداخل مصالح القوى العظمى وتشابكها لعبت الدورالأكبر في تقطيع أوصال ارمينيا وإبادة جزء كبير من الشعب الأرمني وإكراه جزء أكبر على مهاجرة أوطانهم والتبعثر في جميع أنحاء المعمورة. تناثر الأرمن فيما بين دول الجوار سورية ولبنان والعراق والأردن ومصر وفلسطين وفي إيران وآذربيجان وروسيا وفي حوض البحر الأبيض المتوسط، خاصة دول البلقان واليونان وفرنسا، وصولاً إلى كندا والولايات المتحدة الأمريكية واستراليا وغيرها من دول العالم، لايمكن إعتباره هجرة عادية بحثاً عن لقمة العيش، بل يعتبر دليلاً من الدلائل الأخرى التي تثبت تعرض الشعب الأرمني لقدر مريع دفع بمن هاجروا الإبتعاد عن أوطانهم مكرهين بغريزة حب البقاء. القول بأن الأرمن لم يهاجروا بهذه الأعداد الكبيرة بسبب ماتعرضوا له من حرب إبادة وتهجير قسري بلغ أقصى مايتصوره الخيال البشري من الفظاعة والدموية، يشبه القول بأن "الهجرة المليونية" التي عايشها الكرد في كردستان العراق سنة(1991) كانت بسبب رغبة الكرد في "الذهاب إلى سيران" أو كما يقول المصريون"شم النسيم". إنكار حدوث الإبادة الجماعية بحق الأرمن يكمن ورائه الخوف من مطالبة الأرمن بإستعادة حقهم المسلوب والتعويض لهم عمن خسروه من الضحايا. والإعتراف بالجرائم التي ارتكبت بحقهم سوف يقود إلى الكشف عن أسباب ودوافع هذه الجرائم الحقيقية، وهي إنتماؤهم إلى هوية ثقافية وعرقية مختلفة، جرت محاولات طمسها وإزالتها، وعندما لم تفلح هذه المحاولات بوسائل أخرى أقل همجية، لجأت الشوفينية التركية إلى الإبادة الجماعية. تسليط الأضواء على محاولة طمس التمييز الأرمني الثقافي والعرقي سيثير إشكالية لم تتمكن الشوفينية التركية من حلها وفق وصفة"المسألة الأرمنية"، وهي القضية الكردية في تركيا الحديثة. الجميع يعرف أن الحكومة التركية قبل أن تطوي ملف"المسألة الأرمنية" سرعان ماشرعت بسلسلة من الحملات التأديبية والقمع والمجازر والتهجير والتتريك رداً على المطالب الكردية بخصوص هويتهم القومية، ونزوعهم إلى الإستقلال والحرية، ولا زالت المسألة الكردية منذ قيام تركيا الحديثة حتى اليوم شوكة في خاصرة"الديموقراطية التركية" تسبب لها الإحراج أمام الديموقراطيات الغربية
لايسهم نكران الإبادة الأرمنية بتفاهم الشعوب وتعايشها السلمي وفق تعاقد ديموقراطي حضاري يقبل المتميز والمختلف، كما لايساعد الناجين من المجازر وأحفادهم، ولا أحفاد الضحايا على إلتئام الجراح والخلاص من الآلام ونسيان الذاكرة الجمعية بالآلام بسبب فقدان ذويهم وآبائهم وأجدادهم. حتى القول بأن"المجازر أو الإبادة الجماعية التي تعرض لها شعب ما، في هذه الحالة الشعب الأرمني، لم يبلغ إلى هذه الدرجة أو تلك...الخ" فيه إستهانة ومهانة لمشاعر الذاكرة الأرمنية، ويثقل على دواخلهم التي تعاني مايكفي من الألم، بآلام إضافية.
لايمكن أن تصدر من جهة كردية أية إشارة إلى التقليل من حجم معانات شعب شقيق كالشعب الأرمني، خاصة لأنه ذاق مرارة مثل تلك المعاناة تحت وطأة الأنفال والمجازر وحروب الإبادة على مدى عقود طويلة.
شاءت أقدار السياسة الدولية، وهذا مايحصل نادراً، أن تتباعد وتتنافر مصالح حلفاء السابق تركيا الكمالية التي وضعت يدها مع روسيا البلشفية والمانيا الجمهورية التي أطاحت بالقيصر الألماني وما يمثله من فكر عسكرتاري مؤيد للعسكرتارية التركية. لم يستمر هذا التباعد بعد الحرب العالمية الأولى بين تركيا وألمانيا، إذ سرعان ما عاد الفكر العسكرتاري الألماني متمثلاً بالنازية الهتلرية ليستولي على زمام الأمور في المانيا، وليعيد التحالف مع الحليفة السابقة تركيا وليعيد من جديد كرة أخرى جولة جديدة من الدمار والخراب في حرب عالمية ثانية فاقت الأولى بما جلبته من مآسً وما سببته من سقوط ضحايا بين البشر. إلا أن هذا التباعد المؤقت بين ألمانيا وتركيا هو الذي أتاح الفرصة لحدوث مثل هذه المحاكمة في ألمانيا على الإطلاق، لتفضح المسؤولين الفعليين عن تدبير وتنفيذ جريمة الإبادة بحق الشعب الأرمني، ولتبرىء الكرد من المزاعم والإدعاءات بتلطيخ اياديهم بدماء إخوتهم الأرمن.
لا يجوز محاسبة الشعوب في نزوعها إلى الحرية والإستقلال، كما لا يجوز معاقبتها وسفك دماء نسائها وأطفالها ورجالها وشيوخها وإبادتها لهذا السبب. بالتأكيد كانت توجد إمكانيات وحلول أخرى لبناء دولة حديثة أو دولاً بدون إبادة جماعية أو صهر قومي من قبل قومية واحدة تجاه قوميات أخرى، وبدون تكفير عقيدة للعقائد السياسية أو الدينية الأخرى.
بإصدار هذا الكتاب بمناسبة مرور (93) سنة على حدوث المذابح التي بدأت في ليلة(24) نيسان (1915)، نود أن نجل أرواح من سقطوا من الضحايا الشهداء الأرمن الأبرياء، وارواح شهدائنا الكرد وشهداء جميع الشعوب الأخرى الذين هدرت دماؤهم بسبب الشوفينية العمياء وضيق الأفق والنزق السياسي والإستبداد بالرأي، مهما تمايزت الثقافات والأعراق والأديان والطوائف، فإن هذه التمايزات يجب أن تكون منبعاً غنى وإثراء وليس سبباً للتناحر والتنافر، أن إلغاء الآخر المختلف ماهو بالحقيقة إلاّ هدم وفناء جزء من الذات وتدمير الجمال فيها.
ليس الهدف من ترجمة ونشر هذا الكتاب نبش الماضي وإقلاق راحة أرواح ضحايا مجازر عمليات الإبادة الجماعية بحق الأرمن، ولا محاكمة عظام ورفات مرتكبي هذه الجرائم والمخططين لها والمسؤولين عن حدوثها، وإنما نهدف في الدرجة الأولى إلى عدم تكرار مثل هذا الفصل الدموي الهمجي بحق الشعب الأرمني أو بحق اي شعب آخر.


(ماموستا جعفر)
غسان نعسان





اليوم الأول
لجلسات المحكمة

تأخذ بعين الإعتبار في القضية الجنائية الموجهة ضد تهليريان الأحكام التالية من قانون العقوبات الألماني (الصادر في شهر آيار سنة 1870):
المادة 211: من يقتل إنساناً متعمدا، وإذا كان القتل ناتجاً عن سابق إصرار، يعاقب بسبب القتل بعقوبة الموت.
المادة 212: من يقتل إنساناً متعمدا، وإذا كان القتل ليس عن سابق إصرار، يعاقب الجاني بسبب الضربة القاتلة بالسجن ليس أقل من خمس سنوات.

المادة 213: من يقتل إنساناً من دون ان يكون القتل من ذنبه، وذلك بسبب تعرضه ذاته أو أحد أقربائه للإساءة في المعاملة أو إلى الإهانة البليغة من قبل المقتول أدت إلى إثارة غضبه وحملته على إرتكاب هذه الفعلة في الحال، أو إذا كانت هناك أسباب وظروف أخرى مخففة، يعاقب بعقوبة الحبس ليس أقل من ستة اشهر.

المادة 51: لاتوجد عقوبة جنائية إذا كان الفاعل أثناء إرتكاب فعلته لايمتلك الوعي، أو تحت تأثير إعاقة ضرر مرضي في طاقاته العقلية يعيقه إفتقد من خلالها إرادة إتخاذ القرار الحر.

1- هيئة المحكمة:
- رئيس المحكمة: رئيس محكمة المنطقة القاضي الدكتور ليمبرغ.
- القضاة المساعدون:
عضو محكمة الولاية القاضي باته
ـ مستشار محكمة الولاية الدكتور لاكس
- كاتب المحكمة:
المراقب الحقوقي فارمبورغ

2- ممثل الإدعاء:
المدعي العام الأول كولنيك

3- المحلفون:
مليث الجدران فيلهلم كرأو، نأون قرب برلين
التاجر رودولف كروسر، بيرنأو(مارك)
الجواهرجي كورت بارتل، برلين
المتقاعد آدولف لونه، برلين ـ بانكوف
مالك بناء أوتو ايفالد، شارلوتنبورغ
مصلح الأسطحة أوتو فاغنر، شارلوتنبورغ
مصلح الأقفال أوتو بينده، شونيه
معلم البناء أوتو راينيكه، تيغل
معلم الدهان أوجين دي بريزه، برلين- فينتر زدورف
صاحب متجر العطورات آلبرت بيلينغ، شارلوتنبورغ
مصلح الأقفال هيرمان كولده، شارلوتنبورغ
صاحب مصنع قرميد روبرت هايزه، شارلوتنبورغ

4- محلفون احتياطيون:
مؤجر الشقق يوليوس فورخ، شارلوتنبورغ
القصاب أوغست بليزيند، تيفل

5- الدفاع:
المحامي الدكتور آدولف فون غوردون، برلين
المحامي الدكتور يوهانيس فيرتهأور، برلين
المحامي الدكتور نيماير، بروفيسور قانون في جامعة كيل.

(إفتتح رئيس المحكمة القاضي ليمبرغ رئيس محكمة الولاية الجلسة في تمام الساعة التاسعة والربع.
تم التأكد من حضور المتهم ومحاميين الدفاع الثلاثة، إضافة إلى المترجمين فاهان زاخار يانتيس وغيورغ كالوسيديان، اللذين قاما بتأدية القسم.
وقد تم إختيار المحلفين عن طريق الإقتراع، حيث أدوا القسم بشكل منفرد، وتعهد كل منهم أن يدلي بصوته وفقا لمعرفته وضميره.
كما تم التأكد من حضور الخبراء المستشارين والشهود.)
الرئيس( إلى الشهود والخبراء): سوف يتم سؤالكم كشهود وخبراء حول هذه القضية. إن مادة هذا التحقيق معروفة بالنسبة لكم. هنا أود ان أنبهكم إلى أهمية وقدسية القسم. وأشير إلى أن القانون يفرض عقوبات صارمة على كل من يدلي بشهادة خاطئة متعمدة أو نتيجة إهمال تحت القسم.
كما يجب أن تكون المعلومات حول الأشخاص وعلاقاتهم مع المتهم صحيحة وتطابق الحقيقة.
والآن أرجوكم مغادرة قاعة المحكمة والإنتظار إلى ان يتم نداؤكم إلى الدخول. لا أشك أن النداء سيسمع خارج القاعة بحيث أن قسماً من الشهود اليوم يستطيع الخروج. أرجوكم أن تظلوا في هذه الحالة قريبا من باب قاعة المحكمة.
(يغادر الشهود بعد ذلك القاعة.)
(يجلس على مقعد الخبراء كل من):
طبيب المنطقة المساعد الدكتور تيليه، برلين- فريد ناو

طبيب الإسعاف المستشار الدكتور شميلينسكي، شارلوتنبورغ
الطبيب الدكتور شلوس سانيتيت فاخى 7
طبيب المحاكم المستشار الطبـي الدكتور شتورمر، برلين.
البرفيسور المتعاقد لدى جامعة برلين، المستشار الطبـي الدكتور هوغو ليبمان، برلين، بصفته معالجاً نفسياً.
طبيب الأعصاب الدكتور ريتشارد كاسيرر، البروفيسور في جامعة برلين.
الطبيب الأعلى في قسم الأعصاب في مستشفى شاريته البرفيسور الدكتور ادموند فورستر، برلين، بصفته معالجاً نفسانياً
طبيب الاعصاب الدكتور برنو هاكه، برلين
صانع الاسلحة الملكية باريلا، برلين، بصفته خبير اسلحة
البرفيسور الدكتور بأول بفيفر، برلين، فريد نأو، بصفته مترجم اللغة الفرنسية.
الرئيس(إلى هيئة المحكمة ومحامي الدفاع): لدي النية بعد قراءة قرار الإفتتاح، ان أستمع إلى أقوال المتهم بكل ماأمكن من التفصيل، ثم الإستماع إلى شهادات السيدة طلعت والتاجر ينسن والخادم ديمبيكي والشرطي غناس والشرطي شولتز ومستشار المحكمة البدائية شولتزه والطبيب الدكتور باريلا، ومن ثم بعدهم الإستماع إلى شهادات الشهود الذين لهم علاقة مباشرة بالجريمة، ثم وبالدرجة الثانية الأشخاص الذين تعرفوا على المتهم أثناء إقامته في برلين وأثناء إقامته في باريس وكانوا على علاقة معه، وقصدي بذلك السيدة شتيلبأوم والسيدة ديتمان والمعلمة الآنسة لولا بايلنسون، وكلَّ من آبيليان وأفتيان وتيرزيباشيان، ومن الشهود الذين تم إستدعاؤهم لاحقا صامويل فوز غانيان.
المدافع فون غوردون: موافقون.
الرئيس: ثم بعد ذلك لدي النية بأن أثير السؤال، فيما إذا كان الدفاع في ظل ظروف معينة سيوافق على الإستغناء عن أدلة إثباتات إضافية (قارن عنوان الملحق).
المدافع فون غوردون: من المفهوم اننا سنقرر هذه النقطة فيما بعد.
يتعلق الموضوع بشكل عام بقضية شائكة، ونحن ملزمون من جهة بتمثيل مصالح موكلنا، وقبل كل شيء من جهة أخرى مصالح الإمبراطورية الألمانية.
الرئيس: سوف أكتفي اليوم بالشهود من المجموعتين 1و2، والشهود الذين تم إستدعاؤهم فيما بعد بموجب الرسالة المؤرخة (30) آيار سوف اؤجل الإستماع إلى شهاداتهم إلى يوم الغد صباحا، وعليه سيبقى لدينا لهذا اليوم (19) شاهدا. أقترح أن نحدد موعداً لإستراحة الغداء. مارأي السادة المحلفين بذلك؟. (تأتي الموافقة من مقاعد المحلفين). سوف نكتفي بإستراحة قصيرة، حوالي الساعة الواحدة والنصف.
سوف نستمع إلى شهادات بقية الشهود في جلسة صباح الغد، إلا أن السؤال تحجب الإجابة عنه، إلى أي حد سوف نحتاج إلى متابعة أدلة الإثبات، ثم في النهاية سنستمع إلى إفادات السادة الخبراء المستشارين، البروفيسور الدكتور كاسيرر والمستشار ليبمان، والدكتور شتورمر والبرفيسور فورستر.
المدافع فون غوردون: نحن نرجو الإستماع إلى إفادة السيد الدكتور ليبسيوس بصفته خبيراً وإلى سعادة ليمان فون ساندرز، بل حتى إننا نرجو الإستماع إلى إفادة هذين السيدين بصفتهم خبراء بالشؤون الأرمنية كاملة. سوف تذكر الآف الأشياء التي ستبدو بالنسبة لنا ولكم غريبة بالكامل سادتي المحلفين، سوف نحتاج لهذا السبب إلى مفتاح، وبالتحديد إلى معرفة طباع هذا الشعب وما شابه. لأجل ذلك لايوجد من هو أنسب من البروفيسور الدكتور ليبسيوس، الذي عاش هناك فترة طويلة وأطلع على الظروف السائدة وكون بنفسه وبطريقة مباشرة فكرة عنها. أما سعادة ليمان فون ساندرز، الذي نعلم عنه، فانها ليس فقط أثناء الحرب، بل كان في تركيا سنوات طويلة قبل الحرب. فكرت أيضاً بالإستفادة في هذا المجال، من القنصل الألماني السابق في حلب السيد روسلر بصفته خبيراً، وهو يقيم الآن في ايفر. لقد ابرق لي أنه يستطيع الحضور فقط في حال سمحت له وزارة الخارجية. ووزارة الخارجية التي وافقت برقيا في البداية على حضوره هنا، إلا أنها مساء الأمس أرسلت رسالة تضمنت أنه لايمكن السماح للسيد القنصل روسلر بالمجيء إلى هنا بصفته خبيراً. فيما يخص الأسئلة التي نريد طرحها عليه، لايزال الأمر متعلقا بالتقارير التي سنطلع عليها أثناء إنعقاد الجلسة اليوم.
وهذا هو السبب الذي يحدو بي إلى رجائكم للإستماع إلى إفادات سعادة ليمان فون ساندرز والدكتور ليبسيوس بصفتهم خبراء بشؤون القضية الأرمنية والعلاقات السائدة في تركية، عوضا عن القنصل السيد روسلر.
المدعي العام كولنيك: أود الإشارة مقابل ذلك إلى أن إرتكاب الجريمة لم يقع في أرمينيا وإنما في برلين. أنا مقتنع بأننا لسنا بحاجة إلى هذا النوع من أدلة الإثباتات هذه. ولكن بإعتبار أن الخبراء المستشارين قد تم إستدعاؤهم من قبل محامي الدفاع، فيجب على الإفادة أن تمتد إلى نظام القضايا الجنائية. لايمكن الإعتراض إذا على ذلك. أرجو فقط ألا نتوسع أكثر مما يجب في أدلة الإثبات، لأني أعتقد أن هذا لاعلاقة له على الإطلاق بقضيتنا.
المدافع فون غوردون: سوف نحاول قدر الإمكان إختصار أدلة الإثباتات (قارن الملحق)، لكننا نرجو الا نلغيها بشكل مطلق. صدقوني أيها السادة، الأمر يهم مصلحة الإمبراطورية الألمانية
الرئيس: قررت المحكمة الاستماع إلى افادة السيد البرفيسور الدكتور ليبسيوس والسيد الجنرال ليمان فون ساندرز سعادته. يحق لهذان السيدان حضور الجلسة.(يدخل الخبيران قاعة المحكمة)أيضاً أرجومن السيدين أن ياخذا لهذين السيدين علما، بأنهما سيدعيان إلى الإدلاء بإفادتهما بصفتهما خبيرين بناء على طلب من هيئة الدفاع.
أرجو الأعلان أن الإستماع إلى إفادات الشهود التالية أسماؤهم: الممرضة تورافون فيدل، والممرضة ايفا الفيرس، والمبشرة ديدسون والسيدة سبيكر(قارن الملحق) والكاتب آرام اندونيان، والملازم أول ارنست باراغوين، والعريف أول فرانتس كارل آندريس والبيشوف المساعد بالإكيان، سيكون في جلسة يوم الغد صباحا، بإمكانهم المغادرة الآن، وعليهم المثول في المحكمة غدا في التاسعة صباحاً. بقية الشهود عليهم البقاء هنا.
وهكذا سنبدأ الآن الجلسة فيما يخص القضية وننتقل إلى إفادة المتهم وإلى التحقيق في علاقاته الشخصية.
هل صحيح أنك من مواليد (2) نيسان (1897) في باكاريتش؟
المتهم: نعم.

الرئيس: ماهي مهنة أهلك؟ (المقصود هنا مهنة الأب ـ المترجم)
المتهم: تاجر.

الرئيس: أين كنت تعيش؟
المتهم: في باكارتيش.

الرئيس: وفيما بعد؟
المتهم: عندما كان عمري سنتين أو ثلاثاً انتقلنا إلى آرزينجيان.

الرئيس: كم عدد إخوتك وأخواتك؟
المتهم: إخوان إثنان وثلاث أخوات.

الرئيس: هل عاش هؤلاء الإخوة والأخوات جميعهم مع أهلك حتى سنة (1915) ؟
المتهم: لقد عاشوا جميعهم معنا، ماعدا أختاً واحدة كانت متزوجة.

الرئيس: أين ذهبت إلى المدرسة؟
المتهم: في آرزنيجيان.

الرئيس: كم سنة؟
المتهم: (8-9) سنوات تقريباً.

الرئيس: هل كنت ناجحاً في المدرسة؟
المتهم: نعم، كنت ناجحاً.

الرئيس: هل كانت أوضاع أهلك المادية جيدة؟
المتهم: نعم، جيدة جدا.

الرئيس: هل تعرضتم للمعاناة بسبب الحرب العالمية؟
المتهم: لم تعان عائلتي إلى حين حصول المذبحة، ماعدا أن التجارة خفت قليلا.

الرئيس: ألم يساق أحد اخوتك إلى الخدمة العسكرية؟
المتهم: نعم، الأخ الأوسط كان مجنداً.

الرئيس: أين حارب؟ على أية جبهة؟
المتهم: لم يكن على الجبهة، بل خدم في خربوط جنوبي آرزينجيان.

الرئيس: هل تقع هذه المدينة في إرمينيا؟
المتهم: نعم، في القسم الآسيوي من تركيا.

الرئيس: هل كان عام (1915) في البيت؟
المتهم: نعم، كان قد عاد إلى البيت في إجازة عام (1915) عندما حدثت المجزرة.

الرئيس: هل كانت المجزرة بالنسبة لكم في آرزينجيان مفاجأة تماما، أم كانت هناك مؤشرات قبل ذلك على حدوثها؟
المتهم: كنا نعتقد ان مجازر ستحدث، لأنه كانت تنتشر الأخبار دائما عن قتل الناس. وعمليات وحوادث.

الرئيس: هل كانت هناك فكرة عن حجم عمليات المذابح تلك؟ كان الناس يقولون عنها؟ لماذا كانت تحدث؟
المتهم: منذ البداية كانت تحصل مجازر دائماً، منذ ولادتي، وعندما إنتقلت مع أهلي إلى آرزينجيان. كان أهلي يحكون دائماً بانه حدثت مجازر.

الرئيس: في الماضي؟ متى حدثت مجزرة في الماضي؟
المتهم: عام (1894) حدثت مجازر في هذه المنطقة.

الرئيس: هل كانت توجد ثمة مؤشرات على حدوث مجزرة سنة (1915)؟
المتهم: (فهم السؤال بشكل خاطىء) لم أكن قد ولدت حينها.

الرئيس: عام (1915)؟!..
المتهم: كنا نخشى باستمرار من حدوث مذابح، لم نكن نعلم الأسباب.

الرئيس: هل كنتم تخافون من مثل هذه المذابح؟
المتهم: سنين طويلة كنا نخافها كثيراً، وسنين طويلة قبل ذلك كنا نخشى أن تحصل مذابح.

الرئيس: هل تعلم شيئا بنفسك، أم عن طريق حكايات أهلك عن الأسباب؟
المتهم: لم أفهم السؤال؟

الرئيس: هل تعلم من خلال الأحاديث التي كانت تجري في بيت أهلك شيئا عن أسباب المذابح؟
المتهم: كانوا يقولون إن الحكومة التركية الجديدة ستقوم بإجراءات ضدنا.

الرئيس: هل كان دافع هذه الحكومة التركية هو القول، توجد ضرورات عسكرية تحتم تلك الإجراءات؟ أم عن ماذا كان يجري الحديث؟
المتهم: كنت في ذلك الوقت صغيراً إلى حد ما.

الرئيس: لكنك كنت حينها في الثامنة عشرة من العمر.
المتهم: كانوا يقولون لي إن الأسباب دينية وسياسية.

الرئيس: من المستحسن والحالة هكذا ان يلقى الضوء على هذه الخلفية للقضية من حيث علاقتها بالظروف الشخصية للمتهم.
المدعي العام: أعتقد انه من الأفضل صرف النظر عن ذلك، والتفكير فيما إذا كان من الأفضل أن يتلى قرار الإفتتاح.

الرئيس: (بعد المشاورة مع هيئة المحكمة) نود أن نسمع من المتهم القصة كاملة كيف حدثت المذبحة، وماذا عايشت عائلته أثناءها. على المتهم أن يروي القصة في مقاطع، وستجري ترجمة قصته.
المتهم: عندما بدأت الحرب عام (1914) وتم سوق المجندين الأرمن، جاء الخبر في شهر آيار (1915) بأنه يجب إغلاق المدارس، وأن شخصيات المدينة المعروفة والمعلمين يجب أن يرسلوا إلى المعسكر.

الرئيس: هل أخذوهم إلى معسكر محدد، معسكر إعتقال؟.
المتهم: لاأعلم. كان عليهم أن يتجمعوا ثم أخذوهم جميعا. كنت خائفا ولا أريد مغادرة المنزل. عندما أخذوا تلك القافلة إنتشرت الإشاعات بأن الذين هجروا من قبل تم قتلهم. وقد علمنا فيما بعد عن طريق برقية بأن هؤلاء المهجرين من آرزينجيان واحداً منهم فقط نجا من الموت، وهو مارتيروسيان.
بداية حزيران صدر الأمر، أن على السكان ان يجهزوا انفسهم لمغادرة المدينة. وقد اخبرونا أيضاً، بأننا نستطيع تسليم النقود والأشياء الثمينة كلها للسلطات كي يحافظ عليها بأمان. بعد ثلاثة أيام بدأ إخلاء السكان من المدينة في الصباح الباكر.

الرئيس: بجموع كبيرة؟
المتهم: عندما جاء الامر بأن على السكان مغادرة المدينة، تم في هذه اللحظة تجميعهم وحشرهم خارج المدينة. سارت الجموع بعد ذلك في قوافل وطوابير.


الرئيس: هل سمحوا للسكان بأخذ حاجياتهم معهم، ممتلكاتهم وثرواتهم؟
المتهم: لم يكن ممكنا حمل كل حاجياتهم معهم، لم يستطع المرء أن يأخذ سوى مايرتديه، لأنه لم يكن توجد أحصنة أو ماشابه.

الرئيس: هل كانت اسرتك تملك عربة تستطيع حمل حاجياتكم فوقها؟.
المتهم: كنا نملك فيما مضى حصانا، لكنهم أخذوه منا في بداية الحرب. بعد ذلك إشترينا حماراً.


الرئيس: وهل تمكنتم من تحميل حاجياتكم عليه؟ ألم تكن لديكم عربة أيضاً؟
المتهم: كنا نملك ثورا أيضاً.

الرئيس: كم يوما سرتم؟.
المتهم: لاأعلم، في أول يوم غادرنا المدينة قتل أهلي.

الرئيس: إلى أين كان عليكم أن تتجهوا؟
المتهم: نحو الجنوب.

الرئيس: من رافق القافلة؟
المتهم: الجندرمة والجنود الفرسان وجنود آخرون.

الرئيس: هل كانت أعدادهم كبيرة؟.
المتهم: كانوا على طول جانـبـي الطريق.

الرئيس: وعلى إمتداد الطريق خلفكم؟
المتهم: من الخلف ومن الأمام.

الرئيس: كي لايتمكن أحد من الهرب؟.
المتهم: بالضبط.
الرئيس: وكيف جرى قتل أهلك وإخوتك؟.
المتهم: بعد أن إبتعدت القافلة عن المدينة مسافة طلبوا منا التوقف. بدأ الجندرمة بنهب القافلة والبحث عن النقود والأشياء الثمينة لدى الناس.

الرئيس: هل نهب الحراس المرافقون المرحلين؟
المتهم: نعم.

الرئيس: كيف فسروا أسباب هذا التصرف؟
المتهم: (يقوم بإشارة بيديه) لم يتحدثوا بهذا الخصوص. لايمكن شرح ذلك في أي مكان في العالم. في آسيا الداخلية تحدث مثل هذه الامور.

الرئيس: إذا حدث شيء من هذا القبيل، من دون شرح الأسباب؟.
المتهم: (يبتسم) نعم. لقد حدث هذا.


الرئيس: ومع الشعوب الأخرى أيضاً؟.
المتهم: من بين شعوب تركيا حدث هذا مع الأرمن فقط.

الرئيس: كيف تم قتل أهلك إذا؟.
المتهم: عندما حصل النهب تعرضت القافلة لإطلاق النار من الأمام. أحد أفراد الجندرمة أخذ أختي، وأمي راحت تصرخ: "ليصيبني العمى." لم أعد أستطيع تذكر هذا اليوم. لاأريد أن أتذكر هذا اليوم. أفضل الموت على أن أصف هذا اليوم الأسود أكثر.

الرئيس: يجب أن الفت نظرك أن المحكمة عليها أن تعطي فائق الإهتمام لمعرفة هذه الأشياء منك بالذات، كونك الوحيد الذي يستطيع أن يقول شيئا عن هذه القضية.
المتهم: لاأستطيع وصف كل شيء، لأني أشعر بكل شيء مرة أخرى دائما. لقد أخذوا كل شىء، وأنا أيضاً ضربوني. بعد أن رأيت كيف أنشق رأس شقيقي بضربة بلطة.

الرئيس: أخذوا شقيقتك؟ هل عادت مرة أخرى؟.
المتهم: نعم، لقد أخذوا شقيقتي وإغتصبوها.

الرئيس: ألم تعد بعد ذلك؟
المتهم: لا.

الرئيس: من شق رأس شقيقك بالبلطة؟.
المتهم: عندما بدأ الجندرمة والجنود المذبحة، إنضم إليهم الرعاع أيضاً. هنا أنشق رأس أخي الصغير. وأمي سقطت.

الرئيس: وبسبب ماذا سقطت؟.
المتهم: لاأعلم ماذا أسقطها. لاأعلم إن سقطت لأنها تلقت رصاصة أو بسبب شيئ آخر.

الرئيس: أين كان الأب؟.
المتهم: لم أرَ والدي، كان سبقنا إلى الأمام، حيث كانت هناك أيضاً مذبحة.

الرئيس: وأنت نفسك ماذا فعلت؟.
المتهم: أحسست بضربة على رأسي، ثم سقطت بعدها. مإذا حصل بعد ذلك لاأعلم.

الرئيس: هل بقيت مستلقيا في نفس المكان الذي حدثت المجزرة فيه؟.
المتهم: لاأعلم كم من الوقت بقيت مستلقيا هناك. ربما يومين. عندما عدت إلى نفسي رأيت قربي جثث كثيرة، لأن القافلة حينها كان كل أفرادها قد قتلوا. رأيت أكواماً من الجثث على مسافة طويلة. لكنني لم أتمكن من تمييز كل شيء، فالظلام كان قد حل. لم أعلم في البداية أين أنا، بعدما رأيت الحقيقة، وهي أن ما أراه هو جثث؟.

الرئيس: هل تحققت أيضاً بأن أفراد عائلتك كانوا بين الجثث؟
المتهم: رأيت جثة أمي منكبة على وجهها، وجثة شقيقي كانت ملقاة فوقي. لم أستطع التعرف على أكثر من هذا.

الرئيس: مإذا فعلت عندما صحوت؟.
المتهم: عندما نهضت رأيت أن فخذي كانت مجروحة، وأن ساعدي كان الدم ينزف منه.

الرئيس: هل كان رأسك مصاباً بجرح؟.
المتهم: تلقيت في البداية ضربة على رأسي.

الرئيس: هل تعرف بأية أداة جرح رأسك؟.
المتهم: عندما حدثت المجزرة طأطأت رأسي، بحيث أني لم أعرف ماذا كانت الأداة. سمعت صراخاً فقط.

الرئيس: قلت إن الحراس كانوا من الجندرمة والجنود الفرسان. بعدها قلت إنه جاء بعض الرعاع. ماقصدك بذلك؟.
المتهم: سكان آرزينجيان الترك.

الرئيس: هل كانوا موجودين؟ وشاركوا في المذبحة أيضاً؟.
المتهم: أعرف فقط أنه عندما بدأ الجندرمة بالقتل، كان السكان الترك موجودين.

الرئيس: إذن عندما عدت بعد يوم أو يومين إلى وعيك، إكتشفت جثة شقيقك ملقاة فوقك، لكنك لم تكتشف أيضاً جثث بقية عائلتك؟
المتهم: رأيت جثة شقيقي الأكبر فوقي.
المدعي العام: إعتقدت أنه كان الشقيق الأصغر، الذي شق رأسه بالبلطة
المتهم: كلا، جثة شقيقي الأكبر.

الرئيس: ولكن رأيت من الخلف أن شقيقك الأصغر قد تلقى ضربة بلطة على رأسه؟.
المتهم: نعم.

الرئيس: ألم تَرَ منذ ذلك اليوم أحدا من أهلك؟
المتهم: كلا.

الرئيس: ومن إخوتك وأخواتك؟.
المتهم: كلا، هم أيضاً لم أرهم.

الرئيس: هل نجوا، أم إختفوا؟.
المتهم: حتى اليوم لم أعثر على أي أثر لهم.

الرئيس: إذا كنت بلا حيلة ولا تملك شيئا، مإذا فعلت بعد ذلك؟.
المتهم: لجأت إلى إحدى القرى في الجبال. كانت هناك إمرأة أعطتني مأوى، وعندما شفيت جراحي قالوا لي إنهم لايستطيعون إيوائي مدة أطول، لأن الحكومة منعت ذلك، وكل من يأوي الأرمن يلقى عقوبة الإعدام.

الرئيس: هل كانوا أرمن، أولئك الذين آووك؟
المتهم: كانوا من الكرد.

الرئيس: وإلى أين ذهبت من هناك؟
المتهم: لقد كانوا إناساً طيبين، الكرد نصحوني بالذهاب إلى إيران. أعطوني ملابس كردية، لأن ملابسي القديمة ملوثة بالدماء. لقد أحرقتها.

الرئيس: لكنك لم تكن تملك المال، فكيف كنت تعيش؟
المتهم: من العطايا.

الرئيس: كم من الوقت إحتاجت جروحك كي تشفى؟.
المتهم: تقريبا عشرين يوما حتى الشهر.

الرئيس: أين وجدت مأوى خلال هذه الفترة الطويلة لإقامتك؟
المتهم: في البداية عند الكرد.

الرئيس: كم من الوقت؟ حدثت المذبحة في شهر حزيران عام (1915).
المتهم: بقيت حوالي شهرين تقريبا بين الكرد في ديرسيم. إنضم اليّ شخصان أرمينيان هاربان، ومنهم علمت انه حصلت مذبحة في خربوط أيضاً. هربنا بعدها نحن الثلاثة معا بين القرى والجبال. بعض الأيام لم نجد طعاما سوى الأعشاب. واحد من الإثنين اللذين إنضما إلي تناول على مايبدو أعشاباً سامة، إذ انه مات في الطريق. الثاني كان إنساناً مثقفاً على مايبدو، كان يقول لي: إذا تابعنا المسير إلى الأمام فلابد أننا سنصل إلى إيران، وبعدها إلى قفقاسيا (جبال قفقاس). كنا نريد الوصول عبر القرى والجبال إلى إيران. كنا ننام في النهار ونتابع السير في الليل دائماً. استمررنا في مسيرتنا شهرين تقريباً، حتى وصلنا إلى منطقة حيث رأينا وحدات من الجيش الروسي. كنا نرتدي ملابس كردية لكننا بدون أحذية وغطاء للرأس. إحتجزونا وحققوا معنا وسألونا عن كل شيء. رفيقي كان يتقن الفرنسية والإنكليزية، أخبرهم كل شيء عن المذابح: أخبرهم اني ناجً من المذبحة. أخلوا سبيلنا بعدها. كنت بداية أود الذهاب إلى القفقاس لكنهم لم يسمحوا لي، فذهبت إلى إيران حيث لاتجري حرب هناك. أصابني المرض في إيران، فبقيت في سلمى. رفيقي تابع من هناك إلى تفليس. وأنا أيضاً أقمت في سلمى سنة تقريباً.

الرئيس: ماذا فعلت هناك؟.
المتهم: عندما وصلت ذهبت إلى الكنيسة الأرمنية هناك، أعطوني ملابس وطعاماً ونقوداً. إفترق بعد ذلك رفيقي عني وكان قد نصحني بالذهاب إلى أحد التجار الأرمن. وبالفعل شغلني هذا التاجر الأرمني في متجره لمساعدته.

الرئيس: كم بقيت هناك؟.
المتهم: سنة، وربما أكثر أيضاً.

الرئيس: إلى أين ذهبت بعد ذلك؟
المتهم: جاء الخبر أن الروس إحتلوا أرزينجيان، وأنا كنت أريد العودة إلى هناك للبحث عن عائلتي: عدا ذلك كنت أعلم بالتأكيد أن في منزلنا ما زالت هناك نقود، وأريد إحضارها. معلمي كان يود لإحتفاظ بي.

الرئيس: متى وصلت إلى أرزينجيان من جديد؟.
المتهم: نهاية سنة (1916).

الرئيس: ماذا رأيت عندما عدت؟
المتهم: عندما وصلت وجدت جميع الأبواب محطمة، وجزء من المنزل كان قد تهدم. وعندما دخلت إلى المنزل سقطت على الأرض.

الرئيس: أغمي عليك؟.
المتهم: نعم، فقدت الوعي.

الرئيس: هل دام وضعك فاقدا للوعي طويلاً؟.
المتهم: لاأستطيع التحديد كم دام.
الرئيس: لكنك عدت بعدئذ إلى نفسك، مإذا فعلت بعد ذلك؟.
المتهم: عندما عدت إلى نفسي من جديد ذهبت لزيارة عائلتين أرمينيتين، كانتا قد إنتقلتا إلى العقيدة الإسلامية. كانت هاتان العائلتان هما الوحيدتين اللتين نجتا.

الرئيس: إذا وجدت عائلتين من السكان الأرمن السابقين؟ وقد أصبحتا مسلمتين، وعندما إحتل الروس آرزينجيان رجعتا إلى الدين المسيحي، وهما يشعران بأنهما فعلا مسيحيين؟ هل كان هذا كل ماتبقى من سكان آرزينجيان؟
المتهم: نعم، كانوا عائلتين فقط. كان يظهر بين الحين والآخر بعض الأشخاص، بالمجموع حوالي (20) شخصاً، ولكن العائلات كانت إثنتين فقط.

الرئيس: هل وجدت شيئا آخر أيضاً في منزل أهلك؟
المتهم: وجدت أجهزة مختلفة، عدا ذلك كان كل شيء قد نهب أو إحترق. ولكن النقود كانت موجودة، كانت مدفونة في الأرض.

الرئيس: هل أخبرك أهلك بمكانها من قبل؟.
المتهم: شقيقي وأمي وأبي وأنا كنا نعلم مكان النقود، فقط أخواتي لم يكن يعلمن بمكانه.

الرئيس: كم من النقود وجدت؟
المتهم: وجدت (4800) ليرة تركية ذهبية (حوالي مليون مارك ذهبـي)

الرئيس: وأخذت كل المبلغ معك؟.
المتهم: بالضبط.

الرئيس: ثم إلى أين ذهبت؟
المتهم: مكثت فترة هناك، لأني املت ان أجد ناجين من المهجرين، وكنت أعتقد أنه من الممكن أن أصادف أحدا من أهلي أو أقاربي.

الرئيس: كم مكثت في أرزينجيان؟.
المتهم: شهر ونصف تقريباً.

الرئيس: إلى أين ذهبت بعدئذ؟
المتهم: إلى تفليس.

الرئيس: ماذا فعلت هناك؟
المتهم: هناك ذهبت إلى المدرسة كي أتعلم اللغة الروسية.

الرئيس: أي نوع من المدارس؟.
المتهم: كانت مدرسة أرمنية تدعى نرسيسيان، كانوا قد أقاموا فيها فرعا للمهجرين والمنقذين، الذين كانوا يرغبون أن يتعلموا شيئا.
الرئيس: وتعلمت فيها اللغة الروسية؟.
المتهم: قدر مايمكنني التعلم خلال خمسة أشهر. لكنني لم أتمكن أن أتعلم كثيراً لأن أفكاري كانت مشوشة ومشتتة.

الرئيس: فيما بعد تعلمت اللغة الفرنسية أيضاً؟
المتهم: تعلمتها ولكن ليس بالقدر الذي كنت أتمناه.

الرئيس: كم مكثت في تفليس؟
المتهم: سنتين تقريباً.

الرئيس: متى غادرت تفليس؟.
المتهم: بداية سنة (1919)، ربما في شباط.

الرئيس: إلى أين ذهبت بعد ذلك؟
المتهم: إلى اسطنبول.

الرئيس: ماذا فعلت هناك؟
المتهم: نشرت إعلاناً في الجريدة كي أبحث عن أقربائي وأجدهم، الذين ربما نجوا بأنفسهم في منطقة مابين النهرين.

الرئيس: أثناء ذلك حصلت في اسطنبول تحولات كبيرة. كم من الزمن مكثت في اسطنبول؟.
المتهم: حوالي شهرين.

الرئيس: وبعدها، إلى أين ذهبت؟.
المتهم: إلى سالونيك.
الرئيس: ثم بعدها؟.
المتهم: إلى صربيا.

الرئيس: وبعدها ؟.
المتهم: إلى سالونيك.

الرئيس: وبعدها؟.
المتهم: من سالونيك إلى باريس.

الرئيس: ألم يكن لديك مخطط لحياتك؟ ماسبب ترحالك المستمر؟.
المتهم: كنت أرغب في الدراسة، ولكن أفكاري كانت مشوشة، ولم أكن أرغب في الإستمرار بالبقاء والإقامة في أي مكان، لأني لم أتعلق بمهنة محددة.

الرئيس: هل ذهبت في سالونيك وصربيا، إلى مدرسة للدراسة؟
المتهم: لا. كنت في سالونيك عند الأقارب من أجل الخضوع للعلاج الطبـي.

الرئيس: من أي مرض كنت تعاني؟.
المتهم: كنت أعاني من نوبات تشنج.

الرئيس: كم مرة تكررت تلك النوبات، التي أصابتك أول مرة عندما رأيت منزل أهلك من جديد؟.
المتهم: في آرزينجيان جاءتني النوبات مرتين، لكني لاأعلم كيف كانت هذه النوبات. عندما تظهر صور المذبحة أمام عيني، أصيبُ بهذه النوبات.

الرئيس: هل تعرضت إلى مثل هذه النوبات أثناء إقامتك في صربيا واسطنبول وسالونيك؟
المتهم: نعم.

الرئيس: متى سافرت إلى باريس؟
المتهم: سنة (1920)

الرئيس: بداية (1920)؟.
المتهم: نعم.

الرئيس: هل إختلطت بالناس كثيرا في اسطنبول وسالونيك وصربيا؟.
المتهم: نعم، بالاقارب.

الرئيس: هل تناقشت مع الأقارب والمهاجرين حول هذه الأحداث، وخلال ذلك إستيقظت في روحك هذه الأشياء من جديد؟.
المتهم: نعم، تحدثت حول الموضوع كثيراً.

الرئيس: على عاتق من كان المرء يلقي مسؤولية تلك الفظائع؟
المتهم: إتضح لي من هو المسؤول من خلال الصحف عندما كنت في اسطنبول.

الرئيس: هل كنت تعرف في الماضي من كان المسؤول عن هذه المذابح أو من كان يعتبر المسؤول عنها في منزل أهلك؟.
المتهم: لم يكن لدي علم حول ذلك.

الرئيس: متى إقتنعت أن طلعت باشا كان المسؤول؟.
المتهم: عندما كنت في اسطنبول، إتضح لي هذا من خلال الصحف.

الرئيس: هل علمت آنذاك شيئا حول المكان الذي آل إليه طلعت باشا؟.
المتهم: لم أكن أعلم عندما كنت في اسطنبول. كنت أعتقد أنه يقيم في اسطنبول، وهو متوارٍ عن الأنظار.

الرئيس: هل راودتك في ذلك الوقت الأفكار بالإنتقام من هذا الرجل، الذي كان، حسب رأيك، المسبب للمصير الحزين الذي تعرضت له عائلتك؟
المتهم: لا.

الرئيس: ربما من المستحسن الآن تلاوة قرار المناقشة كنقطة تالية.
المحامي فون غوردون: أود توجيه السؤال إلى المتهم، فيما إذا قرأ في الصحف أن طلعت باشا بسبب هذه الفظائع صدر بحقه الحكم بالإعدام من قبل محكمة الحرب في اسطنبول؟.
المتهم: لقد قرأت هذا في الصحف، وكنت في اسطنبول عندما أعدم كمال الذي كان أحد المسؤولين عن المذابح. كتبت الصحف ذلك الحين بأن طلعت وانور باشا حكم عليهما أيضاً بالإعدام.

المدافع فون غوردون: كم كان يبلغ تعداد سكان الأرمن في مدينة أرزينجيان؟.
المتهم: (20) ألفاً تقريبا.

المدافع فون غوردون: هل صدر في بداية حزيران الأمر أو القرار بوجوب تهجير بعض الأرمن في قوافل مؤلفة من خمسة أو ستة صفوف؟
المتهم: نعم، لقد تم إصدار هذا الأمر.

المدعي العام: هل تعلم من قبل من أصدر هذا القرار، هل صدر عن الوالي أو من الإدارة العسكرية؟
المدافع فون غوردون: كانت تسود آنذاك حالة الحصار.
المتهم: كانوا يقولون إن الأمر جاء من اسطنبول.

المدافع فون غوردون: كم كان طول القافلة. بطول ساعة؟.
المتهم: لاأعلم، ربما بطول خمس ساعات.

الرئيس: هل جرى إخلاء كل سكان المدينة وتهجيرهم، وعندما عدت إلى مدينة أرزينجيان لم تجد فيها سوى عائلتين وعدد من الأشخاص فقط؟.
المتهم: نعم.

المدافع نيماير: أرجو سؤال المتهم فيما إذا كان يعرف أن الأرمن شاركوا بالثورة سنة (1908) مع جماعة ((الإتحاد والترقي)) وبشكل خاص مع طلعت وأنور باشا، وعولوا عليها آمالهم القومية، لكنهم أصيبوا بخيبة مريعة عندما عامل جماعة ((الإتحاد والترقي)) الأرمن أسوأ مما كان السلطان عبد الحميد يعاملهم؟.
المتهم: سنة (1908) كنت أصغر من أن أفهم هذه الامور. ولكن عندما كبرت وأصبحت أعي الأمور أكثر قليلا، قيل لي إن الأرمن تعاونوا مع جماعة ((الإتحاد والترقي))، وأن الأرمن أصيبوا بخيبة أمل كبيرة فيما بعد، عندما حصلت المجزرة مرة أخرى سنة (1909) في أضنه، حيث راح ضحيتها (40) ألف إنسان.

الرئيس: أود إذا أن تقرأ قرار الإفتتاح.
كاتب المحكمة: (يقرأ قرار الإفتتاح) ترفع الدعوى بحق المتهم طالب الميكانيك المدعو سوغومون تهليريان، المقيم في شارلوتنبورغ، شارع هاردنبرغ (37) في منزل السيدة ديتمان الموقوف بذمة التحقيق منذ (16) اذار (1921) . وهو من مواليد (2) نيسان عام (1897) في باكاريتش ـ تركيا، ويحمل الجنسية التركية، تابع للكنيسة الأرمنية البروتستنتية، حيث قام بتاريخ (15) اذار (1921) في شارلوتنبورغ بقتل الوزير الأول طلعت باشا عن عمد وقد نفذ القتل عن سابق الاصرار. الجريمة وفق المادة (211) من كتاب قانون العقوبات. يستمر التوقيف على ذمة التحقيق للإسباب السابقة.
برلين (16) نيسان (1921)
محكمة الولاية (3) دائرة الجنايات.

الرئيس: (إلى المترجم) أخبر المتهم أن قرار الإفتتاح يحمله المسؤولية بانه قتل طلعت باشا مع سبق الإصرار
المتهم: (يصمت)

الرئيس: إذا توجب عليك الإجابة على هذا الإتهام بنعم أو لا، أي جواب ستعطي حينها؟.
المتهم: لا.

الرئيس: في مناسبات سابقة تصرفت بشكل مخالف. لقد إعترفت بانك إرتكبت فعلتك عن سابق الاصرار؟.
المتهم: متى قلت أنا هذا.
الرئيس: هل تريد اليوم القول إنك لم تقل هذا الكلام؟ نريد الآن العودة إلى التطورات التي حصلت في باريس. أنت إعترفت في مناسبات وأوقات مختلفة بانك إتخذت القرار بقتل طلعت باشا.
المدافع فون غوردون: أرجو سؤال المتهم ما السبب الذي يدعوه إلى عدم إعتبار نفسه مذنبا؟.

الرئيس: وجه السؤال إلى المتهم.
المتهم: لاأعتبر نفسي مذنبا لأن ضميري مرتاح البال.

الرئيس: ماسبب راحة بال ضميرك؟
المتهم: قتلت إنساناً، ولكني لم أكن قاتلا.

الرئيس: قلت إنك لاتحس بتأنيب الضمير؟ هل ضميرك نقي، ألا تلوم نفسك؟ لكنك يجب أن تكون قد سألت نفسك، هل أردت أن تقتل طلعت باشا؟.
المتهم: هذا السؤال لم أفهمه إلا انني قتلته.

الرئيس: هل وضعت الخطة؟.
المتهم: لم تكن لدي خطة.

الرئيس: متى إستيقظت داخلك الفكرة؟.
المتهم: قبل الحادثة بأسبوعين شعرت بأن حالتي كانت سيئة، وصور المذابح تراءت لي من جديد أمام عيني. رأيت جثة أمي. الجثة التي نهضت وإقتربت مني وقالت لي: أنت رأيت أن طلعت هنا، وأنت لم تبالِ بذلك على الإطلاق؟ أنت لم تعد إبني.

الرئيس: (يكرر ذلك للمحلفين) ثم ماذا فعلت بعدها؟.
المتهم: فجأة صحوت وإتخذت القرار بقتل الرجل.

الرئيس: عندما كنت في باريس، وفي جنيف، وحين قدمت إلى برلين، ألم تكن قد إتخذت هذا القرار بعد؟.
المتهم: لم أتخذ قرارا.

الرئيس: هل كنت تعلم على الإطلاق أن طلعت باشا مقيماً في برلين؟.
المتهم: لا.

الرئيس: هل قضيت سنة (1920) كاملة في باريس؟.
المتهم: نعم.

الرئيس: ماذا فعلت هناك؟ هل تعلمت اللغة الفرنسية؟.
المتهم: نعم.

الرئيس: وعدا ذلك؟هل درست فرعا تقنيا أيضاً؟.
المتهم: كلا، لم يكن لدي نشاط آخر.

الرئيس: لكنك وضعت مخططا لدراسة مثل هذا الفرع في برلين؟
المتهم: نعم.

الرئيس: إستخدمت جنيف كي تستطيع القدوم بسهولة إلى برلين؟.
المتهم: أردت أيضاً أن أزور جنيف مرة.

الرئيس: كنت في باريس مع أرمني آخر، حدثنا كيف وصلت إلى جنيف وبعدها إلى برلين؟.
المتهم: عندما أردت السفر إلى جنيف، كان علي الحصول على فيزا من الممثلية القنصلية السويسرية. إلتقيت هناك بشخص يملك غرفة في جنيف، وهو يحمل الجنسية السويسرية، إلا أنه كان أرمنيا. سألته كيف أستطيع الحصول على فيزا. قال لي، كي أحصل على فيزا سيكون من الأفضل أن أستأجر غرفته في جنيف، لأنه شخصيا يريد السفر إلى أرمينيا. وقد قمت بذلك، وحصلت على تزكية من مالكة بيته، وإستخدمت هذه التزكية. وهكذا إنتقلت من باريس إلى جنيف بتاريخ (21) تشرين الثاني. أقمت فترة قصيرة فقط في جنيف، ثم بعدها قدمت إلى برلين بداية كانون الأول (1920).

الرئيس: أية إجراءات توجب عليك إتخاذها كي تصل إلى هنا؟
المتهم: ختمت جواز سفر بتأشيرة الفيزا.
الرئيس: حصلت في البداية على تصريح بالإقامة لفترة قصيرة؟.
المتهم: بداية ثمانية أيام فقط.

الرئيس: إلى أين ذهبت في برلين، عندما قدمت إلى هنا؟.
المدافع نيماير: هل يسمح لي بتوجيه سؤال إلى المتهم بخصوص أحواله الشخصية العامة؟- هل تعلم أية جنسية تحمل؟. بشكل خاص في تاريخ (15) اذار؟. هل تعلم أية جنسية يحمل طلعت باشا؟. هل تعلم أن تركيا منذ شباط (1921) في حالة حرب مع الجمهورية الأرمنية، وأن حالة الحرب هذه تفاقمت جداً بالذات في الفترة مابين (1) اذار حتى (1) نيسان، حيث أصبحت جبهة هذه الحرب على إمتداد (120) كيلومتراً.
المتهم: نعم، أعلم ذلك.

الرئيس: من أين علمت بذلك؟.
المتهم: الصحف كتبت عن الحرب.

الرئيس: توسيع حالة الحرب بين أرمينيا وتركيا جرى بداية منذ (1) اذار. الجريمة حصلت بتاريخ (15) اذار. هل قرأت ذلك في الصحف؟.
المتهم: نعم، قرأته في الصحف.

الرئيس: منذ متى على الإطلاق الحرب قائمة؟.
المتهم: منذ نهاية (1919) حتى أن الترك وصلوا إلى تفيلس.

الرئيس: قصدي، هل أعقب ذلك إعلان رسمي للحرب؟.
المدافع نيماير: بالكامل.

الرئيس: إذا منذ (1) اذار يقف البلشفيون وجماعة ((الإتحاد والترقي)) كتفاً إلى كتف في الحرب ضد أرمينيا؟. هل تعلم أيها المتهم أن أنور باشا قد دعم هذا الغزو البلشفي- التركي ضد أرمينيا إنطلاقا من موسكو، وأنه يدير الحرب ميدانياً بمعنى من المعاني؟.
المتهم: نعم، أعلم هذا أيضاً.
الخبير المستشار ليبمان: أرجو السؤال، فيما إذا كان ظهور الأم في أحلامه، أم في حالة صحوه التام.

الرئيس: سوف أعود فيما بعد إلى هذه النقطة- إذا في البداية كانت مدة تأشيرة إقامتك فقط ثمانية أيام، هل حصلت فيما بعد على تأشيرة الإقامة الدائمة؟.
المتهم: نعم، لقد قدمت طلبا.

الرئيس: إذا، بعدها سكنت منذ بداية كانون الثاني في شارع أوغوسبورغ (15)؟.
المتهم: نعم، في كانون الأول.

الرئيس: سجلت إقامتك بداية في كانون الثاني- كان يسكن معك مواطنك آبيليان؟
المتهم: نعم.

الرئيس: بعدها بدلت سكنك؟
المتهم: نعم.

الرئيس: متى حصل هذا؟.
المتهم: قبل أسبوعين تقريبا.

الرئيس: إنتقلت إلى شقة السيدة ديتمان بتاريخ (5) اذار. ماهو السبب؟
المتهم: عندما ظهرت لي أمي حينها قررت قتل طلعت. لهذا السبب بدلت سكني.

الرئيس: يمكن القول إنك بدأت التحضير للجريمة؟.
المتهم: عندما طلبت أمي هذا مني، قلت لنفسي في اليوم التالي، يجب عليَّ أن أقتله.

الرئيس: ومنذ تلك اللحظة حاولت أن تحول هذه الفكرة إلى واقع؟.
المتهم: عندما إنتقلت إلى السكن الجديد نسيت من جديد إلى حد ما ماقالته أمي لي.
الرئيس: نسيت؟.
المترجم زاخاريانتس: لايمكن ترجمة ذلك. يمكن القول: غض النظر أو التخلي عن الفكرة.

الرئيس: إعتقدت أنك إنتقلت إلى السكن الجديد، لأن أمك إعتبرتك مستهترا.
المتهم: كنت مشغول الذهن، قلت لنفسي، أنا لست مستعدا لقتل انسان.

الرئيس: لاأفهم ذلك بالكامل، قبل لحظات أجبت، أنك منذ ذلك اليوم إتخذت القرار للإنتقال للسكن في شارع هاردنبرغ، إذا بلى كنت تعلم أنك تسكن مواجه طلعت باشا؟.
المتهم: نعم.

الرئيس: إذا أردت أن تكون بالقرب منه؟.
المتهم: عندما قالت لي أمي ذلك.

الرئيس: هنا إتخذت قراراً، ماذا كان هذا القرار؟.
المتهم: أني سأقتله.

الرئيس: والآن قل لي، هل هذا صحيح، أنك قبل هذا الوقت إكتشفت بأن طلعت باشا موجود في برلين؟.
المتهم: نعم، رأيته قبل خمسة أسابيع تقريبا.

الرئيس: أين؟.
المتهم: كان يسير مع رجلين آخرين بالقرب من حديقة الحيوانات. سمعت بالقرب مني من يتكلم التركية، وأحد الرجال كان تتم مخاطبته بكلمة "الباشا" التفت إلى الخلف، فرأيت أن هذا الإنسان هو طلعت باشا. لحقت به حتى وصلت إلى دار السينما. أمام باب السينما رأيت أن أحد الرجال الآخرين ذهب. قبل يد طلعت وكان يخاطبه بالباشا. الإثنان الآخران دخلا في مدخل أحد المنازل.

الرئيس: هل ظهرت داخلك فكرة قتل طلعت أثناء هذا التعارف ـ إذا جاز التعبير؟.
المتهم: لم تظهر الفكرة في داخلي، لقد شعرت فقط بشعور سيىء، وعندما دخلت إلى دار السينما، بدا لي أن جميع صور المذبحة بدأت تظهر أمامي، فخرجت من السينما وذهبت إلى المنزل.

الرئيس: وكان هذا قبل (4-5) أسابيع من إنتقالك إلى شارع هاردنبرغ، كما قلت اليوم؟
المتهم: نعم.

الرئيس: إذا ليس صحيحا أنك علمت قبل ذلك بأن طلعت باشا يقيم في برلين؟.
المتهم: كلا.
الرئيس: اطرح هذا السؤال لأن المتهم من قبل كان قد قال في أحد المحاضر: لأنه يريد أن يدرس في برلين، وعدا ذلك كان قد سمع أن طلعت يقيم في برلين، ولهذا السبب جاء إلى برلين.
المدافع فون غوردون: يتطابق اليوم تقريبا مع ما إعترف به المتهم في الأخير، بانه قبل الحادثة بأسبوعين، من خلال ظهور روح أمه، إستيقظ في نفسه قرار قتل طلعت باشا. وهكذا أيضاً قال في الأخير، ان هذا كان المناسبة لإنتقاله إلى مسكن هاردنبورغ.
المتهم: نعم.

الرئيس: هل جهزت نفسك إعتباراً من هذا الوقت لمراقبة حركات وسلوك طلعت باشا؟.
المتهم: كلا، عندما إنتقلت إلى السكن الجديد، كنت أريد القيام بأعمالي الإعتيادية.

الرئيس: إذا كنت مستعدا لمتابعة أعمالك الإعتيادية، مثل متابعة الدراسة لدى الآنسة بايلنسون وما شابه؟.
المتهم: بداية حاولت متابعة دراستي. عندما ذهبت لزيارة البروفيسور كاسيرر، وكان وضعي سيئا جدا، كنت أشعر بوهن، لم أستطع أن أعمل كثيرًا. لهذا السبب قلت للانسة بايلنسون، لاأستطيع الدراسة في الحالة التي أنا عليها، وأني بحاجة لفترة راحة. وفي الفترة الأخيرة لم أدرس نهائيا.

الرئيس: هل تابعت طريقة حياتك المعتادة في علاقاتك مع مواطنيك حتى غاية (15) اذار؟.
المتهم: نعم.

الرئيس: هل تكرر ظهور أمك لك أكثر؟.
المتهم: تكررت صور المذبحة كثيراً في الظهور أمام عيني، ولكن أمي ليست إلى هذا الحد.

الرئيس: متى كانت تظهر لك، في النهار؟
المتهم: لا، في الليل.

الرئيس: ماذا كانت الأسباب ذلك الحين التي دفعتك للذهاب إلى البروفيسور كاسيرر؟.
المتهم: شعرت أنني مريض.

الرئيس: إنتابتك هنا أيضاً في برلين نوبة، أليس كذلك؟.
المتهم: عدة نوبات.

الرئيس: متى كانت أولى هذه النوبات؟.
المتهم: لاأستطيع تحديد ذلك بالضبط.

الرئيس: متى كانت النوبة التي أنهضك حينها موظف بنك ورافقك من شارع القدس إلى البيت؟.
المتهم: كانت هذه النوبة الأولى في برلين.

الرئيس: ذلك الحين كنت مازلت تسكن في شقة شارع أوغوسبورغ؟
المتهم: نعم.

الرئيس: كيف حدثت النوبة الأولى هذه؟.
المتهم: كنت أسير في شارع القدس، لاأعلم فيما إذا وقعت أمام الباب أم في الشارع. عندما صحوت رأيت أن ناساً مختلفين يقفون حولي أحدهم أعطاني دواءً، وأحد الموظفين سألني أين أسكن ورافقني إلى محطة قطار الأنفاق. ثم ركبت القطار. وعندما عدت إلى البيت سقطت مرة أخرى على الدرج.

الرئيس: لماذا ذهبت إلى البروفيسور كاسيرر؟ بسبب النوبات أم بسبب أية حالات مرضية أخرى؟.
المتهم: من أجل العلاج.

الرئيس: هل حدثت مواطنك آبليان عن نوبتك وهو الذي رتب لك الأمور كي تذهب إلى البروفيسور كاسيرر؟- إلا أننا سوف نسمع هذا عندما نأخذ إفادات الشهود.
المدافع فون غوردون: لم أفهم بالضبط ملاحظة وردت قبل قليل. هل صحيح مافهمته، بأن المتهم، بعد أن بحث عن شقة شارع هاردنبرغ من أجل أن يكون قريبا من طلعت، بعد ذلك تخلى عن الفكرة مرة أخرى لبعض الوقت (أو ما يشبه، ما لايمكن ترجمته)، لأنه فكر قائلا لنفسه: أنت لاتستطيع قتل انسان؟! إذا بكلمة واحدة: هل هذا القرار الذي صاغه بعد ظهور الشبح الأم، ظل لديه بقوة، أم تخلى عنه لبعض الوقت واستسلم لمشاغله المعتادة، لأنه قال لنفسه: أنت لاتستطيع قتل انسان؟.

الرئيس: قال هكذا: كانت هناك تذبذبات في قراره.
المتهم: هذه التذبذبات حصلت. كلما كنت أحس بالمرض، أردت الإنصياع لوصية أمي. وعندما أتعافى مرة أخرى، أقول لنفسي: لايمكنك قتل إنساناً.

الرئيس: وهكذا تابع المتهم أعماله الإعتيادية، غير أنه أصبحت هذه الأعمال بالنسبه له أصعب قليلا. وأيضاً طرأ تحول على علاقاته مع معارفه. من كان من دائرة المعارف؟.
المتهم: تيرزيباشيان وافتيان وكالوديان وآبليان.

الرئيس: ( إلى المترجم زاخاريانتس) وجنابك أيضاً؟.
المترجم زاخاريانتس: نعم.

الرئيس: ماذا فعلت إذا منذ كانون الثاني عدا الدراسة لدى الآنسة بايلنسون؟.
المتهم: زرت عائلات أرمنية، وذهبت إلى المسارح وحفلات الرقص.

الرئيس: هل إشتركت أيضاً في دورة تعليم الرقص؟.
المتهم: نعم.

الرئيس: متى؟.
المتهم: إعتبارا من كانون الثاني.

الرئيس: هل هذا صحيح، أنك تعرضت لنوبة أثناء أحد دروس الرقص؟.
المتهم: نعم.

الرئيس: هل صحيح انك تعرضت لنوبة أيضاً في كانون الثاني. هل كانت هي النوبة الثانية، عندما عدت من البنك، أم كانت فيما بعد؟.
المتهم: نعم.

الرئيس: هل أصابتك نوبات أخرى غير تلك النوبتين في دروس الرقص وفي الشارع؟.
المتهم: نعم، في البيت.

الرئيس: فقط في البيت، وفي الشارع، ألم تتعرض لنوبة.
المتهم: كلا.

الرئيس: ماذا فعلت أيضاً؟.
المتهم: قمت بزيارات عائلية، تيرزبياشيان افتيان وآبليان.

الرئيس: هل ذهبت إلى المسرح؟.
المتهم: نعم، ولكن ذهبت إلى السينما معظم الأحيان.

الرئيس: كم عملت كل يوم؟.
المتهم: قبل الظهر درست اللغات، وكانت لدي حصص عند الآنسة بايلنسون أيضاً.

الرئيس: أين كنت تأكل؟.
المتهم: لم أتناول وجباتي في مطعم محدد.

الرئيس: هل كانت لديك حصص بعد الظهر أيضاً؟.
المتهم: كانت معظم الحصص بعد الظهر.

الرئيس: عدا دروس اللغة هذه، هل إنشغلت أيضاً بدراسة الهندسة؟.
المتهم: كلا، كنت منشغلا باللغات معظم الوقت.

الرئيس: أية صحف كنت تقرأ؟.
المتهم: كنت أجد صحفا أرمنية لدى الأرمن وأقرأها.

الرئيس: وغيرها، الصحف الأجنبية؟.
المتهم: صحيفة أو صحيفتين روسيتين. كنت قد إنتقلت للسكن في منزل السيدة ديتمان

الرئيس: سنعود مرة أخرى إلى اذار. هل كنت قبل ذلك على علاقة جيدة مع السيدة شتلباوم، مالكة شقتك السابقة؟.
المتهم: كانت علاقتي بها ممتازة.

الرئيس: هل كنت تشعر بالراحة أيضاً في منزل السيدة ديتمان؟.
المتهم: نعم.

الرئيس: كيف وصلت الأمور إلى الجريمة؟
المتهم: لأن أمي طلبت ذلك مني. فكرت بالأمر، وعندما رأيت طلعت بتاريخ (15) اذار، كنت...

الرئيس: أين رأيته؟.
المتهم: كنت اقرأ في غرفتي وأنا اتمشى جيئة وذهابا فرأيت طلعت يخرج.

الرئيس: رأيت طلعت خارجا؟.
المتهم: في البداية رأيته على بلكون شقته، ثم خرج بعد ذلك. عندما خرج، هنا عاودني التفكير بأمي، رأيتها مرة أخرى أمامي، عندما رأيت الرجل الذي تسبب بقتل إخواتي وإخوتي.

الرئيس: رأيت عائلتك في مخيلتك وفكرت أن طلعت باشا مسؤول عن التضحية بهم وهدر دمائهم، ليست دمائهم فقط، بل دماء الكثيرين من أبناء شعبك. هل كنت تعلم أن طلعت باشا سيخرج؟.
المتهم: كلا.

الرئيس: ماذا فعلت بعدئذ؟.
المتهم: في اللحظة التي خرج بها أخذت المسدس، وهرعت وراءه وأطلقت عليه النار.

الرئيس: أين كنت تحتفظ بالمسدس؟.
المتهم: في الحقيبة بين ملابسي الداخلية.

الرئيس: هل كان المسدس ملقماً؟.
المتهم: نعم.

الرئيس: منذ متى كنت تملك المسدس؟.
المتهم: إشتريته سنة (1919) عندما كنت في تفليس وأحضرته معي. سمعت آنذاك، بأنه إذا رجع الترك ولم يكن الألمان موجودين، سوف يقومون مرة أخرى بمذبحة.

الرئيس: إذا عندما خرج طلعت باشا من المبنى، هنا عاودتك تلك الرؤيا؟.
عندما هرعت إلى الحقيبة، هل فعلت ذلك بسرعة أم بهدوء؟.
المتهم: لاأستطيع وصف ذلك تماماً. عندما رأيته برزت أمي أمام عيني، وانطلقت إلى الخارج.

الرئيس: عندما إنطلقت خارجاً، هل رأيت طلعت باشا على الطرف المقابل من الشارع؟.
المتهم: نعم، في إتجاه حديقة الحيوانات.

الرئيس: إقتربت منه قاطعا شارع هاردنبرغ؟.
المتهم: سرت على الرصيف الآخر للشارع، إلى أن أصبحت على النقطة الموازية له، بعدها قطعت الشارع وأسرعت اليه.

الرئيس: هل نظرت إليه أو كلمته؟.
المتهم: لم أكلمه، ولكنني تجاوزته على الرصيف ثم بعدئذ أطلقت النار عليه. بالفعل؟.

الرئيس: هل تجاوزته بالفعل؟ ألم تطلق النار من الخلف عليه عندما كان متقدما بالسير؟. أم أنك إقتربت منه من الوراء جانبا وأطلقت عليه النار من الخلف؟
المتهم: عندما وصلت إلى طلعت باشا، كنت قد أصبحت خلفه.

الرئيس: هل أطلقت النار من الخلف؟.
المتهم: نعم.

الرئيس: هل سددت إلى الرأس؟.
المتهم: إقتربت منه جداً.

الرئيس: هل أسندت الفوهة إلى الرأس؟.
المتهم: نعم، قريبة منه بالكامل.

الرئيس: ماذا حدث بعد ذلك؟.
المتهم: أعرف فقط، لاأستطيع وصف ذلك بالضبط، أن طلعت باشا سقط، رأيت الدماء تخرج من وجهه، وأن الناس وقفوا حولنا.

الرئيس: ألم ترَ فيما إذا كان أحد برفقة طلعت باشا؟.
المتهم: لا، لم الحظ أحداً.

الرئيس: ولا السيدة أيضاً؟.
المتهم: كلا.

الرئيس: ماذا فعلت بعد الجريمة؟.
المتهم: لاأعلم، ما الذي فعلته بعد الجريمة.

الرئيس: لقد هربت، ركضت. ألا تعلم أنك ركضت؟
المتهم: لا أعلم أنني ركضت، أنا أدركت أن الدماء سالت وأن الناس وقفوا حولنا.
الرئيس: إذا رأيت هذا بلى، ثم بعد ذلك ركضت؟.
المتهم: عندما رأيت الناس يقفون حولنا، عرفت أنهم يريدون ضربي، فهربت.

الرئيس: هل أمسكوا بك قريبا من الجثة، أم عدوت بداية وبعد ذلك أمسكوا بك؟.
المتهم: لااعلم كيف جرى ذلك.

الرئيس: يبدو أنك عدوت مسافة لابأس بها حتى وصلت إلى شارع فازانن
المتهم: لاأعلم ذلك.

الرئيس: يبدو أنك رميت المسدس في الطريق؟.
المتهم: لاأعلم ذلك.

الرئيس: ما الإحساس الذي إنتابك حين مات طلعت باشا؟. بماذا فكرت حينذاك؟.
المتهم: مباشرة بعد ذلك، لاأعلم.

الرئيس: ولكن بعد مضي بعض الوقت لابد أنك أدركت بوضوح ماذا حصل؟
المتهم: عندما ساقوني إلى الشرطة، هناك علمت ماذا جرى.

الرئيس: وكيف فكرت بما جرى؟.
المتهم: أحسست برضى في قلبـي.

الرئيس: واليوم؟.
المتهم: اليوم أيضاً، أحس بالرضى التام لما جرى.

الرئيس: لكنك تعلم أيضاً، أنه لايستطيع أحد في الظروف الطبيعية أن يكون قاضياً على ذاته، أيضاً حتى لو كان قد تعرض للكثير من الظلم؟.
المتهم: لاأعلم ذلك، أمي قالت انه يتوجب على قتل طلعت باشا، لأنه مسبب المذبحة، وروحي كانت متحولة، بحيث أني لم أعلم أنه يجب عليَّ ألا أرتكب القتل.

الرئيس: لكنك تعلم أن قوانينا تمنع القتل، تمنع قتل انسان؟.
المتهم: لاأعرف القانون.

الرئيس: هل تسود في أرمينيا عادة الثأر؟.
المتهم: لا.


المدافع نيمار: أنت أطلقت عبارة عندما ضربتك وأدمتك الجموع. ألا تذكر ما الذي قلته وقتئذ، كانت عبارة دفاع عن نفسك أمام الجمهور؟
الرئيس: لقد وصف الموقف على الشكل التالي: أنه لم يهرب، رأى الدماء تسيل، وأن الناس تجمعوا وأنهم أمسكوا به.- والآن، هل تعلم فيما إذا أحد المتفرجين، من الذين هرعوا إلى المكان، أجبرك على الكلام، أم أنك تلقاء ذاتك قلت شيئا إعتذارا على تصرفك لأحد هؤلاء الناس لأنهم أمسكوا بك وضربوك؟.
المتهم: قلت إنني أجنبـي، وهو، الذي قتلته، أجنبـي أيضاً، ماعلاقة الألمان بذلك؟.


الرئيس: المفترض أنك قلت: أنت تعلم ماذا فعلت، وهذا لايضر ألمانيا.
المتهم: (يكرر كلماته السابقة).
المدافع نيماير: هل تعلم أن هذا يعاقب عليه في ألمانيا؟ أريد تقديم شرح حول هذه النقطة.

الرئيس: لقد تم شرح هذه النقطة- لقد تم حبس المتهم على ذمة التحقيق حتى الآن. أقواله السابقة تتطابق في المضمون مع إفادته اليوم في جميع النقاط.
المدافع فون غوردون: كم درجة تعلو الشقة التي تسكن فيها في شارع هاردنبرغ (37)؟. في المقابل يسكن طلعت باشا في شارع هاردنبرغ (4)، قريبا من جهة كني عند المبنى خلف شارع شيللر.
المتهم: لم يكن ثمة درج حيث كنت أسكن.
المدافع فون غوردون: إذاً رأيت في (15) اذار طلعت باشا يخرج من المبنى، أخذت المسدس ووضعت القبعة وإنطلقت هابطا الدرج إلى الشارع. هنا يجب أن يكون طلعت باشا قد سبقك مسافة لابأس بها. وفق معلوماتي قطع شارع كنيسبك؟.
المتهم: لقد قلت إني ركضت إلى أن لحقت به.
المدافع فون غوردون: في هذا الحالة يجب أن تكون قد عبرت الحديقة في شارع هاردنبرغ. هل كنت أمامه؟.

الرئيس: لقد أجاب بالنفي على السؤال المحدد حول هذه النقطة. لقد جاء من الخلف.
المدافع فون غوردون: إذا أرجو سؤال المتهم مرة أخرى.

الرئيس: أعطنا معلومات حول هذه النقطة مرة أخرى.
المتهم: لحقت بطلعت باشا، سبقته، وعندما تجاوزني طلعت باشا أطلقت النار عليه.

الرئيس: كان هذا إلى حد معين عدم الحذر منك، إذ كان بإمكان طلعت باشا أن يراك في هذه الحالة، كان من الممكن أن يشك ويدرك أن هناك ماهو مخطط ضده. كان هذا تصرف طائش إلى حد بعيد. ألم تقترب من طلعت ربما من الخلف؟
المتهم: لم أفكر في مثل هذا الأمر.
الرئيس: لاتزال هناك حالتان محتملتان: إما أنك مررت بطلعت قبل ذلك، أو إقتربت كثيراً منه من الخلف. حتى الآن لم يتضح بما فيه الكفاية، ان كان طلعت باشا تجاوزك.
المدافع فون غوردون: لقد فهمت الوصف على الشكل التالي: أن طلعت قد مر. بهذا الشكل وصف المتهم الأمر دائماً. هل رأيت وجه طلعت قبل ذلك؟.
المتهم: نعم، عندما كنت لا أزال على الرصيف الآخر، قبل أن أعبر إلى الطرف الذي كان طلعت يسير عليه.

الرئيس: سوف نرى ماسيقول الشهود حول هذه النقطة.
المدعي العام: المتهم قبل ذلك أجاب عن سؤال أحد المدافعين، بأنه كان يعلم أن طلعت باشا حكم بالإعدام في اسطنبول. هذا صحيح، أن مثل هذا الحكم قد صدر. إلا أنني يجب أن ألفت النظر إلى ان هذا حدث بعد أن تسلمت زمام الأمور حكومة مغايرة بالكامل في اسطنبول، بعد أن حدث الإنهيار في تركيا وبعد أن أصبحت اسطنبول تحت رحمة مدافع السفن الإنكليزية. أترك تقدير قيمة حكم الإعدام هذا إلى هيئة المحكمة، وأود أن أطلب توجيه السؤال التالي إلى المتهم: قال انه عثر على جثة أخيه. هل قام بدفن أخيه؟.
المتهم: كلا.

الرئيس: المتهم هرب، فقد كان في موقف خطر.
المدعي العام: بعدها قال المتهم إنه خضع لعلاج طبـي. هل لديه أية آثار جروح أو ندبات على جسده.
المتهم: بالطبع.
المدعي العام: أرجو أن يتم التأكد من صحة هذا الإدعاء فيما بعد. كما أرجو سؤال المتهم، كيف عرف في الحال أن هذا الشخص هو طلعت باشا. هل سبق له رؤيته، أم إعتمد على الصور؟.
المتهم: كلا، لم أره. تعرفت عليه من خلال صوره في الصحف.

المدعي العام: قيل أن المذبحة حصلت في أرزينجيان. إلا أنني حصلت على معلومات، تفيد بأنه بعد أن غادرت القافلة أرزينجيان، هوجمت في أحد الممرات الجبلية من قبل لصوص كرد. وحسب مصادري سقط ضحايا من الجندرمة التركية أيضاً. أرجو سؤال المتهم، فيما إذا قام لصوص كرد بذلك.
المتهم: قيل لي إن الجندرمة التركية هم الذين أطلقوا النار.
المدافع نيماير: سوف تتضح هذه القصة مع اللصوص الكرد كما اعتقد.
المدعي العام: لفت إنتباهي فقط، أن المتهم بمثل هذه السرعة وجد مسكناً في شارع هاردنبرغ.
المدافع نيماير: مايوضح المسألة المتعلقة بالكرد، أعتقد أن سبب ذلك يعود إلى الطريقة الأساسية للمذابح التركية، وهي تجنيد الأعداء ــ الألداء للأرمن وهم سكان الجبال الكرد داخل البلاد، من الجندرمة من أجل حراسة الأرمن.
المتهم: الكرد متنوعون. بعضهم معادٍ للأرمن، إلا أن بعضهم ناس طيبون مع الأرمن.

المدافع نيماير: شرح المتهم بأنه وجد ملجأ لدى الكرد. إذا يوجد كرد طيبون وكرد سيئون. كما يتضح أكثر من هذا عندما يشرح المتهم أن الكرد عاملوه معاملة طيبة وقدموا له المساعدة. إلا أنه هناك كرد متحالفون مع الحكومة.
المتهم: وهؤلاء ليسوا بقليلين

المدافع فيرتهاور: كم كان عمرك عندما توفي أبوك؟
المتهم: الوالد كان في الخامسة والخمسين، الوالدة (52 – 53) سنة، وأشقائي (22، 28) سنة وشقيقاتي (26 ،27) سنة تقريباً وواحدة كان عمرها (16،5) وأخرى كانت (15) سنة.

المدافع فيرتهاور: هل ذهبت معكم الشقيقة المتزوجة مع أولادها وزوجها؟
المتهم: نعم كانت معنا، إلا أنها كانت تبعد عنا قليلا.

المدافع فيرتهاور: اليوم يقول المتهم، انه لم ير أمواتا من عائلته عدا شقيقه. لكنه فيما مضى قال لي شيئا مغايرا. ربما لم نفهمه بشكل صحيح. أنا أرغب بالسؤال، فيما إذا شاهد الأخت تختفي بعيداً في الأحراش، وفيما إذا عادت إليهم فيما بعد؟
المتهم: رأيت أمي تسقط، ورأيت شقيقي ميتا، ورأيت الجثث الأخرى. عندما ذهبت لم أستطع تحديد كل شيء.

المدافع فيرتهاور: كان يسكن في أرزينجيان (20) الف مسيحي أرمني. من كان يسكن فيها من السكان الآخرين، كم من الكرد والترك؟
المتهم: عدا ذلك كان يسكن في أرزينجيان (25 – 30 ) ألفاً من الترك.

المدافع فيرتهاور: هل حصلت إعتداءات طلب فيها من الأرمن مغادرة منازلهم، أم تم الأعلان عن ذلك شفهيا؟ أم كيف تم إعلام (20) ألفا من الأرمن في هذه الفترة القصيرة؟. المفترض أن الأمر جرى في صباح واحد فقط. لقد فهمت قبل قليل، أن الأمر جاء في صباح يوم بوجوب إخلاء المدينة من الأرمن. كيف أمكن القيام بذلك؟
المتهم: تم تجميع كل الناس في المدينة والضواحي وترحيلهم. أما الذين ظلوا في المدينة فقد تم ترحيلهم فيما بعد.

المدافع فيرتهاور: هل تذكر أي قرع طبول لتجميع الناس، أو أي صوت ينادي؟. أم تم ذلك بصورة أو بأخرى؟
المتهم: سمعت صوت المنادي الذي كان ينادي، أنه يجب مغادرة المدينة.

المدافع فيرتهاور: هل كان هذا أمراً من الحكومة؟
المتهم: أعلن المنادي، إنه أمر قادم من طلعت باشا، من اسطنبول.

الرئيس: هل قيل حينها أيضاً، ان الأمر كان صادراً عن طلعت باشا؟
المتهم: كان يقال بشكل إشاعات.

المدافع فيرتهاور: أرجو سؤال المتهم، فيما إذا كانت المدارس منذ شهر شباط مقفلة أثناء وجوده في أرزينجيان حتى شهر آيار؟

الرئيس: المتهم قال ان المدارس أغلقت قبل شهر من هذا التاريخ.
المتهم: قبل (2 -3) أشهر.
المدافع فيرتهاور: أرجو السؤال، فيما إذا كانت النقود التي وجدها المتهم من الذهب؟ نقوداً ذهبية؟
المتهم: كانت نقوداً ذهبية.

الرئيس: هل كفتك حتى الآن؟ هل كنت تعيش منها؟
المتهم: نعم.
المدافع فيرتهاور: كانت (4800) ليرة تركية، الليرة تعادل تقريبا (20) قطعة مارك ذهبية.

الرئيس: عشت حتى الآن منها؟
المتهم: نعم.
المدافع فون غوردون: عندما أخذوا أختك، هل سمعتها تصرخ وتبكي؟
المتهم: سمعتها تصرخ، وأمي أيضاً رأتها، إقتربت مني وصرخت قائلة، ياليت العمى يصيبها.

الرئيس: هل هناك ثمة أسئلة أخرى توجه للمتهم؟
المدعي العام: ما زالت هناك نقطة، أرجو شرحها لي. كيف أحضر المتهم النقود معه إلى ألمانيا؟
المتهم: وضعت جزءاً منها في جيوبي والجزء الآخر في الحقيبة.

الرئيس: إذا لم تتبق أسئلة توجه إلى المتهم، سننتقل إلى أدلة الإثبات.
(الشاهد التاجر نيكولاوس يسون من شارلوتنبورغ، عمره (40) سنة. وديانته مسيحي بروتستنتي.)
(بعد أداء القسم)

الرئيس: كنت شاهد عيان؟
الشاهد: نعم.

الرئيس: هل تريد أن تروي لنا، ما الذي رأيته؟
الشاهد: كان يوم ثلاثاء في (15) اذار، الساعة الحادية عشرة، كنت أسير في شارع هاردنبرغ, وكنت أريد الذهاب إلى شارع فيتنبرغ لزيارة عدد من الزبائن. أعمل ممثل مصنع منتجات لحوم. كان يسير أمامي سيد يرتدي بذلة رمادية بخطوات من يتمشى. فجأة جاء السيد هنا، المتهم، وتجاوزني بخطوات مستعجلة، أدخل يده في جيبيه.

الرئيس: أين كنت تسير؟ على الطرف الأيمن؟
الشاهد: نعم. في إتجاه حديقة الحيوانات.

الرئيس: خلف هذا السيد صاحب البذلة؟
الشاهد: نعم.

الرئيس: ثم جاء على الرصيف المتهم وتجاوزك؟
الشاهد: تماما.

الرئيس: وسحب المسدس، من أي جيب؟
الشاهد: لا أعلم بهذه الدقة، أعتقد من جيب الصدر الأيمن. بكل الأحوال كان مسدساً، سحبه وأطلق من مسافة قريبة جداً على خلفية رأس السيد، الذي سقط في الحال على الأرض إلى الأمام. إنفتح غطاء الرأس. المتهم ألقى المسدس وهرب. كانت سيدة تسير أمامهم. وسقطت مغشيا عليها. أنا ساعدتها بداية على النهوض، لأني إعتقدت أنها أيضاً أصيبت. ثم عدوت خلف المتهم، وعند شارع فازانن أمسكت به. بالطبع تجمعت جمهرة من الناس، الذين ضربوا المتهم بغضب. كان أحد الرجال يضربه بإستمرار بمفتاح على رأسه. تعالت صيحات: أمسكوا اللص القاتل!. بعد ذلك أخذت المتهم إلى قسم الشرطة في حديقة الحيوانات. هناك أراد ان يدخن سيكارة. وتجمع هناك أيضاً ناس مختلفون، أرادوا ضربه مرة أخرى.

الرئيس: هل أنت متأكد تماماً أن المتهم جاء من خلفك على الرصيف وتجاوزك؟.
الشاهد: بالضبط.

الرئيس: وأتى من الخلف؟.
الشاهد: نعم.

الرئيس: وأطلق النار على الرجل في خلفية رأسه؟.
الشاهد: نعم.

الرئيس: ألم يكن الأمر على الشكل التالي، أنه جاء من الجانب، وقطع الشارع، ثم ترك طلعت باشا يمر من أمامه، ثم أطلق النار من الخلف؟.
الشاهد: كلا.

الرئيس: هل نظر إليه من الأمام؟.
الشاهد: لا. أستطيع أن أنفي هذا، مر المتهم بخطى سريعة، من دون أية كلمة، سحب المسدس وأطلق النار على خلفية رأس الرجل.

الرئيس: وسقط الرجل في الحال؟.
الشاهد: سقط إلى الأمام.

الرئيس: هل توقف المتهم بأي شكل من الأشكال؟.
الشاهد: كلا.

الرئيس: سارع إلى الهرب فورا؟.
الشاهد: نعم. إنعطف في شارع فازانن بإتجاه شارع كانت.

الرئيس: أين كانت السيدة تسير؟.
الشاهد: السيدة كانت تسير أمام الرجل.

الرئيس: ليس بجانبه؟.
المتهم: كلا.

الرئيس: هل كانت برفقة الضحية؟.
المتهم: كلا.

الرئيس: وقعت مغشيا عليها؟.
الشاهد: نعم.

الرئيس: هل كان ثمة شخص آخر بالقرب؟.
الشاهد: كلا.

الرئيس: كنت أول شخص قرب الجثة؟.
الشاهد: بالضبط. ثم أنهضت السيدة بداية.

الرئيس: ثم رأيت بعد ذلك بأن السيد قد مات؟.
الشاهد: بالضبط.

الرئيس: هل جاء أثناء ذلك أحد آخر؟.
الشاهد: توقفت شاحنة نقل أساس للتو، ثم خرج من أحدى الفيلات السيد وأحد الخدم.

الرئيس: هل ثمة اسئلة أخرى للشاهد؟. لاتوجد.
(الشاهد الخادم بولسلاف ديمبيكي من شارلوتنبورغ، (32) سنة. الشاهد أدى القسم.)
الرئيس: هل تود أن تحكي لنا عن الجريمة كما رأيتها؟.
الشاهد: كنت بصدد أن أذهب أثناء إستراحة الغداء إلى البيت، سرت في شارع هاردنبرغ.

الرئيس: في أي إتجاه كنت تسير؟.
الشاهد: بإتجاه حديقة الحيوانات.

الرئيس: على الجانب الأيمن من الشارع؟.
الشاهد: تماماً. عند زاوية شارع فازانن تجاوزني السيد المتهم.

الرئيس: هل كنت تسير على الرصيف؟.
الشاهد: نعم، تجاوزني،كان على مسافة (4-5) خطوات خلف السيد الذي أطلق النار عليه. سمعت فجأة صوت طلقة، ظننت أن عجلة سيارة فرقعت، وفجأة رأيت السيد أمامي يسقط، وشخصاً آخر يبتعد.

الرئيس: إبتعد في الحال؟.
الشاهد: نعم، فوراً. لحقت به في الحال. المتهم إنعطف في شارع فازانن إلى اليسار، وفي شارع فازانن جاء آخرون من الإتجاه المعاكس بحيث لم يعد بوسع المتهم الهرب. أمسكه هذا السيد، الذي كان الشاهد للتو. ومن هنا أخذناه إلى مقر شرطة حديقة الحيوانات.

الرئيس: هل كنت تعلم أن الذي تجاوزك في الشارع كان هو المتهم؟.
الشاهد: نعم.

الرئيس: هل نظر إلى المغدور من الأمام، أم إقترب منه من الخلف؟.
الشاهد: إقترب من السيد من الخلف مباشرة، وجه السلاح وأطلق النار.

الرئيس: وأتى من خلفك وتجاوزك على الرصيف؟.
الشاهد: نعم، وقد قام بالتفاتة بسيطة أيضاً، نظر إلى الأعلى إلى إحدى الشرفات وأطلق عليه النار.

الرئيس: هل سمعت أية أقوال من المتهم بعد الحادثة؟.
الشاهد: لقد قال: هذا الرجل أجنبـي، وأنا أيضاً أجنبـي، هذا لايضر.

الرئيس: أين قال ذلك؟.
الشاهد: في القسم، فيما بعد.

الرئيس: قرب الجثة مباشرة، لم يتوقف؟.
الشاهد: كلا.
الرئيس: بعد أن أطلق النار رمى السلاح وهرب؟.
الشاهد: نعم.

الرئيس: وأنت لحقت به؟.
الشاهد: نعم.

الرئيس: هل رأيت سيدة تسير قرب الرجل المغدور أو أمامه بمسافة قريبة؟.
الشاهد: كلا. لم ألحظ هذا.

الرئيس: إذا لم يكن أحد قريبا جداً من المغدور؟.
الشاهد: كلا، لم يكن هناك أحد.

الرئيس: لاحظت إذا أن السيد كان يسير في الشارع لوحده، بخطى بطيئة؟
الشاهد: بخطى بطيئة.

الرئيس: ولم يكن أحد يسير بجانبه؟.
الشاهد: كلا.

الرئيس: وهناك كنت أنت والسيد يسون أول من جاء، أم كان هناك آخرون؟.
الشاهد: نعم، كنا أول من أتى.

الرئيس: هل توجد أية أسئلة توجه إلى الشاهد؟- لاتوجد.
(تم الإستغناء عن شهادة الشاهدة التالية أرملة طلعت باشا، حيث ثبت الإعتقاد، بأنها كانت السيدة التي أغشي عليها مكان الجريمة، أثناء إطلاق النار على طلعت باشا، كان خاطئاً.)

يتبع في الفصل الثاني

سنجاري اصيل
04-23-2011, 14:24
الله يرحمهم بواسع رحمته‌