المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كفاح محمود : سنجار التاريخ والهوية



bahzani
02-28-2012, 23:53
سنجار التاريخ والهوية



كفاح محمود
03-11-2005, 11:49

اضع بين يديكم بحثا اجريته حول مدينة شنكال (سنجار) ونشرته جريدة (خه بات) التي كانت تنطق بالعربية عام 2001 ،كما تم تقديمه الى حكومة اقليم كوردستان ومؤسساتها ونظرا لاهمية المدينة وموقعها وددت نشره في هذا الموقع على شكل حلقات خدمة للتاريخ وللرأي العام .



المدخل
يبدو أن الموقع الجغرافي لبعض الأوطان والمدن والمستوطنات البشرية يتحول إلى وبال لسكانها عبر التاريخ , فتتحول إلى ساحات حرب ومراكز صراع بين قوة عظمى أحيانا وصغرى متعملقة أحيانا أخرى ,و كوردستان واحدة من هذه الأوطان التي شاءت أقدار الجغرافية السياسية أن تكون مثلثاً بين بقايا ثلاث إمبراطوريات عفي عليها الزمن .
إذا ما غادرنا أطراف وطننا الثلاث واتجهنا إلى أقصى جناحه الغربي , فسنقف أول ما نقف في إقليم الجزيرة هذا ،على أطلال مدينة غائرة في أعماق التاريخ , تمتد جذورها إلى حيث وضع الإنسان أساس أولى محطات تجمعه ومباشرته حضارة الزراعة .
ففي الوقت الذي كان اقرانه في أواسط أوربا وغربها يبحثون عن الغذاء في مرحلة الصيد كان هو في (سنجار) وبقية أنحاء كوردستان قد بدا في صناعة الغذاء بنفسه ,حينما تجمع في قرى (تبه 1) و (تبه 2) لينشئ اقدم مستوطناته البشرية المتحضرة قبل اكثر من سبعين آلف عام , فالتنقيبات الاثارية التي آجراها الاثاري (سيتون لوئيد Seton Eloyed ) في منطقة سنجار والتي تناولت المرتفعات الشرقية والجنوبية من أطراف المدينة الحالية وتحديداً في (كَري ره ش ـ التل الأسود) و(كَري حوشي ـ تل حوشي) أثبتت من خلال المخلفات الفخارية القديمة جداً إلى ارتقاء تاريخ سنجار إلى عصور متأخرة في ما قبل التاريخ المتأخر(1)
منذ آن بزغت شمس الحضارة قبل آلاف السنين و سنجار أو (سنكارا) أو (سنغارا) كما كان يطلق عليها البابليون و (شنكَال) كما أطلق عليها الآشوريون , كـانت ميداناً لصراع الحضارات ومن ثم بعد ذلك الإمبراطوريات.
عرفت سنجار عند المصريين القدماء بلفظة (سنكار) وعند الاشيين بلفظ (شنخار) أما عند اليونان والرومان فكانت (سنكارة) حتى أطلق عليها الإمبراطور الروماني (اورليوس) اسم (اورليا) عندما جدد بنائها في حدود عام 199 م (2) (3) .
وبقت سنجار تحمل اسمها الجميل (شنكَال) هذا الاسم التاريخي الذي يعود تداوله إلى اكثر من ثلاثة آلاف سنة , والذي لا تزال شفاه الأطفال تتغنى به حتى يومنا هذا ,انه شنكَال وسنجار المدينة التي افترشت مرتفعات (قراجات) جبل سنجار الجنوبية لتشكل لوحة فنية رائعة الجمال , كأنها للذي يراها من بعيد صقرا كوردياً مد رأسه باتجاه (دير عاصي) في قلب الجبل ونثر جناحاه شرقا على (قراج اسمرى) وغربا على (قراجات قزل كه ند) وليمتد ذيله كذيل الطاووس مشكلاً وادي سنجار وبساتينهِ التي تمتد جنوباً في السهل (الده شت) ولتصب فيها كل عيون الماء .
هذه المدينة القديمة التاريخ والرائعة الجمال كان موقعها الجغرافي نقمة على سكانها فهي تتوسط الطرق بين إمبراطوريات حكمت هذا الإقليم , ففي شمالها كان الرومان وعلى شرقها كان الفرس والترك واجتمعت في جنوبها معظم الممالك العربيـة, ولم تتضح تلك الصراعات إلا بعد بزوغ الحضارات وقيام مراكز القوة .
وباعتقادي أن من أوائل تلك الصراعات هي نجاح الرومان في حدود 115 م بإسقاط مملكة سنجار التي كانت حين ذاك مملكة آرامية مستقلة يقودها ملك يدعى (معنو) (4).
وبذلك تدخل سنجار ضمن الإمبراطورية الرومانية التي استمرت في حكمها و أقامت فيها نماذج من حضارتها المتمثلة في سورها الجميل ببواباته الأربع والذي لا يزال جزءاً كبيرا منه قائما حتى يومنا هذا .
هذا السور الذي لم يجرؤ الفرس على اقتحامه رغم محاولاتهم العديدة حتى استطاع الإمبراطور الفارسي (شابور الثاني) في حدود عام 363 م من السيطرة على المدينة بعد تنازل الإمبراطور الروماني جوفيان (يوبيانوس) عنها .
ُيجمع معظم المؤرخون بل ويتفقون على أن المسيحية دخلت سنجار في الربع الأخير من القرن الرابع الميلادي .وتذكر المراجع الكنسية اسم الأسقف (معين) في حدود سنــة 375 م ,ويقال انه بنى العديد من المعابد المسيحية في الجبل والمدينة .
وتذكر نفس المصادر الكنسية أن أول أسقف أكيد لكرسي سنجار هو (باباي) وذلك في سنة 533 م وهو نسطوري .
لقد تركت المسيحية على ثرى سنجار بقايا صراعاتها المذهبية و أطلال كنائسها وخصوصا (دير عاصي) الذي تم تشييده في حدود عام 500 م حيث كان هذا الدير يعتبر من أهم المدارس المسيحية في القرن السابع الميلادي إضافة إلى دير (ووزنه) الذي شيد قبل عام 734 م بقليل وكذلك (دير زدشكه) أو دير الزلازل الذي شيد في قمة جبل سنجار
وإذا ما عدنا إلى المراجع الإسلامية القديمة فسنلاحظ إنها تتفق على أن فتح المسلمين لإقليم الجزيرة كان قد تم في حدود سنة 640 م , واستنادا على ذلك فان سنجار فتحت كغيرها من مدن الجزيرة في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب (رض) وعلى يد قائده العسكري (عياض بن غنم) . وتفيد المراجع الحديثة أن عياضا بعث من قبله (أبو موسى الاشعري) إلى سنجار الذي دخلها دون قتال لتدخل المدينة النصرانية في حوزة الإسلام وليبقى أهليها على نصرانيتهم بعد أن فرضت عليهم الجزية .
لقد جاء الإسلام بقبائل عربية إلى المدينة والتي استهوتها خيراتها وماؤها وكلئها فاستوطنت. ومنها قبائل (تغلب , وائل, نمير , كلاب,عقيل.إضافة إلى طي وعبيد) ,ويقول ابن الأثير وابن العديم في كتابه (زبده الحلب) ـ أن مدينة سنجار من مواطن الأكراد الأساسية والقديمة ومن اشهر قبائل الكورد فيها كانت الزرزارية (المسلمة منها واليعقوبية) وقبيلة الجورجان النصرانية ,وفي القرن الرابع والخامس الهجريين اشتهرت في سنجار ونواحيها القبائل الكوردية التالية(الحميدية ـ الهذبانيــة ـ الرواذية ـ المريوانية ـ الخاتونية ـ الشهوانية) .
لقد حاولت معظم الموجات الاستيطانية القادمة إلى المدينة أن تلغي هويتها وتمنحها هوية ممسوخة , و لكنما هكذا يقول التاريخ وتُرددُ صداه الأيام فقد بقت الشفاه الندية عبر آلاف السنين لا تنطق إلا اسمها الأصيل (شنكَال) ,وبقت هوية هذه المدينة كما هي مخزونة في ذاكرة سكانها الكورد وأزيائهم ونغمات أغانيهم وترانيم طنبوراتهم و أسمائهم وبقت منقوشة على حجارة وصخور جبلهم الأشم وعيون الماء و أسماء الأزقة و الأحياء وعناوين البلدات والقرى .
يكفي سنجار فخرا و السنجاريون مجدا طيلة العصور و الأزمان إنها كانت قد استوعبت واحتوت اكثر الغزاة همجية و آثرت فيهم اكثر مما تأثرت بهم فخرجت في كل مرة اكثر صلابة واشد مناعة , تعطي اكثر مما تأخذ وتمنح هويتها الأصيلة لكل الطيبين الاصلاء وهكذا رأيناها في فجر العاشر من نيسان 2003 بعد مئات السنين من محاولات إلغاء هويتها وبعد ثلاثين عاما من جرائم التطهير العرقي و الجينوسايد والترحيل خرجت عن بكرة أبيها أطفالا وشبابا رجالا وشيوخا من كل المدينة وقراها لترفع هويتها الكوردستانية الأصيلة ولتتبخر كل تلك التشويهات التي أحدثها العنصريون في وجهها الباسم
سنحاول تبويب هذه الدراسة حسب الحقب التاريخية التي مرت على المدينة ابتدائاً من سقوط أول مملكة أقيمت فيها وحتى سقوط المدينة في الإمبراطورية العثمانية في حــدود1516 م.





(1) مجلة سومر , مجلد 31 :ج1 ج2 سنة 1975 ص 21 القسم الأجنبي مقال د.بهنام أبو الصوف.
(2) بدج : رحلات إلى العراق .
(3) بكنغهام :رحلتي إلى العراق
(4) أدي شير :تاريخ كلدو وأثور



الحلقة الاولى
سنجار بين حضارتين:آرامية ورومانية


ربما كانت مملكة (معنو) الآرامية المستقلة في سنجار عند بدايات العصر الميـلادي آخر الممالك المزدهرة للآراميين في غرب كوردستان , أولئك الآراميون الذين انتشروا في كل الأصقاع لولعهم الكبير بالتجارة فنقلوا في انتشارهم هذا لغتهم الجميلة وأبجديتهم التي تعتبر من اقدم الحروف التي استخدمت في الكتابة . (1)
اعتقد أن المتاحف العراقية والأوروبية تحتفظ بما يدلل على أن مملكة معنو لم تكُ قرية أو منتجعا ملكيا بل كانت مملكة كاملة التكوين , فقد ضُربت فيها النقود ,ولقد عُثر على نماذج كثيرة من نقود تلك المملكة. (2)
من المؤكد إن سنجار عاصمة تلك المملكة كانت مركزا تجاريا كبيرا ومهماً تقع عند تخوم الإمبراطورية الآشورية , وهذا يعني إنها كانت قوية أيضا , إذ إن أي اقتصاد متين يحتاج إلى قوة عظمى لحمايته والحفاظ على أمنه و آمن مسالك حركته , من هذه الحقيقة نستدل على آن المملكة الآرامية في سنجار استطاعت أن تقيم حضارة جميلة ومتميزة ,سنكتشف ذات يوم أنها من أروع الحضارات في هذا الإقليم لوقوعها بين مملكتين عظيمتين في حضارتيهما وقوتيهما تلك هي (الآشورية في شرقها ) و(الميتانية في شمالها الغربي) , خصوصا إذا ما علمنا أن سكان سنجار الأصليين ينحدرون من أصول ميدية وميتانية _ هندواوروبية .
في بدايات القرن الميلادي الثاني بدأت مملكة معنو السنجارية بالضعف والوهن لكثرة ما تعرضت له من صراعات واطماع من قبل جيرانها شرقا وغربا إضافة إلى هجمات البدو القادمين من الجنوب والجنوب الشرقي حيث بحثهم الأزلي عن الماء والكلأ ,خصوصا وان موقع سنجار عند حافات الصحراء واكتنازها للخصب والماء جعلها دائما محط أطماع الغزاة
وهكذا أصابها الوهن فما آن بدا العقد الثاني من القرن الميلادي الثاني حتى اتجه الرومان صوب ذلك الجبل القائم عند تخوم الصحراء , حينما ابلغهم تجارهم بوجود مدينة رائعة الجمال كثيرة الخيرات , تغفو على سفح جبل غارق حتى أذنيه بالغابات وعيون الماء التي تتدفق من كل أطراف المدينة , وسهل يمتد جنوبا ليحتضن نهرا جميلا تنتشر حوله بساتين النخيل والأعناب والتين والزيتون حتى الأفق .
هكذا كانت تقارير التجار الرومان تصف مملكة سنجار وهي تُرفع إلى أباطرتهم حيث كان الإمبراطور الروماني [طراجان ـ طريانوس] يجتمع إلى كبار رجال إمبراطوريته في الحكومة والجيش ليتداول معهم أوضاع الدولة وأحوال الحدود والثغور وهو يقرأ تقريراً يصف له مدينة سنجار وأهميتها وموقعها الاستراتيجي كثغر جنوبي لإمبراطوريتهم .

وبعد مناقشات ومداولات مستفيضةُ قرر الإمبراطور طريانوس اظافة شنكَال إلى إمبراطوريته العظمى، وهذا ما حصل فعلاً في نهاية عام 114 م حينما هاجمت جيوش الرومان مملكة معنو الواهنة في شنكَال و أسقطوها بعد قتال لم يستغرق إلا بضعة أيام هرب على آثرها الملك معنو إلى فلسطين(3) ـ ولم أجد له أثرا في معظم المراجع ـ .
لقد توارى ـ هذا الملك ـ عن الأنظار والناس جميعاً وترك مملكته الصغيرة تواجه مصيرها مع الغازي الكبير ، فلقد أيقن (معنو) انه لن يصارع هذا الثور الهائج والأفضل له أن يغادرها تاركاً خلفه شعبا متجذراً لا يستطيع أن يهرب فليس له بديل آخر إلا الموت أو الاستسلام .
صحيحُ ؛ أن كثير من السنجاريين كانت قد أصابتهم الصدمة وصعقوا حينما هاجمهم الرومان في مدينتهم الثرية الهادئة ، وان كثيرا منهم قتل أو جرح دفاعا عن معنو ومملكته ، فلم يكن هناك وقتئذ خيار أخر ، ولكنهم لو كانوا يعلمون ما سيفعله الرومان في مدينتهم بعد ذلك لما ابتئسوا ، وآي بديل أقاموه أولئك القادمون من الشمال. لقد وضع القائد الروماني (لوسيوس كيوتوس) نصب عينيه موقع المدينة وبعدها عن المدن التي حولها ، وكيفية ربط هذه المدينة الجميلة ببقية المدن في عمق الإمبراطورية ، وكيفية إعادة بناءوها وفق رؤيته ، وهكذا تقدم هذا القائد بأفكاره إلى الإمبراطور (طريانوس) بعد اظافة سنجار إلى حواضرهم . فما كان من الإمبراطور إلا أن اصدر أوامره بتعبيد الطريق بين سنجار ونصيبين برصفه بالحجارة في بداية عام 115 م .وبذلك يكون الرومان قد وضعوا حجر الأساس لأول شارع معبد بين سنجار وخارجها وكان ذلك باكورة أعمالهم الحضارية المتطورة في المدينة .
لقد كانت الرؤية الرومانية عسكرية ـ مدنية في قيامها بتبليط الشوارع بين سنجار والمراكز الحضرية الأخرى في الإمبراطورية ، وكانت الحلقة الأولى في سلسلة الحضارة التي بدأت تدخل المدينة لأول مرة ، فلم يمضِ قرن على ذلك الطريق حتى باشر الإمبراطور (ساديروس الكسندر) برصف طريق أخر يمتد من سنجار حتى الخابور .
وحينما كان المئات من البشر آو ربما الآلاف ينقلون الحجارة من الجبل إلى حيث يتم رصفها باتجاه نصيبين والخابور كان السنجاريون ينفذون بناءا في مركز مدينتهم فلقد وضع المهندسون الرومان تخطيطا جديدا للمدينة ابتدءوه بالسور الكبير الذي يلف المدينة من كل أطرافها وبذلك أمنوا لهم ولسكانهم حياة اكثر أماناً واستقرارا .
ولم يجد الرومان صعوبة في الحصول على ألبناه والمهندسين والعمال ،فلقد عرف السنجاريون بحبهم للبناء والأعمار وللحضارة .وتختزن ذاكرة التاريخ أسماء كثيرة من أولئك ألبناه والنقارون وصناع الجص وبناة التسقيف بالحجارة و(الخرشان) (4) .فانهمكوا مع الرومان في تهيئة تلك الكتل الصخرية الكبيرة لبنائها كسور للمدينة .
وحينما كان المئات منهم منهمكون في بناء السور الكبير كان عدة مئات آخرين يعملون في رصف طريق المدينة الرئيسي والذي يمتد من اكبر أبواب السور وهو باب السماء الذي يتجه جنوبا ـ وحتى آخر المدينة الذي ينتهي عند البوابة الرابعة باب الجبل ـ الذي يتجه شمالا باتجاه جبل سنجار .
لقد امتلأت المدينة بعشرات التماثيل والنصب الدينية والمدنية حيث كانت تزين حدائقهم وساحاتهم وبوابات قصورهم ، ويوم بعد آخر وسنة تلو سنة يبدأ السنجاري بالاطمئنان للقادم الجديد من الشمال ، كيف لا وقد أقام له مدينة جميلة أعاد بنائها و أشاع فيها الأمن والسلام والعمل و ضرب حولها سورا عظيما يحميها من أطماع الطامعين القادمين من الجنوب . وفتح في سورها أربعة أبواب باتجاه الجهات الأربع وهي على التوالي :
1- باب السماء : وهو بوابة دخول المدينة الرئيسية حيث يمتد منها شارع البلاط والذي يمتد حتى طرف المدينة الشمالي . وهو الباب الوحيد الذي بقت آثاره حتى يومنا هذا .
2- باب الجبل : ويقع في الطرف الشمالي للمدينة حيث ينفتح باتجاه الجبل شمالا وكان مفتوحا طيلة النهار ويغلق ليلاً .
3- باب الشرق: ويقع في طرف المدينة الشرقي ولم يبقى من آثاره آي شئ.
4- باب اللـيل: ويقع في الطرف الغربي من المدينة .

ومن باب السماء حينما كان يدخل المرء يطل على ساحة كبيرة واسعة تنتشر على جنباتها تماثيل الهتم وأباطرتهم أضافوا أليها تماثيل الأسود والنمور أمام مداخل قصورهم الذي بنيت في أخر الساحة .و لأول مرة يكتشف سكان سنجار الاصليون انهم قريبون من الغازي الجديد ، فهم ينحدرون من أصول واحدة تلك هي الأصول الهندواوروبية ، وبذلك استطاع الرومان أن يشيعوا مناخا رائعا لاقامة مستعمرتهم الحضارية الجديدة عند تخوم الصحراء فيتفاعل السكان معهم ويتعاونون في إقامة إدارتهم التي استمرت ما يزيد على قرنين ونصف القرن كانت صفحاتها المشرقة اكثر بكثير من نقاطها المظلمة .
ولان النظم السياسية والحضارات والقوى تشيخ كما يشيخ الإنسان وتبدوا عليها علامات الضعف والوهن ،فان الرومان ونظامهم في سنجار بدأوا بالضعف والانحطاط ، ويتقد كثير من المؤرخين و الاثاريين إن الرومان في صراعهم مع الفرس تنازلوا عن سنجار لقاء أمر اكثر أهمية وخطورة وهكذا وفي عام 363م يتنازل الإمبراطور (جوفيان ـ يوبيانوس) للإمبراطور الفارسي شابور الثاني عن مدينة سنجار و لتبدا سنجار عصرا جديدا في مدينة وظيفتها توديع غزاه ما لبثت أن صادقتهم واطمأنت لهم حتى تستقبل غزاة آخرين حتماً ستودعهم ذات يوم لتبقى الهوية نقية دون لوث .

(1) جمس هنري برستد : انتصار الحضارة ص 206
(2) طه باقر , فؤاد سفر : المرشد
(3) بنكغهام :رحلتي إلى العراق.
(4) الخرشان :وهو قطع الجص المتصلب ويستخدم في التسقيف والبناء لوزنه الخفيف وصلابته.


بحزاني نت
30-10-2006, 15:49

سنجار :حلبة الصراع بين الرومان والفرس

لقد كانت سنجار حاضرة من حواضر التاريخ القديم التي سحقتها حوافر الخيول في معارك الصراع بين الإمبراطوريات التي حكمت الأرض .فموقع المدينة المتميز و المثير عند تخوم الصحراء واكتنازها لمصادر المياه ولما حباها الله بشعب تواق للتقدم والرقي وسريع التيكف والتعلم ، كل ذلك جعلها ضحية لصراعات الطامعين .
والغريب إنها في كل مرة تعود ثانية إلى دورة الحياة من جديد لتبني وتنجز اكثر مما مضى من تاريخها ، وسرعان ما كانت تنهض من كبوتها لتستقبل هجوما همجيا آخر .
فلقد أكدت المخلفات الاثارية وكثير من الكتابات المسمارية أن سنجار كانت واحدة من أهم مدن أشور ، بل لقد اعتمدتها العسرتاريا الآشورية قاعدة حربية محصنة ضد أعدائها بشكل طبيعي لما منحها الله من سمات بيئية وجغرافية متفردة .
في عام 612 ق.م سقطت دولة أشور حيث ساد بعد ذلك الفرس معظم بلدان المشرق ومنها سنجار التي أصبحت واحدة من الدرر في التاج الفارسي وثغرا مهما في مواجهة الإمبراطورية الرومانية ، وهكذا تقف سنجار في وسط الحبل الذي تجرجره الإمبراطوريات الفارسية والرومانية وقبلها الآشورية ، فلقد عانت هذه المدينة القديمة الكثير من الويلات و المآسي في صراع الدول والحضارات .
فقد دمرها الإمبراطور الفارسي شابور الأول عام 2 6 0 م وكذلك فعل هرمز الثاني عام 309 م وبعد اقل من قرن واحد أي تحديدا في عام 3 79 م يقود شابور الثاني هجوما بربريا على المدينة ليدمر كل ما اعتلا الأرض من بناء آو حياة ، وقد ذكرت اكثر المصادر القديمة (1) اسمه أي شابور الثاني ملطخا بدماء الأبرياء من سكان المدينة ، كيف لا وهو نفسه الذي قاد جيوشه قبل إحدى وثلاثين سنة أي في عام 3 48 م ليحاصر مدينة سنجار ومن ثم تدميرها كليا في معركة من أشرس وابشع المعارك بين الإمبراطوريتين الفارسية و الرومانية والتي أطلق عليها اسم (معركة سنجار) حيث لم يفلح في البداية ـ شابور الثاني ـ من تحقيق أهدافه بل حصل العكس حيث يقول (محمد أمين زكي) في كتابه (خلاصة تاريخ الكورد و كوردستان) ج1 ص144 : إن(قسطنطينوس ـ Constantius) قائد الجيش الروماني هزم الجيش الإيراني الذي كان بقيادة شابور الثاني شر هزيمة واسر ولي العهد الإيراني آنذاك .هذا كان بالطبع في بداية العمليات العسكرية لكنه سرعان ما تحولت تلك الانتصارات إلى هزائم ساحقة للرومان كما أكد ذلك (جيبون ) ومن ثم (سيتون لوئيد) الذي أضاف بان شابور لم ينعم بهذا النصر بسبب اعتقال ولده وقتله(2) .
لقد كانت هزيمة الرومان في(معركة سنجار) هزيمة مأساوية ،فإضافة إلى المذابح المريعة التي واجهتها فرقهم العسكرية سقطت خمسة فيالق كاملة في اسر الفرس حيث أرسلت مهانة إلى أقاصي بلاد فارس .
يبدو آن الحضارات تستنفذ ذاتها وتقادم السنين يثير الملل عند الذين يبهرجون الحياة ويميلون إلى الاسترخاء و الترهل واستصغار الآخرين وهذا ما أصاب الرومان ،فقد تراخت قواهم ووهنت بعد قرنين من الآمان المتقطع في المدينة وتحولت سنجار في أذهانهم من ثغر متقدم من ثغور إمبراطوريتهم العتيدة إلى منتجع صيفي خلاب ،وربما نسوا أو تناسوا ـ رغم ترصيفهم لمئات الأميال بين سنجار ومدنهم في العمق ـ موقع سنجار البعيد جدا عن مراكز تموينهم ، حيث ظهر ذلك جليا في هذه المعركة ، فالإطالة و المطاولة كانت لصالح الفرس واختيار الوقت كان ذكيا من قبل أركان الجيش الفارسي فقد وقعت المعركة في صيف شديد الحرارة إضافة إلى آن طبيعة الأرض في سنجار ووقوعها في منخفض تطل عليه الجبال أعطى الفرس أولوية السيطرة السوقية عسكريا ، ويتفق هذا مع رأي معظم المؤرخين وخبراء العسكرتاريا في تقييم نتائج معركة سنجار .

بقت سنجار تتأرجح بين السيطرتين الرومانية والفارسية حقبة طويلة من الزمن امتدت منذ منتصف القرن الثالث الميلادي وحتى نهاية النصف الثاني من القرن الرابع ، حيث سقطت كلية تحت السيطرة الفارسية بعد تنازل الإمبراطور (جوفيان يوبيانوس) عنها إلى شابور الثاني وذلك بعد توقيع اتفاقية الهدنة بينهما ،والتي رسمت الحدود لاحقا بين الإمبراطوريتين .

صحيح أن سنجار حينما تنازل عنها الرومان لم تسقط عسكريا ولم يدخل الفرس عنوة تلك المدينة المحمية ولكن ليس بالضرورة دخول الجيوش إلى المدن كي تسقط ، فلقد استطاع سيد الجبناء الإبطال (الجوع والحصار) أن يفعل فعلته في نفوس السكان ،حيث تعرضت مدينتهم لعشرات الهجمات وشتى أنواع الحصار خصوصا وان المدينة منقطعة في موقعها ، واسترخى الإداريون من عسكريين ومدنيين في داخل المدينة منتفعين من امتيازاتهم كقادة وتركوا السكان يواجهون ضنك العيش وقهر الجوع ،وفي المقابل كان العدو يعزف على أوتار الحصار وتدمير معنويات السكان داخل السور ناشرا عيونه داخل المدينة وفي أطرافها .
لقد هيأت هذه الظروف سكان المدينة للانتقال من الهجوم إلى الدفاع ثم الاستسلام ،ليس اختيارا منهم بل نزولا لاختيارات قادتهم الرومان واعتقد هنا أن الرومان قد تعرضوا إلى ضغوطات كبيرة في محاور اكثر أهمية من محور سنجار مما دفعهم للتخلي عن سنجار
مقابل تخفيف الضغط في مكان أخر .
منذ البداية لم تكن سنجار جزءا من الوطن الروماني بل كانت مستوطنة من مستوطناتهم ومنتجعا من منتجعاتهم المتقدمة وخطا دفاعيا من خطوط إمبراطوريتهم الغائرة في أعماق الجزيرة القائمة عند تخوم الصحراء إضافة إلى إن جذورهم لم تكن عميقة بما يؤهلهم للدفاع المستميت عن المدينة رغم ما قاموا به من تغييرات كبيرة في البنى التحتية لمدينة سنجار .

حقيقتاً ؛ تتفق معظم المراجع التاريخية على إن الفترة التي عاشت فيها سنجار تحت التاج الروماني رغم كل الحروب والويلات كانت فترة ذهبية في كل مناحي الحياة . وما ان دخلت سنجار خارطة الإمبراطورية الفارسية رسميا عام 363 م حتى بدأت حقبة مؤلمة من التقهقر والحروب والدماء ، فلم يترك الفرس على ثرى سنجار إلا آلاف الضحايا من سكان المدينة أو من وقود الحروب من الجنود والمقاتلين من كل الأجناس . فطيلة بقاء المدينة تحت الحكم الفارسي كانت ساحة ،حرب حيث استمرت حالة تبادل المواقع بين الرومان والفرس عشرات السنين ،ولا نبالغ إذا قلنا مئات السنين وما يؤكد ذلك وجود الرومان في المدينة عشية الفتح الإسلامي رغم خروجها رسميا من السيطرة الرومانية سنة 363 م .
بعد مئات السنين من ذلك الوقت وربما بعد آلاف السنين يقف الإنسان ليشخص آثار الأقوام وحضاراتها فيقف مذهولا آما السور الروماني الجميل ويبحث عن اثر فارسي في كل خبايا المدينة فلا يجد سوى ما كتبته أقلام المؤرخين عن ضحايا حروبهم ،صحيح أن الرومان لم يكونوا ملائكة لكنهم لم يكونوا شياطيناً أيضا .
هكذا إذا كانت هذه المدينة الجميلة تتأرجح من حضن إلى حضن دافعتاً بذلك خيرة شبابها إلى ماكنة الموت [الحرب] دون ان تجني شيئا إلا اللهم أن ضريبة الحياة والاستمرارية في تلك الأزمان هي الموت حربا .ورغم أن الرومان تنازلوا عن المدينة في أواخر القرن الرابع الميلادي إلا أن وجودهم لم ينقطع خلال هذه الحقبة وما تلاها ويعتقد أن المسيحية دخلت إلى المدينة في تلك الفترة حيث عرفت المراجع أسقفا مسيحيا يدعى [معين] قيل انه بنى العديد من المعابد ، حيث تؤكد كثير من المراجع التاريخية والكنسية أن أول دير بني في سنجار كان [دير عاصي] ويعرف أيضا بـ [دير برقيطي] وكذلك حمل اسما أخر هو [دير باعوث] في حدود سنة 500م .

وقد اصبح في ما بعد من أهم المدارس المسيحية في القرن السابع الميلادي ،ومن مشاهير كهنته وعلمائه الكاتب [سليمان ابن جرف] و لاتزال آثار هذا الدير قائمة حتى ألان حيث تقع أطلاله على بعد اقل من ساعة في وادٍ سحيق بوسط الجبل شمال المدينة .وهناك ديران آخران تم بنائهما بعد دير عاصي وهما [دير ووزنه] ويقع فوق قمة جبل سنجار شمال دير عاصي مباشرة ، وقد بني من الصخور الضخمة غير المنحوتة ، والدير الآخر هو دير [زد شكه] ويقع بالقرب من منطقة [جيل ميرا] ويسمى أحيانا بدير الزلازل ،ولاتزال آثارهما باقية لحد هذا اليوم.

(1)أدي شير : تاريخ كلدو و أثور.
(2) طه باقر وفؤاد سفر : المرشد إلى مواطن الآثار ، الرحلة الثالثة ص 63


بحزاني نت
30-10-2006, 15:55

سنجار من المسيحية إلى الإسلام
(الراشدية والأموية)




كنا قد ذكرنا في الباب الثاني أن سنجار كانت تحت النفوذ الروماني عشية الفتح الإسلامي، فلقد شملها الروم عام 6 29 م بالابرشيات المسيحية المرتبطة آنذاك بمطرانية تكريت ،إلا أن عودة الروم هذه يبدو إنها كانت الأخيرة حيث تنازلوا عن المدينة مرة أخرى للفرس وانسحبوا منها ومن ماردين أيضا ،وتفيد معظم المراجع أن المسلمين حينما فتحوها إنما أخذوها من الفرس وليس من الرومان.
وسواء كان الرومان فيها أم الفرس فلقد كانت المدينة تعيش آنذاك استقرارا نسبيا مرجعه حسب أراء كثير من المؤرخين والمحللين اتساع رقعة الإمبراطورية الجديدة (الإسلامية) ووصول أخبارها إلى كل الأنحاء مما دفع الكثيرين من الرومان والفرس لاعطاء سكان المدينة المهددة بالسقوط نوعا من الاستقلال الذاتي حيث يؤكد المؤرخون أن الإدارة في سنجار كانت فعلا بيد سكانها رغم إنها محمية فارسية .

كانت الديانة السائدة في المدينة عشية الفتح الإسلامي الديانة المسيحية والتي دخلت المدينة بوقت مبكر في القرون الأولى للمسيحية بعد سقوط المدينة تحت السيطرة الرومانية . ويقول البلاذري في [فتوح البلدان] ص 244 ((فلما انصرف عياض من خلاط وصار إلى الجزيرة بعث إلى سنجار ففتحها صلحاً وأسكنها قوماً من العرب)).
لقد عاشت سنجار والمسيحية معا مدة تزيد على قرنين ونصف القرن وحينما طرق الإسلام أبوابها فتحت اذرعها سلما للدين الجديد وللشريعة الجديدة على يد واحد من اقرب صحابة الرسول [ص] ذلك هو الصحابي [أبو موسى الاشعري] (1) الذي انتدبه قائد الجيش [عياض بن غنم] أحد قادة الخليفة عمر بن الخطاب (رض) لفتح سنجار، فكانت له سلما في حدود سنة 20 هـ / 640م .
لقد احتفضت سنجار بمسيحيتها بعد الفتح لفترة ليست بالقصيرة ويعود ذلك لسماحة الإسلام والفاتحين الأوائل وعقلانية سكان المدينة وحبهم للسلام والاستقرار بعد حقبة من التطاحن والحروب .و أرادوا تحت خيمة الإسلام أن يجدوا ضالتهم ويحققوا فرصهم في الحياة بشكل سلمي واختياري وهذا ما حصل فعلا ،فلقد عرف الإسلام طريقه إلى قلوب وعقول الناس في المدينة بسماحته ورقي قوانين شريعته ،وهكذا خلال اقل من مئة عام يكون الإسلام قد اصبح الدين السائد في المدينة .


(1) عبد العزيز سالم : تاريخ الدولة العربية ص 514 .

حقيقة ؛ كما ذكرت ، فان دخول الإسلام إلى المدينة كان فرصة ذهبية لبناء حضارة مثالية تمتزج فيها أطياف من الألوان العرقية و الاثنية الزاهية وبشكل سلمي واختياري كما تختلط فيها الأجناس والأعراق بمستوى واحد دون تفريق أو تعال من قوم أو جنس على أخر .
ولكن يبدو أن حظ المدينة وسكانها لم يكن وافرا ، فقد نقلت مجاميع الأقوام التي جاءت مع الفتح أو بعده كل تقاليدها الجاهلية وما تكتنزه من صراعات وتخلف وتالي لم يستطع الإسلام بكل اشراقاته وحضارته ان يطهر وينقي كثير من النفوس . فسرعان ما وقعت المدينة ثانية أسيرة التصارع بين المذاهب في الدين الواحد(2) ومن ثم بين الأديان (3)
فتحول ذلك الهدوء والاستقرار إلى عواصف من الصراع ملأه الحقد والإرهاب .

لقد أسقطت الصراعات السياسية بين الخليفة عثمان بن عفان (رض) والأمام علي بن أبي طالب (رض) ظلها القاتم على مدينة سنجار ، فلم يكن يمضي على أسلمتها سوى اقل من عقدين حتى دخلت في معارك لا ناقة لها فيها ولا جمل ،حيث وقعت أولى المعارك في المدينة بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفان (رض) وتولي الإمام علي بن آبي طالب (رض) الخلافة بعده حيث اعتمد الإمام علي ،الاشتر بن مالك النخعي على سنجار وغيرها من النواحي ، فوقع هذا الأخير في قتال مع (الضحاك) صاحب معاوية بن أبي سفيان الذي رفض تسلم سنجار له ،وانتهت المعركة لصالح الاشتر لتتحول سنجار بعد حين إلى واحدة من أقوى قلاع المدافعين عن خط الأمام علي حتى بعد مقتله ـ خصوصا بعد الانتصار الذي حققه إبراهيم بن الاشتر على الأمويين في (موقعة الخازر) فاصبح ابن الاشتر ملكا على مدن الجزيرة وولى على سنجار السفاح بن كردوس (4) .
عاد السكان الى المتاريس وبناء الحصن وترتيب أوضاع المدينة عسكريا لتستقبل بعد فترة وجيزة جيوش الحجاج بن يوسف الثقفي حيث اكتسحها و أنهى فيها أخر معقل من معاقل خط الإمام علي في الجزيرة .ولتعود كما ذكرنا في مقدمة هذا الفصل الى دوامة الحرب وساحة الصراع . ومع حسم الموقف لصالح الأمويين وسيطرتهم على ارث الدولة الراشدية ،بدا شكل آخر من أشكال صراع القبائل العربية ،فبعد أن انتهت صراعات الـ البيت والأمويين بدا تناحر القبائل العربية على الأرض والماء والكلأ ،فهي القادمة من ارض الجدب والقفار الى ارض الخصب والماء ،وفي ذلك نالت سنجار ما نالته كل الحواضر الخضراء تحت حوافر الخيول القادمة من الصحراء ،فهدمت ودمرت في صراع (تغلب) و(قيس) على زمن عبد الملك بن مروان .


(1)عبد العزيز سالم:تاريخ الدولة العربية ص 514 .
(2)الدينوري :الأخبار الطوال ص 154 .
(3)ابن العبري:تاريخ مختصر الدول ص283 .
(4)الطبري: تاريخ الرسل والملوك .

فبينما كانت تغلبا النصرانية توالي الأمويون كانت قيس ضدهم وكان لسنجار (يوما) ـ كما كانت تكنى معاركهم ـ مأساويا ،بقرت فيه بطون ثلاثين امرأة وسقط العشرات من الرجال قتلى وجرحى .
وقد وثق ذلك الشاعر الأموي الكبير (الاخطل) في قصيدة مطلعها (خف القطين) (5) يمتدح فيها الخليفة عبد الملك بن مروان ويهجو (بني كليب) حلفاء (قيس) التي سُحقت وطردت من ديار سنجار وماكسين والمحلبيات (6) .
في هذه الحقبة تأرجحت سنجار بين ازدهار ودمار فما كادت أن تستقر حتى داهمتها أفواج من القبائل المتعطشة للماء والدماء ،ديدنها تصفية حسابات عفى عنها الزمن والبحث عن موطن جديد بعد أن هجرت مواطنها الأصلية .
وهكذا كانت خلاصة هذه الصراعات هي استيطان بعض القبائل العربية النازحة من اليمن والحجاز في منطقة الجزيرة عموما ومنها أطراف سنجار ،ودخول الكثير من الأقوام إلى الإسلام وبروز الفرق والاتجاهات المذهبية والفلسفية التي آدت في نهائياتها إلى هزيمة الأمويين عام 750 م لتبدا الحقبة العباسية .
في حقبة الأمويين لم يسجل لنا المؤرخون أسماء لامعة من غير رجال الحرب إلا ما ذكره بعضهم عن آن سنجار كانت في تلك الحقبة مقرا لاسقفية اليعاقبة السريان الغربيون ، وقد ذكر (الدملوجي) في كتابه عن الايزيدية وفي صفحة 476 أسماء بعض أساقفة سنجار ومنهم الأسقف (ديو ستوروس ) في حدود عام 677م وكذلك الأسقف (المفسر اليأس) في حدود 750م و أسقف آخر كان يعرف باسم (ايليا السنجاري) في حدود عام 758 م .

(5) الاخطل : ديوان الاخطل ص 108\107 .
(6) ماكسين :كانت قرية قرب سنجار باتجاه الشرق .
المحلبيات : قرية جنوب شرق تلعفر ـ ألان مركز ناحية ـ .


بحزاني نت
30-10-2006, 15:58

الحقبة العباسية ـ إمبراطوريات القبائل


من استقراء مجريات الأحداث التاريخية وتتبعها ودراسة نتائجها ومعطياتها يتيقن المرء أن لسنجار المدينة والسكان موعدا مع الصراعات بكل أشكالها وعلى مختلف المستويات و الأزمان وتعدد الملل والأعراق .ولكن ومن خلال نظرة ثاقبة نجد أن كل هذه الصراعات تقع خارج إرادة السكان وبعيدا عن اختياراتهم بل تأتي مفروضة عليهم ، مرغمين على تقبل نتائجها مهما كانت . فطيلة العهد الأموي كانت سنجار مسرحا لأولئك الناس الذين نقلتهم ظروف الحياة القاسية التي كانوا يعيشونها في أوطانهم وارتحلوا إليها طلبا للماء والكلأ ،فنقلوا معهم كل ارثهم في التناحرات القبلية ومبدأ الغاب الذي كانوا يعيشونه بسبب شضف العيش و قساوة البيئة ، أو أولئك الذين نقلتهم الدعوة الإسلامية واستوطنوا البلدان التي سيطروا عليها وما لبثوا أن عادوا ـ الكثير منهم ـ إلى جاهليتهم في التعصب والغزو طمعا في المال والأرض .

وعلى طول الخط كانت سنجار ـ مدينة وسكانا ـ تدفع ثمن ذلك الصراع في حياة سكانها وعمارتها وازدهارها ، فما أن اندحر الأمويين وتملك العباسيين ارث بني أمية حتى عاد ثانية التناحر والتقاتل حد الدمار بين القبائل والفرق وذلك منذ مطلع القرن الثالث الهجري حين أصبحت السيادة في الإمبراطورية العباسية بيد العناصر الفاسدة (العربية منها وغير العربية) ومن ثم ظهور نظام [الاقتطاع] ؛وهو نظام قطع الأراضي والضياع والمدن ببدل نقدي من الخلفاء للمشترين بغض النظر عن هوياتهم وأخلاقياتهم بل المهم كمية المبالغ التي ستدفع للخليفة مقابل ذلك البلد أو تلك المدينة .

فليس من اهتمامات الخليفة اختيارات السكان أو رضائهم عن فلان أو علان ، وبذلك سقطت معظم المدن في هوس هذا النظام الفاسد ، وكانت سنجار واحدة من تلك المدن التي استقطعت لسنوات طويلة ومريرة لاناس لا هم لهم إلا جمع الضرائب والإتاوات باسم (الخراج) مرة وباسم (الجزية) مرة أخرى .
وكانت كمية ونسبة هذه الظرائب والإتاوات يخمنها المستقطع بنفسه دون نظام أو قانون وبشتى الطرق والأساليب أهونها التهديد بالطرد من المدينة أو القتل ،وهكذا آلت سنجار كمدينة عريقة إلى الانهيار يوما بعد أخر تحت سطوة الإرهاب والخوف والانفلات .
لقد كان لضعف الدولة العباسية أثرا بالغا في انحدار الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية في معظم المدن البعيدة عن مركز القرار ، ومنها بالتأكيد مدينة سنجار التي تعقدت أوضاعها الداخلية والخارجية بسبب سلوك الخوارج الذين اقلقوا الخلافة العباسية والأموية قبلها .

حيث كانت سنجار وسائر مدن الجزيرة مسرحا لحركاتهم ضد الدولة ،وكذلك فعل القرامطة في حروبهم مع العباسيين ،وبالتأكيد كانت سنجار واحدة من الحواضر التي نالت ما نالته من تلك الحروب بحيث لم يذكر المؤرخون أسماء الولاة الذين تولوا سنجار في تلك الحقبة باستثناء شخص واحد ذكره (الازدي) في مؤلفه (تاريخ الموصل) (1) وهو (عبد الله بن أبى هريرة) الذي كان قد ولاه والده ـ أبو هريرة محمد بن فروخ ـ مولى تمبم على سنجار . وكان أبو هريرة أميرا على الجزيرة من قبل هارون الرشيد في سنة 171 هـ / 787م .

لقد كان عبد الله بن أبي هريرة حاكما ضعيفا من جهة وسيئ الحظ من جهة أخرى ، فقد حكم سنجار في ظروف صعبة ومعقدة حيث ثورة الخارجي (الصحصح الحروري) التي اشتعلت في معظم بلدان الجزيرة التي اكتسحها (الحروري) بمجاميعه الكبيرة واستطاع في بداية الأمر أن يهزم الجيش العباسي ، حتى كلف هارون الرشيد أحد القادة العلويين وهو (نصر بن عبد الله الصبي) الذي افلح في دحر (الصحصح الحروري) وقتله ، وبذلك ابعد أبو هريرة وابنه عن ولاية الجزيرة وسنجار لضعفهم وتوانيهم في معالجة الاضطرابات التي سببها الخوارج .

حقيقة أن الإسلام احدث انقلاباً جذريا في المجتمع العربي واستطاع أن ينقل أولئك الناس الجاهليون نقلة نوعية ،إلا انه في اقل من نصف قرن نجحت الجاهلية هي الأخرى في العودة من خلال أهم خصائصها في المجتمع العربي إلا وهي القبلية والتعصب والغزو ، وابتعدت كثير من القبائل والعشائر العربية عن الإسلام كقيمة فكرية وسلوكية حضارية وإنسانية ، وهذا ما حصل فعلاً بعد النهاية الدامية لخلافة عثمان بن عفان (رض) أو أثنائها ومن ثم قيام الدولة القومية العربية على أنقاض الدولة الإسلامية .
إن من أهم خصائص إمبراطوريات القبائل هو التناحر مع القبائل الأخرى ومراكز تجمعها في القرى أو المدن ، حيث كانت هذه الإمبراطوريات تحاسب مدن بأكملها كونها كانت ساحة لثورة ضد نظامها أو لمجرد عدم الإذعان لها ولسطوتها وهذا ما حصل لسنجار بعد كل حركة أو ثورة ،فأما الحصار المطبق حتى الموت لعدة اشهر و أما التدمير قتالا وحربا .وتستمر هذه المأساة حتى مطلع القرن العاشر الميلادي لتقع المدينة تحت سيطرة(الأمارة الحمدانية) و لتبدا قرنا أخر من الصراع .


(1) الازدي : تاريخ الموصل ،ص 267 :أحداث سنة 171هـ .


بحزاني نت
30-10-2006, 16:01

سنجار تحت حكم الأمارة الحمدانية
كفاح محمود

ربما كان الشعر ودواوينه جزءا مهما من التاريخ أو لعله صفحة من صفحاته التي دون فيها من خلال أبياته أحداثا تاريخية .فالشاعر دون أن يدري كان يضع لمساته الرقيقة فوق صفحات كتب التاريخ ليعبقها ويمنحها أريجه الفواح .
لقد رسم الشعراء في تاريخ الأمم أحداثا مهمة وتفاصيلا لم ينتبهوا لها كثير من المؤرخين ، و أعطوا لوحات للزمن كانت بمثابة سيمفونيات تُعزف حينما تقرا لتدق ناقوس الحقيقة . لقد كان البحتري واحدا من أولئك الشعراء الشهود على أحداث التاريخ ،بل كان مسجلا لها وشاهدا عليها في آن واحد ، وهذا هو البحتري يدون لنا في واحدة من قصائده شهادة للتاريخ عما حدث في سنجار وبعض من مدن الجزيرة في صراع إمبراطوريات القبائل ،يقول البحتري 1)
بني تغلب اعزز عليّ بـــأن أرى دياركم أمست وليس لـــها أهل
خلت (بلط)(2) من ساكنيها وأوحشت مرابع من سنجار يهمي بها الوبل
أفي كل يوم فرقة من جميعـــكم تبيد ودار من مجامعكم تـــخلو
لم ينتهي القرن التاسع الميلادي حتى استطاع بني شيبان من سنجار فدمروها وبعض من أخواتها مدن الجزيرة ، و أقاموا فيها القتل وسفك الدماء ، و أحالوا عمارتها إلى خراب تنعق فيها الغربان بعد أن سلبوا كل ما فيها من خيرات وأموال ،حتى وصلت الأخبار إلى مركز الخلافة ، فجيش المعتضد بالله الجيوش وسار إليها ليسحقهم في حدود عام 893م يعاونه في ذلك أبناء قبيلة أخرى كان ديدنهم سحق بني شيبان والحلول محلهم وبالنظر للجهود المتميزة التي بذلها قادة بني شيبان وللشجاعة الفائقة التي تميزوا بها(!) قرر الخليفة العباسي أن يكافئهم فيقتطع سنجار ومدن أخرى لأولاد حمدان ولتبدأ حقبة جديدة من حكم قبيلة بني حمدان .(3)
وبنوا حمدان هؤلاء من قبيلة ثعلب بن وائل وهم جميعا من حمدان بن حمدون من موالي تغلب. ولان سنجار كانت واحدة من الثغور المهمة قبالة دولة الروم القوية فقد كانت تحتاج لأمير شجاع وجريء فيقوى على مواجهة الروم وإقناع الخلافة بأنه الأجدر في ذلك
ولقد استطاع بني حمدان بما عرف عنهم من شجاعة وفروسية وروح المغامرة أن يقنعوا الخلافة العباسية بأنهم الأجدر في ولاية الجزيرة وسنجار.
وهكذا تقلد بني حمدان (عبد الله والحسين وإبراهيم وداود وأولادهم من بعدهم) مدن الجزيرة ومنها سنجار منذ عام 902م .
عُرف بني حمدان بالشجاعة والمغامرة إضافة إلى ولعهم بالبذخ والترف والتبذير ، فكانوا بذلك سيفا بيد الخلفاء لمقاومة كل الحركات المعارضة للدولة العباسية وشرطيا نشيطا في جميع المدن والضياع التابعة لها ، ولكنهم بالمقابل كانوا سببا مهما لفقر معظم المدن التي اقتطعوها وتولوا أمرها لأنهم كانوا يقتطعونها بمبالغ باهضة من الخلافة العباسية وبالتأكيد فان المعادلة التجارية هذه يجب أن تنتهي بهامش ربح كبير يتأتى من ضخامة الضرائب والإتاوات التي كانوا يجنونها من الأهالي في المدن حيث كانت تصل إلى درجة مصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة للسكان .
لم يذكر المؤرخون للحمدانيين أي ازدهار لسنجار التي حكموها إلا إشارة لا ندري كيف اعتمدها الدملوجي وعلى أي أساس بناها تلك التي أوردها في كتابه عن الايزيدية في ص 478 حيث يقول "" أن سنجار كانت في عهد الدولة الحمدانية مدينة كبيرة كثيرة القرى والعمران وان ذلك استمر إلى أن غزاها السلطان طغرل بك السلجوقي فخربها واهلك معظم أهلها "" .
فسنجار حقيقة كانت مدينة كبيرة كثيرة القرى لا بفضل الحمدانيين ولا بجهودهم لان ما عرف عنهم تاريخيا لا يقول بذلك وما عرف عن سنجار ليس له صلة بهم ، فهي كبيرة بأهاليها الذين كانوا يبنونها دائما كل ما خربها الغرباء ،ولم يكن السلطان طغرل بك أول أو أخر من خربها ، ففي عام 930م تم تدمير سنجار في معركة بين الخوارج وبني حمدان (4) وفي سنة 946م دمرت ثانية حينما اشتبك الأتراك وبني حمدان(5) ، ولم تكاد سنة 958م أن تنتهي حتى وقعت معركة رهيبة في مدينة سنجار بين البويهيين والحمدانيين(6) فأحدثت مذبحة مروعة في طول المدينة وعرضها راح ضحيتها الآلاف من السكان الأصليين بين قتلى وجرحى و أسرى ، ولم تنتهي هذه المعركة إلا وكانت تلك الحاضرة الجميلة والمدينة الكبيرة ـ سنجار ـ خرابا يبابا مهجورة الأهل مثكولة الأولاد ، كل شيء فيها مدمر يثير الرعب والخوف حتى جاءت سنة 964م لتحل بالمدينة كارثة أخرى حينما وقعت الحرب بين مركز الخلافة والحمدانيين لعدم دفعهم مبالغ الاقتطاع حيث تعرضت ألمدينة لحصار همجي لأكثر من شهرين انتهت بانسحاب جيش الخلافة بعد اتفاقهم مع الحمدانيين .
هذا إضافة إلى حروبهم مع بعضهم البعض حيث شهدت الأعوام 9 69 م ـ 974م ـ 976م ـ انقلابات وحروب في ما بين الأخوة والأبناء من بني حمدان تسبب في خسائر وفواجع فادحة للمدينة وساكنيها .
ربما كان يقصد الدملوجي مدينة سنجار عشية قيام الدولة الحمدانية لأنه لا يعقل المرء أيا كان أن يكون هناك متسعا من الوقت للبناء والعمران في طوفان من الحروب والاقتتال إلا اللهم بناء القصور وحصونها وأوكار اللهو والمتعة والترف !؟ .
إذ كان حريٌ بالدملوجي أن يقول أن سنجار كانت مدينة كبيرة وكثيرة القرى حتى دخل الحمدانيون المدينة فجعلوها خرابا . وعذرا للدملوجي فان للتاريخ صفحات وأوجه كثيرة .
وخلاصة القول فان سنجار في الحقبة الحمدانية لم تكن بأفضل حال مما سبقتها من حقب القبائل في تاريخها العريق ،فلقد كانوا طيلة حكمهم في حرب مستمرة تخللتها فترات من الهدنة استغلها الأخوة والأبناء في انقلاباتهم على بعضهم مما شجع البويهيون في نهايات حكمهم المستنفذ على استبدالهم بآخرين كانوا حلفاء لهم في البداية ثم انقلبوا عليهم ليقيموا إمارة قبلية أطلق عليها الأمارة العقيلية .

المصادر
---------------------------
(1) البحتري : ديوانه ، تعليق رشيد عطية
(2) بلـــط :تسمى اليوم اسكي موصل .
(3) الهمذاني : صفة جزيرة العرب ص 133 .
(4) ابن الأثير : الكــــــــــــــامل .
(5) ابن الأثير: الكامل ، حوادث سنة 335هــ .
(6)ابن خلدون: تاريخه ،مجلد 4 ،ق 4 ،ص 942 .
__________________


بحزاني نت
30-10-2006, 16:03

الحقبة العقيلية وموقعة سنجار الرهيبة

بدأ الوهن والتآكل يدب في أوصال بني حمدان وإمارتهم في نهاية القرن العاشر الميلادي وأواخر القرن الرابع الهجري ، ولعل من ابرز ملامح ذلك الوهن هو التناحر العائلي داخل البيت الحمداني وتعدد الولاءات والعلاقات مع القبائل الأخرى التي لا تضمر حبا لهم ، فقد اختتموا فترة حكمهم للجزيرة وبضمنها مدينة سنجار بالانقلابات على بعضهم البعض وتشرذمهم إلى مجاميع وزمر ،وما كان يرافق ذلك من تذابح في الأسرة الواحدة ومن ثم توريط القبائل المتحالفة معهم وانشقاقها هي الأخرى كإسقاط لانشقاق البيت الحمداني ، حيث كان لكل فرد من أفراد الأسرة الحمدانية قبيلة تؤيده وتحالفه وربما تحرضه ضد الفرد الأخر .
وهكذا استغلت واحدة من هذه القبائل المتحالفة مع بني حمدان في الأمس بل وكانت من أقوى حلفائهم و أكثرها دراية بمواطن الضعف والقوة في هيكل النظام الحمداني . تلك هي قبيلة (بني عقيل) التي نزحت هي الأخرى من جزيرة العرب لهثا وراء الماء والكلأ و الأرض إلى البحرين أولا ،فواجهتها هناك قبيلة (تغلب) ونجحت في طردها إلى بلاد ما بين النهرين .
يقول (الصائغ) في تاريخه عن الموصل (أن قبيلة بني عقيل تعود إلى عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر ...) وقد حكمت فترة قصيرة في البحرين ثم ما لبثت أن وقعت في صراع مع تغلب التي نجحت هي الآخرة في أبعادها إلى العراق ،حيث سيطرت على الكوفة ومن ثم على الجزيرة.
في البدء تحالفت هذه القبيلة مع مراكز القوى في الخلافة العباسية وبسلوك انتهازي صرف تحالفت مع الأقوياء حتى أتاح لها ضعف الخلافة وفساد السلطة الحمدانية فرصة للتقدم إلى المراكز القيادية فأزاح (محمد بن المسيب العقيلي) أخر أمراء بنو حمدان (أبو طاهر بن ناصر الدولة الحمداني) وقتله وبذلك وضع نهاية للحقبة الحمدانية في الجزيرة عامة وسنجار خاصة .
وهكذا تخرج سنجار من بين أنياب ذئب دجنّه الزمن وروضه سكان المدينة لتقع بين أنياب ذئب بريّ أخر للتدفع ثانية خيرة شبابها إلى مطحنة الحرب ومأساة الصراع بين القبائل القادمة من الصحراء .
ورغم قلة بل وندرة المصادر والمراجع التي وثقت الحكم العقيلي في سنجار ، إلا إنها اتفقت جميعها على ان هذه المدينة الكبيرة سويت بالأرض أثناء حكمهم بسبب خلافاتهم مع بعضهم تارة ومع القبائل التواقة لاخذ مكانهم في الجزيرة والمدينة تارة أخرى، ولعل (موقعة سنجار) ابرز ما ذكره المؤرخون من مآثر بني عقيل في سنجار وكان ذلك فيما بين عامي 1056م ـ 1057م/ 448هـ ـ 449هـ .

لقد عاصر بني عقيل البويهيين و السلاجقة وكانوا يتغامزون مع الطرفين في آن واحد ، كيف لا وهم الانتهازيون منذ دخولهم العراق ، فتارة تراهم ذيولا للبويهيين وتارة أخرى ازلاما للسلاجقة . وفي (موقعة سنجار 1057م) كان العقيليون في البداية حلفاء للسلاجقة ولكنهم انقلبوا ضدهم حين انتصر البويهيون ،ولم تمض إلا فترة وجيزة حتى أغار عليهم ((طغرل بك)) فسحقهم حتى وصل سنجار فحاصرها طويلا وقطع عنها كل ما له علاقة بالحياة وديمومتها ،إلا أن أهالي سنجار تحدوا السلاجقة تحديا أسطوريا رغم معاناة الحصار وقيل ((انهم اخرجوا جماجم من كانوا قتلوا وقلانسهم وتركوها مشهورة على رؤوس القصب)) (2) .
فقد ((طغرل بك)) أعصابه فقرر زيادة عدته وعدده ،مضاعفا حصاره الوحشي على المدينة حتى فعل الحصار فعلته وانتصر سيد الشجعان الجبناء (الجوع) ففتحت المدينة أبوابها عنوة تحت سياط الجوع والمرض فاقتحم السلاجقة مدينة سنجار ليستبيحوها ويمعنوا في سكانها قتلا وتعذيبا وفي خيراتها نهبا وسلبا و بعمرانها خرابا وتدميرا حتى قتل أميرها آنذاك (مجلي بن جرجي) (3) ومعه آلاف من رجالها حتى قيل انهم بلغوا أربعة آلاف رجل !؟ .
هكذا إذن ومن خلال المأساة نستطيع أن نفهم تماما مدى قوة ومناعة سنجار المدينة والسكان حين ذاك ، أي في بداية سنة 1057 م ،ومن دراسة نتائج ومعطيات هذه الموقعة المأساوية نستدل من أرقامها كم كانت سنجار مدينة مزدهرة خصوصا إذا ما علمنا إن تعداد نفوس المدينة بعد هذه الموقعة بأكثر من تسعة قرون أي في عام 1 977 م لم يتجاوز إلا 12 ألفا من السكان ،فالمدينة التي قتل من رجالها أربعة آلاف رجل قبل ما يزيد على اكثر من تسعمائة سنة كانت بالتأكيد واحدة من الحواضر المهمة جدا في إقليم الجزيرة ، وتتمتع بموقع اقتصادي وجغرافي مهم جعلها مهمة أيضا في الجانب السياسي الذي كان سببا في كثير من الأزمان لدمارها وخرابها .
إن الحقبة العقيلية التي امتدت منذ عام 990م وحتى 1096م أي بما يزيد على القرن من الزمان لم تكن بأفضل حال من أحوال من سبقوها من حقب القبائل ،بل تميزت عنها بـ(موقعة سنجار) التي لم تعرف المدينة مثيلا لها قبل ذلك في الحقد والإبادة .صحيح أن معركة سنجار الأولى قبل قرون عديدة كانت قاسية لكنها لم تكو بمثل هذه البشاعة ،فلم ينجو ذكرا من القتل ولم تشفع المآذن لجوامعها التي أحرقت وبساتينها التي دمرت .
ورغم ذلك عاد ما تبقى من السكان ليلعقوا جراحهم ويعيدوا ترتيب مدينتهم لكي لا تطمس هوية هذه المدينة أو يغّيب سكانها ، بل واصلوا وجودهم الأزلي بعد ذلك ليسجلوا للقادمين الجدد فشل كل عمليات الحصار والإرهاب والتطهير العرقي ولتبقى المدينة شهادة إنسانية لبقاء الشعوب وانتصار القيم الخلاقة رغم كل الهمجيات وعلى مدى العصور و الأزمان .


(1) أبو الفداء : المختصر في أخبار البشر ،مجلد 1،ج 4 ص 18 حوادث سنة 380هجرية .
(2)سبط ابن الجوزي :مرآة الزمان،حوادث السلاجقة ص 22،حوادث سنة 449هـ .
(3)نفس المصدر السابق.


بحزاني نت
30-10-2006, 16:44

سنجار بين حكم السلاجقة وقتال الفرنجة

لم تمض سنوات طويلة بعد موقعة سنجار الرهيبة عام 1057م حتى عاد العقيليين ثانية إلى ولاية سنجار ولكنهم ضعفاء منقادون لإرادة وسيطرة السلاجقة حيث كان الأمير (أبا عبد الله محمد العقيلي) (1) أحد عمال السلاجقة على سنجار وأخرهم من العقيليين الذين امضوا سنوات ذليلة ينفذون أوامر و إرادة السلاجقة في هذه المنطقة .
وحينما أراد أمير سنجار(العقيلي أبا عبد الله محمد) أن يتصرف بقليل من الاستقلالية قتله الأمير السلجوقي (كربوغا) في نهاية عام 1096م لينتهي بذلك العهد العقيلي في المدينة و ليبدأ تاريخا جديدا هذه المرة هو التاريخ السلجوقي الذي امتد حتى نهاية عام 1127 م .
استمر السلاجقة طويلا في مراقبة ورصد البويهيين وسلوكهم في الحكم تحت ظل الخلافة الضعيفة ،واستطاعوا بحكم وجودهم في مفاصل مهمة بتركيبة النظام العباسي أن يدركوا مواطن الضعف والقوة في نهج البويهيين .
وحينما أدار الزمن ظهره للبويهيين و أشرقت الشمس للسلاجقة ، عادوا إلى ملاحظاتهم فتجنبوا أخطاء أسلافهم ومالوا إلى اتباع نمط جديد من السلوك والتعامل مع الأحداث يضمن لهم الديمومة وللبلاد الأمن والاستقرار .
لقد أيقنوا أن جباية الضرائب والآتاوات اثقل كاهل السكان و أتعبهم بل وقاد الكثير منهم إلى التمرد وعدم احترام السلطان، وانتبهوا إلى ذلك ونتائجه وما سيكلفهم لاحقا ، فعملوا على منح القادة من مماليكهم (إقطاعا) للمدن والقلاع مقابل قيام هؤلاء القادة بالخدمة العسكرية التي تطلب منهم في الحروب أو في حفظ النظام .وهكذا تبعت سنجار كالسابق إداريا و سياسيا إدارة الموصل وطبقت فيها نفس النظم الإدارية ولكن هذه المرة خالية من التعقيد .
بعد (كربوغا) الذي حكمها عقب انقلابه على أخر أمراء العقيليين جاء الأمير (ارسلان تاش) في فترة اشتد فيها الصراع والمواجهة بين المسلمين والفرنجة ، وكان له دورا في مشاركة المئات من مقاتلي سنجار في تلك المواجهات ،ما لبث أن توفي ليخلفه على ولاية سنجار ابنه (البي ارسلان تاش) الذي شهد عهده حصارا ضربه صاحب الموصل الأمير (جكَر مش) على المدينة لمدة شهرين قاسيين ذاق فيها سكان المدينة الأمرين من الجوع والموت وكانوا دائما ضحايا لخلافات بين الحاكمين أنفسهم .
ولقد انتهى ذلك الحصار بعزل (البي ارسلان تاش) عن حكم المدينة و تولية عمه (تميرك تاش) ولاية سنجار والتي شهدت أيضا حصارا وقتالا مريرا اثر في عمرانها وزاد في بؤسها وتعاستها . كان ذلك في عام 1109م من قبل والي الموصل آنذاك الأمير (جاوولي) (2) والذي لم يفلح في قهر المدينة أو إذلال حاكمها .

في عهد (تميرك تاش) شهدت سنجار تجنيد عشرات المئات من سكانها للحرب ضد الفرنجة ، حيث تحولت سنجار إلى مركز لتجمع قادة المسلمين وعساكرهم . وهكذا يستمر حكم تميرك تاش للمدينة حتى عام 1122م حيث اقتطعت مع غيرها من مدن الجزيرة لـ(آق سنقر البرسقي) وهو من مشاهير المماليك وأكثرهم نفوذا حيث تولى حكم بغداد فترة من الزمن قبل توليه ولاية الموصل .
استمر (البرسقي) في حكم الجزيرة حتى مقتله في عام 1 126م ،ولم يذكر المؤرخون من تولى سنجار في عهده وحتى دخول المدينة في العهد الاتابكي ، ولكن يبدوا إنها كانت تدار إدارة غير مباشرة من قبل الأمير (جاوولي) .
لقد امتازت حقبة السلاجقة في مدينة سنجار بأمرين مهمين أولهما ؛إنها تعرضت ولعدة مرات لحصار قاس كلفها الكثير وجعلها دائما تدفع فاتورة خلافات الآخرين الغرباء. وثانيهما ؛مشاركة مقاتليها من المسلمين وغير المسلمين في قتال الفرنجة حيث سجل فرسانها تاريخا مجيدا لابنائهم ولمدينتهم كما يذكر كل من أرخ تلك الفترة ، ومنها مشاركة رجال سنجار بقيادة (تميرك تاش) في سنة 1115 م في الحملة الإسلامية لمقاتلة الصلبيين وهزيمة معظم العساكر من أبناء الجزيرة إلا عساكر سنجار التي صمدت طويلا لتقاتل بمفردها حتى الموت(3) .
هاتان الميزتان التي امتازت بهما مدينة سنجار وأهاليها في ظل حكم السلاجقة أثارتا انتباه الاتابكة وفضولهم فالأولى نبهتهم إلى طبيعة سكان المدينة في المطاولة والصمود والدفاع المستميت والتكيف السريع للحياة حلوة كانت أم مرة ،والثانية جعلتهم يكتشفون فرساناً شجعاناً يتصفون بالبطولة والحنكة ومقاتلين أشداء خبروا القتال من خلال مشاركاتهم في الحروب الصليبية الأولى .
هاذان الأمران حولا أنظار الاتابكة إلى سنجار ودفعهم إلى احترام و إجلال سكانها والعمل للوصول إليها .
بعد مقتل (البرسقي) في عام 1126م تولى ابنه (عز الدين مسعود) ومن ثم ابنه الأصغر (عماد الدين) الذي لم يوافق عليه السلطان آنذاك،لتبدا حقبة أخرى من تاريخ مدينة سنجار في ظل الدولة الاتابكية .

------------------------------------------------------------------------------------------

(1) ابن شداد :الاعلاق الخطيرة ،ج3 ، ق 1، ص 164.
(2) ابن خلدون :تاريخه ،مجلد 5 ق 3 ،ص 483 .
(3) رنسيمان: تاريخ الحروب الصليبية ـ 2 : 212 ،