المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : زهير كاظم عبود:تبسيط لفكرة ( طاؤوس ملك كبير الملائكة لدى الأيزيدية )



bahzani
02-29-2012, 00:10
10-01-2006, 20:55

تبسيط لفكرة ( طاؤوس ملك كبير الملائكة لدى الأيزيدية )

زهير كاظم عبود

وجدنا أن العديد من المفاهيم التي تؤمن بها الديانة الأيزيدية تم تشويهها في أذهان البعيدين عن هذه الديانة ، واوغلت الأحقاد والكتابات المغرضة في تكريس هذا التشويه ، حتى تم تغييب الحقيقة عنهم ، دون أن يتمكن الأيزيدية في تلك الظروف والزمان أن يدافعوا عن حقيقة ديانتهم أو يوضحوا المفاهيم والافكار التي تعنيها تلك الرموز الدينية .
ولزاماً على المهتمين في هذا الجانب محاولة تبسيط المفاهيم وتقريب حقيقتها للقاريء البعيد عن هذه الديانة التي تحملت من التشويه مالم تتحمله أي ديانة اخرى ، بسبب تراكم الحاقدين وتحجر العقول التي نادت بالقضاء عليها ، في حيين ان جميع تلك النماذج والأصوات انتهت الى مزابل التااريخ ، وبقيت الديانة الأيزيدية تحمل في جنباتها دعواتها للخير والمحبة والسلام .
وفكرة ( طاؤوس ملك ) من المفاهيم المهمة لدى الأيزيدية ، لذا نجد ان من المهم أطلاع من يريد معرفة حقائق هذه الديانة على هذه الأسس التي تقوم عليها تلك الرمزيات ، ومن هنا خطونا الخطوات الأولى في تبسيط هذه الفكرة لأصدارها في كتاب يحمل عنوان ( طاؤوس ملك كبير الملائكة لدى الأيزيدية ) ، وقد صدرت الطبعة الأولى منه عن دار سردم للدراسات والنشر في كوردستان العراق ، واملنا أن يصل الكتاب الى المكتبات والقاريء العربي لتعميم الفائدة وأيصال الحقيقة والمعلومات المحايدة في هذا الجانب .
شكلت فكرة ( طاؤوس ملك ) لدى الأيزيدية العديد من علامات الأستفهام والتساؤل والأبهام والغموض والأشكال لدى البعض ، بالنظر لأعتماد الميثولوجيا الأيزيدية وتجسيدها لرمز الطاووس الذي تصورته المخيلة الدينية الشعبية على شكل طائر مصنوع من المعدن يجلس فوق قاعدة أخرى متعددة الدوائر يرتكز على قاعدة أخيرة عريضة يستقر عليها ، يمكن فصل أجزاء منه واعادة تركيبها فوق بعض مرة أخرى .
وتعرضت الأيزيدية وفق هذا الموروث إلى العديد من الأقاويل والأتهامات ذلك أن الأيزيدية كمجتمع تعرض للظلم والتهميش بشكل لافت للنظر ، مثلما تعرضت ديانتهم للتشوية والأفتراءات من قبل غيرهم لأسباب عديدة ، ولم تكن فكرة الطاووس ملك بأقل من كل تلك الجوانب الأساسية في الديانة الأيزيدية عرضة للتخرصات والأتهامات وألاقاويل والقصص التي لاتمت الى حقيقته أو الى واقعيتة الرمزية المعتمدة من قبلهم في تكوين الشكل الرمزي لتمثال ( طاؤوس ملك ) بشيء ، والى ماذا يرمز وماذا يعني ؟
كما لم يتسن للأيزيدية أن يوصلوا صوتهم خارج اطار مساحتهم في دحض الأفتراءات التي نالت من ديانتهم أو رموزهم الدينية ، او توضيح حقائقهم للعالم دفعاً للتشويه لظروف لاتغب عن بال العديد من المطلعين على ثنايا التاريخ العراقي وتاريخ الأيزيدية خصوصاً ، ومالحقهم من مجازر ووقائع دامــية كان فيها الأيزيدي الأنسان مستهدفاً بشراً ووجوداً وعقيدة ورموزاً ، و بقيت المعادلة مبتورة في أتهامات وصور مختلطة لاتجد لها رداً أو تفنيداً من الجانب الآخر ، فقد ابتلي الأيزيدية بالدفاع الشرعي عن حياتهم ووجودهم ولم تكن لهم الفرصة للدفاع عن ديانتهم ورموزهم الا في الفترة الأخيرة من العقد الحالي .

لقي المجتمع والديانة الأيزيدية بشكل عام تشويهاً منظماً وكثيفاً وتطابقاً في مواقف المغرضين وتوحداً ظالماً وبعيداً عن العدالة والمنطق ، وقاسياً بقصد الأساءة وخلط الصور وتشويه أسس الديانة الأيزيدية ، ربما بسبب الضعف الذي عاشته الأيزيدية من خلال عدم التصدي لهذه التخرصات والأقاويل البعيدة عن الحقيقة والواقع ، او ربما بسبب حالة الخنوع التي عاشها المجتمع الأيزيدي فترة طويلة مقموعاً دينياً وقومياً وسياسياً منذ فترة الحكم العثماني مروراً بالحكم الملكي والعهد الجمهوري في العراق ، وربما ساهمت الفترة التي كان فيها الأيزيـدي محروماً من الحقوق السياسية ومن التعليم والمعرفة والثقافة ويعم الجهل والأمية بين أكثر أبناءه ، بالأضافة إلى مساهمة بعض رجال الأمارة ورجال الدين في الحرص على أبقاء المجتمع الأيزيدي متخلفاً وعلى وضعه فترة ليست بالقصيرة ، حيث نالت الأيزيدية مالم تنله الأديان والمذاهب الأخرى من الظلم والتنكيل والتخلف وبالتالي نالتها الألسن والأقاويل .

فصورهم بعض الكتاب بأنهم عبــدة الشيطان ، وصورهم آخر انهم عبدة أبليس ، في حين صورهم آخرين أنهم يقدسون الشر ويتقونه بعبادة اله الشر ورمزه ، ونفى بعض عبادتهم لله وتوحيدهم لــه دون ان يتعرف عليهم أو يطلع على أحوالهم وأعتقاداتهم وحقيقتهم ، وزعم أخرين انهم مسلمين أنحرفوا عن جادة الأسلام ، وأتهمهم آخرين بأنهم فرقة أموية سياســية تلبس غطاء الدين لتعيد السلطة الأسلامية إلى الأمويين ، وصيرهم البعض على انهم مسيحيين ضيعوا دربهم ، وأعادهم بعض إلى الديانة الزرادشتية ، وتفنن العديد من الكتاب في نسبتهم إلى أديان ومذاهب وملل لاتمت لهم بأية صلة ، هذا فضلاً عن التجاذب السياسي الذي يريدهم مرة أن يصيروا عرباً ومرة أخرى كلدان ومرات آشوريين وهم في الحقيقة من القبائل الكردية العريقة .
وصدرت بحقهم الأحكام والفتاوى التي تستبيح دمائهم وتحلل قتلهم وأنهاء وجودهم وسلب ممتلكاتهم وسبي نسائهم وعدم استحقاقهم للحياة ، وتعرضوا للترحيل الأجباري عن مناطق سكناهم ، وقامت السلطات بهدم قرآهم ومسحها من الوجود وتخريب مزارعهم وبيوتهم وقلع اشجارهم ، دون ان يتمكنوا من الدفاع عن انفسهم على الأقل وهو حق شرعي وقانوني مقرر في الشرائع والأنظمة القانونية ، الا انهم كانوا مشروعاً مستباحاً للقتل طيلة هذه الفترات المظلمة من التاريخ الانساني من كل السلطات التي كانت تسهل هذا الفعل البعيد عن الفهم الأنساني للمسؤولية وتغض النظر عن الجرائم التي يتم ارتكابها بحقهم من قبل الغيرلكونهم متهمين على الدوام دون جناية أو ذنب .
وحين نبحث في ثنايا الصخور المبثوثة والمنتشرة بين سهول كردستان ستجد لطخات متيبسة من دماء الضحايا التي قدمتها الأيزيديــة والمسفوحة دمائها ظلماً وعدواناً ، وحين تتفقد الكهوف والمغارات في الجبال القصية والتي لاتصلها البشر ستجد بقايا عظام من الأيزيدية الذين فروا وتحصنوا في هذه الكهوف املاً بالخلاص فقضوا نحبهم عطشاً وجوعاً وخوفاً وبرداً وخنقاً ، وحين نتمعن في القرى التي خربتها الجيوش والبيوت التي مسحتها الجرارات والأليات العسكرية في قصبات الايزيدية الفقيرة والمهملة ستجد انها بسبب معتقداتهم وطقوسهم وقيمهم الدينية وليس لها سبب آخر .
لن تتوقف الحملات ضد الأيزيدية مطلقاً بالرغم من التطور الزمني وأشاعة حقوق الأنسان مادامت العقول متلبسة ومبتلية بأمراض عدم تقبل الآخر وتفشي كراهية الأنسان في قلوب البعض ، وبالرغم من بزوغ كتابات حيادية وانتشار بعض الحقائق بجهود الخيرين من الكتاب سواء من أبناء الأيزيدية أنفسهم أو من الكتاب من غير الأيزيدية ، تبقى بعض العقول ثابتة أن لم تتراجع في فهمهما لواقع الحياة وأسس الديانة الأيزيدية ، وسندرج مثالاً مادياً ملموساً يكتبه كاتب في صفحات الأنترنيت نتيجة البحث والتقصي وبذل الجهود لمعرفة الأيزيدية فيقول في مقالــــة بعنوان
اليزيدية عُباد الشيطان في الشرق :
(( جاء في الملل والنحل للشهرستاني أن اليزيدية فرقة من الإباضية، من أتباع يزيد بن أنيسة الذي زعم أن الله سيبعث رسولاً من العجم ويُنزّل عليه كتاباً جملة واحدة ينسخ به شريعة محمد، لكن الفرقة التي أود الحديث عنها تختلف عن هذه الفرقة – وإن تشابهت الأسماء –إنما أوردتها في هذا المقام حتى يعرف القارئ الفرق بين النحلتين.
إن اليزيدية التي في سياق موضوعنا هي طائفة من الأكراد نشأت بعد انهيار الدولة الأموية، ويقطن أكثرهم الشمال الشرقي من الموصل ونواحي دمشق وبغداد وحلب، ومنهم طوائف في أوران الروسية وإيران، وهم يدينون بعبادة الشيطان بسبب تأثرهم بالعقيدة الزرادشتية، وقيل لأنهم يعتقدون أن الشيطان تاب والله قبل توبته، فرجع يتعبد مع الملائكة.
ولهم كتابان أحدهما يسمى (الجلوة) وفيه خطاب الله تعالى إلى اليزيديين خاصة والقول بتناسخ الأرواح، وأن الكتب السماوية المعروفة قد بُدلت وحُرفت، أما الكتاب الثاني فيسمى (مصحف رش) أي الكتاب الأسود، وفيه الشرائع التي أنزلت إليهم.
وفي كل سنة يقيمون احتفالاً في ليلة خاصة تسمى الليلة السوداء يطفئون فيها الأنوار ويختلط الرجال بالنساء، فيشربون الخمر ويرقصون ويرتكبون الفواحش. وقد تقلبت الطائفة اليزيدية في أطوار مختلفة على مر القرون، فدخلت في دينهم يهودية ونصرانية وإسلامية محرفة، وتوالى عليه التحريف والنقص والتبديل حتى وصل إلى ما هو عليه اليوم . )) ( انتهى الأقتباس )
وأذ نلمس مدى الجهل في المعلومات ، والتجني في التحليل والتمسك بمعلومات لاسند لها وتخالف المنطق والوقائع ومبنية على الباطل والزائف من التاريخ ، لن يغب عن بالنا أغماض العيون عن كل الكتابات الحيادية التي تثبت حقيقة دينهم والأبتعاد عن التحليلات المنصفة ليصار إلى أعتماد بعض الأتهامات والأفتراءات الباطلة في الكتابة عنهم ، مما يدلل على سوء القصد المسبق والنية المبيتة بقصد الأساءة في نقل ماثبت خطأ من كتابات تاريخية وفق ظروفها التي عرفناها .
فترديد كون الأيزيدية فرقة من الأباضية من أتباع يزيد بن أنيسة ليست دون قصد بالرغم من ثبوت زيف هذه القصة ومخالفتها للتاريخ والمنطق والحقائق الثابتة ، الا أن القصد يبقى يدور في الأتهامات الموجهة سهامها اليــهم ، وفي محاولة التشكيك بتاريخهم ، وبالتالي سحب مجمل هذه الأتهامات على طقوسهم ورموزهم الدينية .
ومن خلال هذه الأتهامات التي تشمل فيما تشمل كل الرمزية وكل الطقوس التي تمارسها الأيزيدية دون أستثناء ، فلم يسلم طقس من التشويه والأفتراء ، وهي حملة تكفيرية تتوجه بالويل والثبور للأنسان ، بقصد منعه من ممارسة حقه في الأختيار العقائدي والديني ، وبالتالي أختياره شكل الحياة التي يرغب او التي يريد في عصر حقوق الأنسان الذي يمنح الأنسان حقه في الأختيار ، ومن أجل تخريب وتشويه معالم حقوق الأنسان ، وبقصد شطب فكرة المجتمع المدني والدعــوة إلى تحقيق مجتمع تسوده مباديء الحقوق والمساواة وفق القانون ، ومن اجل كل هذا يصار إلى أستمرار تشويه الصورة ، ومن اجل كل هذا لم تزل في هذا الزمن الأغبر تسيل دماء الأيزيدية ويتم ذبحهم وتمزيق جثثهم على الهوية ، ومن أجل هذا يتم سلب الحياة التي وهبها الله من المواطن الأيزيدي ، ولمجرد كونهم أيزيدية دون أن يكون هناك دين أو شريعة أو دستور أو قانون أو نظام يبيح معاقبة أنسان على معتقده الديني وهو يقر بوحدانية الله ويعبده وفق طريقته الدينية والمذهبية والطقسية ، غير أن الأيزيدي الذي لم يزل يعطي ولم يزل يصبغ الأرض بدمه ، لم يزل حتى اليوم يثق في رحمة الله وانتصار قيم الخير والمحبة التي لابد أن تسود البشرية وتعم تلك الرحمة قلوب الناس ، ويحلم بأن تحل قيم الأخـوة والأنسانية والحب بين البشر ، وأن يرحل الشر عن عقول البشر ، فهل كان الأيزيدية بعد كل هذا من يعبد الشر والشرور والجرائم ؟ أم ان غيرهم من تلبس بها وأبتلى بها على مر العصور ؟ هذا السؤال نترك الأجابة عليه لأصحاب الضمائر الحية في كل زمان ومكان !!

غير أننا لاننفي أن هناك من كتب عن حقيقتهم وعن أسس ديانتهم بضمير صافي وروح منفتحة وحيادية عقلانية ودافع عن حقائقهم بكتابات بحثية بقصد متابعة حقائقهم وأسرارهم وطقوسهم .
وفكرة الطاووس ملك قد تكون من ضمن أهم معتقدات الأيزيدية والتي يحرص عليها المجتمع الأيزيــدي ويمارس طقسها رغم كل الظروف العصيبة التي مرت وتمر عليهم ، وهذه الفكرة لم تأت من فراغ أنما ينبغي التمعن في أساسها وبداياتها ورمزيتها .
وفكرة الطاووس ملك لاتكمن في تمثال مجرد من النحاس الأصفر يتم تنظيفه كل عام بماء السماق ويتم عرضه على الناس لرؤيته وملامسته ، أذ أن الرمزية تكمن في الأسس التي تمثلها هذه التماثيل ، وعلاقة هذه التماثيل بالموروث الشعبي الأيزيدي ، وبالتالي العلاقة الصحيحة والحقيقية التي تربط هذه الرموز بالديانة الأيزيدية .

ان فكرة الطاووس ملك التي تعتبر من اهم ميثولوجيا الايزيدية وموروثهم الشعبي بحاجة للبحث والتوضيح لأزالة الابهام والتساؤل والغموض الذي يثيره بعض ممن تعرف على سطوح هذه الديانة دون ان يتمعن في الأساس أو ينظر في العمق ، او ممن اعتمد في معلوماته على المرويات والقصص المغرضة البعيدة عن التحليل والنقل الحيادي والممتلئة بالغرض المسبق في الأساءة للأيزيدية ، أو ممن يفتقد للمعلومات عنهم أصلاً .
وللفائدة فأن الأيزيدية لاتعتقد بالطوطمية لكونها لاتؤله الطوطم الذي تجسده الطوطمية من خلال الحيوان أو النبات وكون هذا الحيوان أو النبات يمثل اصل الحياة في المعتقد ، ومع أن الطوطمية مظهر قديم من مظاهر السلوك الأنساني ، فقد كان يعتقد به الهنود الحمر في امريكا الشمالية ، الا أن الأيزيدية لاعلاقة لها بالطوطمية مطلقاً في أعتقادها بطاؤوس ملك بأي شكل كان .
إن النفس الإنسانية ذات أبعاد متسعة عميقة المعنى ، يدور حولها اساس هو الأهم في نظرتها الى الرسالات السماوية، تكمن في الأعتقاد والتواصل الروحي من خلال التأمل في هذه الرسالات ، وقد بنيت مختلف التأملات والأفكار على أسس تبحث في معرفتها، ومن هذه المعرفة ينطلق الإنسان إلى معارف أخرى غيرها، وإنّ عدم معرفتها تقود إلى الأعتماد على مرويات وأساطير مختلفة ، غير أن أجيال من البشر التي تعتنق الديانة الأيزيدية كانت ليس فقط منغلقة على نفسها نتيجة ظروف عديدة ، وانما محرومة من نعمة الثقافة والمعرفة الخارجية وحق الولوج في متاهات العقيدة ، مما جعلها أسيرة بحدود معرفتها وتحت سطوة طبقة من رجال الدين الذين كانوا يحرصون على تحديد ثقافة الأيزيدي لغايات وأسباب تم التطرق لها في كتاباتنا السابقة ضمن مرحلة زمنية معينة .

والأيزيدية حالهم كحال أغلب الشعوب التي تعتنق دين من الأديان التي تعتمد السرية وتنغلق على نفسها ولاتقبل الأنتماء اليها من خارجها ، من أعتماد الرمزية في العديد من طقوسها الدينية ، ولعل طينة ( البراة ) التي ترمز إلى طقس المؤاخاة والصداقة الأبدية بين الأيزيدي وكريفه سواء من الأيزيدية أو من المسلمين شكل من اشكال هذه الرمزية التي يعتز بها ويحرص عليها المجتمع الأيزيدي ، والبراة طينة مدورة بحجم الكرة الصغيرة لها دلالات ومعاني تراثية ورمزية كبيرة في المجتمع اليزيدي تصل الى حد التقديس في الألتزام الأخلاقي والأجتماعي ، وكما تعاني من ابتلائها بأساطــير وقصص لاتمت لها بصلة نتيجة هذا الأنغلاق ، وهذه الرمزية غير بعيدة عن تاريخ المنطقة المليء بالأساطير والرموز في العبادات القديمة السومرية والبابلية والاكدية والآشورية .

ولعل جميع الأديان القديمة التي تعتمد الرمزية في طقوسها تتساوى في تلقي الأتهامات التي تريد النيل منها بدلاً من لجــوء البعض إلى معرفة أسسها وتاريخها بأنصاف ، ولعل قضية الطاووس ملك التي تشغل بال العديد من الباحثين والمتابعين لقضايا الأديان القديمة وبشكل خاص الديانة الأيزيدية من بين العديد من القضايا التي تجسد هذا الأنشغال ، ولكن في كل الأحوال فأن قضية التقرب إلى الأله تقوم وفق أفعال وتصرفات تصدر من الأنسان بقصد كسب رضا الأله وفق طقوس وحركات وأعمال قد تخلقها الجماعة فتصير عرفاً ملزماً ، او تقليداً في أداء الطقس ، وربما تصير تلك الحركات والطقوس رموزاً ترتبط بقضية العبادة والتقرب الى الالهة .

و لهذا نقول لعل قراءة متأنية للتاريخ السومري والبابلي والآشوري والقديم في العراق ، ومتابعة جدية لكلمة ( ئي زي دي ) والتي تعني الروح الخيرة يمكن أن تزيح العديد من الأسئلة والغموض ، بالأضافة إلى أن نقوش ورسوم عديدة تشير إلى طائر الطاووس رسماً وكتابة ينبغي أن يتم تحليلها ومعرفة حقيقتها أذ لايمكن أن ترد اعتباطاً وبالصدفة ، بالنظر للترابط في تقديس أشكال الطاووس مع تقديس الشمس في الديانات والمجتمعات السومرية والبابلية والآشورية وبين الأيزيدية التي لم تزل حتى اليوم تقدس الشمس وتعتبر شكل الطاووس رمزاً لطاووس ملك المقدس لدى الأيزيديين ، وهو الملاك القريب من الاله دائماً ، وهو رئيس الملائكة الذي يتلقى أوامره من الله جل جلاله لتدبير أمور الكون مثلما هو رمز الخير والتوحيد .
كما أن ظاهرة تعدد الألهة لدى الحضارات القديمة وتفرد الأيزيدية بالتمسك بها ظاهرة لافتة للنظر وتوحي بتمسك قيم وأعتقادات قديمة وموغلة بالقدم مما يوجب الألتفات الى ظاهرة التمسك بفكرة تعدد الألهة والتي بقيت متلازمة في عمق الديانة الأيزيدية دون غيرها ، هذا من جانب ومن جانب آخر فأن النسق الآيزيدي له سمات جوهرية مقصورة عليه تفصله عن العقائد الأخرى مما يعني أن الأصل والممارسات الأيزيدية لم تأت بهذا الاختلاف من فراغ مما يوجب أن نولي هذا الجانب أهمية عند دراستنا وتقليبنا لظاهرة مثل ظاهرة الطاووس ملك عند الأيزيدية .

يقول الدكتور جـواد علي في كتابه المفصل في تاريخ العرب قبل الأسلام ج3 ص 733 :
(( كما تقوم الصداقة بين الناس على أساس الود والتقرب والاتصال والتذكر بتقديم الهدايا والألطاف ونفائس الأشياء، كذلك تقوم "الصلة بين الإنسان وآلهته على اساس من الود والصداقة أيضاً. وإذ كانت الآلهة أقدر من الإنسان، كان من اللازم على البشر التودد اليها بشتى الطرق المعبرة عن معاني التقرب والتحبب والتعظيم، لتتذكره، فتمن عليه بالبركه والسعد وبخير ما يشتهيه ويرغب فيه. والبشر عبيد لآلهتهم، فعليهم ان يؤدوا لها ما يجب أن يؤديه العبد لسيده.
إن على العبد واجبات وفروضاً يجب ان يؤديها لصاحبه ومالكه، وعلى الإنسان كائناً من كان ان يقوم بأداء ما فرض عليه لالهته واربابه في اوقات مكتوبة أو محددة وفي المناسبات.
ولما كانت عقلية الإنسان القديم وعقلية كل بدائي تقوم على فهم الإدراك الحسي في الدرجة الأولى، كان للهدايا وللنذور والقرابيِن والشعائر العملية والطقوس المقام الأول في ديانات البشر ، لأنها ناحية ملموسة تراها الأعين و تدركها الأبصار، وفيها تضحية تقنع المتدين التقي أو من يريد التقرب بها إلى آلهته بأنه قد قدم شيئاً ثميناً لها، وانها لذلك سترضى عنه حتماً وينال حمايتها وعطفها عليه ، لأنه قد آثرها على نفسه فقدم اليها أعز الأشياء وأغلاها. انها سترضى عنه لأنه لم ينسها ولم يغفل عنها، ولم يفتر حبه لها.وسترضى عنه كلما تذكرها وقام بأداء هذه الواجبات المفروضة أو المستحبة لها،كما يرضى الصديق عن صديقه أو السيد عن عبده، بإظهار الاخلاص وبالحرص على أداء الأعمال المرضية.
وللدين عقيدة، أي "ايمان Belief وعمل. والعمل أبين وأظهر وأقوى في الديانات القديمة من الايمان، بسبب ان الايمان بالقلب، وهو لا يكون إلا بين المرء وربه، ولا يمكن لأحد الاطلاع على كنهه. أما العمل فهو تجسيد للايمان وتعبير عنه بصورة عملية واقعية. وهو الناحية المحسوسة الظاهرة للتدين. ولا يفهم البدائي من الدين إلا مظاهره، التي ترتكز على تضحية وبذل مادي لارضاء الالهة، فعنده انه متى بذل أعز ما يملكه في سبيل آلهته عدّ مؤمنا ًتقياً، ترضى عنه الآلهة، والسنتها الناطقة بلسانها على الأرض: طبقة رجال الدين. ولهذا رأى بعض العلماء، انه لدراسة دين من الأديان القديمة يجب الاهتمام بشعائره وبالأحكام التي فرضها على أتباعه، لأنها هي أساس ذلك الدين وجوهره. ))
أن مسألة الأنشغال في التقصي والبحث يشكل أستمرارية وديمومة وحيوية في الأغناء الثقافي والمعرفي من اجـل التوصل إلى حقيقـة الديانــة الأيزيدية بشكل خاص ، بعد أن كانت تكتب من وجهة نظر أحادية ظالمة وأحياناً مليئة بالتشويه ، كما توصل بقدر الأمكان إلى حقيقة ( طاووس ملك ) التي ربما كانت من الطلاسم والأسرار التي لم يستطع البعيد عن الديانة الأيزيدية أن يدرك حقيقتها أو يغور في أعماقها ،كما ساهمت الأيزيدية بشكل غير مباشر بسبب عدم السماح للأغراب بمشاهدة وحضور الطقوس الدينية وعمليات الأخفاء في تلك السرية ، ولذا فأن المساهمات المعرفية بقصد التوصل الى وقائع وحقائق عن قضية طاؤوس ملك هي الخطوة الأولى في الطريق الصواب .
لقد تراكمت قصص كثيرة عن ( طاؤوس ملك ) ، ونسجت العقلية الشعبية الأيزيدية الساذجة العديد من القصص ، وبنت أســس للموروث الشعبي في هذا المجال مما زاد في هذه القصص ، كما ساهم الخيال الآخر من الكتاب الذين لم يتعرفوا عن قرب إلى حقيقة الرمز والرمزية عند الأيزيدية ، وعن جذور تكوين السنجق وأسباب أعتزاز الأيزيدية بممارسة هذا الطقس المهيب رغم عاديات الزمن ومحنتهم الطويلة على مدى زمن طويل ، وبالرغم من التطور العصري وبقائهم متمسكين بطقسهم الرمزي مع هذا التطور ، فقد آن الآوان أن يتم كشـف الحقيقة وأنجلاء الغبار والصدى عن هذا الرمز ، ولعل بحثنا هذا مساهمة في مجرى البحث والمناقشة ونقطة تدفع للبحث والتنقيب والأثارة في هذا الصدد .
وتطور الكتابة عن الأيزيديـــة وتفرعاتها المهمة كموضوع بحثنا عن ( طاؤوس ملك ) ، وعن الشيخ عدي بن مسافر وأسس الديانة وكتبها المقدسة تشكل فعالية ملفتة للنظر يتداخل فيها المعقول والمنقول والديني والدنيوي ، يضعها الباحث امام القاريء يقلبها ويحللها ويتوصل معه إلى نتائجها النهائية ، مما سيخلق حالة من المعرفة بأسس هذه الديانة كنا نفتقــدها في السابق مما سيوسع من الدائرة المعرفية وبالتالي دائرة البحث عنهم ، كما دخل حلقة البحث والتقصي باحثين من ابناء الأيزيدية أنفسهم مما يجعل حالة التنوير وأماطة اللثام و حل الأستفهام تبدو أكثر تقبلاً ووضوحاً من قبل القاريء المتطلع بشغف إلى كشف حقائق هذه الديانة ورموزها التي قيل بحقها الكثير من وجهات النظر والآراء المختلفة .
فمن مميزات الديانة الأيزيديــة أنها لاتحتوي على نصوص معقدة أو مزدوجة المعاني ، كما لاتوجد كتب دينية مكتوبة في الوقت الحاضر أو يمكن مراجعتها وأعتمادها كمراجع ، كما لاتوجد أسس ونصوص دينــية تتحدث عن السنجق أو تمثال طاووس ملك أو بقية الرموز ، بالأضافة إلى كون المحاولات التي نشأت في البحث عن طاووس ملك كانت على الأغلب بعيدة عن الواقع أو عن الأنصاف أو خجولة لاتفيد البحث العلمي ولاتفي البحث حقه ، أذ أن اغلب ماورد في كتبهم محفوظ في صدور رجال الدين الأيزيدي وهي الوسيلة الوحيدة التي ساهمت في حفظ تراثهم وطقوسهم وموروثهم الديني بالنظر لماصادفته الديانة الأيزيدية والمؤمنين بها من مآس مروعة ومجازر وأتلاف وتخريب كل ماموجود ، وبعثرة وحرق كل ماهو مكتوب لديهم أضافــة الى قتل البشر ومحاولــة أنهاء وجودهم بمجازر جماعية وهجمات فتاكة أرادت أجتثاثهم من الجذور ، وخضعت هذه النصوص الشفهية فترة زمنية ليست بالقصيرة إلى سيطرة الوعي الجمعي الأيزيدي المبتلي بالتخلف والجهل عمداً والمحكوم بسطوة رجالات الدين والامارة القاسية مما جعل التداخل ممكناً .
وبظهور جيل من المثقفين والمتعلمين ومن رجال الدين المتنورين والمطلعين على ديانات الأنسان وثقافة الأنسان بشكل عام ، المتخلصين من العقد والتلبيسات التي البسوها عنوة إلى المجتمع الأيزيدي ، بظهور جيل جديد يدرك البلاء الذي ابتليت به الأيزيدية ويستطيع أن يعالجها بجرأة وشجاعة أمام تزمت وتطرف ديني ينتقل من ظروف مجتمع أيزيدي سابق ، ظهرت حالـة من الوعي وأعادة القراءة التاريخية بجرأة ، وظهرت أيضاً القابلية على تصحيح الأخطاء وتشذيب الأقاويل والطقوس والأحكام ، وبعد كل هذا الدخول إلى معترك الثقافة الدينية والثقافية من قبل كتاب وباحثين من ابناء الأيزيدية انفسهم .
ما يفرح النفس أن تكون جميع الأمور والمسائل على بساط البحث والتحليل ، فلا خطوط حمراء لدى الأيزيدية في زمن حقوق الأنسان مع أن الكثير من حقوقهم الدينية والسياسية غائبة ومبتورة ولم تزل ناقصة ، ولاممنوعات يخشون مناقشتها او الخوض فيها فلم يقدر أن يحتويهم أحد ولاجعلهم تحت عبائته وسلطته أذ انهم أستطاعوا أن يستولدوا جيل من المثقفين المتميزين بالجرأة والقدرة على الولوج في أغوار الحقائق التاريخية ، حيث بدت الرغبة عارمة في التوصل إلى الحقيقة ، وليس غير الحقيقة !
وأذا كانت مسألة البحث والمتابعة بخصوص قضية مهمة مثل ( طاؤوس ملك ) لدى الأيزيدية تعتريها الاشكاليات والغموض ، فأن البحوث التي تطرح بحيادية وبنية صافية تشكل أستمرارية طبيعية لتطور البحث ، وتحول جدي نحو أماطة اللثام وكشف الحقائق الدفينة عن مكنونات الرمزية لدى الأيزيدية .
لعل مساهمتي المتواضعة هذه تدفع بالمهتمين في قضية الديانة الأيزيدية وخصائصها الدينية ورمزيتها بالبحث والمناقشة والتطوير ، لعلي أزعم بأني اساهم في هذا الجانب مساهمة إيجابية في فتح كوة في هذا الجدار ، او إزاحة كمية من التراب عن بعض القضايا المطمورة من رموز الديانة الأيزيدية المهمة .
وأتقدم بكل الأمتنان والشكر لكل ما عاضدني وساندني وساعدني في أتمام هذا البحث ، واتوجه بالشكر لكل من وضع دراسته وبحثه في الأنترنيت لخدمة الثقافة والحقيقة .