المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : محمد نجار :قراءة في الموروث الشفاهي الديني الإيزيدي



bahzani
02-29-2012, 01:27
محمد نجار :قراءة في الموروث الشفاهي الديني الإيزيدي

13-06-2006, 21:26
S-najjar@hotmail.com

يختزن اللاشعور الإيزيدي الجمعي ـ عبر تاريخه المأساوي الطويل ـ تراثه الشفاهي المتراكم والمتوَارث عبر الأجيال، المبني في أساسه و غناه على أقولٍ و أفعالٍ و أدعيةٍ، غالباً ما تختزن هذه الأفعال و الأدعية و الأقوال جملة من المدلولات الروحية التي تُعبِّر عن الكينونة الفردية للإنسان الإيزيدي، بقدر ما هي تعبيرٌ كلي و صادق عن الكينونة الروحية الجمعية التي يتشارك فيها الإيزيديون حيث الشعور و الإحساس المشترك بالغبن أنى كانوا.

و لكننا و من خلال قراءتنا لنماذج عديدة من هذه الأدعية و الأناشيد، يمكننا أن نلاحظ بأنها تفتقد إلى الوحدة و التجانس و الملائَمة في بنيتها الفكرية العامة، إلى درجةٍ أن بعض هذه الأدعية و الأقوال تحمل دلالات و تصورات تتناقض إلى حدٍّ ما و البنية الفكرية العقائدية للإيزيدية، و يعود هذا التناقض و التباين في اعتقادنا ـ و خاصة ما يتعلق بمسائل الخلق و الوجود ـ إلى ذلك التنوع الثقافي و الديني و الحضاري و السياسي الذي أثرَّ و لا يزال يؤثِّر في الوجدان الفردي و الجمعي للإيزيديين على حدٍّ سواء.

إننا في هذه القراءة المتواضعة لجزء ضئيل جداً من ذلك الموروث الشفاهي الديني الإيزيدي، نهدف إلى إلقاء الضوء على تاريخية تلك الأدعية، و ممارسة حفرية معرفية في بنيتها السحيقة و ذلك لما تُخفيه تلك الأدعية و النصوص الدينية المقدسة من تثاقف ديني / حضاري، الأمر الذي أدى وفق رؤيتنا و بشكل بارز إلى طغيان وحضور تلك المؤثرات و المثقافة الدينية مع الآخر بفعل عوامل كثيرة من بينها الظروف السياسية، على الأصول والتصورات الدينية التي قامت عليها المعتقدات الإيزيدية تاريخياً، و بالتالي نهدف من خلال قراءتنا المتواضعة هذه، إلى التحقق من أن الجزء الأكبر و المؤثر و الفاعل من تلك الأدعية و النصوص في ذهنية المجتمع الإيزيدي الراهن، تنتمي في الحقيقة إلى المرحلة الثانية من تاريخ الإيزيدية الديني، و التي تبدأ مع مجيء الشيخ و الصوفي ( عدي بن مسافر ـ توفي على الأرجح عام 557هـ ) إلى لالش و ما أحدثه من خلخلة جذرية في عمق البنية العقائدية لهذه المعتقدات، من خلال تغذيتها بالرموز الإسلامية من طقوسٍ و شعائر و سلوك اجتماعي، بينما لا نكاد نستطيع أن نقرأ في المرويات التاريخية الأقدم، أيَّ ذكر صريح حول الجذور التاريخية و المنابع الأولى لهذه المعتقدات، و لكننا بالمقابل لا نقصد بقولنا هذا انتقاصاً من أهمية الدور الذي تلعبه الثقافات الدينية عموماً، سواء أكانت كتابية أو شفاهية في حياة الشعوب و الحضارات منذ الأشكال البدائية الأولى من التجمعات البشرية وصولاً إلى سيطرة العلم و الآلة على حياة الإنسان المعاصر.

تأتي أهمية الدعوة من جانبا الآن، إلى إعادة قراءة الموروث الشفاهي، و من ثمَّ التحقق من جوهر و ماهية المأثور الديني الشفاهي الإيزيدي من جديد في ضوء المناهج النقدية الحديثة، خطوة ضرورية و ملحة لا بدّ منها في سبيل توضيح الملامح الحقيقية لهذه المعتقدات و التغيرات التي أصابتها و خاصة في مرحلتها الثانية التي بدأت مع وصول الشيخ (عدي بن مسافر) إلى لالش و ما كان يحلم به هذا الصوفي الكبير على الصعيد الوجداني الفردي له.

إن القيام بهذه المهمة الجادة ذات الأهمية الكبيرة، تحتاج إلى تكاثفٍ حقيقي في المجهودات الفكرية و البحثية، التي يجب أن يرصد لها مركز لالش الديني كل إمكانياته المادية و كافة هيئاته و مؤسساته الدينية لأجل ذلك، كما لا بدّ من تشجيع الباحثين المختصين في تاريخ الأديان، بالاهتمام بهذه المعتقدات التي هي في جوهرها جزء من تراث الحضارة الإنسانية عامة، و هي مثل باقي المعتقدات الدينية وفق منظور الانثروبولوجية الثقافية نتاج ثقافي و اجتماعي مُعبِّر عن مرحلة معينة من مراحل التطور الاجتماعي و الثقافي و الاقتصادي لمجموعة إثنية عبَّرت عن تصوراتها الوجودية و فهمها الإنساني للحياة و ما بعدها.

في هذه المقاربة البنيوية للأدعية و النصوص الدينية المقدسة التي يوردها ( بير خدر سليمان ) في مقاله حول دور الملائكة في الديانة الإيزيدية، ترجمة (عرب خيري شنكالي ) المنشور في شبكة لالش الإعلامية، سوف نلاحظ أن هذه النصوص و الأدعية تتعرّض لمسألة الخلق الكلي للموجودات، أي أن العالمَ لم يكن موجوداً، فتأتي الإرادة و القدرة الإلهية الكلية لتبدعه من العدم، و هو التصور الفيضي الأفلوطيني التراتبي ذاته حول مفهوم الخلق و الذي تأثر به معظم الفلاسفة المسلمين أيضاً، لذلك نعتقد جازمين أن معظم النصوص و الأدعية الشفاهية المتوارثة لا تُعبِّر عن التصور الإيزيدي/ الميثرائي للخلق، بقدر ما هي تُعبِّر عن المرحلة الثانية من تاريخ الإيزيدية التي بدأت مع تأثير المنظومة الدينية التي حملها معه الشيخ عدي بن مسافر.

في هذا السياق من البحث سوف نتعرّض لمسألة الصفات الإلهية الواردة ذكرها في النصوص و الأدعية، مثل ( الحكيم، الخالق، الكريم، الجبار، العالِم، القديم ....الخ ) و هي من بين الصفات التي يأتي ذكرها في النصوص القرآنية، لدرجة أن معظم هذه الصفات المدونة في هذه الأدعية بالأبجدية الكردية، تُقرأ تماما كما هي في اللغة العربية، و هذا إن دلَّ على شيءٍّ ما، إنما يدل على أن تلك الأدعية و النصوص تشكلت دلالياً في وقتٍ متأخر جداً من تاريخ المعتقدات الإيزيدية، و أن الذين توارثها من جيل إلى آخر كانوا متأثرين تأثراً بالغاً بالثقافة الإسلامية السائدة.

يرد في بعض هذه الأدعية قولٌ حول الكينونة الإلهية، و هي المسألة التي اختلفت فيها آراء الفرق الكلامية الإسلامية، بين القول بأن الله مُنزّه عن أن يكون جسماً مادياً متحدداً في المكان، و بين التأكيد على تلك الصفات الجسمية مثل ( اليد و العرش ) كما وردت في التنزيل فسُميَّ هؤلاء بالمجسمة.

في هذه القراءة للأدعية و النصوص الواردة في مقال السيد ( بير خدر سليمان ) سوف يتضح لنا مدى تأثير التصور الفيضي الأفلوطيني للخلق حول مفهوم الكينونة الإلهية عند الإيزيدية، فالله كما يرد وصفه في كتاب ( مصحف رش ) خلق الدرّة البيضاء من سِرَّه العزيز، و منها خُلقت الملائكة السبعة في فعلٍ تراتبيٍ إلى أن ينتهي فعل الخلق في اليوم السابع و يجعل من عزازيل و هو طاووس ملك رئيساً للملائكة، و بعد أن ( خلق الله سبعة ملائكة من نور ذاته وضع حجابا بينه وبين الملائكة. وفي اعتقاد الإيزدية إن الملائكة لم يتمكنوا من رؤية الله.)، إن هذا الاعتقاد عند الإيزيدية حول عدم تمكن الملائكة من رؤية الله بسبب وضع الحجاب، هو اعتقاد متأخر جداً، لأن فكرة الألوهية المجردة لم تظهر إلا مع تطور الوعي الديني لدى مختلف الشعوب و الحضارات، ثم أن فكرة الحجاب التي وضعها الله بينه و بين ملائكته لمنع الرؤية، بحدّ ذاتها تظهر كمسألة خلافية إشكالية في المنظومة الدينية الإسلامية.

يا ربي ليس لكَ لون وليس لكَ شكل
يا ربي ليس لك نغمة أو صوت
يا ربي لا أحد يعرف كيف أنت
يا ربي ليس لك ندّ أو قويٌ مثلكَ
رب الدار ورب الحجاب
يا ربي مكانك في كل مكان.

في هذا القول و في أقوالٍ أخرى كثيرة، تظهر النزعة الحلولية الصوفية واضحة حيث الله موجود في كل مكان، كما أن الله مُنزّه عن أن يكون جسماً مادياً، فهو ( نور / سرّ ) منحلّ في الدنيا كما تقول الأدعية و الأقوال السابقة الذكر، كما لا يمكن فصل الصفات عن ذاته، فهو يمثل، (رب الحكمة، و رب العلماء، ...الخ ) وأخيراً تتجسد تلك النزعة الحلولية في شخصية الشيخ و الصوفي( عدي بن مسافر )، باعتباره يمثل روح طاووس ملك على الأرض و يحلّ محله وهو الذي وضع القوانين والطقوس والشعائر الدينية الإيزدية، إن قوة ونور الشيخ آدي على الأرض هي من قوة ونور طاووس ملك الذي هو من نور الله قد خلق (وجد).

إننا و من خلال قراءتنا الحفرية المعرفية لتلك الأدعية و النصوص الواردة في مقال السيد بير خدر سليمان، نصل إلى استخلاص بعض النتائج و الملاحظات التالية:

1ـ إن مفهوم الخلق الوارد ذكره في الأدعية الدينية الإيزيدية، متماثل مع الثالوث الفيضي الأفلوطيني التراتبي و الذي دخل المنظومة الفلسفية الإسلامية بصورة ملتبسة على أنه مفهوم أفلاطوني.

2 ـ النزعة الحلولية الصوفية في الإيزيدية و التي تجسدت في حلول نور طاووس ملك في شخصية الشيخ عدي بن مسافر، هي نزعة أسّس لها الشيخ عدي بن مسافر ذاته كتعبير عن حالة وجدانية فردية، الأمر الذي ينفي أن تكون هذه النزعة تمتد إلى أبعد من هذا التاريخ.

3 ـ من خلال قراءتنا لهذا الجزء الضئيل من الأدعية و الأقوال، نعتقد جازمين أنها تُعبِّر عن المرحلة المتأخرة من تاريخ هذه المعتقدات، و هي نتاج التأثيرات التي خضعت لها الإيزيدية في ظروف الاضطهاد الديني الطويل، كما أنها ـ أي الأدعية ـ تُعتبر جزء من التقية التي لجأت إليها أيضاً الطائفة الشيعية في ظروف مشابهة للظروف التي خضعت الإيزيدية لها.

4ـ اعتبار هذه الأدعية و الأقوال و النصوص جزء من تاريخ الإيزيدية المتأخر و البعيد نسبياً عن جوهر تصوراتها المثيولوجية عن الخلق و التكوين.

5 ـ الدعوة إلى قراءة التراث الشفاهي الديني الإيزيدي، قراءة نقدية بعيدة عن التزمت الديني و النظر إليها على أنها نصوص منجزة و مقدسة.

6ـ اعتبار هذه القراءة جزء من المجهود الفردي الذي ندعو إليه كل المهتمين و الباحثين في شؤون الطائفة الإيزيدية، لتكون بمثابة مراجعة نقدية شاملة لما هو متشكل من بنيات ثقافية متباينة داخل البنية المثيولوجية للإيزيدية كدين و عقيدة و تصورات.

محمد نجار ( s-najjar@hotmail.com (s-najjar@hotmail.com) )