المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأب توماس بوا:الكرد تحتَ الهلالِ من الوثنية الى الاسلام



bahzani
02-29-2012, 00:30
الأب توماس بوا:الكرد تحتَ الهلالِ من الوثنية الى الاسلام

16-06-2006,

لقد كانتِ المجوسيةُ، دينَ البلد الذي نسميه اليوم "كردستان"، كما كانت ديناً للميديين، حيث تُذكّرنا نقوشُ داريوس، في "بيستون" والذي يسميه الفرس اليوم بنقوش رستم، بقوة الإله الكبير آهورا مِزْدا/ الرب الحكيم، حيث سمحتِ النعمةُ الإلهيةُ لداريوس بغزو كل الشعوب، والذي ضرب به المثل كثيراً. ولم يكن هذا الإله لوحده، حيث فيما بعد سنذكر إلى جانبه آلهة آخرى: ميترا/ إله الشمس والعقود والخلاص، وآناهيتا/إلهة المياه والخصوبة والإنجاب، وقد كانوا يعبدون كل قوى الطبيعة، ويقدسون الآلهة بالتضحيات الدموية التي لم يكن بالإمكان تقديمها دون اللجوء إلى المجوسية؛ إن الأخوية بالنسبة لهؤلاء الأخيرين، ربما تكون ذات أصل ميدي، حيث كانت تحتفظ بالعديد من الإمتيازات السياسية والدينية بالأخص، ولقد عرف المجوس مبدأين هما الخير والشر: أهورا مزدا، أو هرمز، وأهرمان، وكانو يقومون بتشريح الجثث، ويحضرون مشروباً Haoma الذي يشكل جزءاً من الطقوس الفارسية. وكانوا يحتفلون بمناسباتهم في الهواء الطلق، والإحتفاظ ببعض القبور: ضريحٌ على شكل برج مربع، مع غرفة واحدة في الأعلى، حيث كان المجوس يضعون النارَ المقدسةَ فيها، ثم أُعيد تصحيح الديانة المزدكية/ المجوسية في العهد الأشميني 550 قبل الميلاد، وقد قام بذلك زرادشت، لقد ولد هذا النبي في ايران القديمة حسب قول الكثيرين في بلاد موكري في قلب كردستان سنة 660 قبل ميلاد السيد المسيح، وعاش حتى عام 583 ق. م، وقد حُفظت نبوءة زرادشت في غاتاس، والموجودة في الآفستا/ الكتاب المقدس لدى الفرس، وهي مؤلفات غنائية تنقل مذهب الإصلاح الذي إستبعد منه التضحيات الدموية وإستخدام Haoma، ولكنها حافظتْ على تضحيةِ النار: رمز العدالة والصراع ضد قِوى الشر، حيث على كل إنسان الإختيار بين النور والظلام، بين الخير والشر، بين هرمز وأهريمان، كما عليهم أن يكونوا طيبين مع الحيوانات.

"فكرٌ مفيدٌ، كلامٌ مفيدٌ، وأفعالٌ مفيدةٌ" هو الثالوث الذي يشتمل على الخلق الزرادشتي، وقد أصبحتِ الزرادشتيةُ الديانةَ الرسميةَ للفرس تحت حكم الأسرة الساسانية 224 ـ 651 ميلادي حتى اليوم الذي أزاحها الإسلام؛ لكنْ، لم يكنْ ذلك دون صدامات، وعملياً، وباحتلال تكريت وحلوان عام 637م فقد دخل الإسلام إلى كردستان، حيث إتجه سعد بن أبي وقّاص إلى الموصل، وإحتل المناطقَ التي يسكنها الكرد، وهكذا إحتل المرج، أو بلاد الماركا، وبانوهدرا، وباآدرا، وهيبتون، وداسن..إلخ، غير أنَّ هذا الإحتلال كان بعيداً لجعل هذا البلد إسلامياً بالكامل، فقد إصطدمتْ جيوشُ الخليفة عمر مع كرد الأهواز، ولم يكنْ ذلك دون إراقة الدماء، حيث إستولتْ على شهرزور عام 643، وعلى برود وبالاسجان عام 645م، إن ذكرى هذا الإعتناق العنيف والشاق مذكورة في نص تمت قراءته قديماً، غير أنه تمّ التشكيكُ في صحته مؤخراً:

"تهدمتْ معابدُ هرمز، وأُخمدتِ النيرانُ،

واختفى أحدُ أكبر الزعماء،

وانسحب الكرد إلى حدودِ شهرزور،

ووقعتِ النساءُ والفتياتُ في الأسْرِ،

قُتل الأبطالُ في الكمائنِ،

وظلَّ قانونُ الملك زرادشت لاحول له ولا قوة،

ولم يعد لـ هرمز الشفقة لأي شخص"

لقد ساعد سقوطُ العائلة الساسانية المالكة 652م على زوال ديانة ملك الملوك ومواطنيه، وأُستخدمتِ الكثيرُ من الدوافع للنظام السياسي أو الإجتماعي كحجّة للإنتقال من عبادة النار، إلى ديانة الفاتحين.. حيث ماتزال تُشاهد في سورداش في العراق، أطلال قصر الملك جولاندي.

في العهد الأموي عام 708، عاقب الحجّاجُ الكرد الذين سلبوا فارس، وقد دعم نفس هؤلاء الكرد الخليفةَ مروان الثاني، ضد الخوارج عام 744ـ 750م، حيث أن والدةَ الخليفة مروان كردية. لقد أصبحَ قسمٌ كبيرٌ من الكرد مسلمين، غير أنّ الغالبيةَ قد تمردتْ أكثر من مرة ضد الخلفاء وجنودهم.

لقد إندحر الكرديُّ جعفرين فهارجس عام 839 م، بداية في بابغاس، فانسحب إلى جبل داسَن، حيث تحدى جيوشَ الخليفة المعتصم، وفي عام 866 م إنضم كرد الموصل إلى الخراجي موساور، ثم إنحازوا إلى العربي حمدان بن حمدون عام 894 م الذي إستولى على الموصل، غير أن محمودين بلال من العشيرة الكردية الهَضبانية، دمّر منطقة نينوى، لكن تمّ صده، وإندحر أخيراً، كما هزمَ عبدالله بن حمدان، الحميديين وسكانَ جبل داسنْ، وفي عام 940م لم يستخدمِ المغامرُ ديسم إبراهيم النصف الكردي من طرف والدته، إلا الجيوشَ الكرديةَ لغزواته في أذربيجان. إزاء كل هذا نرى بأنَّ الكرد إجمالاً منذ بداية إعتناقهم للإسلام، كانوا يفضّلون مذهب الخوارج، غير أنَّ العديدَ منهم قد إعتنق المذهب الشيعي، ومع ذلك فقد أصبحوا مسلمين بالكامل، وعلى المذهب السني بالإجماع في القرنين العاشر والحادي عشر.


كردستان المتزهدة

في الحقيقة إنَّ ممارسةَ الشعائر الدينية باللغة العربية، تشكّل عقبةً لهذا الشعب القليل التعليم بشكل عام، ويُخشى أن تتوجه ممارساتهم الدينية إلى الشكلية، وأن الكردي الورع يتمسك فقط بالطقوس الإسلامية، ولكن في التزهد، أو التعليم التزهدي للطرق الدينية الصوفية التي دخلتْ بسرعة إلى كردستان، والتي كوّنتِ العديدَ من المريدين، خاصة لدى الطبقات الدنيا من الشعب.

ظهرتِ الصوفيةُ لدى الكرد بسرعة في القرن الثاني عشر، وازدهرتْ بشكل كبير. فقد وجد المؤرخ "مقدسي" الذي زار كردستان حوالي 980 م، أربعين صوفياً كانوا يرتدون ملابس النسّاك، ويعيشون على البلوط. وأن أبا محمد بن شنبوكي وهو قاطع طريق كردي، قد إهتدى إلى الدين، وأصبح المعلّم الروحي لأحد الكرد من قالميني، وهو "أبوالوفا الحلواني" عام 1110م، والذي بدوره كان أول من تسلم في العراق لقب "تاج العارفين" حيث جمع أربعين مريداً بينهم سبعة عشر أميراً؛ غير أن الكثيرَ من الصوفيين الكرد وغيرهم قد سكنوا كردستان، وأن مؤرخي الأولياء المسلمين قد أرشدونا على العديد منهم. حتى يمكن أن يكونَ هذا هو سبب وجود هذه الجماعات الصوفية في الجبال الكردية، والذين آثَر الكثير من الجاذبية على معابد لالش في جبال هكّاري للشيخ "آدّي" الذي عمل دون أن يعلمَ أو يريد ذلك للايزيديين في البدء كما سنرى فيما بعد. لم يكتفِ التقاةُ المسلمون هؤلاء بقراءة القرآن غيباً، أوأن يقتبسوا منه العلمَ الشرعي والعكوف إلى الشريعة القرآنية، وإستخراج التطبيقات العملية المصاغة بـالفتوى، بل كانوا يريدون أن يستخرجوا من هذه الدراسات المجردة، أو الشريعة المجردة كلياً للإستغراق في التأمل عن طريق التزهد للوصول إلى النشوة والإتحاد مع الله. لقد كانوا يعبرون عن نظرياتهم الصوفية، وسلوكياتهم المتزهدة في العديد من القصائد، والتي كان المطلعون على السر وحدهم قادرين على فهمها. صحيحٌ أنها قصائدُ رمزية/صوفية، إلا أننا نلاحظ فيها عنصرَ المحبة الإنسانية، وغالباً ما يجمع موضوعها المرئي دعوات الشاعر العاطفية مع الله. كما أنها تتضمن الكثيرَ من الخمريات، حيث الكأس الأرجوانية التي تستدعي فكرة النشوة الروحية، ولكن وبما أن العديد من الصوفيين قد إستخدموا لغةَ الخمر، فانهم كانوا يحلمون حقيقةً بالسُكْر الحرفي، كمثيله المجازي. في المدارس الصوفية لا تخرج علاقات المعلم مع التلاميذ عن إطار ترجمتها بالميل، إلى الصفة القديمة، أي العلاقة بين الشيخ والمريدين، لذلك فقد تم تأسيسُ المدارسَ الشرعية، وخصصت لحماية شيخ مشهور مع تلامذته الذين يدرسون تحت إشرافه لخدمة الله معه، ولفترة طويلة إلى حد ما؛ إن إيقاف المتصوفة السريين على بعض أسرار الدين، يُلاحظ من خلال إرتدائهم لباساً خاصاً "الخرقة" التي ترمز إلى الإنتساب، وفي نفس الوقت، فان شهادة الأستاذية التي تمنح تقليداً بالإحتفال الديني، والتي ترجع بالتدرج إلى النبي محمد (ص)، ثم بدأتِ المدارسُ في القرن الثاني عشر تتحالف في جمعيات دينية واسعة للمتصوفة، وتطبق نظاماً وكتاباً مشتركاً، أما الآن فإن الخليفة هو الذي يتصدرها جيلاً بعد جيلٍ، ويقرر السيادةَ زعماءُ الفروع المستقلة لمختلف المراكز، بينما تحدد الأقليةُ الإقامةَ في مساكنَ مخصصة للتعليم والعبادة (التكية)، وتتكون الغالبيةُ العظمى من المؤمنين البسطاء/المريدين الذين يعيشون هائمين على وجوههم، والذين يثبتون وجودهم بالإشتراك دورياً في الإحتفالات الدينية للتكية. إلى جانب خصوصية العبادة/الطقس، حيث تختلف هذه التكايا المتعددة من خلال العقيدة. لقد كانتِ القادريةُ أولى هذه التكايا، والتي أسسها الكردي الشيخ عبدالقادر الكيلاني 2078 ـ 1166م، والتي لم تتأخرْ في التأصلِ لدى الكرد، حيث لايزال القادريون كثراً حتى اليوم، وأن العديد من عائلات الشيوخ لها السلطة والشهرة، كما هي الحال بالنسبة للعائلة الطالبانية في كركوك، والبريفكية في العمادية، ويحمل الرئيسُ العام للتكية لقب نقيب الأشراف في بغداد. أما التكية الثانية فهي "النقشبندية" التي أسسها بهاء الدين البخاري 1317 ـ 1389م، والتي إنتشرتُ مؤخراً بفضل "مولانا خالد" وهو فقير كردي من عشيرة جاف، ولد في قرية قره داغ عام 1779م، قام بالحج إلى مكة اثر حلم. فقد إلتقى بدرويش يقتل قمله، وهو نفسه الذي رآه في الحلم، والذي قال له أن يذهب إلى دلهي في الهند، حيث سيرى طريقَ الخلاص، وتعلم هناك في مدرسة الشيخ عبدالله الذي تلقن أصول النقشبندية، ثم عاد بعد ذلك إلى السليمانية في وطنه حوالي 1808م، فلقي هناك الكثير من الإعتراض من الشيوخ الآخرين، ولكن أثر (تبشيره!) نجح في إجتذابِ بعض الأعضاء من القادرية إلى طريقته، والآن فان الشيوخ النقشبنديين كثيرون جداً، وهم إجمالاً أكثر تأثيراً من الشيوخ القادريين. وعلينا الإشارة من بين العائلات القوية والمتنفذة إلى شيوخ "شمدين" أو "نهري" و"وتافيلي" و"برزان"، ولم يقفْ نزاعُ التكيتين في النطاق الفكري فحسب، بل قاد أحياناً إلى تعقيداتٍ، أدتْ إلى معاركَ حقيقيةٍ.

أما التكية التيجانية المعاصرة جداً، والتي أسسها أحمد التيجاني 1727 ـ 1815م في أفريقيا الشمالية، فلم تلقَ إلا القليل من التأييد لدى كرد الأناضول، مثلها مثل بقية التكايا الأخرى في تركيا التي عانتْ من السياسةِ العلمانية لأتاتورك. إن تأثيرَ الشيوخ غير مصقول في الوسط الكردي، وهو قليل الوسائل، ولا يتم الصدق به إلا بمشقة. كما أن ثقةَ المريدين بشيوخهم تتجاوز حدَّ الإرشاد، حيث لاحظ "أدموندس" بأنه سواء بالإفتقاد إلى سلطة عليا في الجوار، أو الخطأ في التعليم، يبدو أنَّ الأعضاءَ غير المتأدبين للتكية النقشبندية في كردستان يميلون بشكل خاص إلى الإنحراف عن المركز.

مهما كان الخوف من أن الشيوخ ذوي النية السيئة يسرفون في سذاجة تلامذتهم، أو إستخدامهم لمصلحتهم، وإن أمكننا الكشف أحياناً عن بعض الحركات المتعصبة لدى الكرد/ فإن ذلك يعود إلى تحريض شيوخهم لهم. لذلك فإن نداء الحرب المقدسة/الجهاد في منطقة أورميا، أثناء الحرب العالمية الأولى كانت من تدبير شيوخهم، وسيكون بإمكاننا أن نلاحظَ أيضاً أن معظمَ هذه الحركات الأخيرة هي عصيانية ثورية، سواء في تركيا أو العراق، والتي أثارها، كان كلهم نقشبنديون، وكذلك الحال بالنسبة للشيخ سعيد بيران، والشيخ محمود شيخ السليمانية، والشيخ أحمد شيخ بارزان، حيث لم يكنِ الدينُ وحدَه في اللعبة، بل كانتْ للمصالح السياسية المكانةَ الكبيرةَ. من جانبٍ آخرَ، يبدو أنّ الحماسةَ الصوفية قد فقدت من أصالتها وقيمتها الكثير، وأن واحداً من الكتاب الصوفيين الأواخر، وهو كردي من أربيل، والذي مات عام 1904م، إنه الشيخ محمد أمين الكردي الشافعي النقشبندي، قد كتب "تنوير القلوب" والذي كان في طبعته السادسة في القاهرة 1929م، وقد خيّب هذا الصوفي الأمل في قراءة الوصف الذي أعطانا في طريقة تطبيق "ذكر القلوب" حيث يقول لنا ARBERRY في هذه النقطة، والذي لخص النص، بأن الصوفيةَ قد فقدتْ إمبراطوريتها على القلب وفكر الأوساط المثقفة والجدية بسبب هذا النقص في النظام العقلاني والعقيدة الحقيقية. حيث ليس من النادر رؤية أن يتدفقَ في هذه الأوساط غير المصقولة والسهلة التأثر إلهام منحرف تقريباً يُظن بذاته الدعوة إلى إصلاح الدين والمجتمع، وينتهي دورهم المؤقت بشكل يثير الرثاء غالباً. حيث علينا الإستشهاد وببساطة بطائفة HHHAHAQQA، وشيوخ TOPZAWA و SERGALU في العراق، الذين إعترفوا بالخطأ إلى جانب العُريي والفجور.


الكرد فرّوا من الإسلام

إن هذه التحولات في الممارسة، والمعتقدات الصوفية، كانت في الأصل للعديد من الطوائف الضالة التي إنتهتْ بالفرار من الإسلام إلى درجة أنه كان من الممكن التردد في سيمائهم الحقيقية، ونسبهم الموثوق بها، إن أكثر الطوائف أصالة هي اليزيدية، أو عبدة الشيطان كما نسميهم عادةً، والذين هم كرد كلياً، وعددهم اليوم (50,000) تقريباً، يعيشون في العراق في وديان شيخان المشجرة، وجبل سنجار، وفي سوريا يسكنون بعض قرى الجزيرة، وقرى أخرى في جبل سمعان، وأخيراً كرد منطقة يريفان أو تفليس في الإتحاد السوفيتي، الذين هم أيضاً يزيديون، وبما أنهم طائفة كتومة، فقد كدسوا جميع الفرضيات من عبادة الشمس والزرادشتية وعبادة ميترا، والوثنية الكردية الأصلية، وفروع الطوائف المسيحية. وفي الحقيقة لقد خرج اليزيديون من الإسلام، ولإثبات ذلك يكفي تفحّص السلوكية الخارجية لهم، قبل الولوج داخل أفكارهم، حيث يظهر عندهم المناخ الإسلامي في أسماء الأعلام، وتعيين التاريخ، وعبادة الأولياء، وكذلك الحج إلى ضريح الشيخ آدي، حيث توجد طقوس إسلامية للحاجِّ، ومصطلحات غريبة جداً عن الكرد، بالإضافة إلى الجو الصوفي الكامل: الأولياء المقدسون من الصوفيين المعروفين، والصوفية هي المرتبة الدينية، والصلوات والنصوص الأخرى لها قرابة واضحة من مصطلح وفكر العلم الروحاني الصوفي، وان الصِلات مع نشوة الصوفي الإسلامي الذي يبدو حتى في النظرات المتطرفة حول أصول العالم والإنسان والتجسيد والتقمص والعودة الثانية والأخيرة للإبليس. ومن الملاحظ أن يكفي فكّ أحجار الأمل التي يحويها الإسلام وطوائفها لإيجاد اليزيدية في كمالها.

لكنْ، كيف وصل اليزيديون إلى المروق؟ أمن خلال ولي مسلم أصيل هو الشيخ آدّي نحو 1037 ـ 1162م؟ لقد حصل التطور بشكل تقدمي، حيث أن الإبن الأصغر لمؤسس "الزاوية" شمس الدين حسن 1197 ـ 1246م، قد فتح الطريقَ إلى البدعة، ثم إنشقّ الأتباعُ إلى فرعين: هاجر أحدهما إلى سوريا ومصر، وحافظوا فيها لزمن طويل على إسلامٍ مستقيم تقليدي تحت إسم "العدوية"، وبقي الآخرُ في بلاد مابين النهرين، شرق دجلة، ليس فقط لأنه فَقَدَ كل إتصال عقلاني مع تلاميذ محمد، بل أنه لم يتأخرْ بالإبتعاد من وجهة نظر عقائدية، كي يصبحوا معادين. وأخيراً خلال القرن السابع عشر لم تفعلِ المجازرُ الزمنية إلا بغرز اليزيديين في الممارسات والمعتقدات أكثر فأكثر غرابة وسرية، بحيث لم يعودوا اليومَ مسلمين أبداً، غير أنه من الصعب الإنكار بأنهم كانوا مسلمين في الأصل.

إن كان اليزيديون ينحدرون من الصوفيين السنيين أنصار الخليفة يزيد الأول 680 ـ 683م، فان طائفة كردية أخرى هي "أهل الحق" قد دفعت بالدعوات الشيعية إلى أقصى حد؛ وُلدتْ هذه الطائفة في لورستان، ودخلتْ في منطقة شهرزور وهورامان، حوالي القرن الحادي عشر، وقد أدخلها مبارك شاه بابا خوشين، حيث إعتمد في عِداد مرافقيه السبعة على إمرأةٍ هي "فاطمة الممشوقة" شقيقة الشاعر المشهور بابا طاهر الهمداني (935 ـ 1010م)، وقد أصلح هذه الطائفة سلطان إيشاق أو سوهاك، إبن الشيخ عيسى برزنجي، ودايراك خانم، إبنة الأمير محمد زعيم قبيلة جاف، والسلطان سوهاك هو الذي بنى عام 1316م نياز خانه، أي مكان القرابين النذرية في هورامان، وأقام قيادته في برديوار، حيث كان محاطاً بثلاث مجموعات تتكون كلُّ واحدة منها من سبعة أشخاص، وهم خالدون، ولا إثم لهم، وهؤلاء كانوا أولاد السلطان سوهاك نفسه، وهؤلاء الكهنة أو المريديون السبعة، يُختارون من بين 72 خريجاً، ليكونوا المرشدين، إن السيّاد الحاليين للكاكائيين في العراق ينحدرون من هذه العائلات المقدسة.

لدى "أهل الحق" إجلال عظيم لـ "علي" حيث يؤلّهونه، ويجلّون ذريته والأئمة، غير أنهم يحافظون على علاقات جيدة مع السنيين، كما أنهم يجلّلون بابا يادكار(1596م) حيث يُعتبر ضريحُه مزاراً، ويتضرعون إلى موسى عليه السلام، وإلياس، والسيد المسيح، وكذلك داوود، ويؤمنون بالظهور المتعاقب للألوهية في عداد السبعة، حيث تظهر الألوهيةُ كل مرة برفقة 4 أو 5 ملائكة، كما يؤمنون بالتقمص، كما هي الحال عند اليزيديين والدروز.

تحتل هذه الطائفة القرى الكورانية على طريق خانقين كرمنشاه، كما تنتسب قبائل يوشي كوه/لورستان، أيضاً إلى هذه الطائفة، وخاصة الدلفانيين، والذين إبتداءً من العيد الكبير لإنقلاب الشمس الشتوي، عندما يكونون في حالة تسمم كحولي وهيجان ديني، حيث يمشون على النار دون الإحساس بأي ألم، ويسكن الكاكائيون في العراق في 18 قرية في ناحية توق في لواء كركوك، و12 قرية في كل من قضاء خانقين، وقصر شيرين.

إن كان اليزيديون على الأغلب يعيشون في العراق، فإن "أهل الحق" الكرد يعيشون على التخوم العراقية الإيرانية. أما القزلباش، وهي طائفة أخرى منشقة، تتواجد بشكل خاص في الأناضول، في إقليم سيواس، ولهم قلعة طبيعية، هي جبال ديرسم، حيث يقيم زعيمهم الروحي الكبير، ويصل عددهم لأقل من مليون. ويضيف الكرد إلى هذا الإسم بُدعيين آخرين مثل "النوسيري" أو اليزيديين، الذين ليستْ لهم أية علاقة معهم، غير أن القزلباش شيعيون إلى أقصى درجة.

كما أنهم يحصون 5 ملائكة كوساطة بين الله وبين الناس، و12 وزيراً لله، و40 نبياً، مثل النبي سليمان في عدادهم، وهو معترف به لدى أهل الحق أيضاً، إن زعيمهم الديني مكلف بتعليم وجباية العشيرة، وهم الأسياد، كما يزورهم المرشد مرة كل عام للمشاركة في الإحتفالات الدينية، ولشرح المذهب، أو العقيدة، ولايوجد عندهم جامع، ويصومون 12 يوماً على شرف الأئمة الإثني عشر، وثلاثة أيام أخرى قبل عيد "خضر". مبدئياً فإن عليهم الصلاة مرة واحدة في اليوم، كما يقومون بعبادة الشمس عند الشروق، وعند الغروب، ويقدّسون النار، ويقدّمون القرابين لمصادر الأنهار، وليس عندهم أبداً كتاب مقدس، ولكنهم يقدسون التوراة والإنجيل والقرآن.

غير أن أخبارَ المسافرين عن القزلباش، غامضةٌ، وأحياناً متناقضة، ربما لأنه توجد بينهم طوائف مختلفة، وهناك إعتقاد بأنه يمكن أن نتعرفَ من بينهم على عدد كبير من المؤمنين والممارسات للطقوس المسيحية. من جانب آخر، فما تزال لهم نقاط مشتركة مع "البكتاشيين"، وهي تكيةُ دراويش، الوحيدة التي تبنّتِ الشيعية بشكل واسع في تركيا، وقد أكثر بشكل خاص العديد من أماكن المزارات، إلى جانب هذه الطوائف ذات الأهمية، وبعض الشهرة، توجد لدى الكرد أيضاً الجماعات الصغيرة الضالة والمختلفة تقريباً، ولها الممارسات المشتركة، وتدفع بالميول الشيعية إلى أقصى حد. نشير هنا باختصار إلى "شَبَكْ" حوالي الموصل، والذين يصل عددهم إلى (10,000) شخص، حيث يبدو عليهم الميلُ إلى الإتحادِ بين اليزيديين والشيعة المتطرفين. و"سارلي" على ضفاف نهر الزاب، الذين يرتبطون مع الكاكائيين، وكذلك "الباجوران" الذين يسكنون نفس المنطقة والحدود الإيرانية. و"الشمسيين" هكذا يُسمّون، لأنهم يعبدون الشمسَ، والمشار إليهم في ماردين، في بداية القرن التاسع عشر، ولكن يبدو أنهم قد إختفوا كلياً، حيث أصبحوا مسيحيين يعقوبيين، ظاهرياً على الأقلِّ.


على هامش الدين: الخرافات

غالباً مايكون الكرديُّ شاعراً يعشق الطبيعة التي تحيط به، وإن كانت جميلةً، فلأنها مسكونة بكائنات ربّانية تنعش هذه الطبيعة: الجنيات، الحوريات اللواتي يترددن على الينابيع الجبلية، أما بخصوص الجن، فإن كل العالم يؤمن بوجودها، والآشوريون مثلهم مثل الكرد واليزيديين، يؤمنون بذلك. ويوجد بين الجان الخيّرون والشـرّيرون، ولهم دينٌ خاصٌ بهم، والجان نافع بعض الأحيان، وأحياناً أخرى ساخرٌ، وهم يلبسون قبعات حمراء تجعلهم غير مرئيين، ويسكنون الوديانَ العميقة، حيث تُختبأ الروحُ الشريرةُ لديهم في ثقوب الصخورِ، وفي أعماق الكهوفِ، وقد دفع الفضولُ بالعديد من البواسل الذين أرادوا الدخولَ إلى تلك الكهوفِ، فخرجوا منها مجانينَ، حيث كان ذلك متوقّعاً، وإن عتبة البيت، هي المكان الذي يجب أن يسكنَ فيه الجان، لذلك يجب عدم سكب الماء الساخن على العتبة خوفاً من أن يصيبنا سوءٌ، والجانَ، وإن كانت تؤدي إلى جنون الإنسان، فإنها مرغمةٌ أن تأكلَ مثل الإنسان، لتعيشَ. وقد نجح شيخٌ يزيديٌ من سنجار في الإرتباط بجنيّ يتبعه في كل مكانٍ، كذلك فإن أحد الآشوريين من "تال" فعَل الشيء نفسه مع جانٍ، ومن ذلك الحين، كان يساعد زوجته في الأعمال المنزلية، بالإضافة إلى أن العديدَ من البشر، قد تزوجوا من الغوليات، ويؤكد التاريخُ بأن الأمير محمد أمير بوتان، المتوفي سنة 1750م، قد تزوج جنية، وكانت له منها عدة أولاد، وحصلتْ نفس المغامرة لصوفي يزيدي من سنجار، غير أنّ الأمورَ سارتْ نحو الشر، ففقد عقلَه إثر ذلك.. على كل، فقد إشتهر العديدُ من الشيوخِ بمقدرتهم في السيطرة على الجان، لأنها تلجأ إلى الشيوخ بغية الحصول على الحُجبِ والطلاسم.

إن الإعتقادَ بالأشباحِ والأطياف الليلية أمرٌ دارجٌ، حيث فقد الكثيرُ رأسَه بسبب ذلك، كما أن الرؤيا تؤثر بقوةٍ على التخيلات التي يعتقد بها الكثيرُ، كصلابة الحديد، ويرى فيها البعضُ النورَ الذي سينير له قدَرَه، كما يرى فيها متيّمون آخرون مثل الشيخ كامو اليزيدي دوافع الإنتحار، كما أن الكوجك اليزيديين إخصائيون في تفسير الأحلام، حيث يمنحهم ذلك هيمنة كبيرة جداً على جمهور البسطاء.
لا يمكننا إنكار وجود الحيوانات المقدسة، لذلك فإن العديدَ منها يتم تقديسها، كالديك الذي يعلن بزوغَ الفجر، ويحمل السعادة للأزواج الجدد، أو الطاووس لدى اليزيديين، والذي يمثل ملكَ الضياء، كما هناك الخوف من بعض الحيوانات كالأفعى الذي يرد ذكره كثيراً في الحكايات الكردية، ولحسن الحظ أن نرى ذلك لدى اليزيديين، حيث يحوي شيوخهم الثعابين، وحتى أنهم يبتلعون تلك الثعابين. فشيوخ عائلة الشيخ مَنَدْ كانوا مختصين في قدرتهم على الإمساك بالزواحف وترويضها، وآخرون من عائلة عمر مَنْدان بالقرب من كركوك تاق تاق، كانوا يعالجون لدغات الأفاعي. ويوجد في نظر الكرد حيوانٌ سريٌ آخر هو الحرباء، ويسمونه ثعبان السماء، لتأكيدهم بأنهم لم يروا هذا الحيوان يأكل أو يشرب أو ينام أو يقوم بأدنى فعل، كما يعتقدون بأن هذا الحيوان قد وُلد في السماء، وسقط منها ذات يوم جميل، والحقيقة لا تثبت إعتقادهم إلا نتيجة تغيير هذا الحيوان للونه.

وتوجد في كردستان بعض النباتات الغامضة لها ميزات خارقة، ويأتي في المقدمة نبات "اللفّاح" وهو من الفصيلة الباذنجانية، وهو معروف جداً في إستعماله لإثارة الشهوة، والوارد ذكره في الإنجيل: "أنه نبات يلمع في الليل"، ويبدو أن له أوراقا فضية بقدر ما نستطيع الإقتراب منه، حيث يدخل تحت الأرض مختبئاً بسبب المطاردة من الذي يبحث عنه، ويُقال بأنه يبقى ساكناً إن صبَّ فوقه بضع قطرات من بول المرأة، ويطبقون العديد من الخرافات لإبقاء النبات ساكناً، وتشبه أوراقه أوراق الكرمة إلى حد ما، وجذوره تمثل بشكل تام جسم رجل أو إمرأة، ولها لون اللحم، ويروي الكرد بأنه عند إقتلاع هذا النبات تصفّرُ جذورُه مثل الريح، ويموت من يقتلعها، لذلك ولتجنب هذا الخطر، يبدأون بحفر ما يحيط بأطراف النبتة، ثم يربطون جذورها بطرف حبل، والطرف الآخر من الحبل برقبة كلب أو عنزة، ويبتعدون قدر الإمكان، حيث يقذفون من بعيد بالأحجار على ذلك الحيوان، فيهرب، فيقتلع الجذر، ثم يموت الحيوان، كما يقول "كامبانيل".

كما يُروى أيضاً بأنه توجد في جبال العمادية عشبة غريبة جداً تؤدي إلى العمى في الحال للذي يشمّ رائحتها، وتوجد بجانبها عشبة أخرى هي الترياق، ويتم تفسير العديد من الظواهر الطبيعية من خلال معتقدات غريبة إلى حدٍ كبيرٍ، حيث لا يجهل أحدٌ في كردستان وكذلك البدو، بأن خسوفَ القمرِ يسببه حوتٌ ضخمٌ، أو تنينٌ يحاول إبتلاع الكواكب، فيقومون بأكبر ضجة ممكنة كي يجعلوا هذا الحيوان المشؤوم يهرب، حيث يتم إطلاق النار والطرْق على المراجل النحاسية الفارغة، أما الهزة الأرضية، فهي تحصل نظراً لتوضع الأرض على ظهر ثور أحمر، حيث يحرك الثورُ ذيلَه، أو يرفع أذنيه من وقت لآخر. ويقول آخرون بأنه تدور حول الثور ذبابةٌ، وعندما تقترب من عينيه، فانه يرفّ، فتهتز الأرضُ، وإذا ما حطّتِ الذبابةُ ذات يوم على ظهر الحيوان، فإنه يتحرك، وعندئذ يهلك العالم بأكمله، وأمر طبيعي أن يبعثَ اللهُ المطرَ بوساطة النبي سليمان، الرئيس الأعلى للحيوانات، حيث ينقل الأوامرَ إلى "هومائي" وهو طائر إسطوري شبيه بطائر الفينيق، الذي يجمع مباشرة كلَّ الطيور، ويأمرها بإلتقاط الماء من المحيط أو البحر، ثم الإرتفاع إلى الجو، وسقاية منطقة ما بمناقيرها، ولهذا كانتْ قطراتُ المطر مختلفةً: كبيرة وصغيرة، وذلك لأن الطيورَ ليس لها نفس الحجم. إن تأملَ السماء يذكرني بأن الكرد يملكون أفكاراً غريبة إزاء الأجسام السماوية، وكل مظاهر الطبيعة، حيث أنهم يعتبرون القمرَ والشمسَ كأخ وأخت، ويطارد أحدهما الآخر منذ الأزل، وأن القمر هو أخ الشمس وعاشقها، وينتج كسوف الشمس بسبب الأخت المتغنجة هذه التي تخفي وجهها عن شقيقها العزيز، كي يثبتَ لها التصميم الأكيد لرؤيتها، ويعتقد الكرد بأن لكل إنسان نجمه الذي يلتمع في السماء، وأنه يموت معه، ويرون في الكسوف والخسوف والمذنّبات على أنها نذير شر، وتعتقد النساءُ خاصة بالكشف عن الفال، فيسألن بثقة تامة الغجرَ الرحّلَ الذين يعالجون ذلك بالقراءة، وبطرافة، بالإضافة لعظم كتف خاروف وتراب وتصرفات خرافية أخرى، ولكن من بين المعتقدات الباطلة، يبدو أن الإعتقادَ بالعين الشريرة هو الأكثر تأصلاً، ومثل كل الشرقيات، فإن النساء الكرديات يخشين من العين الشريرة، وبعكس الإعتقاد المنتشر في الشرق بشكل عام، فإنهن لا يعتبرن العيونَ الزرقاءَ شريرة، وذلك حسب مثلهم القائل "من كانتْ عيونُه صفراء، فان عيونه شريرة" وأكثر الناس الذين يخشون من التأثير السيء هم بالتأكيد النساء في حالة الولادة، والأطفال، لهذا يجب عدم العمل والغزل قرب فراش المرأة في حالة النفاس، ومن جانب آخر، لايجوز للمرأة التي وُلدتْ منذ أقل من أربعين يوماً بزيارة إمرأة أخرى قد وُلدتْ في نفس الفترة، لأنَّ الزيارةَ تُعتبر مجلبةً للشر، وإن حصل لقاءٌ بين إمرأتين قد ولدتا منذ أقل من أربعين يوماً في الطريق، فيجب عليهما التبادل بالإِبر والرضيع، ثم العودة سوية دون أن تتقدمَ إحداهما على الأخرى.


الحُجب والطلاسم

للوقاية من العيون الشريرة والإحتماء من الأذية أو العكس لجذب أفعال القدر المفيدة للمرء، والتمتع بحظ جيد، فإنه من الضروري اللجوء إلى قوى الطبيعة المجهولة، أو الأرواح، وذلك بفضل الحجب التي يتصورون بأنها تثبت فعاليتها.

إن العديدَ من هذه التعاويذ تكون من الجواهر التي يصنعها حرفيو السوق، وتكون مزودةً بعِقْدٍ، وتتعلق فعالياتُها في الحماية أما بلونها الأزرق، أو بشكلها (الصَدَفَة) أو صوتها الجرسي، أو مادتها من العقيق الأحمر أو حجر يمان، أو من جذع الشجرة، وتوجد بعض الحجب في كُييس مخيّط، يصنعها السّياد الجوالون مقابل مبلغ من المال، حيث أن هؤلاء السيّاد لايستوحون أية ثقة خارج هذا النشاط. وتتكون هذه الحُجب من قطع الورق يؤشر عليها بخطوط من الحبر الأحمر على شكل مربعات صغيرة، حيث يكتب فيها (الساحر) بعضَ الأرقام والكلمات، ويمكن رؤية بعض الرسوم كالسيف مثلاً، أو نقاط حمراء على ظهر الورقة أيضاً، وتُطوى هذه الأوراق على شكل مثلث، وغالباً ما تُوضع بداخلها إبرة مقسّمة إلى قسمين، ثم يُوضع الكلُّ في كييس صغير، وإذا ما أضيف إليه شعر الزوج أو الزوجة، فان ذلك لإستهواء الحبيب. كما تحمي الكثيرُ من الحجب أو التعاويذ GULBEND المرءَ من طلقةِ الرصاص، ولاحاجة للقول بوجود العديد من الشيوخ المختصين في صناعة الطلاسم بالطريقة التي يرغبونها.

من جانب آخر، يُستخدم كل شيء في صناعة الحُجب، حيث يكفي أن لا تكونَ هذه المادة من المواد ذات الإستعمالات الدارجة، حيث تُستخدم أنياب الذئاب، جذر اللفّاح، قطع الخشب أو الأحجار، أو اللؤلؤ، لاسيما الأصداف. ويُغطى العديد من الأطفال بالحُجب تماماً: على القبعة، على اللباس، وعلى الكتف حول الساعد، وبالطبع النساء وحتى الرجال لا يُحرمون منها كلياً، وخاصة في القرى ولدى كل الأوساط، أما أهالي المدن والقرى المتعلمون، فانهم يرفضون هذه الممارسات الباطلة.


الطقوسُ السحريةُ

إن المرءَ لا يكفيه فقط حمل الحجاب دوماً، بل يجب أحياناً القيام ببعض الحركات التي غالباً ماتكون غريبة، بغية الحصول على الوسائل التي لا يمكنه الحصول عليها بقِواه الطبيعية، وهذا يعني القيام بممارسات سحرية خالصة وخرافية، وللمثال: تعتقد المرأةُ بأنها قادرةٌ على السيطرة على زوجها وقيادته مثل الحمار حسب إرادتها، إذا نجحتْ في أنْ تجعلَه يأكل من مخِّ الحمار الذي تدخله في طعامه دون علم منه، غير أن عادةَ البدو هذه نادرة جداً عند الكرد.

وهناك ظاهرة عجيبة نوعاً ما عند الكرد، وهي "الدائرة السحرية" حيث من المعروف في إعتقاد الكثير أنَّ الدائرةَ تبدو، وأنها تحوز على فضيلةٍ سحريةٍ، وأن رمزيتَها في الوقاية والإنفتاح على العالم الآخر معروفة عبر كل الأزمان، وفي كل الأماكن، وكذلك الأمر في كردستان، ولهذا فان الكرديَّ عندما ينام في مكان معزول ومجهول، فانه يرسم حوله دائرةً درءاً من الأرواح الشريرة، ولو نُشر القطرانُ حولها، فان الشيطان يمكن أن يلتصقَ به، فيُمسك؛ ويرسم العديد من الشيوخ في فترة التزهد أيضاً حولهم هذه الدوائر "مَنْدارْ" حيث يرسمون ذلك بدم خاروف قد قدّموه قرباناً، وذلك كي لا يأتيَ الشيطانُ أو الجانُ ليقلقَهم، وهناك شيوخ سَحَرة نوعاً ما يدخلون أيضاً في الدائرة، ليستسلموا لسحرهم.

ويعتقد اليزيديون أيضاً بالدور السحري لهذه الدائرة، ولو قام أحدٌ ما من باب الدُعابة، ورسم دائرةً حول اليزيدي، فان هذا التعيس سينتظر نفساً كريمة، ليحطّمَ هذه الدائرة المشؤومة، ولن يستطيعَ الخروج منها، حتى لو لعنوا الشيطان أمامه. ومن جانبهم فان "الكورانيين" يؤدّون اليمين وذلك برسم دائرة، ووضعِ ثلاثة أحجار فيها، بالإضافة إلى خنجرٍ وقطعة خشب، حيث ترمز هذه الأشياء إلى معبد داوود، أو ترمز إلى سيف علي "ذو الفقار" أو أشجار "بابا يادكار". وأخيراً يستسلم الكرد لهذه الطقوس الدينية لطلب المطر، أو بالعكس لإيقافه، حيث أنهم في حالة الجفاف لا يكتفون بتلاوة الصلوات المعتادة، بل توجد هناك صلوات أخرى، هي "صلوات المطر" كما يروي لنا "توفيق وهبي" حيث تكون هذه الصلوات خارج المدن والقرى، لأنه توجد هناك تكية دراويش، وهم المعظّمون الذين يسوّدون وجههم، ويذهبون إلى قبرِ أحد الأولياء/PIR اليزيديين الشهيرين في المنطقة، وبعد تلاوة صلاة المطر، يستسلمون للذكر، وتسعى النساء في مواجهة الجفاف حيث يذهبن إلى النبع، ويتبللن بالتبادل، أو يتعلقن بالمحراث ويجرونه حتى النهر، حيث يرششن الماءَ، كما أنهن يلبسن أجمل ملابسهنّ، للذهاب جماعاتٍ إلى الريف، للإقامة تحت شجرة مقدسة وجليلة. كما تجلب النساءُ الأدوات المطبخية الضرورية وحاجياتهن، ويرقصن حول الموقد بإنتظار أن تستويَ الطبخةُ، وبعد الوجبة، يبدأن برش الماء فوق أجمل فستان ترتديه إحدى الحاضرات، وينتظرن المطرَ، فإنْ لم يهطلْ قبل ساعة العودة، يقمن برشق الماء على ملابسهن بالتبادل، حيث يصلن إلى منازلهن، وهنّ مبتلات بالماء تماماً. وفي كركوك تجتمع النسوةُ على الطريق تحت المزاريب، وبعد أن يوزعنَ الوجبةَ على الفقراء، فإنهم يبللنهنّ بماء المزاريب، وفي الريف يغطسون رجلاً تقياً في بركة ماء، كما أنهم يكتفون في بعض المناطق الأخرى بغطس حجر من قبرِ شيخٍ يزيدي/ بير في الماء، ويظل فيه حتى هطول المطر، والأطفال من جانبهم يلهون بقلبٍ فرحٍ، وذلك بأن يصنعوا من قطعتين من الخشب لعبة على شكل صليب لاتيني، ويلبسون "بوكاباراني/عروس المطر" الملابس والعمامة، ويحملها ولدان، كل منهما بإحدى يديه برفقة زملائهم، حيث يذهبون من بيت إلى آخر، وهم يغنون:

"ياإلهي، ليهطلِ المطر،

لأجل الفقير والمريض.

إلهي، ليهطل المطر

....

ياعروس المطر،

اسكبي الماءَ على المزروعات"

عندئذ يغطس الأولاد تلك اللعبة في بركة كل بيت، فترشّ ربةُ البيتِ سطلاً من الماء على اللعبة، ثم تُوزع الحلوى على الأولاد. وعلى العكس من ذلك، وبغية إيقاف المطر عندما يكون هناك خوف من ضرر على المحاصيل، يطوف الأولادُ بلعبةٍ مشابهةٍ، وهم يغنون KUDU KUDU وتُوزع الحلوى عليهم أيضاً، وهناك سلوكٌ آخرُ أعقد بقليل، يكمن في تناول حبل، وجعله سبع أو ثماني عقد، وتسميتها بقدر ما يمكن من أسماء الصلعان، ورميها في النار، قائلين: "لقد ألقيتُ النارَ على الصلعان، كي ترمي الشمسُ علي بالنار" ومن جانب آخر، يوجد أربعون إسماً للصلعان حيث تعقد على الحبل، وتعلق على المزراب باتجاه مكة، لكن يمكن تسهيل هذا، وذلك بكتابة أسماء الصلعان الأربعين على ورقةٍ فقط، وتعليقها بشجرة.


مخلّفات العبادة الوثنية

إن كل هذه المعتقدات الخرافية، والتقاليد السحرية، ليستْ خاصةً بالكرد وحدهم، إنما توجد عند الشعوب المجاورة في الأناضول والقوقاز، لكنْ مازالتْ عند الكرد بعض الممارسات التي يعتبرها الكثيرُ بأنها من مخلّفات العبادة الوثنية المحفوظة رغم مرور القرون، وبحجة أنَّ دينَ الكرد القدماء كان الزرادشتية، فإن بعض المستشرقين، وبعض الكرد أنفسهم يميلون إلى قبول بقاء "عبادة الشمس والنار" لدى الكرد بشكل عام، واليزيديين منهم بشكل خاص؛ لكن، لايمكن إستنتاج حقيقة إستدارة الشمسيين واليزيديين نحو شروق الشمس، أو غروبها للصلاة، حيث يصلي العديدُ من المسيحيين متوجهين نحو الشرق، أما بالنسبة لعبادة النار، فيمكننا إستخلاص ملاحظات عدة، فمن المؤكد أن الموقدَ يعتبر مقدساً لدى الكرد، وإستمرار النار يدل على إستمرارية العائلة، ويحتوي رمادُ العديد من مواقد (السحرة) و"أهل الحق" في كردستان على قوة سحرية/ دينية، كما يعتقد بذلك بعض الأوساط، ذلك مايرويه لنا "محمد مُكري"، ويوجد نفس هذا الإثبات لدى "شانتر" التي نقلتِ العديدَ من التفاصيل، فقد كتبتْ: " إن الكرد يجاهرون بالإحترام المطلق للموقدِ الأبوي، وموقد شيوخهم؛ والموقد مقدس، وهو يتكون من بضعة أحجار، حيث ينظرون إلى النار التي تشتعل فيه على أنها عنصرٍ صافٍ، ومادة نقية، ويؤدي البصق على النار إلى إهانة دامية، لأن الكرد يقسمون بمواقدهم، كما أنهم يطوفون بالوليد الجديد حوله، وتدور الفتاة التي تتزوج، حول موقد أبيها قبل مغادرتها إلى موقد زوجها.. ولكنْ هل تُزّوج الأمُ ولدَها؟ فهي التي بنفسها تحضّر موقد الزوجين الجديدين، وذلك بأخْذِ نارٍ من المسكن الأبوي، لكن لا يجوز تبادل النار بين الجِوار، حيث يُعتبر ذلك من الشؤم، ويحافظون على إشعال الموقد ليل نهار خلال مدة الربيع حتى تتوالد النعاج".

ولا يجوز مطلقاً أخذ النار من تحت القِدْر الذي يسخن فيه الحليب، ولا إجتياز القطيع بوساطة ضوء أو نار، كما أن تقدير النار والضوء نفسه موجود لدى اليزيديين والقزلباش، وأن هذين الأخيرين لايريدون أن يكونَ لهم أي شيء مشترك مع "عبدة النار" ولكن لا نجد في كل هذه الممارسات أي أثر للعبادة بمعنى الكلمة.

كما لاتوجد أية صلاة أو دعاء بسيط ولا أقل إشارة لقربان. وفي أثناء الحرب العالمية الأولى، أقرّ ضابط قوقازي بالتعرف على آثارٍ لعبدة النار في مخيم كردي على الحدود الإيرانية التركية، حيث وجد في إحدى الخيام مَنْصَباً ذات ثلاث قوائم يحمل قِدْراً بالإضافة إلى سلسلة صدئة، وقد عُلق أحد أطرافها بقرون وعل، ويمتد الآخر تحت المنصب، ووضعت حول هذا الموقد أحجار تحمل رسوماتٍ وإشاراتٍ وحروفاً.. لكن لا أحد يسكن تحت هذه الخيمة، فهو مكان جماعي مصان، يأتونه فقط أيام الإحتفال، عندما يضحي فيه قدماء العشيرة بالحيوانات على هذه الأحجار(نقلاً عن نيكيتين) ولكن هل يمكننا الإستنتاج بأننا أمام معبد؟ وهل القرون النصف كلسية للخاروف الممددة بين أحجار الموقد هي بقايا قربان، أو بقايا وجبة للرعيان/الكهنة؟ إن العناصر المادية ضامرة حتى لو كانت أحجار الموقد تحمل نقوشاً، كما لا توجد في هذه المناطق الكثير من الإنهيارات القديمة لإستخدامهم الأحجارَ، ولكن لانعرف لأي سبب، حيث أنا شخصياً بقيتُ متحيراً، ولكن على ماذا يعتمد المفسّر الأرمني ليؤكّدَ بأن ذلك يعني معبداً؟ إنه غير متأكد من ذلك تماماً، ما لم يكن العمال أنفسهم يشرحون لنا ما كان في نيتهم إتمامه. غير أن عبادة قِوى الطبيعة تبدو أكثر تأكيداً، فكما هو معروف بأن القدامى في كل أنحاء العالم تقريباً يتصورون بأن الجان الخيّرة أو الشريرة تسكن في العديد من الأشجار والينابيع، ولم تختفِ هذه المعتقدات كلياً، بل ماتزال موجودة في كردستان حتى الآن، حيث يُنظر إلى العديد من الأشجار والينابيع على أنها مقدسة. ولكن مهما يكن بإستطاعة "دريفر" أو غيره أن يكتبوا بأن العبادة ـ إن كانت توجد عبادة ـ يكون التوجه إلى الشجرة نفسها أقل من التوجه إلى الجني الذي يسكن في هذه الشجرة، وتوجد الأشجار المقدسة عادة بالقرب من ضريح إنسانٌ مقدس مثل شيخ/بير، ولهذه الأشجار أسماءٌ، فمثلاً عند اليزيديين "ست نفيسة: اسمٌ لشجرة تين في قرية "بعشيقة" كما يقدسون في كربلاء شجرة توت، ولا يمر أحدٌ بالقرب من شجرة مقدسة، إلا ويربط عليها قماشاً، وذلك كدليل لنذر، أو يقدم نذراً للصحة، فقد لاحظتْ "مدام هانسن" بشكل واضح بأن هذه الأقمشة المربوطة على الشجرة هي ظاهرة مختلفة عن تلك الأقمشة التي تعلق بعيدانٍ عالية بالقرب من ضريح أحد الأولياء، حيث أن الأولى هي عبادات يمكن أن تكونَ وثنية، بينما الأخرى ليست كذلك. ومن الوارد أن يكونَ هناك "نبعٌ مقدسٌ" أيضاً ملاصق لمعبد أو مزار، وتتم زيارته بهدف الشفاء من أحد الأمراض، حيث لدى اليزيديين دوماً في "شيخان" نبع "كاني زركي/ النبع الأصفر" الذي يشفي من مرض الصفار كما يدل إسمه على ذلك، ولكنني لن أتكلمَ عن نبع زمزم في ضريح الشيخ "آدي" الذي يأتي مباشرة من مكة، حيث يعمدون فيه الأولاد، كما تحوي العديد من هذه الينابيع أسماكاً مقدسةً، حيث يمنع إصطيادها. كذلك توجد في "بهزاني" في شيخان بالقرب من مزار الشيخ "بَكّو"، وتوجد في نبع الشيخ عبدالقادر في "توروند" في جبل سمعان. إن المغارات العميقة والصخور التي على شكل "منهير" أو "دُلمن" ، وينابيع صافية ملآى بالأسماك، وأيائك لمقابر قديمة، وأشجار مقدسة التي لايُسمح حتى بقطع أغصانها الميتة، وكل هذه الأماكن يسكنها الجان النباتيون والمائيون كثيرة في كل مناطق كردستان، وكلها تلقى نفس التقدير، وكما كانت عليه سابقاً في العصور القديمة جداً للوثنية، وان عبادة الأولياء التي ربما كانت قد حلّتْ محل عبادة قوى الطبيعة هذه، فانها لم يكن بمقدورها الإستئصال من قلب الطبقات الشعبية، بالرغم من تحريم الإسلام الصارم المستقيم لها.


CANNAISSONCE DES KURDSعن كتابه:
حل القضية الكردية يفرضه التاريخ والواقع، ويفرضه المبدأ الانساني، ولايوجد للقضية الكردية اكثر من حل واحد في الاطار المذكور، وهو ان تمكن، المجموعة الكردية من ارضها، وان تساعدها على بناء دولتها المستقلة. طبعا ليس هذا الامر بسهل ولابهين، فالعراق مثلا سيخسر موقعا استراتيجيا وجزءا من ثرواته الطبيعية التي هي في الاصل ليست من ثرواته. ولكن نحن امام خيارين: اما الدفاع عن المبدأ الانساني، عن الحرية وعن حق الشعوب في حق تقرير مصيرها، او مصادرة حقوق الاخرين. واذا ما اخترنا الحل الثاني، فلابد من ان نفكر في مصادرة اسرائيل للارض الفلسطينية ومصادرة تركيا للواء اسكندرون ومصادرة ايران لعربستان والجزر الاماراتية.


الترجمة عن الفرنسية: بافي آرام (دورية سردم )
الدكتور تهامي العبدولي
كاتب وباحث عربي من تونس، استاذ الحضارة في كلية الاداب والعلوم الانسانية بجامعة سوسة (تونس)