المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قاسم عطو اوصمان:الفرمان الثاني والعشرون على جبل شنكال سنة 1837م



bahzani4
06-15-2012, 12:25
الفرمان الثاني والعشرون على جبل شنكال سنة 1837م*

حدث هذا الفرمان الخطير بحق أيزدية جبل شنكال في عهد السلطان العثماني عبد الحميد الأول وذلك في سنة 1837م، وسبب هذا الفرمان كان عندما اجتمعت العشائر الأيزدية في قرية بكران القديمة** وتلك العشائر المجتمعة تألفت من (بيت الخالد=مالا خالتى، المهركان، البكران) والغرض من ذلك الاجتماع العشائري هو الانتقام من الدولة العثمانية عندما قام (مير كوره= الأمير الأعور) والمعروف بـ محمد باشا راوندوزي في سنة عام 1831م بقتل ثلاثة أرباع الأيزدية في منطقة الشيخان وتدنيس المقدسات الأيزدية من قبل الأغوات الذين كانوا تحت أمرة الحكومة العثمانية آنذاك.

اغتنمت العشائر المجتمعة فرصة تواجد قافلة عسكرية للقوات العثمانية والتي كانت تنقل رواتب الجنود والضباط مع الملابس العسكرية في قضاء شنكال والموصل أثناء الاحتلال العثماني، وكانت تلك القافلة تنزل حمولتها سنوياً في منطقة واقعة بشمال جبل شنكال وتسمى حالياً بمجمع بورك التابع لناحية سنوني، وتبيت ليلة واحدة حيث تمت مراقبتها ليلاً نهاراً وعند وصول القافلة الى منطقة بورك وحمولتها كانت 20 بغلاً وبرفقة عسكريين وعددهم 31 من الجندرمة العثمانية وكانوا بإمرة ضابط واحد.

في يوم 16 نيسان من عام 1836م، نزلت تلك القافلة عصراً في بورك، وحضر شيوخ العشائر واستعدوا مع بنادقهم عصراً وقبل غروب الشمس الى منطقة البكران، وهيئوا أنفسهم للهجوم على القافلة العثمانية انتقاماً وكما أسلفنا ما جرى لأيزدية الشيخان(ولاية الشيخان) واستشهاد أميرهم علي بك وثأرا للمقدسات التي دُنست في لالش النوراني.

عند حلول الليل هاجم أكثر من 70 رجلاً على القافلة وأطلقوا النار على حمايتها من جميع الجهات، وبعد مناوشات قتالية خفيفة قتلوا من الحماية 4 أشخاص، أما البقية فقد استسلموا بعدما نادى عليهم المقاتلون الأيزديين بضرورة الاستسلام وأما سيهاجمون عليهم ويلقون مصير رفاقهم الأربعة. وبهذا سلم الجندرمة مع آمرهم أنفسهم بعد أن نالوا عهد الأمان من القوات المهاجمة عليهم.

وبعد السيطرة على القافلة العثمانية في أحد الوديان هناك بمنطقة بورك وقرب الجسر الصغير(المعبر للقوافل العثمانية)، توجه الجميع مع الأسرى السبعة والعشرون الى قرية البكران، وبعد الحديث مع الأسرى تم سجنهم في غرفة واحدة، لكن ما فاجئ الجميع هو أنهم لم يجدوا غير الملابس العسكرية عند تفتيش الحمولة. وبعد المشاورة فيما بين أبناء تلك العشائر تم تكليف أحدهم بالذهاب الى غرفة الأسرى والضغط عليهم وتهديدهم ببندقيته التي صوبها على رؤوسهم مستفسراً منهم أن الحمولة لا بد وأن تحمل غير الملابس وطلب منهم الكشف عنها وأما يلاقون مصير الموت حتى نطق الضابط المكلف بمسؤولية تلك القافلة وقال: لو كشفنا لكم الرواتب مقابل عدم قتلنا والأمان وإطلاق سراحنا، هل ستفعلونها وتفون بالوعد؟

فتمت إجابته ووعدوه بأنه سيتم مرافقتهم الى حيث حدود جبال شنكال الشمالية وسوف ترون قلعة(مدينة ماردين) فتذهبون الى حيث الطريق المؤدي الى ماردين.

بعد ذلك.. قام الضابط العثماني مع ممثل تلك العشائر وأشار الى البغلة البيضاء والتي تبين أنها شرسة جداً حيث محفوظٌ في غطاء*** تلك البغلة(رواتب الجيش العثماني لسنة كاملة والتي تقدَّر بـ 3000 ليرة ذهبية)، ففكت الحبال من أيدي الأسرى بعد أن تمت السيطرة على تلك الليرات الذهبية وتقسيمها بين أبناء العشائر الثلاث مع الملابس العسكرية و 27 بندقية من البنادق النادرة آنذاك.

حوالي الساعة الخامسة صباحاً، أعطي الجنود الأسرى ثلاث بغال ورافقهم عشرة مقاتلين من أبناء العشائر حتى وصلوا حدود جبل شنكال شمالاً، وقبل شروق الشمس تم توجيههم نحو السبيل الى مدينة ماردين التركية مع الإشارة الى تنبيههم برؤية القلعة لتكون دليلاً لهم، فاتجهوا نحو ماردين وعادت العشائر الى قُراهم.

رغم حالة البؤس والفقر في مناطق شنكال وتفشي وانتشار الأمراض بين أفرادها فقد كانت هذه الحادثة رسالة قوية الى مدينة اسطنبول حيث سلطة الباب العالي للسلطان العثماني وزرعوا الهيبة في قلوب القادة العثمانيين مؤكدين أنهم مقاومون أشداء ضد انتهاكات القوات العثمانية وغطرستها بحق الأيزديين ومناطقهم وتدنيسهم لمقدسات الأيزدية، وأنهم مشاريع للتضحية حتى آخر مقاتل أيزدي في جبل شنكال.. هكذا كان حديث القادة العثمانيين في مدينة اسطنبول.

وبهذا الأمر وبعد وصول أفراد القافلة الى مدينة ماردين التركية، قدموا طلباً ضد الأيزديين في جبل شنكال الى باشا ماردين مع شرح الحادث وكيف أن 4 أفراد من حماية القافلة قد قتلوا بعد مهاجمة الأيزديين عليهم، فكان هذا الطلب نذيراً بالانتقام وإعطاء درس للتمرّد الأيزدي في شنكال حسب مفهوم المسؤولين العثمانيين وقتها.

جن جنون فاتح الباب العالي باستنبول(اسطنبول) السلطان عبدالمجيد الأول ازاء الأمر، واجتمعت باشوات القادة العثمانيين حسب طلب السلطان العثماني عبدالمجيد الأول، فاتخذ السلطان مع الباشوات السبعة المجتمعين معه قراراً بإبادة أيزدية جبل شنكال ووقع الاختيار على حافظ باشا للقيام بالمهمة وأن يكون قائداً للحملة العسكرية العثمانية على جبل شنكال، فقاموا بتجهيز القوات بالأسلحة والذخائر واتجهت نحو شنكال حتى وصلوا الى نهر سولاخ ووضعوا الخيمة الحمراء (خيمة حافظ باشا) على كرى رش-التل الأسود- شرق نهر سولاخ على بعد 300م. وبالتشاور مع الباشوات السبعة أمر حافظ باشا بتوزيع قواته من أربع جهات والصعود الى جبل شنكال، والغاية من هذا الأمر هو تدمير وحرق الأخضر واليابس وقتل كل أيزدي في جبل شنكال حتى إبادتهم.

اندلع القتال بين الطرفين، ولم يشفع للنساء والأطفال الظروف الصحية الخطرة والتي كان يمر بها أهالي شنكال بسبب مرض الطاعون المتفشي حتى أن الذين نجوا من المرض لم ينجو من قتل العثمانيين لهم، ولم تشفع لهم الفرمانات السابقة والتي نالت منهم ومن قراهم ومناطقهم فكانت الهجمة شديدة على الشنكاليين.

التجأ ممَّن بقي من الأيزديين أحياء الى الكهوف في الجبل، فحاصرهم الجنود وضربوهم بالقنابل الخانقة وهم داخل الكهوف، فاستشهدت أعداد كبيرة منهم خنقاً بالدخان. وبهذا سيطر حافظ باشا على الجهة الغربية من جبل شنكال ثم ¾ من الجبل ولم يبقى إلا ربعٌ واحد من الجهة الشرقية.

عند تلك الحالة اجتمع المقاتلين الأيزديين في سلسلة جبل شنكال الشرقية وعند منطقة البكران، فتعهد الجميع بالاستشهاد في سبيل دينهم وشرفهم واقسموا باسم الله، فوثقوا وربطوا أرجلهم بالحبال حتى لا يهربوا عند اشتداد الواقعة عليهم وكان عددهم حوالي 150 مقاتلاً، وقاوموا مقاومة شديدة بعد أن هوجموا من قبل القوات العثمانية فقتلوا 70 فرداً من القوات المعادية وكانوا مسيطرين على المعركة بسبب أنهم كانوا وراء ساتر بعرض 2م، وذلك الساتر كان من بناء سابق شيده الكلدانيون منذ وقت بعيد.

بعد أربع محاولات أخرى قامت بها قوات حافظ باشا للهجوم على المقاتلين الأيزديين وصل عدد قتلاهم الى أكثر من 350 قتيل من الجيش العثماني، فيما كان عدد الشهداء من الأيزديين وراء الساتر 6 فقط. ولم تستطع القوات المهاجمة السيطرة على المعركة وحتى المدافع لم تكن تفيدها ولم تخترق الساتر الكلداني.

أثناء الليل.. كان هناك 25 فدائي من المقاتلين الأيزديين يلبسون ملابس الجيش العثماني والتي كانت بحوزتهم، فيذهبون الى خيَّم القوات العثمانية ويقومون بقتل الجنود بواسطة السيوف ويجلبون معهم أرزاق الجيش والبنادق والعتاد وزمزميات الماء.

تحيَّر حافظ باشا من الأمر حيرة كبيرة من عمل هؤلاء المتبقين من أيزدية شنكال والذين يتواجدون خلف الساتر، فطلب من باشوات قواته عقد اجتماع طارئ، وبعد التشاور فيما بينهم.. اقترح أحدهم الكف والتوقف عن القتال لأن خسائرهم أصبحت كبيرة وتقدّر بـ 450 من القتلى والجرحى مع التأكيد على أن العدد قابل للزيادة. وكان بذمة حافظ باشا وقواته 180 أسير أيزدي، فنصحوه المتشاورون معه واقترحوا عليه بالكف عن القتال وجلب الأسرى وإرسالهم من اجل تسليمهم الى الباب العالي في استنبول، والقول لهم هناك في أن شنكال انتهت من الأيزديين.

وفعلاً.. وافق حافظ باشا على مقترحهم وسحب الجيش من جبل شنكال، و في منطقتهم بجزيرة بوتان، تم إعفاء جميع الأسرى مع انتهاء فرمان حافظ باشا الخطير على جبل شنكال.

______________

*حملة حافظ باشا على مناطق سنجار.. شنكال= الاسم الكوردي لمدينة سنجار، وتقع هذه المدينة غرب محافظة الموصل.

**تعرف الآن بمنطقة التصنيع العسكري في جهة الشمال من الجبل والتابعة لناحية سنوني.

***غطاء ظهر البغل: يسميه الشنكاليين باللهجة الكورمانجية (كورتان).

المصادر:

1- تاريخ الايزيدية وأصل معتقداتهم/ عباس العزاوي.

2- الايزيديون في حاضرهم وماضيهم/ عبدالرزاق الحسني.

3- الحملات المدمرة/ أبو داسن في مجلة لالش بعددها (12).

4- حملات الإبادة/ عبدالفتاح بوتاني في مجلة لالش العدد(12).

5- قصص الفرمانات الموثوقة في جبل شنكال/ ججون درباس عفدو من مواليد 1822م.

6- قصص الفرمانات الموثوقة في جبل شنكال/ آدو سيدو من مواليد 1897م.

قاسم عطو اوصمان

باحث في تاريخ جبل شنكال

ملاحظة: الموضوع خاص بمجلة محفل والتي تصدر في دهوك ونشر بعددها السابع للموسم الربيعي من سنة 2012