المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : د. فاروق أوهان : سنجار قمر الجبل



bahzani.4
12-21-2012, 19:00
سنجار قمر الجبل


http://www.ezidi-islah.net/images/img_article/customLogo1.jpg


الصورة هي للاله زوو

د. فاروق أوهان
توطئة
كثيرة هي أسماء المدن والأمكان التي حار، ويحار الناس في تفسيرها، وربط تشكيل اسمها، وتركيبه بين المعنى، والموقع، واللغة السائدة، فلقد قيل الكثير عن اسم مدينة سنجار، وقد حورها العديدون، ونسبوا إنشاءها، ووضع أسسها، فقد عزي مرة للرومان بتأسيسها، ومرة ثانية للإسكندر، وقيل أن اسمها سينقارة، ولكن من يعود إلى الديانات القديمة، التي كانت في وادي الرافدين يرى إلى تفاسير عديدة، ومنها أن الاسم مقسم إلى مقطعين كعادة أهلنا لما يمزجون الرمز بالمكان، فموقع سنجار يقع في الجبل، والمدينة مكشوفة على بادية لا يغيب عنها القمر، وبما أن اسم الجبل في اللغات القديمة هو: كور، ولربما كار، وبمرور الأزمان، وانقلاب الحرف كاف إلى الجيم حسب اللهجات، تصبح جار، وعلى هذا الجبل، أو بالأحرى البادية، فإن ناس ذلك الوقت كانوا يبجلون القمر، وهو سن الاسم البلديل لأدد، فإن سن هو القمر، وكار، أو كور بعد تعديل جار هو الجبل: تكون سنجار هي: جبل القمر، ولو قدمنا الأول على الأخير تكون قمر الجبل، ولربما يكون الجبل المضيء، أو المنير مثل نابو نينورتا، أو لكنه عالي يكشف الأفق البعيد على اتساعه، يدعو للتأمل والوحدانية مثلما تفعل الصحراء، وينشئ كرهما عقل صاف، ومنير، وفكر راقي، وفن مبدع.
ولعل هذا يتوافق مع بعض المقولات التي تتوارد بين الحين والحين حول نسب جماعة، أو قومية ومنها ما يقودنا الآن لأقوام التي عاشت وما تزال هناك، ولم تتغير في مذهبها، ولا عاداتها، بل ولتسمياتها، وهم الأقوام اليزيدية المتأصلين هناك، والذين ظل الآخرون يفسرون معتقداتهم، وتقاليدهم على النحو الذي تحمله أفكارهم ككتاب، ولكن أهم من كتب، ويكتب هم الزيديون أنفسهم الآن، ولربما منذ عقدين أو ثلاثة من الزمن، ومنهم د. خلف الجردا في كتابه اليزيدية واليزيديون من إصدار دار الحوار لعام 1995، ومن المؤلفات والدراسات العديدة ما اختصت به جامعة يرفان في أرمينيا التي اهتمت بهذه الأقوام قبل غيرها، وهناك أطروحة دكتوراه لقنصل أرمينيا في أبوظبي بين عام89- 2000، ولعل اهتمام الأرمن بالقومية اليزيدية أعمق بكثير من هذا إذ دعت أرمينيا السوفيتية في زيارة وفد لها إلى سنجار الأرمن في أربعينات القرن الماضي، للعودة، واليزيديين لكي يرحلو إلى هناك، وقد لبت إحدى القرى اليزيدية بكامل عددها الهجرة، ولما سكنوا في المستوطنة المعدة لهم، سألهم الأرمن ماذا يريدون اسماً لقريتكم، فأجمعوا على اسم القرية الأصلية التي هاجروا منها في العراق؛؛؛ وعلى الرغم من أن جبل سنجار كان من الأهمية لحماية هذه القومية من الغزو، والترحيل، وتمازجها مع أقوام أخرى، فجبل سنجار كان غيتو طبيعي حماهم، كما حمى حمو شرو الأرمن بفرمانه الشهير إبان السفربينللك في مذابح أهالينا الأرمن؛؛؛ لكنه كان هناك سبب ما لهجرة تلك القرية، إذ ربما كان موقع القرية على السفوح أو في "الدشت" تطالها هجمات عساكر السلطات؛؛؛ أما جبل سنجار سيبقى صامداً مضيئاً سواء كتب عنه، وعن أقوامه موضوعياً، أو ابتدعت عنه روايات تقترب من الخرافات، فليس كما يخالج البعض في تعليلات واجتهادت ذكرها بعض الكتاب أعلاه ممن كتبوا في أي شيء؛؛؛ ولا كما كتب أحد الكتاب الكورد كتاب يسوًغ رجوع اكراد إلى السومريين، بلوي عنق الحقائق المرقونة على الرمقيمات الطينية، ويخلط بين السومري، وألكدي، والبالبلي، وهنا يحق له أن يعزو ذلك لقومه لو اعترف بأن الأقوام الكوردية بالأصل كانت تنتهج العقيدة المزدكية، وكان الشعب الكرودي يزيدياً قبل تحوله لمعتقده الحالي؛؛؛
وأعود لآخر كتاب وهو "القومية الإيزيدية" من تأليف الأستاذ أمين فرحان جيجو، فقد طالعنا المؤلف حول شخصية طاؤوسملك، وانحدارها التاريخي واليثولوجي بقوله: وهناك دﻻئل عديدة تؤكد تطابق شخصية اﻹله نابو البابلي وطاوسملك اﻷيزيدي، تعني كلمة نابو في اللغة الأكدية "الﻼمع" أما أصل هذا اﻹله فهو غير معروف، وكل ما يعرف عنه ارتباطه بمدينة بورسيبا (برس نمرود ) وفيها معبده الرئيس المسمى " E.Zida ".... إلخ (1، ولنا متابعة لكتابه القيم لاحقاً).
وبما أن المؤلف .... حتى الآن من هو نابو، وماذا تعنيه، فأنني سوف أعلق هنا على موضوعتين هامتين كتبت فيهما هذه السنة حين نشرت موضوع فعل التناقل في الذاكرة الجمعية الشعبية، هي مقطف من دراسة تحليلية لسيرة سيف بن ذي يزن وانتقال أساطير سومرية عبر ألاف السنين إليها. وهي: شخصية نابو التي لم يعرف الكاتب عنها، وانتقال الطوطمية إلى المسيحية عبر اليزيدية أو المزدكية، والإنوماإليش التكوين السومري، وعلاقته بمعبد لالش.
اللامع فوق الجبل
الحقيقة أن هناك الكثير من التفسيرات، والفرضيات بأن نابو، هو إنزو، أو زوو، فقد أورد العلماء، ومن هم زكريا سيتجن (2) الذي لم تترجم للعربية بكل كتبه فما فيها كتابه مواجهات قدسية بقوله: كان نينورتا صياداً ماهراً، إله معارك من منذ ولادته، وأعظم معركة بطولية أحرزها، كانت لصالح والده إنليل، وهي تلك المعركة الكبيرة التي حصلت بينه وبين الطائر زوو الذي يلقب مرة بالشي...، ومرة بالحكمة، وقد نال نينورتا على أهميته البالغة عندما أمسك بزوو، وهذه العملية ميزت بطولته بعلامة فارقة، لأنه أنقذ الآلهة بما فيهم والده إنليل، وجده اآنوو معاً. وإنزو هو إله من الدرجة الثانية بعد مراتب آنو أكبر الألهة، وإنليل وابنه نينورتا – ننار – نابو البهي، وإنكي، فقد وجد الإلهة النبلاء أنهم لكي يستخرجوا الذهب من مجاهل أفريقية، ومناجم جبال عمان، أن يدعو قوم الإجيجي تحت قيادة الإله زوو، أو إنزو، ومرت سنين والإجيجي ينقلون الذهب لمركبات كوكب نيبيرو الفضائية، لترحل بالذخائر، وتعود فارغة إلا من ركاب معينين، ومن غير توقف حتى ملّ الأجيجيون فتظاهروا وأضربوا، فجاء مقترح من الأخوين غير الشقيقين إنليل، وإنكي في مجلس حكماء نيبيرو "الكزكل اذي سميت مدينة نيبور على اسمه"، أن تقوم اإلهة نينما بخلق إنسان أرضي على شاكلتهم: بقول آنو لنصنع إنسي على صورتنا؛؛؛ وتم تخصيب إناث الإبس، أو نساء الينديرتال، لتكون الصورة أقرب، ولكن سيتجن يصر على فصيلة القرود العليا الإبس، وولد آدم السومري في أنبوب اختبار كما مرسوم على إحدى الرقيمات، مما أغاض إنزو، وقومه الفقراء، فأرد أن ينتقم، وجعل يتقرب من إنليل حتى نال جزء من مراده، ولم ينجح في كامل هدفه: وتبدأ الحكاية بأن إنليل كان قد كلف زوو بحراسة بوابة معبد إي كور في نيبور ليحرس ألواح القدر المخفية في المعبد، والتي ائتمن اآنوو، إنليل عليها، لكن زوو كان واثقاً من نفسه، ومن هدفه أكثر ما كانت ثقة إنليل به، وهي أن عليه أن يزيح إنليل عن طريقه من خلال السيطرة على ألواح القدر وليدمر إنليل في الصميم.
وقد حدث ذلك في فرصة ترصد لها زوو، بعد طول انتظار، وتخطيط، فقد تمكن من فرصته عندما تعرى إنليل، ونزل إلى بركة السباحة كما اعتاد يومياً، تاركاً حاجياته على مدخل المعبد المقدس في مكان غير مأمون، وما كان من زوو إلا أن استولى على الألواح، وأخفى الملابس وهرب بمركبته الطائرة "موو"، فاختفى في مكان بعيد، وهو يعلم عواقب صنائعه الحمقاء قد بدأت تنتشر، وتظهر تأثيراتها، فعلى الرغم من أن إنليل ظل صامتاً، لكنه لما اجتمع الآلهة على الأرض، بناء على الأخبار التي شاعت عن القضية المؤسية أدرك كبر المصاب، ولما وصل الخبر إلى اآنوو نفسه، انزعج في مسكنه السماوي، ولكنه لما استعرض الأمر، استنتج بأن زوو لا بد أن يتلقى حساباً عسيراً، ويعاقب، فالتفت إلى الآلهة أولاده قائلاً: إن من يمحق زوو سيكون من أجّل الآلهة وأقربهم إليّ.
أما خطورة استحواذ زوو على الألواح فتكمن في قدرتها العجيبة للدفاع عمن يحملها، والحائز عليها، فهي تؤهله بقدرة من أن أياً ممن يتقدم لأخذها منه فلسوف يحيله زوو بقدرة الألواح إلى طين. لهذا اقترح إنكي أن يكون نينورتانابو هو الذي يقوم بهذه المهمة الخطيرة، وقد تبين للآلهة في اجتماعهم بأنهم لن يتركو ملاحظة إيا إنكي الواضحة جانباً. كما تعجبت الآلهة من أن نينخورساغ "أو: نينماخ- السيدة العظيمة"، التي كانت تخاف على ابنها نينورتا، فحذرته، وأوصيته: بأن الألواح التي بحوزة زوو تؤهل "الطائر زوو" أن يكون قوياً، وعلى نينورتا أن يتمكن منه بسرعة، وأن يضربه في المقتل. وإلا فإن زوو سيسرقه من نفسه "كما سرق الألواح"، من أبيه إنليل. ولما دارت المعركة، كان نينورتا كلما صوب سهامه، فـإنها كانت تجانب زوو ولا تصيب جسده، لأنه ممسك بألواح القدر بيده، وغالباً ما كانت الأسهم تتوقف بمسافة وسطية بينهما عند انطلاقها، وبهذا وصلت الحال إلى حرب بلا نتائج. وفي هذه الظروف، وخشية أن يطال الوهن نينورتا، ويتولاه التعب، نصحه عمه إياإنكي بإضافة عنصر الـ"تلل-لووم" لسلاحه، وهو بالتأكيد سلاح محرم وقتها، وقام نينورتا بإطلاقها على مركز قدرة زوو على الطيران، فلربما كان يشير هنا إلى عجلات مركبة زوو "موو" الصغيرة، أو على أجنحته. وباتباع نينورتا لهذه النصيحة، وفي الميدان رمى نينورتا سهامه على زوو في الموقع المركزي لطيرانه، بسهامه المزودة بمادة الـ"تل- لووم" فأصابته فيها واندحر زوو، وعادت الألواح إلى إنليل.


صورة:
الإله الطائر زوو، أو إنزو، وأزعم هو الطاؤوس "الملاك الطاؤوس- طاوسملك"

فمن هو الطائر السحري يا ترى
فمن هو زوو نفسه، هل هو طائر أسطوري كما يُشير العلماء. عملياً فإن باستطاعة زوو أن يطير بفعل "موو"، كما يطير الإنسان اليوم بالطائرة، وكذلك كما يفعل رواد الفضاء حين يطيرون في الفضاء الخارجي، أو وهم داخل المركبات الفضائية؛؛ نينورتا هو الآخر استطاع الطيران للحاق بزوو لما دارت المعركة بينهما، ولهذا لن، ولم يكن زوو بطائر شرير، أو طائر شيطاني فحسب، وإنما هو إله كما تصوره الرسوم القديمة، وله القدرة على الطيران، ربما أكثر من غيره من الآلهة، والسرافيمات، والشيرابيمات، وآرشيجيلات، ولربما هو إله يستخدم طائر جني يخدمه في طيرانه، يوظفه عندما تدعو الحاجة لذلك، وكلها افتراضات ومنها فلربما كان زوو نفسه ممن استخدموا المركبات الفضائية في بواكير استخدامها للهرب، وليس للنقل، لأن المعلومات التي حللها العلماء لم مكتوبة في الرسومات المصورة، وإنما كانت عبارة عن رسم لسهم، أو كصاروخ.
لذا فإن زوو هو أحد الآلهة الذين كان لهم أسبابهم ليخططوا لتدمير مملكة إنليل في نيبور، ولهذا السبب نفسه كان نينورتا هو الأكثر أحقية، أو المفوض، أو ربما من يقع عليه الواجب الأول للدفاع عن والده، ومملكته، لأنه الوريث الأول لعرش إنليل نفسه، وهذا يبين أنه حتى بين الألهة ذلك الزمان مراتب، وطبقات، فيكون نينورتا من طبقة الألهة النبلاء، وإنزو من طيقة آلهة الفقراء لو جاز التعبير، ولهذا صارع نينورتا إنزوو ودحره... غير أنه يرد في الأدبيات البابلية بإن مردوخ هو الذي حل محل نينورتا في دحر زوو في الأسطورة التي تقمصتها الرواية البابلية، وهذا ما يؤكد أطروحتنا بأن التناقل لا يتم بحذافير الأمور، وإنما للزمن والمكان فعلهما، وللشعب أن يختار بطله القومي، وربه المناسب لنفس القصة، وتعميقاً للأسطورة في الذاكرة الشعبية وقتها. فيضع البطل، والرب، والحدث بدائل في أسطورتهم، وحكايات أبطالهم. لهذا تحول اسم نينورتا إلى ننار أو "نان نار " اللامع، أو المضيء في الأدبيات الأكادية على أن "سنّ" القمر. وهو الابن البكر لإنليل، ربما يتوافق إلى حد ما، أو يتضارب مع اعتبار نينورتا هو الابن البكر، ما لم يكن ننار هو كنية ثانية لنينورتا نفسه، وعليه فإن هناك دراسات كثيرة حول ترادف الأسماء، وازدواجيتها، وربما حلول أحدها مكان الآخر بفعل ما أوردناه من رغبات الأمم لصنع تاريخ، وبطل مجيدين لها، وتبدل إلى الإله الحكمة نابو(3).
ولعل طقس جولة القوالين مع سنجقهم، هو استمرار تلك الرحلة التي كان فقراء سومر يطوفون بتمثال إنزو الذي اغتاله نينورتا، لكي يذكروا أقوامهم بغدر الآلة النبيلة، والتي تجلس على عروش المعابد، وباعتقادي أن هناك على الأقل معتقدين سائدين في العراق القديم معتقد يختص بالنبلاء ومن لفهم، ومعتقد شعبي للفقراء، كما أسلفت/ ولكل إلهه، ولربما اجتمع الاحتفالان في يوم واحد: احتفال النبلاء بانتصار نابو – نينرتا، واحتفال الفقراء باغتيال من كان سيحل محل آنو لو نجح في فك رموز ألواح القدر التي سرقها من إنليل، والإله إنزو.
الطائر الطاوؤس
إن رحيل الاسماء أسوة بالحكايات عبر آلاف السنينِ، ومئات الآلاف من الأميال لتتشكل في أسطورة لشعب ما، وتبقى لديه كتراث يفخر به، وكأن الذاكرة الشعبية التي حفظتها، والراوي المجهول، والكاتب غير المعلوم قد ابدعوها من نفسهم، لنفسهم من غير مرجعيات، ولكن منابع الفكر كما يقول العلماء مصادرها واحدة، فلو عاشت جماعات اجتماعية، في ظروف بيئية متشابهة رغم الابتعاد زمنياً، ومكانياً، فلسوف تفرز العقلية الإنسانية لنتائج موحدة، ومتقاربة في أدبياتها، ومع توافق بعض النظريات مع هذا، إلا أنها تحتلف، وربما تتناقض في جزئياته، لأنها تحتكم إلى أهمية التناقل في الذاكرة الجمعية، وتتناثر من خلال الأنثروبولوجيا، لا يحدها حدود، ولا معتقد محلي زائل، أو موجود، فالتأثيرات الأنثروبولجية تسير مع هواجس المرء، وليس بمبادئه، ومعتقداته، وبخاصة العامة من الشعب، خاصة تلك التي تتعلق بالتقاليد المرتبطة بأسلوب العيش، وأماني الناس في البطولات، والخوارق، فكثير ما تجد بعض المتدينين يتعلقون بممارسات خرافية لا تمت للدين بصلة، كتقديم النذور، وحرق البخور، التي لا تتخذ بالضرورة نفس المساقات، ولكن بمعتقدات ذات جذور واحدة تفزر معاناتها بأشكال أدبية تتوافق وعقليات العصر، في قصص، وخرافات، وأساطير، يحار البعض في كيفية تقادمها، وانبثاقها بين حين وآخر بين المجتمعات، وكأنها وقائع مادية معاشة، أو أن من لا يزاولها سوف تلحق به أمور غير محسوبة عواقبها: لعلنا بضربنا مثالاً مقارناً هنا على جزئية متواردة بين نمطين أسطوريين من عصرين مختلفين هو الذي يفيد القارئ، ويعمق ما نود الوصول إليه، ألا وهو موضوعة الألواح القدرية في الميثولوجيا السومرية، وتكرارها في سير عربية قديمة، لعلنا لا نخطئ حين نقول: فكما رحلت الأنثروبولوجيا في معتقدات العبريين، واليزيديين، ومنهما إلى النصارى المسيحيين، فإنها رحلت عبر الرواة، وبخاصة رواة السير، وأهمها ما دون في سيرة سيف بن يزن، وهي من أقدم روايات الخيال العلمي، بعد ملحمة غلغامش، وبطلها غلغامس الباحث عن سر الخلود، فإن ملحمة سيرة سيف بن ذي يزن المدونة قبل أكثر من ألف ومائتان سنة، وربما أكثر، لأنها كرواية على الألسن تعود لما قبل الميلاد، وعمرها المروي يتجاوز العدة مئات من السنين، قد يرقى إلى القرن الرابع أو الخامس ق.م، وآخر تدوين حصلنا عليه منقول عن مخطوط قبل أكثر من مائة سنة، وفيها أي في السيرة تتكرر مسألة الألواح، وتبدو واضحة في ثنايا السيرة طولاً، وعرضاً على صفحاتها الـ 1338، بل وتكون لحمة مؤثرة في بعض أحداثها المعقدة، والمشوقة في عين الوقت، وهذه الألواح تتعلق بسيرة، ومصير الجني المرصود لدى سيده، ورغم أن السيرة اليزنية منشورة في إطار قريب من الكتابات الثيولوجية، وبحدود دوغماتية، لكن مسحتها العامة هي لمعتقدات العديد من الشعوب القديمة في أرض الرافدين، ووادي النيل، وفارس، وحتى بعيداً في وادي السند، وهناك ما هو من مسلمات تلك العصور، أن يطير الجني، وهو من بقايا الألهة الصغار، ليحمل إنسان مثل سيف، أو وم. لهذا تعال معي أيها القارئ لندخل في الحكاية الأولية، ونرى انعاسكها في السيرة المذكورة، وزهجته على ارتفاع مائة الأمتار، ولمسافات آلاف الأميال كما فعل كل من إنزو ونينورتا، وكانت عشتار تزاولها، ومما لم يقدر عليه غلغامش، وثلثاه من أمه الإلهة نينسون، وهكذا نرى فعل أنثروبولوجيا الأقوى في ضمير الشعوب، وبحسب ما تختاره، ومن ثم تقوم لتدوينه، وكأنه تراثها، وسمة من سمات تاريخها، ومن هنا يحق لنا أن نقول مؤكيدن ما ذهب غيرنا، ومنهم الأستاذ فرحان بأن ما نقل إلى القومية اليزيدية هو بالأساس من العناصر الرئيسة، ولكن النقل حصل بالطريقة، والأسلوب الذي اختارته هذه الأمة لنفسها، وليس كما يحاول الباحثون لوي عنق التاريخ، وتقريب كثير من الأمور الآن حسب المشتهى وليس للضرورة التاريخية والعلمية، ونقول أن أكثرها اجتهادات، وفرضيات لا تركن إلا إلى شواهد منتقات، ورغم أن ما تم تدوينه عن القوم اليزيديين لا يعد على عدد الأصابع، وبالرغم من حداثة البحوث، لأن مجرد التفكير في البحث كان قبل خمسة أوربعة عقود من المحرمات، وقد رسمت حولها تابوهات، بل إن اليزيديين كانوا يعيشون في شبه غيتوهات، لا يحتكون بغيرهم إلا من خلال المؤاخات أي ما يسمى بـ"الكيريف" أي العراب، لكن يمكن لمن يحتك بهم أن يجد الكثير من التقاليد الأخلاقية العظيمة لديهم، ويجل مستويات تدرج الحكماء بمراتب معززة، ومقدرة تجتمع على قيم أخلاقية عريقة متوارثة لم يفهمها حتى المقربين، ولربما كانت النظرة الاستعلائية عنهم من جهة، وغموض دوغماتهم، جعل الكثير من المتبرعين بتفسيرات مجحفة حول قيمهم، وتقاليدهم مما أساء فهمهم، وألحق الكثير من الاجحاف بمكانتهم التاريخية، والمعنوية، وبخاصة ما كان يشاع عن أعيادهم، وطقوسهم الهامة.
البراتة صارت جسد المسيح
إن بحث الأستاذ أمين فرحات الأحدث له أهميته في هذا السياق فيقول: "إن يوم اﻷربعاء مقدس لدى اﻷيزيدية ويعد عطلة اﻷسبوع وهو يوم طاوسملك ويرمز له بكوكب عطارد كما هو لدى البابليين وهو يوم اﻹله نابو ويرمز له بكوكب عطارد ويعد عطلة اﻷسبوع أيضا" (4). لكن من يقرأ أسطورة الخليقة السومرية يجد العديد من التداعيات ليس في العقيدة اليزيدية "المزدكية" لو جاز التعبير، وإنما لدى الصابئة (5) والعبرايين، والمسحيين كذلك، وأهمها ما برز في الطقوس المسيحية، أقناء صلاة القداس في كل يوم، أو ليوم الأحد بشكل خاص، وقد يستغرب البعض بكيفية رحيل الطوطمية إلى المسيحية من خلال طقس التناول، وفعل أخذ لقمة البرشمامة، وشرب لحسة الخمر بعدها، وما سبقها من تحضير الذبيحة المقدسة (6)، وهذا ما يتوافق مع الكثير من الطقوس اليزيدية، وتتطابق وقول الأستاذ فرحات: "نشأ اﻹله الوثني من الطوطم القبلي وأستمر تجسيد اﻵلهة البابلية محافظا" على صفات منبتها فكل إله له حيوانه المقدس الذي يرمز إليه والذي نشأ من الفتشية (الرقية - عبادة الرقي ) البدائية. ومعلومة لكل باحث في أصول الديانات، وتطورها حسب الأنظمة الاقتصادية التي تفرض مقرداتها ليس على الغة فحسب، وإنما على الطقوس، فمجتمع الصيد طقوس غير مجتمع الرعي والزراعة، وما إليها؛؛؛ وفي هذا السياق فﻼ ضير بأن يرمز لﻺله نابو بطائر الطاووس أسوة ببقية اﻵلهة التي كان لكل منهم حيوانه المقدس الخاص (7)؛؛؛ ويضيف الأستاذ فرحان بالقول: وتجري العادة قيام أحد رجال الدين من أفراد طاقم السنجق بتعبئة الشيربك بالماء النظيف ومن ثم يتجول بين الجموع بهدف شربهم الماء المقدس الذي هو بداخل الشيربك ومن يحصل من الجموع على قطرة ماء منه فأن اﷲ سيغفر ذنوبه ويوفق أعماله فضﻼ"عن آونه سيصبح محظوظا" طوال الفترة الزمنية التي تسبق قدوم السنجق مرة أخرى، وهذين التقليدين اللذين يشكﻼن بدورهما تقليدا "واحدا" لدى السومريين واﻷيزيديين كلاهما يدخﻼن إلى نفس المحتوى و الهدف، وهي على العموم بدائل واضحة لما جرى تطويره لمجتمع المسيحي الروعوي الذي يرمز للضحية بالحمل، وللقداس بالذبيحة الإلهية، وللجسد ببرشام الخبز، بدلاً عن البراتة الكلسية التي تذاب بالماء، وجرعة الماء بجرعة النبيذ.
أما عن لالش فيضيف الكاتب: إن أسطورة الخليقة البابلية إنما - إلش ( معناها :عندما في العﻼ )، وﻻلش (بمعنى العﻼ ) في الموروث الحضاري والديني اﻷيزيدي يرمز إلى المعبد الديني اﻷيزيدي الرئيسي في العالم وما يزال عدد كبير من آبار السن من قبيلة الهبابات اﻷيزيدية في سنجار يلفظها (الش) عوضا" عن (ﻻلش)،؛؛؛ ويحق لنا هنا أن نصحح معلومة لفرحان بأن "إنماإيلش" هي قصة الخليفة السومرية التي تمثل التكوين التواراتي، أو الجينسي، وليست بمعبد: وهي مونفيستو الخليقة، هي سردية ملحمية عن انفصال إبسو المياه العميقة عن تيامت العتمة والسديم، وبحروبها من أبنائها، وأحفادها شطرها آنو مرة في أدبيات سومر، ومرودوخ مرة ثانية في أدبيات بابل وآشور إلى قسمين لتتشكل منها الأرض والسماء، وما إليها من ميثولوجيا الخليقة التي لا تنتهي لا بولادة لخمو ولخامو، ولا أنشار، ولهار؛؛؛ ولا بأولادهما وأحفادهما، وإنما وصلاً لذوي الرؤوس السود من العمالقة السومريين "للبحث صلة".
الخاتمة
وعند العودة إلى تفسيرنا لاسم مدينة، وجبل سنجار ليس أكثر من مقاربة استحثتنا لنجلب الأمثلة العديدة أعلاه، وللتأكيد بأهمية الأنثروبولوجيا وديمومتها في الذاكرة الشعبية، ولما تتقادم الأزمان، ويموت المفسرون، أو من يعرف معاني الأشياء، والأسماء، تصبح الطقوس ذات رموز وكودات يصعب على الإنسان العادي فك أسرارها، لربما يحلو له غموضها، وعلى هذا المنوال يكون جبل القمر سنجار هو الجبل اللامع، لننار، نينورتا، أو نابو، فقد كان يحلو لكل مدينة أو جبل من أهل العراق القديم أن يسموا آلهتهم بكنية القمر المستدير، وليس الهلال "لأن الهلال له معاني أخرى تلتقي مع قرون الثور، وهو ثور إنانا عشتار السماوي" ولربما يكنى القمر بأسماء مختلفة اللفظ، ولكن بنفس المعنى حتى وصلوا إلى أدد عند الآشوريين، وحدد عند العرب القدامى، ويمكن أن نجتهد فنسمي سنجار بـ"دادكور، جبل حدد"، جبل أدد، ويحق أو لا يحق لتسمية أربيل "أربه إيللو" الأربعة آلهة، بهولير، إذ ربما يأتي من يفسر لنا ماهية هولير نفسها نسبة للألهة الأربعة (للبحث صلة).
الهوامش:
(*) مدينة عراقية تقع منطقة البادية الشمالية "شمالغرب" العراق قريبة من الحدود العراقية السورية، وباسمها دعي جبل سنجار، ويطلق لهجة من يتكلم الكردية بين سنجار، وجنوب تركية بلهجة شنككالي الكردية، أشهر ما تتمثز به من من ثمار هو التين، وأجوده تين مدينة كرسيه.
(1) كتاب القومية الإيزيدية، تأليف: أمين فرحان جيجو، بغداد 2010: لنا مراجعة للكتاب القيم فيما يتعلق بالجوانب المضيئة والتي تتعلق بالأنثروبولوجيا وانتقالها على كافة الأصعدة الاجتماعية والعقائدية، والممارسات اليومية، لكن المؤلف لم يتأنى في جوانب أخرى كتشبيه الأجناس مثل نسب الريزيديي للسومريين وفي الصورة يرينا صورة لتمثال أكدي، وبمقارنة العمارة للمعابد اليزيدية يرينا برج بابل، وليس الزقورات، لكن بحثه في الجوانب ألأخرى تحتاج لوقفات طويلة. ويضيف المؤلف: وفي العصر البابلي الحديث تجددت الحماسة لعبادته وتقديسه كما حدث بالنسبة لﻺله مردوخ. كما يقول أيضاً: ومتى دعي نابو باسم طاوسملك وتحت أي ظروف جرى ذلك، ان اﻻسم كان أحد اﻷلقاب التي يلقب بها نابو منذ زمن، ولعل اﻻسم هو لقب نابو اﻵرامي، وان أبعد ما وصلنا عن طاووس ملك هو ما جاء في المدونات المندائية من ان ملك النور ( ملكا دنهورا ).
(3) مرجع سابق (كتاب القومية الإيزيدية) ويرمز لديانة اﻷيزيدية بكوكب عطارد للملك عزرائيل (طاوسملك) ويومه هو اﻷربعاء آما ترمز بالقمر للملك دردائيل (شيخ سن ) ويومه هو اﻻثنين وترمز بالشمس للملك اسرافيل (شيخ شمش) ويومه هو الثﻼثاء وهذه المشترآات نابعة من مصدر واحد هو المعتقدات الدينية البابلية ومنها تجذرت الديانة اﻷيزيدية.
(4) مرجع سابق (كتاب القومية الإيزيدية) يضيف المؤلف: وإن أهم ما تدل عليه قدسية يوم اﻷربعاء وارتباطه بطاوسملك هو أنه يوم نابو في الديانة البابلية ذلك أن عطارد يمثل اﻹله نابو أيضا وما يؤيد ذلك بصفة خاصة هو الصفات التي يسردها الجدول لشخصية عطارد في المعتقد البابلي و هو شاب يركب طاووسا" وبيمينه حية التي هي رمز الحكمة و من خواص نابو آما هي من خواص الديانة اﻷيزيدية و نحت الحية القائم على مدخل معبد الشيخ عدي بن مسافر (ع) في ﻻلش (المعبد الديني الرئيس للشعب اﻷيزيدي ) كان معموﻻ" به في المعتقدات البابلية أيضا حيث أن الحية كانت تستخدم لحراسة المعابد.
(5) الصابئة المندائيون، محمد الجزائري:المعهد الملكي للدراسات الدينية، عمان – الأردن عام 2000.
(6) راجع كتابنا الموسوم درامية السير الدينية، مركز الحضارة العربية بالقاهرة 2004، يتضمن على مراجع تتعلق بطقوس اليزيديين، وكملخص شاهد:
درامية السير الدينية: http://www.youtube.com/watch?v=_NO6jJjmx08
(7) مرجع سابق (كتاب القومية الإيزيدية). ويضيف: إن الطقس الديني الذي يقوم به المجتمع اﻷيزيدي إلى يومنا هذا والمتمثل بضرورة تجوال السنجق ( الطاووس ) مرة كل عام على أقل تقدير بين المــدن والقصبات اﻷيزيدية يستمد تماما". الطقس الديني البابلي الذي كان يدور حول استقبال الشعب البابلي لتمثال اﻹله نابو الذي كان يجلبه من معبد أيزيدا ببورسيبا إلى مدينة بابل في عيد أكيتو؛؛؛ إلخ.
(8) مرجع سابق (كتاب القومية الإيزيدية) ﻻلش النوراني، قبلة الشعب اﻷيزيدي من ناحية العقيدة الدينية هي الشمس ؛؛؛؛ واعتبرت الشمس والقمر والنجوم والضوء والنار وآل ماله عﻼقة بالضياء من تجلي المقدسة، وللشمس منزلة خاصة ومتميزة حيث تعتبر إحدى أشكال تجليات اﷲ وبهذا فأن الديانة اﻷيزيدية هي من الديانات الشمسانية التي انتشرت في بﻼد الرافدين وسوريا وآسيا الصغرى واﻷناضول حيث انتشرت معابد الشمس في حمص وبعلبك وحلب والحضر وبابل وآشور والوركاء وماردين.
للمزيد راجع موقعنا بالعربية والإنجليزية على: في 3آب 2011
https://sites.google.com/site/faroukohan/
https://sites.google.com/site/sinjarandapples/
أو على البريد الإلكتروني: drfohan@gmail.com
ملاحظة: فقد ضمنت المقالة صورة الإله إنزو "طاؤوس لملك" فإن لم تظهر لديكم في المتن أرجو اخباري للأهمية. وكيفية ارسالها إليكم، ربما عن طريق مرفقة لبريدكم الإلكتروني المباشر، لو ترسلوه إلي عاجلاً.