المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ارشد حمد محو : سنجار في مذكرات الرحالة والاثاري البريطاني هنري لايارد



bahzani
11-24-2013, 18:29
سنجار في مذكرات الرحالة والاثاري البريطاني هنري لايارد





ارشد حمد محو


مدرس التاريخ المساعد في جامعة دهوك




تعتبر كتب الرحالة الاجانب مصادر مهمة لدراسة جوانب عدة من تاريخ الكورد الايزيديين الحديث ،ولا تكمن اهمية تلك المصادر في كثرة عددها فحسب وانما في مادتها التي تناولت جوانب مختلفة ومهمة من حياتهم اذ تفتقر اليها المصادر المحلية في الغالب، كما تشكل تلك المادة اهمية كبيرة للكتاب والباحثين والمهتمين بالشأن الايزيدي لكون العديد من هؤلاء الرحالة البريطانيين قد زاروا مناطق الايزيديين في جنوب كوردستان خلال القرن التاسع عشر وحتى نهاية الحرب العالمية الاولى ،وقدموا في كتاباتهم وصفاً شاملاً للكثير من جوانب حياتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعمرانية ،فاوجدت مادة تاريخية لها قيمتها في خلق صورة واضحة من تاريخ الايزيديين خلال تلك الحقبة التي شهدت تطورات سياسية مهمة سواء بالنسبة لعلاقاتهم مع الدولة العثمانية او مع القوى الكوردية المجاورة .


- عن الرحالة .

الرحالة والاثاري البريطاني هنري لايارد ولد في باريس عام 1817 ونشأ وأكمل دراسته في بريطانيا وايطاليا، عمل في السلك الدبلوماسي كموظف في السفارة البريطانية في استانبول ,وخلال الفترة ما بين (1840-1849) قام برحلات عديدة زار خلالها مختلف مناطق الدولة العثمانية ومنها مناطق الايزيديين في سنجار والشيخان، كان شغوفآ بالبحث عن الاثار الاشورية لذا أجرى تنقيبات عديدة حول أثارهم في الموصل ومدينة بابل التاريخية، حتى لقب ب "أبو الاشوريات" لأكتشافه العديد من الاثار التاريخية القيمة التي تعود للاشوريين، وخلال زيارته الى معبد لالش عام 1846 ألتقى بامير الايزيديين حينذاك حسين بك ( 1838 - 1879) و بابا شيخ شيخ ناصر الياس ( 1807 - 1889) ومنذ ذلك نشأ علاقة صداقة متينة بينهم حتى أصبح لايارد من اكثر رجالات الدولة البريطانية قربآ الى الايزيديين وهذا ما سهل لهم في كثير من الاحيان مهمة الاتصال بالسلطات العثمانية و سفراء البريطانيين في أستانبول.

نشر لايارد مذكراته و أعماله الاكتشافية الاثارية في كتاب قيم بعنوان ( نينوى و بقاياها ) صدر في باريس عام 1850، وفيها خصص فصلا كاملا للحديث عن الايزيدية وأوضاعهم الاجتماعية و السياسية وعلاقاتهم مع الدولة العثمانية وخاصة تلك الحملات العسكرية المتكررة على مناطقهم في سنجار و الشيخان ، وكان معاصرآ وشاهد عيان بالنسبة لعدد من تلك الحملات ودون مشاهداته و أنطباعاته عنها ، ووصف وصفآ دقيقآ و مسهبآ الاعمال اللانسانية والاضطهادية الذي كان يمارسه الولاة العثمانيين بحق الايزيديين.

في صيف عام 1846 رافق هنري لايارد حملة طيار باشا والي الموصل الى سنجار و كانت هذه الحملة على خلاف الحملات السابقة كما يؤكد لايارد تهدف الى التحقيق في جمع الضرائب ومظالم الوالي السابق بحق الايزيديين ، ومن خلال هذه الزيارة تسنى للايارد أن يطلع على اوضاع الايزيديين في سنجار ودون معلومات قيمة عن الحياة الاجتماعية والاقتصادية و السياسية لاهالي تلك المنطقة في تلك الحقبة المهمة من تاريخهم. في هذا المقال سنحاول ان ننقل بعض من مشاهدات وأنطباعات لايارد عن سنجار عند مرافقته لحملة طيار باشا وفحوى الرسالة التي بعثها الامير حسين بك و بابا شيخ معه الى زعماء الايزيدية في سنجار .


- وصف سنجار .

توجه لايارد برفقة الحملة العسكرية الذي كان يقودها الوالي طيار باشا بنفسه من الموصل باتجاه سنجارعن طريق تلعفر وعن ذلك يقول لايارد: "مررنا بتلال منخفضة ما بين قرية أبو ماريا وتلعفر حتى وصلنا سنجار، وخلال الطريق لاحظنا وفرة مياه الجداول وكثرة البساتين ومزارع السكان حيث كانت المنطقة غنية بمصادر المياه ، وكان هذا السبب وراء تعرضها الى الكثير من الحملات العسكرية من قبل العثمانيين" .

وبعد وصوله الى منطقة سنجار و تجواله بين قراها يشير لايارد بان قراهم وبيوتهم كانت على نمط وأسلوب واحد من البناء أذ يقول : ان معظم القرى في سنجار مبنية على نمط عمراني موحد ، حيث تقع اما على سطوح التلال المرتفعة او في الوديان العميقة بعيدة عن الطرق الرئيسية ويعلل الرحالة نفسه سبب ذلك الى محاولة سكانها لحماية قراهم من غارات الجيش العثماني المعتادة على مناطقهم .

كما وأبدى الرحالة لايارد أعجابه بمنازل الايزيديين في سنجار اذ يصف بأنها نظيفة ومرتبة بشكل كبير وذات سطوح مسطحة وتحتوي معظمها على عدد من الغرف ذات جدران مطلية بالطين الممزوج بالتبن، وتوجد في كل هذه الجدران كواة لغرض حفظ الادوات المنزلية والرموز والمقدسات الدينية، بالاضافة الى ذلك كان الاهالي حسب قوله يهتمون كثيراً بتزيين جدران الغرف بتعليق رسومات منقوشة على قطع من القماش ، مما كان يعطي مظهراً مميزاً للغرفة .

ومن المعالم العمرانية والحضارية المهمة التي اشار اليها الرحالة لايارد في مدينة سنجار هي بقايا من سورها القديم، فقد المح الى وجود هذا السور في المدينة بقوله : "جدار قديم او حائط قوي البنيان مثبت بخندق محفور بالصخر الصلب" ، وتؤكد المصادر ان سور سنجار هو من اهم بقايا اثار العهد الروماني وان اسلوب بنائه يشبه الطراز المعماري الروماني في بناء الاسوار الذي كان يستخدم فيه الكلس و الحجر المهندم ( المنقش ).


- لايارد يحمل رسالة الى زعماء و وجهاء سنجار .

قضى لايارد ثلاثة ايام بين الايزيديين في معبد لالش أثناء عيد التجمع ( جةما ) لعام 1846 ومن ثم رجع الى الموصل حيث مقر اقامته حاملا معه رسالة من امير الايزيدية حسين بك و بابا شيخ ناصر الى زعماء سنجار وكانت تتضمن طلب الامير و بابا شيخ لأهالي سنجار أبداء المساعدة للايارد و الاعتماد عليه في التوسط لدى السلطات العثمانية في الموصل لصالحهم . (ونص الرسالة المترجمة باللغة الانكليزية منشور في كتاب لايارد... نينوى و بقاياها ). حيث تبدأ بعبارات التحية و السلام الى وجهاء و رؤساء العشائر الايزيدية في سنجار و تذكر أسماء بعض منهم وبعض رجال الدين و المتنفذين في المنطقة حينذاك ،وخصوصآ (عيسى أغا رئيس عشيرة مهركان ) و يطلب منهم بابا شيخ بصفته الدينية أن يتعاونوا مع الرحالة لايارد في رفع مطاليبهم و شكواهم الى السلطات العثمانية بهدف أيجاد حل يرضى الاطراف المتحاربة في سنجار وتحقيق نوع من الاستقرار الامني و السلام في المنطقة .

وحسب ما جاء في مذكراته كان لايارد حريصاً على أنجاز هذه المهمة بهدف مساعدة الايزيديين و التوسط بينهم و بين السلطات العثمانية لتخفيف معاناتهم ، غير ان الافق كان يخبىء كارثة أخرى و تحديداً في قرية مهركان حيث أطلق بعض أفرادها النار على الوفد وأردت أثنين منهم قتلى وبذلك قضت الحادثة على كل الامال للتوصل الى حل بين الايزيديين و العثمانيين و لم يتمكن لايارد أيصال رسالة الامير و بابا شيخ الى السنجاريين.





- حملة طيار باشا على سنجار كما يرويها لايارد .

كتب لايارد في مذكراته ان طيار باشا حاول منذ تسلمه منصب ولاية الموصل عام 1846 أن يتبع سياسة أقل حدة تجاه الايزيديين وخصوصاً في سنجار حيث كان سكانها يعانون أشد المعاناة من أعباء الضرائب الحكومية الكثيرة التي أثقلت كاهلهم ونتائج الحملات العسكرية المتكررة على مناطقهم .

وبعد أطلاعه من قبل الرحالة لايارد على مطاليب الايزيديين والتي كانت تتركز في تخفيف عبء الضرائب عليهم كتقدير من الحكومة لظروفهم جرأء الاضطهادات التي تعرضوا لها منذ مدة طويلة بدأ الوالي يشعر بمعاناتهم، وبهدف التحقيق من ذلك قرر أن يتوجه الى سنجار على رأس قوة عسكرية والنظر الى المظالم التي أرتكبها الوالي الذي كان قبله في حكم ولاية الموصل – وكما أشرنا – رافق لايارد هذه الحملة الى سنجار و معه رسالة امير الايزيدية و بابا شيخ ناصر.

وبعد وصولهم الى سنجار و قبل الدخول الى القرى الايزيدية طلب الوالي من زعماء الايزيدية الحضور الى مقابلته بعد أن خيم مع جنوده تحت السفح الشرقي لجبل سنجار ، ألا انه و بسبب عدم وجود الثقة المتبادلة بين الايزيديين والسلطات العثمانية وخوفآ من الوقوع في الاسر تحت أمرة والي الموصل رفض وجهاء السنجاريين مقابلته، و عند ذلك امر الوالي بأرسال وفد من برئاسة احد معاونيه و معه الرحالة لايارد وعدد من الجنود الى قرية مهركان، و يقول لايارد : عندما أقتربنا من القرية أستقبلونا بوابل من الرصاصات و أطلاق نار وقتل على اثرها أثنين من الجنود وجرح عدد أخر مما اغضب طيار باشا كثيرآ فامر باكتساح القرية وعلى الفور هاجم الجيش العثماني الذي طالما كان ينتظر الفرصة لنهب و سلب ممتلكات الاهالي الذين فروا من القرية باتجاه الجبل وأختبئوا في كهوفه بأعتباره مكاناً معتاداً كانوا يلجأون اليها في هكذا ظروف .

وأستمرت المعركة خلال ذلك اليوم حتى الليل أبدى فيها رجال الايزيديين من قبيلة مهركان مقاومة كبيرة ضد الجيش العثماني في تلك المعركة و الذي كان الوالي طيار باشا يشارك بنفسه فيها، ألا أنه أضطر الى الانسحاب من القرية و المناطق الجبلية الى معسكره في شرق المدينة بعد ان حمل جنوده رؤس المقطوعة لضحايا الايزيديين وعروضها امام الملأ كدليل على أنتصارهم الكبير على المهركانيين .

وفي اليوم التالي - حسب ماذكره لايارد - تجددت المعارك بين الطرفين ومرة اخرى أبدى الايزيديين مقاومة عنيفة بل و كبدوا جيش الوالي خسائر كبيرة عندما حاول أحد قواده الوصول الى تلك المناطق الجبلية و الكهوف التي كانت تستخدم من قبل الايزيديين كملاجىء للأختباء فيها ومن ثم القيام بهجمات مباغتة على الجيش العثماني، وتم هزيمة جيشه من قبل ( عدو مخفي ) – حسب تعبيره – وكان جنود العثمانيين لايرون المقاتلين المهركانيين بين الاحجار ألا من خلال دخان بنادقهم وأستمرت المعركة على هكذا الحال حتى الليل دون نتائج لصالح احد الطرفين ، وكانت الغنائم الوحيدة لهذه المعركة الضارية غرائر من التين الجاف اذهلت الوالي طيار باشا مع رؤوس من الماشية وممتلكات اخرى أرسلها الوالي الى أستانبول .

وقد لاحظ لايارد حماسة الوالي في المعارك بالرغم من ان معاونيه قد أقترحوا عدة مرات وقف القتال و الانسحاب ألا ان طيار باشا أكد على أن الايزيديين خارجون عن القانون وحاول بث روح الحماس الديني بين جنوده بتأكيده على أن الايزيديين مرتدين عن الدين الاسلامي وقتالهم واجب ديني مقدس ، وشارك بنفسه في اعمال نهب ممتلكات الاهالي و حرق البيوت ، ويذكر ذلك بالقول : حتى الباشا الطاعن في السن بشعره الاشيب و خطواته المترنحة كان يسارع هنا و هناك بين بقايا الخرائب التي تنبعث منها ألسنة النيران و الدخان وهو يسارع في اشعال النيران بالبيوت .

يظهر بوضوح من سياق احداث هذه الحملة فقدان الثقة المتبادلة بين الايزيديين وولاة الموصل ، وهذا ما ذكره مصادر اخرى معاصرة عند تناولها احداث هذه الحملة ، فعندما طالب طيار باشا مقابلة زعماء قبيلة مهركان ، نلاحظهم متمسكين بموقفهم الرافض لذلك وخاصة ان المظالم و النكبات التي تعرضوا لها على يد الحكام العثمانيين السابقين لاتزال حية امام اعينهم ولهذا رفضوا مقابلة الوالي ، وقد دلت الاحداث على مدى الشدة و القسوة و العنف التي أستخدمت ضد الايزيديين في سنجار ....











- للمزيد من تفاصيل الرحلة راجع كتاب لايارد باللغة الانكليزية :-

- Nineveh and Babylon a narrative of a second expedition to Assyrian during the year 1849 – 1851, (London: 1867) .